سورة
اية:

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق أي بالعدل والقسط، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وأنه لم يخلق ذلك عبثاً ولا لعباً، كما قال: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذي كفروا فويل للذين كفروا من النار} ، وقوله تعالى: { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} ، قال مجاهد: يعني من عندنا، يقول: وما خلقنا جنة ولا ناراً ولا موتاً ولا بعثاً ولا حساباً. وقال الحسن وقتادة { لو أردنا أن نتخذ لهوا} اللهو: المرأة بلسان أهل اليمن، وقال إبراهيم النخعي { لاتخذناه} من الحور العين. وقال عكرمة والسدي: والمراد باللهو ههنا الولد، وهذا و الذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: { لو أراد اللّه أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو اللّه الواحد القهار} فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقاً ولا سيما عما يقولون من الإفك والباطل من اتخاذ عيسى أو الملائكة { سبحان اللّه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} ، وقوله: { إن كنا فاعلين} قال قتادة والسدي: أي ما كنا فاعلين، وقال مجاهد: كل شيء في القرآن إنْ فهو إنكار. وقوله: { بل نقذف بالحق على الباطل} أي نبين الحق فيدحض الباطل ولهذا قال: { فيدمغه فإذا هو زاهق} أي ذاهب مضمحل، { ولكم الويل} أي أيها القائلون للّه ولد { مما تصفون} أي تقولون وتفترون. ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له ودأبهم في طاعته ليلاً ونهاراً، فقال: { وله من في السماوات والأرض ومن عنده} يعني الملائكة { لا يستكبرون عن عبادته} : أي لا يستنكفون عنها كما قال: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً للّه ولا الملائكة المقربون} ، وقوله: { ولا يستحسرون} أي لا يتبعون ولا يملون، { يسبحون الليل والنهار لا يفترون} فهم دائبون في العمل ليلاً ونهاراً مطيعون قصداً وعملاً، قادرون عليه كما قال تعالى: { لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون} . وقال محمد بن إسحاق عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل قال: جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام، فقلت له: أرأيت قول اللّه تعالى للملائكة: { يسبحون الليل والنهار لا يفترون} أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل؟ فقال: من هذا الغلام؟ فقالوا من بني عبد المطلب، قال: فقبّل رأسي ثم قال: يا بني إنه جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النَّفَس، أليس تتكلم وأنت تتنفس وتمشي وأنت تتنفس؟.

تفسير الجلالين

{ بل نقذف } نرمي { بالحق } الإيمان { على الباطل } الكفر { فيدمغه } يذهبه { فإذا هو زاهق } ذاهب، ودمغه في الأصل: أصاب دماغه بالضرب وهو مقتل { ولكم } يا كفار مكة { الويْل } العذاب الشديد { مما تصفون } الله به من الزوجة أو الولد .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ نَقْذِف بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِل فَيَدْمَغهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنْ نُنَزِّل الْحَقّ مِنْ عِنْدنَا , وَهُوَ كِتَاب اللَّه وَتَنْزِيله عَلَى الْكُفْر بِهِ وَأَهْله , { فَيَدْمَغهُ } يَقُول : فَيُهْلِكهُ كَمَا يَدْمَغ الرَّجُل الرَّجُل بِأَنْ يَشُجّهُ عَلَى رَأْسه شَجَّة تَبْلُغ الدِّمَاغ , وَإِذَا بَلَغَتْ الشَّجَّة ذَلِكَ مِنْ الْمَشْجُوج لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدهَا حَيَاة . وَقَوْله { فَإِذَا هُوَ زَاهِق } يَقُول : فَإِذَا هُوَ هَالِك مُضْمَحِلّ ; كَمَا : 18499 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَإِذَا هُوَ زَاهِق } قَالَ : هَالِك . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَإِذَا هُوَ زَاهِق } قَالَ : ذَاهِب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18500 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { بَلْ نَقْذِف بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِل فَيَدْمَغهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق } وَالْحَقّ كِتَاب اللَّه الْقُرْآن , وَالْبَاطِل : إِبْلِيس , { فَيَدْمَغهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق } أَيْ ذَاهِب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ نَقْذِف بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِل فَيَدْمَغهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنْ نُنَزِّل الْحَقّ مِنْ عِنْدنَا , وَهُوَ كِتَاب اللَّه وَتَنْزِيله عَلَى الْكُفْر بِهِ وَأَهْله , { فَيَدْمَغهُ } يَقُول : فَيُهْلِكهُ كَمَا يَدْمَغ الرَّجُل الرَّجُل بِأَنْ يَشُجّهُ عَلَى رَأْسه شَجَّة تَبْلُغ الدِّمَاغ , وَإِذَا بَلَغَتْ الشَّجَّة ذَلِكَ مِنْ الْمَشْجُوج لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدهَا حَيَاة . وَقَوْله { فَإِذَا هُوَ زَاهِق } يَقُول : فَإِذَا هُوَ هَالِك مُضْمَحِلّ ; كَمَا : 18499 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَإِذَا هُوَ زَاهِق } قَالَ : هَالِك . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَإِذَا هُوَ زَاهِق } قَالَ : ذَاهِب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18500 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { بَلْ نَقْذِف بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِل فَيَدْمَغهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق } وَالْحَقّ كِتَاب اللَّه الْقُرْآن , وَالْبَاطِل : إِبْلِيس , { فَيَدْمَغهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق } أَيْ ذَاهِب . ' وَقَوْله : { وَلَكُمْ الْوَيْل مِمَّا تَصِفُونَ } يَقُول : وَلَكُمْ الْوَيْل مِنْ وَصْفكُمْ رَبّكُمْ بِغَيْرِ صِفَته , وَقِيلكُمْ إِنَّهُ اِتَّخَذَ زَوْجَة وَوَلَدًا , وَفِرْيَتكُمْ عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , إِلَّا أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ : مَعْنَى تَصِفُونَ تَكْذِبُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تُشْرِكُونَ . وَذَلِكَ وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ بِهِ الْأَلْفَاظ فَمُتَّفِقَة مَعَانِيه ; لِأَنَّ مَنْ وَصَفَ اللَّه بِأَنَّ لَهُ صَاحِبَة فَقَدْ كَذَبَ فِي وَصْفه إِيَّاهُ بِذَلِكَ , وَأَشْرَكَ بِهِ , وَوَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفَته . غَيْر أَنَّ أَوْلَى الْعِبَارَات أَنْ يُعَبَّر بِهَا عَنْ مَعَانِي الْقُرْآن أَقْرَبهَا إِلَى فَهْم سَامِعِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ : 18501 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَكُمْ الْوَيْل مِمَّا تَصِفُونَ } أَيْ تَكْذِبُونَ . 18502 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَلَكُمْ الْوَيْل مِمَّا تَصِفُونَ } قَالَ : تُشْرِكُونَ وَقَوْله { عَمَّا يَصِفُونَ } 6 100 قَالَ : يُشْرِكُونَ قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِد : { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفهمْ } 6 139 قَالَ : قَوْلهمْ الْكَذِب فِي ذَلِكَ . وَقَوْله : { وَلَكُمْ الْوَيْل مِمَّا تَصِفُونَ } يَقُول : وَلَكُمْ الْوَيْل مِنْ وَصْفكُمْ رَبّكُمْ بِغَيْرِ صِفَته , وَقِيلكُمْ إِنَّهُ اِتَّخَذَ زَوْجَة وَوَلَدًا , وَفِرْيَتكُمْ عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , إِلَّا أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ : مَعْنَى تَصِفُونَ تَكْذِبُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تُشْرِكُونَ . وَذَلِكَ وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ بِهِ الْأَلْفَاظ فَمُتَّفِقَة مَعَانِيه ; لِأَنَّ مَنْ وَصَفَ اللَّه بِأَنَّ لَهُ صَاحِبَة فَقَدْ كَذَبَ فِي وَصْفه إِيَّاهُ بِذَلِكَ , وَأَشْرَكَ بِهِ , وَوَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفَته . غَيْر أَنَّ أَوْلَى الْعِبَارَات أَنْ يُعَبَّر بِهَا عَنْ مَعَانِي الْقُرْآن أَقْرَبهَا إِلَى فَهْم سَامِعِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ : 18501 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَكُمْ الْوَيْل مِمَّا تَصِفُونَ } أَيْ تَكْذِبُونَ . 18502 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَلَكُمْ الْوَيْل مِمَّا تَصِفُونَ } قَالَ : تُشْرِكُونَ وَقَوْله { عَمَّا يَصِفُونَ } 6 100 قَالَ : يُشْرِكُونَ قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِد : { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفهمْ } 6 139 قَالَ : قَوْلهمْ الْكَذِب فِي ذَلِكَ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين} أي عبثا وباطلا؛ بل للتنبيه على أن لها خالقا قادرا يجب امتثال أمره، وأنه يجازي المسيء والمحسن أي ما خلقنا السماء والأرض ليظلم بعض الناس بعضا ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به ثم يموتوا ولا يجازوا، ولا يؤمروا في الدنيا بحسن ولا ينهوا عن قبيح. وهذا اللعب المنفي عن الحكيم ضده الحكمة. قوله تعالى { لو أردنا أن نتخذ لهوا} لما اعتقد قوم أن له ولدا قال { لو أردنا أن نتخذ لهوا} واللهو المرأة بلغة اليمن؛ قاله قتادة. وقال عقبة بن أبي جسرة وجاء طاووس وعطاء ومجاهد يسألونه عن قوله تعالى { لو أردنا أن نتخذ لهوا} فقال : اللهو الزوجة؛ وقال الحسن. وقال ابن عباس : اللهو الولد؛ وقاله الحسن أيضا. قال الجوهري : وقد يكنى باللهو عن الجماع. قلت : ومنه قول امرئ القيس : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ** كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي وإنما سمي الجماع لهوا لأنه ملهى للقلب، كما قال : وفيهن ملهى للصديق ومنظر الجوهري : قوله تعالى { لو أردنا أن نتخذ لهوا} قالوا امرأة، ويقال : ولدا. { لاتخذناه من لدنا} أي من عندنا لا من عندكم. قال ابن جريج : من أهل السماء لا من أهل الأرض. قيل : أراد الرد على من قال إن الأصنام بنات الله؛ أي كيف يكون منحوتكم ولدا لنا. وقال ابن قتيبة : الآية رد على النصارى. { إن كنا فاعلين} قال قتادة ومقاتل وابن جريج والحسن : المعنى ما كنا فاعلين؛ مثل { إن أنت إلا نذير} [فاطر : 23] أي ما أنت إلا نذير. و { إن} بمعنى الجحد وتم الكلام عند قوله { لاتخذناه من لدنا} . وقيل : إنه على معنى الشرط؛ أي إن كنا فاعلين ذلك ولكن لسنا بفاعلين ذلك لاستحالة أن يكون لنا ولد؛ إذ لو كان ذلك لم نخلق جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا. وقيل : لو أردنا أن نتخذ ولدا على طريق التبني لاتخذناه من عندنا من الملائكة. ومال إلى هذا قوم؛ لأن الإرادة قد تتعلق بالتبني فأما اتخاذ الولد فهو محال، والإرادة لا تتعلق بالمستحيل؛ ذكره القشيري. قوله تعالى { بل نقذف بالحق على الباطل} القذف الرمي؛ أي نرمي بالحق على الباطل. { فيدمغه} أي يقهره ويهلكه. وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ، ومنه الدامغة. والحق هنا القرآن، والباطل الشيطان في قول مجاهد؛ قال : وكل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان. وقيل : الباطل كذبهم ووصفهم الله عز وجل بغير صفاته من الولد وغيره. وقيل : أراد بالحق الحجة، وبالباطل شبههم. وقيل : الحق المواعظ، والباطل المعاصي؛ والمعنى متقارب. والقرآن يتضمن الحجة والموعظة. { فإذا هو زاهق} أي هالك وتالف؛ قاله قتادة. { ولكم الويل} أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم الله بما لا يجوز وصفه. وقال ابن عباس : الويل واد في جهنم؛ وقد تقدم. { مما تصفون } أي مما تكذبون؛ عن قتادة ومجاهد؛ نظيره { سيجزيهم وصفهم} [الأنعام : 139] أي بكذبهم. وقيل : مما تصفون الله به من المحال وهو اتخاذه سبحانه الولد.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 14 - 29

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ما دام أنهم فعلوا اللهو واللعب، وخانوا نِعَم الله في السماء والأرض فليعلموا أن هذا الحال لن يستمر، فالحق سبحانه يُملي للباطل ويُوسع له حتى يزحف ويمتد، حتى إذا أخذه أخْذ عزيز مقتدر، وقذف عليه بالحق.

فقوله: { بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ.. } [الأنبياء: 18] القذف: الرَّمْي بشدة مثل القذائف المدمرة { فَيَدْمَغُهُ.. } [الأنبياء: 18] يقال: دمغه أي: أصاب دماغه. والدماغ أشرف أعضاء الإنسان ففيه المخ، وهو ميزان المرء، فإنْ كان المخ سليماً أمكن إصلاح أيِّ عطل آخر، أما إنْ تعطل المخ فلا أملَ في النجاة بعده.

لذلك جعل الحق - سبحانه وتعالى - عَظْمة الدماغ أغوى عظام الجسم لتحفظ هذا العضو الهام، والأطباء لا يحكمون على شخص بالموت - مثلاً - إذا توقف القلب؛ لأن القلب يجري له تدليك معين فيعود إلى عمله كذلك التنفس، أما إنْ توقف المخ فقد مات صاحبه، فهو الخلية الأولى والتي تحتفظ بآخر مظاهر الحياة في الجسم؛ لذلك يقولون: موت إكلينيكي.

وللمخ يصل خلاصة الغذاء، وهو المخدوم الأعلى بين الأعضاء، فالجسم يأخذ من الغذاء ما يكفي طاقته الاحتراقية في العمل، وما زاد على طاقته يُختزَن على شكل دهون يتغذّى عليها الجسم، حين لا يوجد الطعم، فإذا ما انتهى الدُّهْن تغذَّى على اللحم، ثم على العَظْمِ لِيُوفِّر للمخ ما يحتاجه، فهو السيد في الجسم، ومن بعده تتغذّى باقي الأعضاء.

إذن: كل شيء في الجسم يخدم المخ؛ لأنه أَعْلَى الأعضاء، أما النبات مثلاً فيخدم أسفله، فإذا جَفَّ الماء في التربة ولم يجد النبات الغذاءَ الكافي يتغذى على أعلاه فيذبل أولاً، ثم تتساقط الأوراق، ثم تجفّ الفروع الصغيرة، ثم الجذع، ثم الجذر.

ومن ذلك قول سيدنا زكريا عليه السلام:
{  قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً... }
[مريم: 4] فالعَظْم آخر مخزَن للغذاء في الجسم، فَوهَنُ العظم دليل على أن المسألة أوشكتْ على النهاية.

إذن: فقوله تعالى: { فَيَدْمَغُهُ... } [الأنبياء: 18] أي: يصيبه في أهم الأعضاء وسيدها والمتحكم فيها، لا عضو آخر يمكن أنْ يُجبر؛ لذلك يقول بعدها { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ... } [الأنبياء: 18] زاهق: يعني خارج بعنف.

وقوله تعالى: { وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } [الأنبياء: 18] يعني: أيها الإنسان المغتَرّ بلججه وعناده في الباطل، ووقف بعقله وقلبه ليصادم الحق، سنقذف بالحق على باطلك، فنصيب دماغه فيزهق، ساعتها ستقول: يا ويلتي كما سبق أنْ قالوا:
{  قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ }
[الأنبياء: 14] حينما يباشرون العذاب.

ومعنى: { تَصِفُونَ } [الأنبياء: 18] تكذبون كذباً افترائياً، كما لو رأيت شخصاً جميلاً، فتقول: وجهه يَصِفُ الجمال، يعني: إنْ كنت تريد وَصْفاً للجمال، فانظر إلى وجهه يعطيك صورة للجمال، كما جاء في قوله تعالى:
{  وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ... }
[النحل: 62] يعني: إنْ أردت أنْ تعرف الكذب بعينه، فاسمع كلامهم وما قالتْه ألسنتهم.

كما يقولون: حديث خرافة، وأصل هذه المقولة رجل اسمه خرافة، كان يقول: أنا عندي سهم إنْ أطلقُته على الظَّبي يسير وراءه، فإن التفت يميناً سار وراءه، فإنْ ذهب شمالاً ذهب وراءه، فإنْ صعد الجبل صعد وراءه، فإنْ نزل نزل وراءه. وكأن سهمه صاروخ مُوجَّه كالذي نراه اليوم!! فسار كلامه مثالاً يُضرب للكذب.

لذلك قال الشاعر:
حَدِيثُ خُرَافَةٍ يا أُمَّ عَمْرو   
فإنْ أردتَ تعريفاً للكذب فأنا لا أُعرِّفه لك بأنه قوْلٌ لا يوافق الواقع، إنما اسمع إلى كلامهم، فهو أصدق وَصْف للكذب؛ لأنه كذب مكشوف مفضوح.

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:
{  سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ }
[الأنعام: 100] أي: يكذبون ويفترون على الله.

وقد يقول قائل: لماذا يُملِي الله للباطل حتى يتمرَّد ويعلو، ثم يعلو عليه الحق فيدمغه؟

نقول: الحكمة من هذا أنْ تتم الابتلاءات، والناس لا نتعشق الحق إلا إذا رأتْ بشاعة الباطل، ولا تعرف منزلة العدل إلا حين ترى بشاعة الظلم، وبضدها تتميز الأشياء، كما قال الشاعر:
فَالوجْهُ مِثْلُ الصبُّحْ مُبيضٌ   وَالشَّعْر مِثْلُ الليْلِ مُسْودُ
ضِدَّان لَمَّا استْجمْعاً حَسْناً   والضِّدُّ يُظهِرُ حُسْنَه الضِّدُ
إذن: لا نعرف جمال الحق إلا بقُبْح الباطل، ولا حلاوة الإيمان إلا بمرارة الكفر. { وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ... }.


www.alro7.net