سورة
اية:

إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ

تفسير بن كثير

هذا تعليم من اللّه عزَّ وجلَّ لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره اللّه عزَّ وجلَّ أن يستمع له، وتكفل اللّه له أن يجمعه في صدره، وأن يبينه له ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه، ولهذا قال تعالى: { لا تحرك به لسانك لتعجل به} أي بالقرآن كما قال تعالى: { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} الآية، ثم قال تعالى: { إن علينا جمعه} أي في صدرك، { وقرآنه} أي أن تقرأه، { فإذا قرأناه} أي إذا تلاه عليك الملك عن اللّه تعالى { فاتبع قرآنه} أي فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك، { ثم إن علينا بيانه} أي بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا. عن ابن عباس قال: (كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك شفتيه، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه} قال: جمعه في صدرك، ثم تقرأه { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} أي فاستمع له وأنصت، { ثم إنّ علينا بيانه} فكان بعد ذلك إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه ""أخرجه أحمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه"". وفي رواية للبخاري: فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده اللّه عزَّ وجلَّ، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه، يتلقى أوله ويحرك به شفتيه، خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل اللّه تعالى: { لا تحرك به لسانك لتعجل به} ""أخرجه ابن أبي حاتم"". وقال ابن عباس: كان لا يفتر من القرآن مخافة أن ينساه، فقال اللّه تعالى: { لا تحرك به لسانك لتعجل به إنا علينا جمعه} أن نجمعه لك { وقرآنه} أن نقرئك فلا تنسى، وقال ابن عباس { ثم إن علينا بيانه} تبيين حلاله وحرامه، وكذا قال قتادة. وقوله تعالى: { كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة} أي إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة، أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة، وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة، ثم قال تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة} من النضارة أي حسنة بهية مشرقة مسرورة، { إلى ربها ناظرة} أي تراه عياناً، كما رواه البخاري في صحيحه: (إنكم سترون ربكم عياناً) وقد ثبتت رؤية المؤمنين للّه عزَّ وجلَّ في الدار الآخرة، في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها، لحديث أبي هريرة وهما في الصحيحين أن ناساً قالوا: يا رسول اللّه هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: (هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟) قالوا: لا، قال: (إنكم ترون ربكم كذلك) ""أخرجه الشيخان"". وفي الصحيحين عن جرير قال: نظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر، فقال: (إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا) ""أخرجاه في الصحيحين""، وفي الصحيحين عن أبي موسى قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى اللّه عزَّ وجلَّ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ""رواه البخاري ومسلم"". وفي مسلم عن صهيب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة - قال - يقول اللّه تعالى تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم وهي الزيادة)، ثم تلا هذه الآية: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} ""رواه مسلم""، ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم عزَّ وجلَّ في العرصات وفي روضات الجنات، وروى الإمام أحمد، عن ابن عمر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه اللّه كل يوم مرتين) ""أخرجه أحمد والترمذي""، قال الحسن { وجوه يومئذ ناضرة} قال: حسنة، { إلى ربها ناظرة} قال: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وقوله تعالى: { ووجوه يومئذ باسرة . تظن أن يفعل بها فاقرة} هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة، قال قتادة: كالحة، وقال السدي: تغير ألوانها، وقال ابن زيد { باسرة} أي عابسة { تظن} أي تستيقن { أن يفعل بها فاقرة} قال مجاهد: داهية، وقال قتادة: شر، وقال السدي: تستيقن أنها هالكة، وقال ابن زيد: تظن أنها ستدخل النار، وهذا المقام كقوله تعالى: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} ، وكقوله تعالى: { وجوه يومئذ مسفرة . ضاحكة مستبشرة} ، وكقوله تعالى: { وجوه يومئذ ناعمة . لسعيها راضية . في جنة عالية} وأشباه ذلك من الآيات الكريمة.

تفسير الجلالين

{ إن علينا جمعه } في صدرك { وقرآنه } قراءتك إياه أي جريانه على لسانك.

تفسير القرطبي

قوله تعالى { لا تحرك به لسانك لتعجل به} في الترمذي : عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه، يريد أن يحفظه، فأنزل الله تبارك وتعالى { لا تحرك به لسانك لتعجل به} قال : فكان يحرك به شفتيه. وحرك سفيان شفتيه. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح. ولفظ مسلم عن ابن جبير عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه، فقال لي ابن عباس : أنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما؛ فقال سعيد : أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه؛ فأنزل الله عز وجل { لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه} قال جمعه في صدرك ثم تقرؤه { فإذا قرآناه فاتبع قرآنه} قال فاستمع له وأنصت. ثم إن علينا أن نقرأه؛ قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليهما السلام استمع، وإذا انطلق جبريل عليه السلام قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه؛ خرجه البخاري أيضا. ونظير هذه الآية قوله تعالى { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} [طه : 114] وقد تقدم. وقال عامر الشعبي : إنما كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حبه له، وحلاوته في لسانه، فنهى عن ذلك حتى يجتمع؛ لأن بعضه مرتبط ببعض، وقيل : كان عليه السلام إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه، فنزلت { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} [طه : 114] ونزل { سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى : 6] ونزل { لا تحرك به لسانك} قاله ابن عباس { وقرآنه} أي وقراءته عليك. والقراءة والقرآن في قول الفراء مصدران. وقال قتادة { فاتبع قرآنه} أي فاتبع شرائعه وأحكامه. { ثم إن علينا بيانه} أي تفسير ما فيه من الحدود والحلال والحرام؛ قاله قتادة. وقيل : ثم إن علينا بيان ما فيه من الوعد والوعيد وتحقيقهما وقيل : أي إن علينا أن نبينه بلسانك. { كلا} قال ابن عباس : أي إن أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه. وقيل : أي كلا لا يصلون ولا يذكون يريد كفار مكة. { بل تحبون} أي بل تحبون يا كفار أهل مكة { العاجلة} أي الدار الدنيا والحياة فيها { وتذرون} أي تدعون { الآخرة} والعمل لها. وفي بعض التفسير قال : الآخرة الجنة. وقرأ أهل المدينة والكوفيون { بل تحبون} { وتذرون} بالتاء فيهما على الخطاب واختاره أبو عبيد؛ قال : ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء؛ لذكر الإنسان قبل ذلك. الباقون بالياء على الخبر، وهو اختيار أبي حاتم، فمن قرأ بالياء فردا على قوله تعالى { ينبأ الإنسان} [القيامة : 13] وهو بمعنى الناس. ومن قرأ بالتاء فعلى أنه واجههم بالتقريع؛ لأن ذلك أبلغ في المقصود؛ نظيره { إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا} [الإنسان : 27].


www.alro7.net