سورة
اية:

الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته، كالسقف لها كما قال تعالى: { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} . وقد ذكر غير واحد أن العرش من ياقوتة حمراء اتساع ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، وقوله تعالى: { يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} ، كقوله جلت عظمته: { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أن لا إله إلا أنا فاتقون} ، وكقوله تعالى: { نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين} ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { لينذر يوم التلاق} ، قال ابن عباس: { يوم التلاق} اسم من أسماء يوم القيامة حذر اللّه منه عباده، يلتقي فيه آدم وآخر ولده، وقال ابن زيد: يلتقي فيه العباد. وقال قتادة والسدي: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والخالق والخلق، وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم، وقد يقال إن يوم التلاق يشمل هذا كله ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشر كما قاله آخرون، وقوله جلَّ جلاله: { يوم هم بارزون لا يخفى على اللّه منهم شيء} أي ظاهرون بادون كلهم، لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا يسترهم، { لمن الملك اليوم؟ للّه الواحد القهار} قد تقدم في حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه تعالى يطوي السماوات والأرض بيده، ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ وفي حديث الصور أنه عزَّ وجلَّ إذا قبض أرواح جميع خلقه فلم يبق سواه وحده لا شريك له، حينئذ يقول: { لمن الملك اليوم} ؟ ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه قائلاً: { للّه الواحد القهار} أي الذي قهر كل شيء وغلبه، وقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات، قال، وينزل اللّه عزَّ وجلَّ إلى السماء الدنيا ويقول: { لمن الملك اليوم، للّه الواحد القهار} "أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفاً" وقوله جلّت عظمته: { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن اللّه سريع الحساب} يخبر تعالى عن عدله بين خلقه، أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها وبالسيئة واحدة، ولهذا قال تبارك وتعالى: { لا ظلم اليوم} كما ثبت في صحيح مسلم: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا - إلى أن قال - يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد اللّه تبارك وتعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). وقوله عزَّ وجلَّ: { إن اللّه سريع الحساب} أي يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفساً واحدة، كما قال جلَّ وعلا: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} .

تفسير الجلالين

{ اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب } يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْم تُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيله يَوْم الْقِيَامَة حِين يَبْعَث خَلْقه مِنْ قُبُورهمْ لِمَوْقِفِ الْحِسَاب : { الْيَوْم تُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ } يَقُول : الْيَوْم يُثَاب كُلّ عَامِل بِعَمَلِهِ , فَيُوَفَّى أَجْر عَمَله , فَعَامِل الْخَيْر يُجْزَى الْخَيْر , وَعَامِل الشَّرّ يُجْزَى جَزَاءَهُ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْم تُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيله يَوْم الْقِيَامَة حِين يَبْعَث خَلْقه مِنْ قُبُورهمْ لِمَوْقِفِ الْحِسَاب : { الْيَوْم تُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ } يَقُول : الْيَوْم يُثَاب كُلّ عَامِل بِعَمَلِهِ , فَيُوَفَّى أَجْر عَمَله , فَعَامِل الْخَيْر يُجْزَى الْخَيْر , وَعَامِل الشَّرّ يُجْزَى جَزَاءَهُ.' وَقَوْله : { لَا ظُلْم الْيَوْم } يَقُول : لَا بَخْس عَلَى أَحَد فِيمَا اِسْتَوْجَبَهُ مِنْ أَجْر عَمَله فِي الدُّنْيَا , فَيَنْقُص مِنْهُ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا , وَلَا حُمِلَ عَلَى مُسِيء إِثْم ذَنْب لَمْ يَعْمَلهُ فَيُعَاقَب عَلَيْهِ { إِنَّ اللَّه سَرِيع الْحِسَاب } يَقُول : إِنَّ اللَّه ذُو سُرْعَة فِي مُحَاسَبَة عِبَاده يَوْمئِذٍ عَلَى أَعْمَالهمْ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا ; ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْم لَا يَنْتَصِف حَتَّى يَقِيل أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة , وَأَهْل النَّار فِي النَّار , وَقَدْ فُرِغَ مِنْ حِسَابهمْ , وَالْقَضَاء بَيْنهمْ .وَقَوْله : { لَا ظُلْم الْيَوْم } يَقُول : لَا بَخْس عَلَى أَحَد فِيمَا اِسْتَوْجَبَهُ مِنْ أَجْر عَمَله فِي الدُّنْيَا , فَيَنْقُص مِنْهُ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا , وَلَا حُمِلَ عَلَى مُسِيء إِثْم ذَنْب لَمْ يَعْمَلهُ فَيُعَاقَب عَلَيْهِ { إِنَّ اللَّه سَرِيع الْحِسَاب } يَقُول : إِنَّ اللَّه ذُو سُرْعَة فِي مُحَاسَبَة عِبَاده يَوْمئِذٍ عَلَى أَعْمَالهمْ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا ; ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْم لَا يَنْتَصِف حَتَّى يَقِيل أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة , وَأَهْل النَّار فِي النَّار , وَقَدْ فُرِغَ مِنْ حِسَابهمْ , وَالْقَضَاء بَيْنهمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { هو الذي يريكم آياته} أي دلائل توحيده وقدرته { وينزل لكم من السماء رزقا} جمع بين إظهار الآيات وإنزال الرزق؛ لأن بالآيات قوام الأديان، وبالرزق قوام الأبدان. وهذه الآيات هي السموات والأرضون وما فيهما وما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والبخار والأنهار والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هلكوا. { وما يتذكر} أي ما يتعظ بهذه الآيات فيوحد الله { إلا من ينيب} أي يرجع إلى طاعة الله. { فادعوا الله} أي اعبدوه { مخلصين له الدين} أي العبادة. وقيل : الطاعة. { ولو كره الكافرون} عبادة الله فلا تعبدوا أنتم غيره. قوله تعالى: { رفيع الدرجات ذو العرش} { ذو العرش} على إضمار مبتدأ. قال الأخفش : ويجوز نصبه على المدح. ومعنى { رفيع الدرجات} أي رفيع الصفات. وقال ابن عباس والكلبي وسعيد بن جبير : رفيع السموات السبع. وقال يحيى بن سلام : هو رفعة درجة أوليائه في الجنة فـ { رفيع} على هذا بمعنى رافع فعيل بمعنى فاعل. وهو على القول الأول من صفات الذات، ومعناه الذي لا أرفع قدرا منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، وهي أصنافها وأبوابها لا مستحق لها غيره قاله الحليمي. وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى والحمد لله. { ذو العرش} أي خالقه ومالكه لا أنه محتاج إليه. وقيل : هو من قولهم : ثل عرش فلان أي زال ملكه وعزه، فهو سبحانه { ذو العرش} بمعنى ثبوت ملكه وسلطانه وقد بيناه في الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. { يلقي الروح} أي الوحي والنبوة { على من يشاء من عباده} وسمي ذلك روحا لأن الناس يحيون به؛ أي يحيون من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد : الروح القرآن؛ قال الله تعالى: { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى : 52]. وقيل : الروح جبريل؛ قال الله تعالى: { نزل به الروح الأمين على قلبك} [الشعراء : 193] وقال: { قل نزله روح القدس من ربك بالحق} [النحل : 102]. { من أمره} أي من قوله. وقيل : من قضائه. وقيل: { من} بمعنى الباء أي بأمره. { على من يشاء من عباده} وهم الأنبياء يشاء هو أن يكونوا أنبياء وليس لأحد فيهم مشيئة. { لينذر يوم التلاق} أي إنما يبعث الرسول لإنذار يوم البعث. فقوله: { لينذر} يرجع إلى الرسول. وقيل : أي لينذر الله ببعثه الرسل إلى الخلائق { يوم التلاق} . وقرأ ابن عباس والحسن وابن السميقع { لتنذر} بالتاء خطابا للنبي عليه السلام. { يوم التلاق} قال ابن عباس وقتاده : يوم تلتقي أهل السماء وأهل الأرض. وقال قتادة أيضا وأبو العالية ومقاتل : يلتقي فيه الخلق والخالق. وقيل : العابدون والمعبودون. وقيل : الظالم والمظلوم. وقيل : يلقى كل إنسان جزاء عمله. وقيل : يلتقي الأولون والآخرون على صعيد واحد؛ روي معناه عن ابن عباس. وكله صحيح المعنى. قوله تعالى: { يوم هم بارزون} يكون بدلا من يوم الأول. وقيل: { هم} في موضع رفع بالابتداء و { بارزون} خبره والجملة في موضع خفض بالإضافة؛ فلذلك حذف التنوين من { يوم} وإنما يكون هذا عند سيبويه إذا كان الظرف بمعنى إذ؛ تقول لقيتك يوم زيد أمير. فإن كان بمعنى إذا لم يجز نحو أنا ألقاك يوم زيد أمير. ومعنى: { بارزون} خارجون من قبورهم لا يسترهم شيء؛ لأن الأرض يومئذ قاع صفصف لا عوج فيها ولا أمتا على ما تقدم في { طه} بيانه. { لا يخفى على الله منهم شيء} قيل : إن هذا هو العامل في { يوم هم بارزون} أي لا يخفى عليه شيء منهم ومن أعمالهم { يوم هم بارزون} . { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} وذلك عند فناء الخلق. وقال الحسن : هو السائل تعالى وهو المجيب؛ لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه فيجيب نفسه سبحانه فيقول: { لله الواحد القهار} . النحاس : وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال : (يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر مناد ينادي { لمن الملك اليوم} فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم { لله الواحد القهار} فيقول المؤمنون هذا الجواب} سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا. فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد؛ لأنه لا فائدة فيه، والقول صحيح عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل. قلت : والقول الأول ظاهر جدا؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كل ملك وملكه ومتكبر وملكه وانقطعت نسبهم ودعاويهم، ودل على هذا قوله الحق عند قبض الأرض والأرواح وطي السماء { أنا الملك أين ملوك الأرض} كما تقدم في حديث أبي هريرة وفي حديث ابن عمر، ثم يطوي الأرض بشماله والسموات بيمينه، ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون. وعنه قوله سبحانه: { لمن الملك اليوم} هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر. قال محمد بن كعب قوله سبحانه: { لمن الملك اليوم} يكون بين النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكا ولا مملوكا فيقول: { لمن الملك اليوم} فلا يجيبه أحد؛ لأن الخلق أموات فيجيب نفسه فيقول: { لله الواحد القهار} لأنه بقي وحده وقهر خلقه. وقيل : إنه ينادي مناد فيقول: { لمن الملك اليوم} فيجيبه أهل الجنة { لله الواحد القهار} فالله أعلم. ذكره الزمخشري. قوله تعالى: { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} أي يقال لهم إذا أقروا بالملك يومئذ لله وحده { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} من خير أوشر. { لا ظلم اليوم} أي لا ينقص أحد شيئا مما عمله. { إن الله سريع الحساب} أي لا يحتاج إلى تفكر وعقد يد كما يفعله الحساب؛ لأنه العالم الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره؛ وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. وقد مضى هذا المعنى في { البقرة} . وفي الخبر : ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 12 - 17


سورة غافر الايات 17 - 27

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ ٱلْيَوْمَ } يعني: يوم القيامة { تُجْزَىٰ } تُحاسب { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ } [غافر: 17] قلنا: إن كسب تأتي للخير واكتسب للشر، وعلماء اللغة يقولون: إن كل زيادة في بنية الكلمة لابدَّ أن يقابلها زيادة في المعنى، لذلك كسب غير اكتسب. كسب على وزن فعل أيْ يأتي الفعل منك طبيعياً لا تكلّف فيه، إنما اكتسب يعني افتعل ففيه افتعال ومحاولة.

فالخير لا يحتاج منك إلى تعب، على خلاف الشر فيحتاج إلى تعب ومشقة وتلصُّص، يقول تعالى:
{  لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ }
[البقرة: 286] وقد أوضحنا هذه المسـألة بالرجل الذي يجلس بين أهله وفيهم جميلات زوجته وبناته وخالاته وعماته.. الخ فينظر إلى هذا الجمال دون تكلُّف ولا تحرّج، أمّا في غير المحارم فإنه يختلس النظرة وينفعل لها ويحاول ألاَّ يراه أحد.

كذلك نلحظ هذه المسألة في المرأة تحمل من حلال والأخرى من الحرام، وكيف أن الأولى تُدِلّ بحملها وتتباهى به، أما الأخرى فتحاول جاهدة أنْ تُخفيه وأنْ تتخلص منه، ففرحة الأولى وحسرة الأخرى هو الفرق بين الحلال والحرام.

كذلك الإنسان إذا أخذ شيئاً من بيته يأخذه علانية بلا تكلّف وبلا تخطيط، إنما إنْ أراد أنْ يسرق من بيوت الآخرين فإنه يحتال لذلك ويخطط له، إذن: نقول الحلال لا يُتعب صاحبه إنما الحرام هو الذي يتعب الدنيا كلها.

أما في قوله تعالى:
{  بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً.. }
[البقرة: 81] فقد استعملت كسب هنا في الشر، فلماذا؟ قالوا: هذا حين تصير السيئةُ عند صاحبها إلْفاً وعادة يفعلها بلا تكلُّف وبلا مشقة على نفسه وكأنها حسنة، فلما تعوَّد عليها صارتْ في حقه كسْباً لا اكتساباً، وهذا الذي نسميه (الفاقد) أي: الذي تجرّأ على الحرام وألِفَ المعصية حتى صارتْ له عادة.

ومثل ذلك في النظر في قوله تعالى:
{  يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ }
[غافر: 19] إذن: هناك خائنة أعين، وهناك أمينة أعين، أمينة أعين حين تنظر إلى الحلال، وخائنة أعين حين تنظر إلى المحرم.

حتى في الناحية الاقتصادية التي تحكم الشعوب وبها يُقاس تقدُّم الأمم ورُقيها نقول: الحلال لا يكلِّف إنما الذي يكلف الحرام - هذا من الناحية الاقتصادية - لأن الأصل في الحلال
{  وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ }
[الأعراف: 31] وفي الحديث الشريف: " نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع ".

ولو عِشْنا على هذه الأصول لكفَانا القليل، ولك أنْ تجرب نفسك فلا تأكل إلا على جوع، وساعتها ستجد اللقمة لذيذة ولو كانت بملح، فكأن استقامتك على دين الله تُريحك وتسترك ولا تتعبك في حركة الحياة، ولا تحتاج منك لمزيد من العمل ولمزيد من المال.

كذلك إذا أكلنا لا نشبع، وأنتم تروْنَ الذي يأكل حتى التخمة وحتى يحتاج إلى مهضم، فشقَّ على نفسه وكلفها في الطعام وفي تصريف الطعام.ثم يقول سبحانه: { لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } [غافر: 17] نعم لأن الحاكم في هذا اليوم هو الله العدل المطلق، وكأن الحق سبحانه يقول: الظلم عندكم أنتم أيها البشر، فقد أمهلناكم في الدنيا تربعون فيها بالظلم. يظلم القوي الضعيف، ويظلم الغني الفقير، ويظلم الحاكم المحكومين إنما اليوم { لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } [غافر: 17] لقط وصل بكم الظلم في الدنيا إلى غايته حين أشركتم بالله.

لذلك قال سبحانه:
{  إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
[لقمان: 13] نعم ظلم بيِّنٌ واضح؛ لأن الظلم معناه أنْ تأخذ حقَّ الغير لك، أو تأخذ الحق من صاحبه وتعطيه لغير صاحبه، وهذا هو ما حدث منكم حين أشركتم بالله فأخذتم منه سبحانه الألوهية، وجعلتموها للأصنام.

الظلم يأتي من عدة وجوه. فمن الظلم أنْ تعمل خيراً ولا تجزي به خيراً، ومن الظلم أنْ تعمل الحسنة تستحق عليها عشرة فيعطيك خمسة، ومن الظلم أن تعمل السيئة ولا تُحاسب عليها، ومن الظلم ألاَّ تعمل سيئة وتُحاسب عليها.

إذن: كل اختلال في موازين الملكية والنفعية من العمل تُعَد ظلماً؛ لذلك قال تعالى في الحديث القدسي: " يا عبادي، إني حرمتُ الظلم على نفسي فلا تظالموا ".

كان هذا في الدنيا، أما في القيامة فأنتم أمام الحاكم العادل وفي رحاب العدل المطلق الذي لا يُحابي أحداً على حساب أحد، وليس له ولد ولا صاحبة فيميل عن الحق لأجلهما.

لذلك قلنا: إن الجن كانوا أصدق استقبالاً منا حين قال:
{  وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً }
[الجن: 3] لأن معظم الفساد يأتي من هذين: الصاحبة والولد.

وقوله سبحانه: { إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } [غافر: 17] إشارة إلى طلاقة قدرته تعالى في الفصل بين الناس وفي مجازاتهم على أعمالهم، وكأنه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أن موقف الحساب يشقّ علينا، أو أنه سيأخذ وقتاً طويلاً، لا فعندنا حسابات أخرى ليس عندنا جلسة تطول ولا جلسة تتأجل.

{ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } [غافر: 17] لأن الله تعالى فعلَ فِعْله بكُنْ لا يفعل بعلاج كما تفعلون، والدليل على ذلك أن في دنيا الناس آلاف وملايين القضاة يحكمون بين الناس بالحق في آلاف وملايين البلاد في وقت واحد في بلاد مختلفة ومحاكم مختلفة، والحق الذي يحكمون به ليس حقاً يتنقّل بين القضاة من قاض لآخر، إنما هو موهبة ذابتْ في نفوسهم جميعاً وصبغة صبغتْ أحكامهم جميعاً.

فإذا كان المخلوق لله وهو الحق يمكنه أنْ يستولي على نفوس القضاة في مختلف الأرض في وقت واحد، فالذي خلق هذا الحق أَوْلَى بأنْ يحكم بين الخلائق في وقت واحد.

لذلك لما سُئل الإمام علي رضي الله عنه هذه المسألة: كيف يُحَاسب الناس في وقت واحد على كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم جميعاً في وقت واحد.


www.alro7.net