سورة
اية:

وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ

تفسير بن كثير

يقول تبارك وتعالى‏:‏ ‏ { ‏ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين‏} ‏ أي تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى‏:‏ ‏ { ‏كتب اللّه لأغلبن أنا ورسلي إن اللّه قوي عزيز‏} ‏، وقال عزَّ وجلَّ ‏ { ‏إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد‏} ‏، ولهذا قال جلَّ جلاله‏:‏ ‏ { ‏إنهم لهم المنصورون‏} ‏ أي في الدنيا والآخرة كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم، مممن كذبهم وخالفهم، كيف أهلك اللّه الكافرين ونجى عباده المؤمنين، ‏ { ‏وإن جندنا لهم الغالبون‏} ‏ أي تكون لهم العاقبة، وقوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏ { ‏فتول عنهم حتى حين‏} ‏ أي اصبر على أذاهم لك وانتظر إلى وقت مؤجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، وقوله جلت عظمته‏:‏ ‏ { ‏وأبصرهم فسوف يبصرون‏} ‏ أي انظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك، ولهذا قال تعالى على وجه التهديد والوعيد‏:‏ ‏ { ‏فسوف يبصرون‏} ‏، ثم قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏ { ‏أفبعذابنا يستعجلون‏} ‏ أي هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك، ومع هذا يستعجلون العذاب والعقوبة، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏ { ‏فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين‏} ‏ أي فإذا نزل العذاب بمحلتهم فبئس ذلك اليوم يومهم، بإهلاكهم ودمارهم، وقال السدي‏:‏ ‏ { ‏فإذا نزل بساحتهم‏} ‏ يعني بدارهم ‏ { ‏فساء صباح المنذرين‏} ‏ أي فبئس ما يصبحون أي بئس الصباح صباحهم، ولهذا ثبت في الصحيحين عن أنَس رضي اللّه عنه قال‏:‏ صبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش رجعوا، وهم يقولون‏:‏ محمد واللّه، محمد والخميس، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اللّه أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين‏)‏ ‏"‏أخرجه البخاري ومسلم عن أنس، ومعنى قولهم محمد والخميس أي محمد والجيش‏‏" وقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون‏} ‏ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك واللّه سبحانه وتعالى أعلم‏.

تفسير الجلالين

( ولقد سبقت كلمتنا ) بالنصر ( لعبادنا المرسلين ) وهي "" لأغلبن أنا ورسلي "".

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} قال الفراء : أي بالسعادة. وقيل : أراد بالكلمة قوله عز وجل: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة : 21] قال الحسن : لم يقتل من أصحاب الشرائع قط أحد { إنهم لهم المنصورون} أي سبق الوعد بنصرهم بالحجة والغلبة. { وإن جندنا لهم الغالبون} على المعنى ولو كان على اللفظ لكان هو الغالب مثل { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} [ص : 11]. وقال الشيباني : جاء ها هنا على الجمع من أجل أنه رأس آية. قوله تعالى: { فتول عنهم} أي أعرض عنهم. { حتى حين} قال قتادة : إلى الموت. وقال الزجاج : إلى الوقت الذي أمهلوا إليه. وقال ابن عباس : يعني القتل ببدر. وقيل : يعني فتح مكة. وقيل : الآية منسوخة بآية السيف. { وأبصرهم فسوف يبصرون} قال قتادة : سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار. وعسى من الله للوجوب وعبر بالإبصار عن تقريب الأمر؛ أي عن قريب يبصرون. وقيل : المعنى فسوف يبصرون العذاب يوم القيامة. { أفبعذابنا يستعجلون} كانوا يقولون من فرط تكذيبهم متى هذا العذاب؛ أي لا تستعجلوه فإنه واقع بكم. قوله تعالى: { فإذا نزل بساحتهم} أي العذاب. قال الزجاج : وكان عذاب هؤلاء بالقتل. ومعنى { بساحتهم} أي بدارهم؛ عن السدي وغيره. والساحة والسحسة في اللغة فناء الدار الواسع. الفراء { نزل بساحته} ونزل بهم سواء. { فساء صباح المنذرين} أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب. وفيه إضمار أي فساء الصباح صباحهم. وخص الصباح بالذكر؛ لأن العذاب كان يأتيهم فيه. ومنه الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه قال : لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي، فقالوا : محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم؛ فقال صلى الله عليه وسلم : (الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) وهو يبين معنى { فإذا نزل بساحتهم} يريد : النبي صلى الله عليه وسلم. { وتول عنهم} كرر تأكيدا. { وأبصر فسوف يبصرون} تأكيدا أيضا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الصّافات الايات 151 - 182

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى { سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا } [الصافات: 171] يعني: قلناها قبل الكون كله، وهذه الكلمة لها مترادفات: سبقت كلمتنا ووقعتْ وحقَّتْ، سبقتْ أي: لتحديدها قبل الحدوث، ووقعتْ ساعة الحدوث وحقَّت أي: هي حَقٌّ أنْ أقضي بقدرتي، وحَقٌّ أنْ تقع على مَنْ أريد. إذن: فهي معَانٍ ملتقية معاً ومتكاملة.

فما هي هذه الكلمة التي سبقتْ من الله لعباده المرسلين؟ هي قوله: { إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ } [الصافات: 172-173]

هاتان قضيتان: الرسل لا محالة منصورون، والجند لا محالة غالبون، هذه كلمة سبقتْ من الله وقضاءٌ لا يُرَدّ، لذلك أخذ العلماء وأهل المعرفة من هذه الآيات أن الجندية شروطاً، مَنِ استوفاها استحقَّ الغلبةَ، ومَنْ أخلَّ بها استحق الهزيمة.

فحين ننظر في نتيجة معركة بين مسلمين وكافرين، فإنِ انتصر المسلمون فاعلم أنهم حققوا شروط الجندية لله، وإنْ هُزِموا فعليهم أنْ ينظروا في أنفسهم ويبحثوا عن أسباب الخلل، ووجه المخالفة لقانون الجندية؛ لأنهم لو ظلُّوا على جنديتهم لله لَتحقَّق لهم وَعْدُ الله بالغلبة.

وهذه المسألة واضحة في معركة بدر وفي أُحُد، ففي بدر انتصر المسلمون؛ لأنهم لم يخالفوا قانون الجندية لله تعالى، لكن في أُحُد لم ينتصروا مع أن رسولَ الله بينهم، ولا تتعجب لذلك فهذا أمر طبيعي، ألم يخالفوا أمر رسول الله؟ بلى خالفوا، فكيف لو انتصروا مع هذه المخالفة؟ والله لو نصرهم اللهُ لَهانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولَقالُوا: خالفناه في يوم كذا وانتصرنا، إذن: النتيجة يوم أُحُد انهزم المسلمون المتخاذلون، لكن انتصر الإسلام وعَلَتْ قوانينه ومبادئه.

أما الرسل فهم واثقون من وَعْد الله لهم بالنصر، وهذه مسألة عندهم لا تُناقَش، والدليل على ذلك من قصة سيدنا موسى - عليه السلام -، فلما خرج من مصر ببني إسرائيل فأتبعه فرعون وجنوده، حتى كاد أنْ يدركه عند شاطئ البحر، وحتى قال قوم موسى
{  إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }
[الشعراء: 61].

فبماذا رَدَّ سيدنا موسى؟ (قال كلا) هكذا بملء فيه يُكذِّب واقعاً يمكن أن يحدث بعد لحظة واحدة، فالبحر من أمامهم والعدو من خلفهم، لكنه يقول
{  كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }
[الشعراء: 62].

هذه هي الثقة في كلمة { إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ } [الصافات: 172] أي: الرسل.


www.alro7.net