سورة
اية:

وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ

تفسير بن كثير

هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده في هذه الأوقات المتعاقبة، الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، عند المساء وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح وهو إسفار النهار بضيائه، ثم اعترض بحمده مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال تعالى: { وله الحمد في السموات والأرض} أي هو المحمود على ما خلق في السماوات والأرض، ثم قال تعالى: { وعشيا وحين تظهرون} فالعشاء هو شدة الظلام والإظهار هو قوة الضياء، كما قال تعالى: { والنهار إذا جلاها . والليل إذا يغشاها} ، وقال تعالى: { والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى} ، وقال تعالى: { والضحى والليل إذا سجى} والآيات في هذا كثيرة. وفي الحديث: (ألا أخبركم لم سمى اللّه إبراهيم خليله الذي وفَّى، لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: سبحان اللّه حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون) ""أخرجه الإمام أحمد"". وقوله تعالى: { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة، فإنه يذكر خلقه الأشياء وأضدادها ليدل على كمال قدرته، فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والحب من النبات، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض، والإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وقوله تعالى: { ويحيي الأرض بعد موتها} ، كقوله تعالى: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون} ، وقوله تعالى: { وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} ، ولهذا قال: { وكذلك تخرجون} .

تفسير الجلالين

{ وله الحمد في السموات والأرض } اعتراض ومعناه يحمده أهلهما { وعشيا} عطف على حين وفيه صلاة العصر { وحين تظهرون } تدخلون في الظهيرة وفيه صلاة الظهر.

تفسير الطبري

{ وَلَهُ الْحَمْد فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول : وَلَهُ الْحَمْد مِنْ جَمِيع خَلْقه دُون غَيْره فِي السَّمَاوَات مِنْ سُكَّانهَا مِنْ الْمَلَائِكَة , وَالْأَرْض مِنْ أَهْلهَا , مِنْ جَمِيع أَصْنَاف خَلْقه فِيهَا , { وَعَشِيًّا } يَقُول : وَسَبِّحُوهُ أَيْضًا عَشِيًّا , وَذَلِكَ صَلَاة الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } يَقُول : وَحِين تَدْخُلُونَ فِي وَقْت الظُّهْر . { وَلَهُ الْحَمْد فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول : وَلَهُ الْحَمْد مِنْ جَمِيع خَلْقه دُون غَيْره فِي السَّمَاوَات مِنْ سُكَّانهَا مِنْ الْمَلَائِكَة , وَالْأَرْض مِنْ أَهْلهَا , مِنْ جَمِيع أَصْنَاف خَلْقه فِيهَا , { وَعَشِيًّا } يَقُول : وَسَبِّحُوهُ أَيْضًا عَشِيًّا , وَذَلِكَ صَلَاة الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } يَقُول : وَحِين تَدْخُلُونَ فِي وَقْت الظُّهْر .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فسبحان الله} الآية فيه ثلاثة أقوال : الأول : أنه خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات. قال ابن عباس : الصلوات الخمس في القرآن؛ قيل له : أين؟ فقال : قال الله تعالى { فسبحان الله حين تمسون} صلاة المغرب والعشاء { وحين تصبحون} صلاة الفجر { وعشيا} العصر { وحين تظهرون} الظهر؛ وقاله الضحاك وسعيد بن جبير. وعن ابن عباس أيضا وقتادة : أن الآية تنبيه على أربع صلوات : المغرب والصبح والعصر والظهر؛ قالوا : والعشاء الآخرة هي في آية أخرى في { وزلفا من الليل} هود : 114] وفي ذكر أوقات العورة. وقال النحاس : أهل التفسير على أن هذه الآية { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} في الصلوات. وسمعت على بن سليمان يقول : حقيقته عندي : فسبحوا الله في الصلوات، لأن التسبيح في الصلاة؛ وهو القول الثاني. والقول الثالث : فسبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون؛ ذكره الماوردي. وذكر القول الأول، ولفظه فيه : فصلوا لله حين تمسون وحين تصبحون. وفي تسمية الصلاة بالتسبيح وجهان : أحدهما : لما تضمنها من ذكر التسبيح في الركوع والسجود. الثاني : مأخوذ من السبحة والسبحة الصلاة؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (تكون لهم سبحة يوم القيامة) أي صلاة. الثانية: قوله تعالى: { وله الحمد في السماوات والأرض} اعتراض بين الكلام بدءوب الحمد على نعمه وألائه. وقيل : معنى { وله الحمد} أي الصلاة له لاختصاصها بقراءة الحمد. والأول أظهر؛ فإن الحمد لله من نوع تعظيم الله تعالى والحض على عبادته ودوام نعمته؛ فيكون نوعا آخر خلاف الصلاة، والله أعلم. وبدأ بصلاة المغرب لأن الليل يتقدم النهار. وفي سورة "الإسراء" بدأ بصلاة الظهر إذ هي أول صلاة صلاها جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم. الماوردي : وخص صلاة الليل باسم التسبيح وصلاة النهار باسم الحمد لأن للإنسان في النهار متقلبا في أحوال توجب حمد الله تعالى عليها، وفي الليل على خلوة توجب تنزيه الله من الأسواء فيها؛ فلذلك صار الحمد بالنهار أخص فسميت به صلاة النهار، والتسبيح بالليل أخص فسميت به صلاة الليل. الثالثة: قرأ عكرمة "حينا تمسون وحينا تصبحون" والمعنى : حينا تمسون فيه وحينا تصبحون فيه؛ فحذف "فيه" تخفيفا، والقول فيه كالقول في { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} البقرة : 48]. { وعشيا وحين تظهرون} قال الجوهري : العشي والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة؛ تقول : أتيته عشية أمس وعشي أمس. وتصغير العشي : عشيان، على غير قياس مكبره؛ كأنهم صغروا عشيانا، والجمع عشيانات. وقيل أيضا في تصغيره : عشيشيان، والجمع عشيشيات. وتصغير العشية عشيشية، والجمع عشيشيات. والعشاء (بالكسر والمد) مثل العشي. والعشاء إن المغرب والعتمة. وزعم قوم أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا : غدونا غدوة سحرا بليل ** عشاء بعدما انتصف النهار الماوردي : والفرق بين المساء والعشاء : أن المساء بدو الظلام بعد المغيب، والعشاء آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذ من عشا العين وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الروم الايات 8 - 18


سورة الروم الايات 18 - 20

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نحلظ أن قوله تعالى { وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ... } [الروم: 18] فصلَتْ بين الأزمنة المذكورة، فجعلت
{  تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ }
[الروم: 17] في ناحية، و { وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } [الروم: 18] في ناحية، مع أنها جميعاً أوقات وأزمنة في اليوم والليلة، لماذا؟

قالوا: لأنه سبحانه يريد أنْ يُشعرنا أن له الحمد، ويجب أنْ تحمده على أنه مُنزَّه عن التمثيل؛ لأنها في مصلحتك أنت، وأنت الجاني لثمار ها التنزيه، فإنْ أرادك بخير فلا مثيلَ له سبحانه يمنعه عنك، وله وحده الكبرياء الذي يحميك أن يتكبر أحد عليك، وله وحده تخضع وتسجد، لا تسجد لغيره، فسجودك لوجه ربك يكفيك كل الأوجه، كما قال الشاعر:
فَالسُّجُودُ الذي تَجْتويهِ فيه   مِنْ أُلُوف السُّجُودِ نَجَاةُ
إذن: من مصلحتك أن يكون الله تعالى هو الواحد الذي لا مثيلَ له، والقوى الذي لا يوجد أقوى منه، والمتكبِّر بحقٍّ؛ لأن كبرياءه يحمي الضعيف أنْ يتكبّر عليه القوي، يجب أنْ تحمد الله الذي تعبَّدنا بالسجود له وحده، وبالخضوع له وحده؛ لأنه أنجاك بالسجود له أنْ تسجد لكل قوي عنك، وهذا من عظمته تعالى ورحمته بخَلْقه؛ لذلك تستوجب الحمد.

لذلك نقول في العامية (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) لماذا؟ لأنه لا يعيش عزيزاً مُكرّماً إلا إذا كان له كبير يحميه، ويدافع عنه، كذلك أنت لا تكون عزيزاً إلا في عبوديتك لله.

والخَلْق جميعاً بالنسبة لله تعالى سواء، فليس له سبحانه من عباده ولد ولا قريب، فلا مؤثرات تؤثر عليه، فيحابي أحداً على أحد، فنحن جميعاً شركة في الله؛ لذلك يقول سبحانه
{  مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً }
[الجن: 3] أي: لا شيء يؤثر عليه سبحانه.

وقال بعد التسبيح { وَلَهُ ٱلْحَمْدُ... } [الروم: 18] لأن التسبيح ينبغي أنْ يُتبَع بالحمد فتقول: سبحان الله والحمد لله، أي: الحمد لله على أنني سبَّحت مسبَّحاً.

وحين نتأمل هذه الأوقات التي أمرنا الله فيها بالتسبيح، وهي المساء والصباح والعشي، وهي من العصر إلى المغرب، ثم الظهيرة نجد أنها أوقات عامة سارية في كَوْن الله لا تنقطع أبداً، فأيّ صباح وأيّ مساء؟ صباحي أنا؟ أم صباح الآخرين؟ مسائي أم مساء غيري في أقصى أطراف المعمورة؟

إن المتأمل في دورة الوقت يجد أن كل لحظة فيه لا تخلو من صباح ومساء، وعشية وظهيرة، وهذا يعني أن الله تعالى مُسبِّح معبود في كل لحظة من لحظات الزمن.

وفي ضوء هذا نفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل " فالكون لا يخلو في لحظة واحدة من ليل أو نهار، وهذا يعني أن يد الله سبحانه مبسوطة دائماً لا تُقبَض:
{  بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ... }
[المائدة: 64].

ثم يقول الحق سبحانه: { يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ... }.


www.alro7.net