سورة
اية:

يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ

تفسير بن كثير

هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده في هذه الأوقات المتعاقبة، الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، عند المساء وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح وهو إسفار النهار بضيائه، ثم اعترض بحمده مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال تعالى: { وله الحمد في السموات والأرض} أي هو المحمود على ما خلق في السماوات والأرض، ثم قال تعالى: { وعشيا وحين تظهرون} فالعشاء هو شدة الظلام والإظهار هو قوة الضياء، كما قال تعالى: { والنهار إذا جلاها . والليل إذا يغشاها} ، وقال تعالى: { والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى} ، وقال تعالى: { والضحى والليل إذا سجى} والآيات في هذا كثيرة. وفي الحديث: (ألا أخبركم لم سمى اللّه إبراهيم خليله الذي وفَّى، لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: سبحان اللّه حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون) ""أخرجه الإمام أحمد"". وقوله تعالى: { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة، فإنه يذكر خلقه الأشياء وأضدادها ليدل على كمال قدرته، فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والحب من النبات، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض، والإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وقوله تعالى: { ويحيي الأرض بعد موتها} ، كقوله تعالى: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون} ، وقوله تعالى: { وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} ، ولهذا قال: { وكذلك تخرجون} .

تفسير الجلالين

{ يُخرج الحي من الميت } كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة { ويخرج الميت } النطفة والبيضة { من الحي ويحيي الأرض } بالنبات { بعد موتها } أي يبسها { وكذلك } الإخراج { تَخرجون } من القبور بالبناء للفاعل والمفعول.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ وَيُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : صَلُّوا فِي هَذِهِ الْأَوْقَات الَّتِي أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فِيهَا أَيّهَا النَّاس , لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت , وَهُوَ الْإِنْسَان الْحَيّ مِنْ الْمَاء الْمَيِّت , وَيُخْرِج الْمَاء الْمَيِّت مِنْ الْإِنْسَان الْحَيّ { وَيُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا } فَيُنْبِتهَا , وَيُخْرِج زَرْعهَا بَعْد خَرَابهَا وَجُدُوبهَا { وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } يَقُول : كَمَا يُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا , فَيُخْرِج نَبَاتهَا وَزَرْعهَا , كَذَلِكَ يُحْيِيكُمْ مِنْ بَعْد مَمَاتكُمْ , فَيُخْرِجكُمْ أَحْيَاء مِنْ قُبُوركُمْ إِلَى مَوْقِف الْحِسَاب . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْل تَأْوِيل قَوْله : { يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت , وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ } وَذَكَرْنَا اِخْتِلَاف أَهْل التَّأْوِيل فِيهِ , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , غَيْر أَنَّا نَذْكُر بَعْض مَا لَمْ نَذْكُر مِنْ الْخَبَر هُنَالِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه . 21265 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ } قَالَ : يُخْرِج مِنْ الْإِنْسَان مَاء مَيِّتًا فَيَخْلُق مِنْهُ بَشَرًا , فَذَلِكَ الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ , وَيُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت , فَيَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ يَخْلُق مِنْ الْمَاء بَشَرًا , فَذَلِكَ الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت . 21266 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , قَوْله { يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ } الْمُؤْمِن مِنْ الْكَافِر , وَالْكَافِر مِنْ الْمُؤْمِن . 21267 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا جَرِير وَأَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ عَبْد اللَّه { يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ } قَالَ : النُّطْفَة مَاء الرَّجُل مَيِّتَة وَهُوَ حَيّ , وَيُخْرِج الرَّجُل مِنْهَا حَيًّا وَهِيَ مَيِّتَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ وَيُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : صَلُّوا فِي هَذِهِ الْأَوْقَات الَّتِي أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فِيهَا أَيّهَا النَّاس , لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت , وَهُوَ الْإِنْسَان الْحَيّ مِنْ الْمَاء الْمَيِّت , وَيُخْرِج الْمَاء الْمَيِّت مِنْ الْإِنْسَان الْحَيّ { وَيُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا } فَيُنْبِتهَا , وَيُخْرِج زَرْعهَا بَعْد خَرَابهَا وَجُدُوبهَا { وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } يَقُول : كَمَا يُحْيِي الْأَرْض بَعْد مَوْتهَا , فَيُخْرِج نَبَاتهَا وَزَرْعهَا , كَذَلِكَ يُحْيِيكُمْ مِنْ بَعْد مَمَاتكُمْ , فَيُخْرِجكُمْ أَحْيَاء مِنْ قُبُوركُمْ إِلَى مَوْقِف الْحِسَاب . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْل تَأْوِيل قَوْله : { يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت , وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ } وَذَكَرْنَا اِخْتِلَاف أَهْل التَّأْوِيل فِيهِ , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , غَيْر أَنَّا نَذْكُر بَعْض مَا لَمْ نَذْكُر مِنْ الْخَبَر هُنَالِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه . 21265 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ } قَالَ : يُخْرِج مِنْ الْإِنْسَان مَاء مَيِّتًا فَيَخْلُق مِنْهُ بَشَرًا , فَذَلِكَ الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ , وَيُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت , فَيَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ يَخْلُق مِنْ الْمَاء بَشَرًا , فَذَلِكَ الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت . 21266 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , قَوْله { يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ } الْمُؤْمِن مِنْ الْكَافِر , وَالْكَافِر مِنْ الْمُؤْمِن . 21267 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا جَرِير وَأَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ عَبْد اللَّه { يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ } قَالَ : النُّطْفَة مَاء الرَّجُل مَيِّتَة وَهُوَ حَيّ , وَيُخْرِج الرَّجُل مِنْهَا حَيًّا وَهِيَ مَيِّتَة . '

تفسير القرطبي

بين كمال قدرته؛ أي كما أحيا الأرض بإخراج النبات بعد همودها، كذلك يحييكم بالبعث. وفي هذا دليل على صحة القياس؛ وقد مضى في "آل عمران" بيان { تخرج الحي من الميت} آل عمران : 27].

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الروم الايات 18 - 20

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أولاً: ما مناسبة الحديث عن البعث، وإخراج الحيِّ من الميت، وإخراج الميت من الحيِّ بعد الحديث عن تسبيح الله وتحميده؟ قالوا: لأنه تكلَّم عن المساء والصباح، وفيهما شبه بالحياة والموت، ففي المساء يحلُّ الظلام، ويسكُن الخَلْق وينامون، فهو وقت للهدوء والاستقرار، والنوم الذي هو صورة من صور الموت؛ لذلك نسميه الموت الأصغر، وفي الصباح وقت الحركة والعمل والسعي على المعاش، ففيه إذن حياة، كما يقول سبحانه:
{  وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً }
[النبأ: 10-11].

ويُُمثَّل الموت والبعث بالنوم والاستيقاظ منه، كما جاء في بعض المواعظ: " لتموتُن كما تنامون، ولتُبعثُنَّ كما تستيقظون ".

وما دُمْنا قد شاهدنا الحاليْنِ، وعايّنا النوم واليقظة، فلنأخذ منهما دليلاً على البعث بعد الموت، وإنْ أخبرنا القرآن بذلك، فعلينا أنْ نُصدِّق، وأنْ نأخذ من المشاهد دليلاً على الغَيْب، وهذا ما جاءتْ به الآية:

{ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ... } [الروم: 19].

وقوله تعالى هنا (الحي والميت) أي: في نظرنا نحن وعلى حَدِّ عِلْمنا وفَهمنا للأمور، وإلا فكُلُّ شيء في الوجود له حياة تناسبه، ولا يوجد موت حقيقي إلا في الآخرة التي قال الله فيها:
{  كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ... }
[القصص: 88].

فضدُّ الحياة الهلاك بدليل قوله تعالى:
{  لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ... }
[الأنفال: 42]

وما دام كلُّ شيء هالكاً إلا وجهه تعالى، فكل شيء بالتالي حَيٌّ، لكنه حي بحياة تناسبه. وأذكر أنهم كانوا يُعلِّموننا كيفية عمل المغناطيس وانتقال المغناطيسية من قطعة مُمغنطة إلى قطعة أخرى بالدَّلْك في اتجاه واحد، وفعلاً شاهدنا أن قطعة الحديد تكتسب المغناطيسية.

وتستطيع أنْ تجذب إليها قطعة أخرى، أليس هذا مظهراً من مظاهر الحياة؟ أليست هذه حركة في الجماد الذي نراه نحن جماداً لا حياةَ فيه، وهو يؤثر ويتأثر بغيره، وفيه ذرات تتحرك بنظام ثابت ولها قانون.

إذن: نقول لكل شيء موجود حياته الخاصة به، وإنْ كُنَّا لا ندركها؛ لأننا نفهم أن الحياة في الأحياء فحسب، إنما هي في كل شيء وكَوْنك لا تفقه حياة هذه الأشياء، فهذه مسألة أخرى.

لذلك سيدنا سليمان - عليه السلام - لما سمع كلام النملة، وكيف أنها تفهم وتقف ديدباناً لقبيلتها، وتفهم حركة الجيش وعاقبة الوقوف في طريقه، فتحذر جماعتها ادخلوا مساكنكم، وكيف كانت واعية، وعادلة في قولها.
{  لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }
[النمل: 18] فهي تعلم أن الجيش لو حطَّم النمل، فهذا عن غير مقصد منهم، وعندها أحسَّ سليمان بنعمة الله عليه بأنْ يعلم ما لا يعلمه غيره من الناس، فقال: { رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ... } [النمل: 19].

فمعنى { يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ.... } [الروم: 19] أي: في عُرْفنا نحن، وعلى قَدْر فَهْمنا للحياة وللموت، والبعض يقول: يعني يُخرج البيضة من الدجاجة، ويُخرج الدجاجة من البيضة، وهذا الكلام لا يستقيم مع منطق العقل، وهل كل بيضة بالضرورة تُخرج دجاجة؟ لا بل لا بُدَّ أنْ تكون بيضة مُخصَّبة. إذن: لا تقُلْ البيضة والدجاجة، ولكن قُلْ يُخرج الحي من الميت من كل شيء موجود.

ثم يقول سبحانه: { وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ... } [الروم: 19] وفي موضع آخر يقول تعالى:
{  يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ... }
[الأنعام: 95] فأتى باسم الفاعل (مُخْرِج) بدلاً من الفعل المضارع.

لذلك وقف عندها المشككون في أسلوب القرآن، يقولون: إنْ كانت إحداهما بليغة، فالأخرى غير بليغة، وهذا منهم نتيجة طبيعية لعدم فَهْمهم للغة القرآن، وليستْ لديهم الملَكة العربية التي تستقبل كلام الله.

وهنا نقول: إن الذي يتكلم ربٌّ يعطي لكل لفظة وزنها، ويضع كل كلمة في موضعها الذي لا تُؤدِّيه كلمة أخرى.

فقوله تعالى { يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ... } [الروم: 19] هذه في مصلحة مَنْ؟ في مصلحتنا نحن؛ لأن الإنسان بطَبْعه يحب الحياة، وربما استعلى بها، واغترَّ بهذا الاستعلاء، كما قال ربنا:
{  كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ }
[العلق: 6-7].

لذلك يُذكِّره ربه تعالى بالمقابل: فأنا كما أُخرج الحيَّ من الميت أُخرِج الميت من الحيِّ فانتبه، وإياك أنْ تَتعالى أو تتكبَّر، وافهم أن الحياة موهوبة لك من ربك يمكن أنْ يسلبها منك في أيِّ لحظة.

وعبَّر عن هذا المعنى مرة بالفعل المضارع (يُخرِج) الدالّ على الاستمرار والتجدُّد، ومرة باسم الفاعل (مُخرِج) الدال على ثبوت الصفة وملازمتها للموصوف، لا مجرد حدث عارض.

لذلك تأمل قول الله تعالى:
{  تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً... }
[الملك: 1-2] وفي نظرنا أن الحياة تسبق الموت، لكن الحق سبحانه يريد أن يقتل في الإنسان صفة الاغترار بالحياة، فجعله يستقبل الحياة بما يناقضها، فقال
{  ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ... }
[الملك: 2].

فقدَّم الموت على الحياة، فقبل أنْ تفكر في الحياة تذكّر الموت حتى لا تغترّ بها ولا تَطْغى.

ويتجلى هذا المعنى أيضاً في سورة الواقعة:
{  أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ }
[الواقعة: 58-60].

يعني: خذوا بالكم، وافهموا أنني واهب الحياة، وأستطيع أنْ أسلبها فلا تغترَّ بها ولا (تتفرعن)، وكأن الحق سبحانه يريد أنْ يَدُكَّ في الإنسان صفة الكبرياء والتعالي، فيُحدث هذه المقابلة دائماً بين ذِكْر الحياة في آيات القرآن الكريم.

ثم أَلاَ ترى أن الخالق سبحانه لم يجعل للموت سبباً من أسباب العمر والسنين، فواحد يموت قبل أنْ يُولَد، وواحد يموت بعد يوم أو بعد شهر، وآخر يموت بعد عدة أعوام، وآخر بعد مائة عام.إذن: مسألة لا ضابط لها إلا أقدار الله وأجله الذي أجلَّه سبحانه، وفي هذا إشارة للإنسان: احذر فقد تُسلْبَ منك الحياة التي تنشأ منها غرورك في أيِّ لحظة، ودون أنْ تدري ودن سابق إنذار أو مقدمات، فاستقِمْ إذن على منهج ربك، ولا تجتريء على المعصية؛ لأنك قد تموت قبل أنْ تتدارك نفسَك بالتوبة.

لذلك يقولون: إن الحق سبحانه حين أبهم وقت الموت بيَّنه بالإبهام غايةَ البيان، كيف؟ قالوا: لأنه سبحانه لو حدَّد لك موعد الموت لكنتَ تستعد له قبل أوانه، إنما حين أبهمه جعلك تستعدّ له كل لحظة من لحظات حياتك.

ثم يقول سبحانه: { وَيُحْي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا... } [الروم: 19] وفي موضع آخر:
{  وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }
[الحج: 5].

فالأرض كانت ميتة هامدة جامدة جرداء، لا أثرَ فيها لحياة، فلما نزل عليها الماء وسقاها المطر تحركت وأنبتتْ من كل زوج بهيج، فهي نموذج حيٌّ مُشَاهد للخَلْق وللحياة.

وفي آية أخرى:
{  أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً... }
[الحج: 63] فهل أخضرتْ الأرضُ ساعةَ نزل عليها المطر؟ لا، إنما بعد فترة، كأنه سبحانه يقول لك: لاحظ الحدث ساعة يوجد، واستحضر صورته، فبعد نزول الماء ترى الأرض تخضرّ تدريجياً، وإنْ لم تبذر فيها شيئاً، ففيها بذور شتَّى حملتْها الرياح، ثم استقرتْ في التربة ولو لسنوات طوال تظل صالحة للإنبات تنتظر الماء لتؤدي مهمتها.

والذي عاش في الصحراء يشاهد هذه الظاهرة، وقد رأيناها في عرفة بعد أنْ نزل عليها المطر، وعُدْنا بعد عدة أيام، فإذا الأرض تكتسي باللون الأخضر. لذلك إياك أن تظن أن كل زرع زرعه الإنسان، وإلاَّ فمنْ أين جاءت أول بذرة زرعها الإنسان. إذن: هناك زراعات لا دخلَ للإنسان بها.

ولنقرأ قصة مريم عليها السلام:
{  يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ }
[آل عمران: 42] فالاصطفاء الأول لم يقُلْ على مَنْ. فالمعنى: اصطفاكِ على الخَلْق جميعاً، بأن طَهَّركِ وجعلك صالحة تقية قوَّامة... إلخ.

أما الاصطفاء الآخر فليس على الخَلْق جميعاً، إنما على النساء؛ لأنها تفردتْ عن نساء العالمين بأنْ تلِدَ بغير ذكورة.

والشاهد الذي نريده هنا أن يوسف النجار لما لاحظ على مريم علامات الحمل وهو يعلم مَنْ هي مريم، وأنها لم تفارق المحراب طوال عمرها، فلم يرِدْ على ذِهْنه المعنى الثاني، ويريد أن يستفهم عَمَّا يراه، فسألها بأدب: يا مريم، أتوجد شجرة بدون بذرة؟ فقالت وقد لقَّنها الحق سبحانه: نعم، الشجرة التي أنبتت أول بذرة.

إذن: الحق سبحانه يمتنُّ علينا بالشيء، ثم يُذكِّرنا بقدرته تعالى على سَلْبه، وعلى نقيضه حتى لا نغترَّ به، ليس في مسألة الموت والحياة فحسب، إنما في الزرع وفي الماء وفي النار، واقرأ قوله تعالى:
{  أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ * أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ }
[الواقعة: 58-72].

ونلحظ في الأداء القرآني في هذه الآيات الدقة في استخدام لام التوكيد في
{  لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً... }
[الواقعة: 65] في الحديث عن الزرع؛ لأن للإنسان دوراً فيه، حيث يحرث ويغرس ويسقي، وربما ظَنَّ لنفسه قدرة عليه.

لكن لما تحدَّث عن الماء ذكر في نقضه
{  لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً... }
[الواقعة: 70] بدون توكيد، لماذا؟ لأن الماء لا دخلَ لأحد فيه، ولا يدعيه أحد، فلا أنت بخرتَ الماء، ولا أنت أنزلتَ المطر، لذلك قال:
{  جَعَلْنَاهُ... }
[الواقعة: 70] بدون توكيد.

أما عند ذكْر النار كنعمة من نِعَم الله لم يذكر ما ينقضها، فقال:
{  أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ }
[الواقعة: 72] ولم يقُلْ مثلاً: لو نشاء لأطفأناها، تُرى لماذا؟ قالوا: لتظل النارُ ماثلة أمامنا على حال اشتعالها لا تخمد أبداً، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يُلوِّح بها لكل عَاصٍ علَّه يعود إلى الجادّة.

ثم يقول سبحانه: { وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } [الروم: 19] كذلك: إشارة إلى ما سبق ذِكْره من إحياء الأرض بعد موتها، كمثْل ذلك تُخرجون وتُبعثون، فمَنْ أنكر البعث فلينظر عملية إحياء الأرض الجامدة بالنبات بعد نزول المطر عليها.


www.alro7.net