سورة
اية:

وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويستمعون كلامه فلا يفهمون منه شيئاً، فإذا خرجوا من عنده { قالوا للذين أوتوا العلم} من الصحابة رضي اللّه عنهم { ماذا قال آنفاً} ؟ أي الساعة لا يعقلون ما قال، ولا يكترثون له، قال اللّه تعالى: { أولئك الذين طبع اللّه على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} أي فلا فهم صحيح ولا قصد صحيح، ثم قال عزَّ وجلَّ: { والذين اهتدوا زادهم هدى} أي والذين قصدوا الهداية، وفقهم اللّه تعالى لها، فهداهم إليها وثبتهم عليها وزادهم منها، { وآتاهم تقواهم} أي ألهمهم رشدهم. وقوله تعالى: { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} ؟ أي وهم غافلون عنها { فقد جاء أشراطها} أي أمارات اقترابها، كقوله تعالى: { أزفت الأزفة} ، وكقوله جلت عظمته: { اقتربت الساعة وانشق القمر} ، وقوله سبحانه وتعالى: { أتى أمر اللّه فلا تستعجلوه} . فبعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أشراط الساعة لأنه خاتم الرسل، الذي أكمل اللّه تعالى به الدين، وأقام به الحجة على العالمين، وقد أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأمارات الساعة وأشراطها وهو عليه السلام الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي، روى البخاري عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال بأصبعيه - هكذا بالوسطى والتي تليها - (بعثت أنا والساعة كهاتين). ثم قال تعالى: { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} ؟ أي فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة، حيث لا ينفعهم ذلك؟ كقوله تعالى: { يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} ، وقوله عزَّ وجلَّ: { فاعلم أنه لا إلا إله إلا اللّه} هذا إخبار بأنه لا إله إلا اللّه، ولهذا عطف عليه قوله عزَّ وجلَّ: { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} وفي الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي)، وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت)، وفي الصحيح أنه قال: (يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني استغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)، وعنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (وعليكم بلا إله إلا اللّه والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال: إنما أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا اللّه والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون) ""أخرجه الحافظ أبو يعلى""، وفي الأثر المروي: (قال إبليس: وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال اللّه عزَّ وجلَّ: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني)، والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جداً، وقوله تبارك وتعالى: { واللّه يعلم متقلبكم ومثواكم} أي يعلم تصرفكم في نهاركم، ومستقركم في ليلكم، كقوله تعالى: { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} ، وقوله سبحانه وتعالى: { وما من دابة في الأرض إلا على اللّه رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما { متقلبكم} في الدنيا و { مثواكم} في الآخرة، وقال السدي: متقلبكم في الدنيا ومثواكم في قبوركم، والأول أولى وأظهر، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ والذين اهتدوا } وهم المؤمنون { زادهم } الله { هدىّ وآتاهم تقواهم } ألهمهم ما يتقون به النار .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَمَّا الَّذِينَ وَفَّقَهُمْ اللَّه لِاتِّبَاعِ الْحَقّ , وَشَرَحَ صُدُورهمْ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مِنْ الَّذِينَ اِسْتَمَعُوا إِلَيْك يَا مُحَمَّد , فَإِنَّ مَا تَلَوْته عَلَيْهِمْ , وَسَمِعُوهُ مِنْك { زَادَهُمْ هُدًى } يَقُول : زَادَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانهمْ , وَبَيَانًا لِحَقِيقَةِ مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه إِلَى الْبَيَان الَّذِي كَانَ عِنْدهمْ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الَّذِي تَلَا عَلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآن , فَقَالَ أَهْل النِّفَاق مِنْهُمْ لِأَهْلِ الْإِيمَان , مَاذَا قَالَ آنِفًا , وَزَادَ اللَّه أَهْل الْهُدَى مِنْهُمْ هُدًى , كَانَ بَعْض مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْقُرْآن يَنْسَخ بَعْض مَا قَدْ كَانَ الْحُكْم مَضَى بِهِ قَبْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24287 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه الْقُرْآن آمَنُوا بِهِ , فَكَانَ هُدًى , فَلَمَّا تَبَيَّنَ النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ زَادَهُمْ هُدًى. وَقَوْله : { وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَعْطَى اللَّه هَؤُلَاءِ الْمُهْتَدِينَ تَقْوَاهُمْ , وَذَلِكَ اِسْتِعْمَاله إِيَّاهُمْ تَقْوَاهُمْ إِيَّاهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَمَّا الَّذِينَ وَفَّقَهُمْ اللَّه لِاتِّبَاعِ الْحَقّ , وَشَرَحَ صُدُورهمْ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مِنْ الَّذِينَ اِسْتَمَعُوا إِلَيْك يَا مُحَمَّد , فَإِنَّ مَا تَلَوْته عَلَيْهِمْ , وَسَمِعُوهُ مِنْك { زَادَهُمْ هُدًى } يَقُول : زَادَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانهمْ , وَبَيَانًا لِحَقِيقَةِ مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه إِلَى الْبَيَان الَّذِي كَانَ عِنْدهمْ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الَّذِي تَلَا عَلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآن , فَقَالَ أَهْل النِّفَاق مِنْهُمْ لِأَهْلِ الْإِيمَان , مَاذَا قَالَ آنِفًا , وَزَادَ اللَّه أَهْل الْهُدَى مِنْهُمْ هُدًى , كَانَ بَعْض مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْقُرْآن يَنْسَخ بَعْض مَا قَدْ كَانَ الْحُكْم مَضَى بِهِ قَبْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24287 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه الْقُرْآن آمَنُوا بِهِ , فَكَانَ هُدًى , فَلَمَّا تَبَيَّنَ النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ زَادَهُمْ هُدًى. وَقَوْله : { وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَعْطَى اللَّه هَؤُلَاءِ الْمُهْتَدِينَ تَقْوَاهُمْ , وَذَلِكَ اِسْتِعْمَاله إِيَّاهُمْ تَقْوَاهُمْ إِيَّاهُ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ومنهم من يستمع إليك} أي من هؤلاء الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وزين لهم سوء عملهم قوم يستمعون إليك وهم المنافقون : عبدالله بن أبي سلول ورفاعة بن التابوت وزيد بن الصليت والحارث بن عمرو ومالك بن دخشم، كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه، فإذا خرجوا سألوا عنه، قاله الكلبي ومقاتل. وقيل : كانوا يحضرون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين، فيستمعون منه ما يقول، فيعيه المؤمن ولا يعيه الكافر. { حتى إذا خرجوا من عندك} أي إذا فارقوا مجلسك. { قالوا للذين أوتوا العلم} قال عكرمة : هو عبدالله بن العباس. قال ابن عباس : كنت ممن يُسأل، أي كنت من الذين أوتوا العلم. وفي رواية عن ابن عباس : أنه يريد عبدالله بن مسعود. وكذا قال عبدالله بن بريدة : هو عبدالله بن مسعود. وقال القاسم بن عبدالرحمن : هو أبو الدرداء. وقال ابن زيد : إنهم الصحابة. { ماذا قال آنفا } أي الآن، على جهة الاستهزاء. أي أنا لم ألتفت إلى قوله. و { آنفا} يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات إليك، من قولك : استأنفت الشيء إذا ابتدأت به. ومنه أمر أنف، وروضة أنف، أي لم يرعها أحد. وكأس أنف : إذا لم يشرب منها شيء، كأنه استؤنف شربها مثل روضة أنف. قال الشاعر : ويحرم سر جارتهم عليهم ** ويأكل جارهم أنف القصاع وقال آخر : إن الشواء والنشيل والرغف ** والقينة الحسناء والكأس الأنف للطاعنين الخيل والخيل قطف وقال امرؤ القيس : قد غدا يحملني في أنفه أي في أوله. وأنف كل شيء أوله. وقال قتادة في هؤلاء المنافقين : الناس رجلان : رجل عقل عن الله فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل ولم ينتفع بما سمع. وكان يقال : الناس ثلاثة : فسامع عامل، وسامع عاقل، وسامع غافل تارك. قوله تعالى { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} فلم يؤمنوا. { واتبعوا أهواءهم} في الكفر. { والذين اهتدوا} أي للإيمان زادهم الله هدى. وقيل : زادهم النبي صلى الله عليه وسلم هدى. وقيل : ما يستمعونه من القرآن هدى، أي يتضاعف يقينهم. وقال الفراء : زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى. وقيل : زادهم نزول الناسخ هدى. وفي الهدى الذي زادهم أربعة أقاويل : أحدها : زادهم علما، قاله الربيع بن أنس. الثاني : أنهم علموا ما سمعوا وعملوا بما علموا، قاله الضحاك. الثالث : زادهم بصيرة في دينهم وتصديقا لنبيهم، قاله الكلبي. الرابع : شرح صدورهم بما هم عليه من الإيمان. قوله تعالى { وآتاهم تقواهم} أي ألهمهم إياها. وقيل : فيه خمسة أوجه : أحدها : آتاهم الخشية، قاله الربيع. الثاني : ثواب تقواهم في الآخرة، قاله السدي. الثالث : وفقهم للعمل الذي فرض عليهم، قاله مقاتل. الرابع : بين لهم ما يتقون، قاله ابن زياد والسدي أيضا. الخامس : أنه ترك المنسوخ والعمل بالناسخ، قاله عطية. الماوردي : ويحتمل. سادسا : أنه ترك الرخص والأخذ بالعزائم. وقرئ { وأعطاهم} بدل { وآتاهم} . وقال عكرمة : هذه نزلت فيمن آمن من أهل الكتاب.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة محمد الايات 16 - 22

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { زَادَهُمْ هُدًى... } [محمد: 17] أي: بالتوفيق وبالمعونة على الطاعة { وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } [محمد: 17] فكأن التقوى هي التي تأتي إليهم لا يذهبون هم إليها، يسَّرها لهم وحبَّبها إليهم، في حين أن البعض يظن أن التكاليف مشقة على النفس وقيْد يقيدها لكن أبداً؟

المتأمل يحد في التكليف راحة وطمأنينة للنفس والبال، التكليف عصمة للنفس ووقاية لها من المعاطب، لذلك أقرأ مثلاً:
{  أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ... }
[البقرة: 5].

ومعنى
{  عَلَىٰ هُدًى... }
[البقرة: 5] أن الهدى مطيَّتهم إلى الغاية التي يقصدونها، فهو ليس عبئاً على العبد لأن الخالق سبحانه لم يكلفنا أبداً ما لا نطيق، وما استعبدنا إلا لمصحلتنا نحن في استقامة الدنيا وسلامة الآخرة.

لذلك قلنا: إن العبودية لغير الله ذل وهوان، والعبودية لله عزّ وشرف، فالعبودية للبشر تعطي السيد خير عبده لكن العبودية لله تعطيك خير الله.

حين يفهم العبدُ العبادةَ بهذا العنى يحبها ويتشوَّق إليها ويجد فيها لذة لا تُدانيها لذة، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال مؤذنه: " أرحنا منها يا بلال " أي: بالصلاة، فكم هي سهلة خفيفة على قلب المؤمن، وكم هي ثقيلة على قلب المنافق.

إذن: من الهدى أنْ تصلي كما يصلي عامة الناس، ومن زيادة الهدى أنْ تتشوق للصلاة وتنتظرها وتجد فيها راحتك، لأنك في حضرة ربك عز وجل، والله غيْب ويصلح عبده أيضاً بالغيب، فالصلاة تصلحك وتصلح حالك من حيث لا تدري.

ومن ثمرات التقوى قوله تعالى:
{  يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }
[الأنفال: 29].

فمنْ يتقي الله بموجب الفرقان الذي جاءه من الله وهو القرآن يزيده، بأنْ يجعل له هو فرقاناً آخر خاصاً به، فرقاناً يهديه وينير له الطريق ويُميز به بين الأشياء.

إذن: ما عليك في مسألة التقوى إلا أنْ تسير إليها تقصدها لتفعل وتطيع، ثم ستجدها هي التي تسعى إليك وتطلبك.


www.alro7.net