سورة
اية:

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ

تفسير بن كثير

يبيّن تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق، كما ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن اللّه عزَّ وجلَّ يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول: { الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة اللّه على الظالمين} ) ""أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن ابن عمر رضي اللّه عنهما""الآية. وقوله: { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} أي يردون عن اتباع الحق، وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى اللّه عزَّ وجلَّ، { ويبغونها عوجا} أي ويريدون أن يكون طريقهم { عوجا} غير معتدلة، { وهم بالآخرة هم كافرون} أي جاحدون بها مكذبون بوقوعها، { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون اللّه من أولياء} أي بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم، ولكنْ { يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} ، وفي الصحيحين: (إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ولهذا قال تعالى: { يضاعف لهم العذاب} ، الآية، أي يضاعف عليهم العذاب، وذلك أن اللّه تعالى جعل لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، بل كانوا صماً عن سماع الحق، عمياً عن اتباعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} . وقوله تعالى: { أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي خسروا أنفسهم لأنهم أدخلوا ناراً حامية، فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها، كما قال تعالى: { كلما خبت زدناهم سعيرا} ، { وضل عنهم} أي ذهب عنهم، { ما كانوا يفترون} ، من دون اللّه من الأنداد والأصنام فلم تجد عنهم شيئا بل ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} ، وقال تعالى: { سيكفرون بعبادتهم ويكون عليهم ضدا} ، وقال الخليل لقومه: { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم، ولهذا قال: { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} ، يخبر تعالى عن مآلهم بأنهم أخسر الناس في الآخرة، لأنهم اعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.

تفسير الجلالين

{ ومن } أي لا أحد { أظلم ممن افترى على الله كذبا } بنسبة الشريك والولد إليه { أولئك يُعرضون على ربهم } يوم القيامة في جملة الخلق { ويقول الأشهاد } جمع شاهد، وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } المشركين .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَيّ النَّاس أَشَدّ تَعْذِيبًا مِمَّنْ اِخْتَلَقَ عَلَى اللَّه كَذِبًا فَكَذَبَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبّهمْ , وَيَقُول الْأَشْهَاد : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلَى رَبّهمْ يُعْرَضُونَ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَبّهمْ , فَيَسْأَلهُمْ عَمَّا كَانُوا فِي دَار الدُّنْيَا يَعْمَلُونَ . كَمَا : 13965 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج قَوْله : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } قَالَ : الْكَافِر وَالْمُنَافِق { أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبّهمْ } فَيَسْأَلهُمْ عَنْ أَعْمَالهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَيّ النَّاس أَشَدّ تَعْذِيبًا مِمَّنْ اِخْتَلَقَ عَلَى اللَّه كَذِبًا فَكَذَبَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبّهمْ , وَيَقُول الْأَشْهَاد : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلَى رَبّهمْ يُعْرَضُونَ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رَبّهمْ , فَيَسْأَلهُمْ عَمَّا كَانُوا فِي دَار الدُّنْيَا يَعْمَلُونَ . كَمَا : 13965 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج قَوْله : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } قَالَ : الْكَافِر وَالْمُنَافِق { أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبّهمْ } فَيَسْأَلهُمْ عَنْ أَعْمَالهمْ . ' وَقَوْله : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } يَعْنِي الْمَلَائِكَة وَالْأَنْبِيَاء الَّذِينَ شَهِدُوهُمْ وَحَفِظُوا عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ , وَهُمْ جَمْع شَاهِد مِثْل الْأَصْحَاب الَّذِي هُوَ جَمْع صَاحِب , { هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ } يَقُول : شَهِدَ هَؤُلَاءِ الْأَشْهَاد فِي الْآخِرَة عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّه فِي الدُّنْيَا , فَيَقُولُونَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى رَبّهمْ . يَقُول اللَّه : { أَلَا لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ } يَقُول : أَلَا غَضَب اللَّه عَلَى الْمُعْتَدِينَ . الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي قَوْله { وَيَقُول الْأَشْهَاد } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13966 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا نُمَيْر بْن نُمَيْر , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } قَالَ : الْمَلَائِكَة حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْمَلَائِكَة 13967 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } وَالْأَشْهَاد : الْمَلَائِكَة , يَشْهَدُونَ عَلَى بَنِي آدَم بِأَعْمَالِهِمْ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { الْأَشْهَاد } قَالَ : الْخَلَائِق , أَوْ قَالَ : الْمَلَائِكَة حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , بِنَحْوِهِ . 13968 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } الَّذِينَ كَانَ يَحْفَظُونَ أَعْمَالهمْ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا { هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ } حَفِظُوهُ وَشَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِمْ يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ مُجَاهِد : الْأَشْهَاد : الْمَلَائِكَة 13969 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , قَالَ : سَأَلْت الْأَعْمَش , عَنْ قَوْله : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } قَالَ : الْمَلَائِكَة 13970 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } يَعْنِي الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل , وَهُوَ قَوْله : { وَيَوْم نَبْعَث فِي كُلّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسهمْ وَجِئْنَا بِك شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ } 16 89 قَالَ : وَقَوْله : { وَيَقُول الْأَشْهَاد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ } يَقُولُونَ : يَا رَبّنَا أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ فَكَذَّبُوا , فَنَحْنُ نَشْهَد عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَيْك يَا رَبّنَا 13971 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ سَعِيد وَهِشَام , عَنْ قَتَادَة , عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز الْمَازِنِيّ , قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ بِالْبَيْتِ مَعَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَهُوَ يَطُوف , إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُل فَقَالَ : يَا اِبْن عُمَر مَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي النَّجْوَى ؟ فَقَالَ : سَمِعْت نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " يَدْنُو الْمُؤْمِن مِنْ رَبّه حَتَّى يَضَع عَلَيْهِ كَنَفه فَيُقْرِرْهُ بِذُنُوبِهِ , فَيَقُول : هَلْ تَعْرِف كَذَا ؟ فَيَقُول : رَبّ أَعْرِف . مَرَّتَيْنِ . حَتَّى إِذَا بَلَغَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَبْلُغ قَالَ : فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم ! " قَالَ : " فَيُعْطَى صَحِيفَة حَسَنَاته أَوْ كِتَابه بِيَمِينِهِ . وَأَمَّا الْكُفَّار وَالْمُنَافِقُونَ , فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد : أَلَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ أَلَا لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ " . حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : ثَنَا هِشَام , عَنْ قَتَادَة , عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز , عَنْ اِبْن عُمَر , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , نَحْوه . 13972 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : كُنَّا نُحَدَّث أَنَّهُ لَا يُخْزَى يَوْمئِذٍ أَحَد فَيَخْفَى خِزْيه عَلَى أَحَد مِمَّنْ خَلَقَ اللَّه أَوْ الْخَلَائِق وَقَوْله : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } يَعْنِي الْمَلَائِكَة وَالْأَنْبِيَاء الَّذِينَ شَهِدُوهُمْ وَحَفِظُوا عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ , وَهُمْ جَمْع شَاهِد مِثْل الْأَصْحَاب الَّذِي هُوَ جَمْع صَاحِب , { هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ } يَقُول : شَهِدَ هَؤُلَاءِ الْأَشْهَاد فِي الْآخِرَة عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّه فِي الدُّنْيَا , فَيَقُولُونَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى رَبّهمْ . يَقُول اللَّه : { أَلَا لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ } يَقُول : أَلَا غَضَب اللَّه عَلَى الْمُعْتَدِينَ . الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي قَوْله { وَيَقُول الْأَشْهَاد } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13966 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا نُمَيْر بْن نُمَيْر , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } قَالَ : الْمَلَائِكَة حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْمَلَائِكَة 13967 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } وَالْأَشْهَاد : الْمَلَائِكَة , يَشْهَدُونَ عَلَى بَنِي آدَم بِأَعْمَالِهِمْ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { الْأَشْهَاد } قَالَ : الْخَلَائِق , أَوْ قَالَ : الْمَلَائِكَة حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , بِنَحْوِهِ . 13968 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } الَّذِينَ كَانَ يَحْفَظُونَ أَعْمَالهمْ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا { هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ } حَفِظُوهُ وَشَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِمْ يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ مُجَاهِد : الْأَشْهَاد : الْمَلَائِكَة 13969 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , قَالَ : سَأَلْت الْأَعْمَش , عَنْ قَوْله : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } قَالَ : الْمَلَائِكَة 13970 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَيَقُول الْأَشْهَاد } يَعْنِي الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل , وَهُوَ قَوْله : { وَيَوْم نَبْعَث فِي كُلّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسهمْ وَجِئْنَا بِك شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ } 16 89 قَالَ : وَقَوْله : { وَيَقُول الْأَشْهَاد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ } يَقُولُونَ : يَا رَبّنَا أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ فَكَذَّبُوا , فَنَحْنُ نَشْهَد عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَيْك يَا رَبّنَا 13971 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ سَعِيد وَهِشَام , عَنْ قَتَادَة , عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز الْمَازِنِيّ , قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ بِالْبَيْتِ مَعَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَهُوَ يَطُوف , إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُل فَقَالَ : يَا اِبْن عُمَر مَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي النَّجْوَى ؟ فَقَالَ : سَمِعْت نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " يَدْنُو الْمُؤْمِن مِنْ رَبّه حَتَّى يَضَع عَلَيْهِ كَنَفه فَيُقْرِرْهُ بِذُنُوبِهِ , فَيَقُول : هَلْ تَعْرِف كَذَا ؟ فَيَقُول : رَبّ أَعْرِف . مَرَّتَيْنِ . حَتَّى إِذَا بَلَغَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَبْلُغ قَالَ : فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم ! " قَالَ : " فَيُعْطَى صَحِيفَة حَسَنَاته أَوْ كِتَابه بِيَمِينِهِ . وَأَمَّا الْكُفَّار وَالْمُنَافِقُونَ , فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوس الْأَشْهَاد : أَلَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبّهمْ أَلَا لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ " . حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : ثَنَا هِشَام , عَنْ قَتَادَة , عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز , عَنْ اِبْن عُمَر , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , نَحْوه . 13972 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : كُنَّا نُحَدَّث أَنَّهُ لَا يُخْزَى يَوْمئِذٍ أَحَد فَيَخْفَى خِزْيه عَلَى أَحَد مِمَّنْ خَلَقَ اللَّه أَوْ الْخَلَائِق '

تفسير القرطبي

قوله تعالى ‏ { ‏ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا‏} ‏ أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا على الله كذبا؛ فأضافوا كلامه إلى غيره؛ وزعموا أن له شريكا وولدا، وقالوا للأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله‏.‏ { ‏أولئك يعرضون على ربهم‏} ‏ أي يحاسبهم على أعمالهم ‏ { ويقول الأشهاد‏} ‏ يعني الملائكة الحفظة؛ عن مجاهد وغيره؛ وقال سفيان‏:‏ سألت الأعمش عن ‏(‏الأشهاد‏)‏ فقال‏:‏ الملائكة‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هم الأنبياء والمرسلون؛ دليله قوله‏ { ‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا‏} ‏ [النساء‏:‏ 41‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ الملائكة والأنبياء والعلماء الذين بلغوا الرسالات‏.‏ وقال قتادة‏:‏ عن الخلائق أجمع‏.‏ وفي صحيح مسلم من حديث صفوان بن محرز عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قال‏:‏ ‏(‏وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله‏)‏‏.‏ ‏ { ‏ألا لعنة الله على الظالمين‏} ‏ أي بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها‏.‏‏ قوله تعالى‏ { ‏الذين يصدون عن سبيل الله‏} ‏ يجوز أن تكون { ‏الذين‏} ‏ في موضع خفض نعتا للظالمين، ويجوز أن تكون في موضع رفع؛ أي هم الذين‏.‏ وقيل‏:‏ هو ابتداء خطاب من الله تعالى؛ أي هم الذين يصدون أنفسهم وغيرهم عن الإيمان والطاعة‏.‏ { ‏ويبغونها عوجا‏} ‏ أي يعدلون بالناس عنها إلى المعاصي والشرك‏.‏ { ‏وهم بالآخرة هم كافرون‏} ‏ أعاد لفظ ‏ { ‏هم‏} ‏ تأكيدا‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 17 - 19

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه الآية تبدأ بخبر مؤكد في صيغة استفهام، حتى يأتي الإقرار من هؤلاء الذين افتروا على الله كذباً، والإقرار سيد الأدلة.

الواحد من هؤلاء المفترين إذا سمع السؤال وأدار ذهنه في الظالمين، فلن يجد ظلماً أفدح ولا أسوأ من الذي يفتري على الله كذباً، ويقر بذلك.

وهكذا شاء الحق سبحانه أن يأتي هذا الخبر في صيغة استفهام، ليأتي الإقرار اعترافاً بهذا الظلم الفظيع.

وهؤلاء المكذبون يُعرَضون على الله مصداقاً لقول الحق سبحانه:

{ أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ } [هود: 18].

والعرض إظهار الشيء الخفي لنقف على حاله.

ومثال ذلك في حياتنا: هو الاستعراض العسكري حتى يبيِّن الجيش قوته أمام الخصوم، وحتى تُبلغ الدولة غيرها من الدول بحجم قوتها.

وكذلك نجد الضابط يستعرض فرقته ليقف على حال أفرادها، ويقيس درجة انضباط كل فرد فيها وحسن هندامه، وقدرة الجنود على طاعة الأوامر.

ومثال آخر من حياتنا: فنحن نجد مدير المدرسة يستعرض تلاميذها لحظة إعلان نتائج الامتحان، ويرى المدير والتلاميذ خزي المقصر منهم أو الذي لم يؤد واجبه بالتمام.

فما بالنا بالعرض على الله تعالى، حين يرى المكذبون حالهم من الخزي؟

ذلك أنهم سيفاجأون بوجود الله الذي أنكروه افتراءً؛ لأن الحق سبحانه يقول:


{  وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ }
[النور: 39].

فأيُّ خزي ـ إذن ـ سيشعرون به؟!

ويُظهر الحق سبحانه وتعالى ما كان مخفيّا منهم حين يعرض الكل على الله تعالى مصداقاً لقوله سبحانه:


{  وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً }
[الكهف: 48].

وكذلك يُعرضون على النار؛ لأن الحق سبحانه هو القائل:


{  ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً }
[غافر: 46].

وهكذا يظهر الخزي والخجل والمهانة على هؤلاء الذين افتروا على الله تعالى.

وهو سبحانه يعلم كل شيء أزلاً، ولكنه سبحانه شاء بذلك أن يكشف الناس أمام بعضهم البعض، وأمام أنفسهم، حتى إذا ما رأى إنسان في الجنة إنساناً في النار، فلا يستثير هذا المشهد شفقة المؤمن؛ لأنه يعلم أن جزاء المفتري هو النار.

ويا ليت الأمر يقتصر على هذا الخزي، بل هناك شهادة الأشهاد؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول في نفس الآية:

{ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ } [هود: 18].

والأشهاد جمع له مفرد، هو مرة " شاهد " ، مثل " صاحب " و " أصحاب " ، ومرة يكون المفرد " شهيد " مثل " شريف " و " أشراف ".

والأشهاد منهم الملائكة؛ لأن الحق سبحانه يقول:


{  مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }
[ق: 18].

وكذلك الحق سبحانه:


{  وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }
[الإنفطار: 10ـ12].

أو شهود من الأنبياء الذين بلغوهم منهج الله؛ لأن الحق سبحانه يقول:


{  فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً }
[النساء: 41].

وأيضاً الشهيد على هؤلاء هو المؤمن من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فيبلِّغها إلى غيره، مصداقاً لقول الحق سبحانه:


{  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ }
[البقرة: 143].

وكلمة " الشهادة " تعني: تسجيل ما فعلوا، وتسجل أيضاً أنهم بُلِّغوا المنهج وعاندوه وخرجوا عليه، فارتكبوا الجريمة التي تقتضي العقاب، لأن العقوبة لا تكون إلا بجريمة، ولا تجريم إلا بنص، ولا نص إلا بإعلام.

ولذلك نجد القوانين التي تصدر من الدولة تحمل دائماً عبارة " يُعمل بالقانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية ".

إذن: فعمل الأشهاد أن يعلنوا أن الذين أنكروا الرسالة والرسول قد بُلِّغوا المنهج، وبُلِّغوا أن إنكار هذا المنهج وإنكار هذا الرسول هو الجريمة الكبرى، وأن عقوبة هذا الإنكار هي الخلود في النار.

ولأن الحق سبحانه وتعالى هو العدل نفسه؛ لذلك فلا عقاب إلا بالتأكيد من وقوع الجريمة، لذلك لا بد من شهادات متعددة، ولذلك يأتي الشاهد من الملائكة، وهو من جنس غير جنس المعروضين، ويأتي الشاهد من الأنبياء وهو من جنس البشر إلا أنه معصوم.

وكذلك يأتي الشاهد من الإخوة المؤمنين الذين يشهدون أنهم قد بُلِّغوا منهج الإيمان، ثم تأتي شهادة هي سيدة الشهادات كلها، وهي شهادة الأبعاض على الكل.

يقول الحق سبحانه:


{  وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
[فصلت: 19ـ21]ٍ.

فالجوارح تنطق لتقيم الحجة على أولئك المذنبين.

وسؤال المذنبين عن كيفية وقوع النطق لا لزوم له؛ لذلك نجد السؤال هنا " لمَ "؛ لأن الجوارح كانت هي أدوات المذنبين في ارتكاب الجرائم؛ لأن اليد هي التي امتدت لتسرق، واللسان هو الذي نطق قول الزور، والقلب هو الذي حقد، والساق هي التي مشت إلى المعصية.

والإنسان ـ كما نعلم ـ مركَّب من جوارح، وهذه الجوارح لها أجهزة تكوِّن الكل الإنساني، ومدير كل الجسم هو العقل، فهو الذي يأمر اليد لتمتد وتسرق، أو تمتد لتربت على اليتيم؛ والعين تأخذ أوامرها من العقل، فإما أن يأمرها بأن تنظر إلى جمال الكون، وتعتبر بما تراه من أحداث، أو يأمرها بأن تنظر إلى الحرام.

إذن: الجوارح خادمة مطيعة مُسخَّرة لذلك الإنسان وإرادته، لكن الأمر يختلف في الآخرة، حيث لا أمر لأحد إلا الله.

والحق سبحانه القائل:


{  لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 16].

فالجوارح تقول يوم القيامة لأصحابها: كنا نفعل ما تأمروننا به من المعاصي رغماً عنا؛ لأننا كنا مُسخَّرين لكم في الدنيا، والآن انحلَّتْ إرادتكم عنا فقلنا ما أجبرتمونا على فعله.

وهكذا تعترف الأشهاد، مصداقاً لقول الحق سبحانه:

{ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ } [هود: 18].

وما داموا قد كذبوا على ربهم، فالمكذوب عليه هو الله، ولا بد أن يطردهم من الرحمة، وهم قد ارتكبوا قمة الظلم وهو الشرك به والإلحاد وإنكار الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }


www.alro7.net