سورة
اية:

فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ

تفسير بن كثير

هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده في هذه الأوقات المتعاقبة، الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، عند المساء وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح وهو إسفار النهار بضيائه، ثم اعترض بحمده مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال تعالى: { وله الحمد في السموات والأرض} أي هو المحمود على ما خلق في السماوات والأرض، ثم قال تعالى: { وعشيا وحين تظهرون} فالعشاء هو شدة الظلام والإظهار هو قوة الضياء، كما قال تعالى: { والنهار إذا جلاها . والليل إذا يغشاها} ، وقال تعالى: { والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى} ، وقال تعالى: { والضحى والليل إذا سجى} والآيات في هذا كثيرة. وفي الحديث: (ألا أخبركم لم سمى اللّه إبراهيم خليله الذي وفَّى، لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: سبحان اللّه حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون) ""أخرجه الإمام أحمد"". وقوله تعالى: { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة، فإنه يذكر خلقه الأشياء وأضدادها ليدل على كمال قدرته، فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والحب من النبات، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض، والإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وقوله تعالى: { ويحيي الأرض بعد موتها} ، كقوله تعالى: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون} ، وقوله تعالى: { وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} ، ولهذا قال: { وكذلك تخرجون} .

تفسير الجلالين

{ فسبحان الله } أي: سبحوا الله بمعنى صلوا { حين تمسون } أي: تدخلون في المساء وفيه صلاتان: المغرب والعشاء { وحين تصبحون } تدخلون في الصباح وفيه صلاة الصبح.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ وَحِين تُصْبِحُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَسَبِّحُوا اللَّه أَيّهَا النَّاس : أَيْ صَلُّوا لَهُ حِين تُمْسُونَ , وَذَلِكَ صَلَاة الْمَغْرِب , وَحِين تُصْبِحُونَ , وَذَلِكَ صَلَاة الصُّبْح وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21261 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي رَزِين , قَالَ : سَأَلَ نَافِعُ بْن الْأَزْرَق ابْن عَبَّاس : ( هَلْ تَجِد ) مِيقَات الصَّلَوَات الْخَمْس فِي كِتَاب اللَّه ؟ قَالَ : نَعَمْ { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ } الْمَغْرِب { وَحِين تُصْبِحُونَ } الْفَجْر { وَعَشِيًّا } الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } الظُّهْر , قَالَ : { وَمِنْ بَعْد صَلَاة الْعِشَاء ثَلَاث عَوْرَات لَكُمْ } 24 58 -حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي رَزِين , قَالَ : سَأَلَ نَافِع بْن الْأَزْرَق اِبْن عَبَّاس عَنْ الصَّلَوَات الْخَمْس فِي الْقُرْآن , قَالَ : نَعَمْ , فَقَرَأَ { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ } قَالَ : صَلَاة الْمَغْرِب { وَحِين تُصْبِحُونَ } قَالَ : صَلَاة الصُّبْح { وَعَشِيًّا } قَالَ : صَلَاة الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } صَلَاة الظُّهْر , ثُمَّ قَرَأَ : { وَمِنْ بَعْد صَلَاة الْعِشَاء ثَلَاث عَوْرَات لَكُمْ } 24 58 -حَدَّثني أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ لَيْث , عَنْ الْحَكَم بْن أَبِي عِيَاض , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : جَمَعَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ مَوَاقِيت الصَّلَاة { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ } قَالَ : الْمَغْرِب وَالْعِشَاء { وَحِين تُصْبِحُونَ } الْفَجْر { وَعَشِيًّا } الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } الظُّهْر. * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ لَيْث , عَنْ الْحَكَم , عَنْ أَبِي عِيَاض , عَنْ اِبْن عَبَّاس , بِنَحْوِهِ . * حَدَّثني يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ لَيْث , عَنْ الْحَكَم , عَنْ أَبِي عِيَاض , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ وَحِين تُصْبِحُونَ } إِلَى قَوْله { وَحِين تُظْهِرُونَ } قَالَ : جَمَعَتْ الصَّلَوَات ; { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ } الْمَغْرِب وَالْعِشَاء { وَحِين تُصْبِحُونَ } صَلَاة الصُّبْح { وَعَشِيًّا } صَلَاة الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } صَلَاة الظُّهْر . 21262 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان الرَّازِيّ , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { فَسُبْحَان اللَّه يَحِين تُمْسُونَ } الْمَغْرِب وَالْعِشَاء { وَحِين تُصْبِحُونَ } الْفَجْر { وَعَشِيًّا } الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } الظُّهْر , وَكُلّ سَجْدَة فِي الْقُرْآن فَهِيَ صَلَاة . 21263 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ } لِصَلَاةِ الْمَغْرِب { وَحِين تُصْبِحُونَ } لِصَلَاةِ الصُّبْح { وَعَشِيًّا } لِصَلَاةِ الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } صَلَاة الظُّهْر أَرْبَع صَلَوَات . 21264 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْل اللَّه : { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ وَحِين تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْد فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَعَشِيًّا وَحِين تُظْهِرُونَ } قَالَ : حِين تُمْسُونَ : صَلَاة الْمَغْرِب , وَحِين تُصْبِحُونَ : صَلَاة الصُّبْح , وَعَشِيًّا : صَلَاة الْعَصْر , وَحِين تُظْهِرُونَ : صَلَاة الظُّهْر. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ وَحِين تُصْبِحُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَسَبِّحُوا اللَّه أَيّهَا النَّاس : أَيْ صَلُّوا لَهُ حِين تُمْسُونَ , وَذَلِكَ صَلَاة الْمَغْرِب , وَحِين تُصْبِحُونَ , وَذَلِكَ صَلَاة الصُّبْح وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21261 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي رَزِين , قَالَ : سَأَلَ نَافِعُ بْن الْأَزْرَق ابْن عَبَّاس : ( هَلْ تَجِد ) مِيقَات الصَّلَوَات الْخَمْس فِي كِتَاب اللَّه ؟ قَالَ : نَعَمْ { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ } الْمَغْرِب { وَحِين تُصْبِحُونَ } الْفَجْر { وَعَشِيًّا } الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } الظُّهْر , قَالَ : { وَمِنْ بَعْد صَلَاة الْعِشَاء ثَلَاث عَوْرَات لَكُمْ } 24 58 -حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي رَزِين , قَالَ : سَأَلَ نَافِع بْن الْأَزْرَق اِبْن عَبَّاس عَنْ الصَّلَوَات الْخَمْس فِي الْقُرْآن , قَالَ : نَعَمْ , فَقَرَأَ { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ } قَالَ : صَلَاة الْمَغْرِب { وَحِين تُصْبِحُونَ } قَالَ : صَلَاة الصُّبْح { وَعَشِيًّا } قَالَ : صَلَاة الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } صَلَاة الظُّهْر , ثُمَّ قَرَأَ : { وَمِنْ بَعْد صَلَاة الْعِشَاء ثَلَاث عَوْرَات لَكُمْ } 24 58 -حَدَّثني أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ لَيْث , عَنْ الْحَكَم بْن أَبِي عِيَاض , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : جَمَعَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ مَوَاقِيت الصَّلَاة { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ } قَالَ : الْمَغْرِب وَالْعِشَاء { وَحِين تُصْبِحُونَ } الْفَجْر { وَعَشِيًّا } الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } الظُّهْر. * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ لَيْث , عَنْ الْحَكَم , عَنْ أَبِي عِيَاض , عَنْ اِبْن عَبَّاس , بِنَحْوِهِ . * حَدَّثني يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ لَيْث , عَنْ الْحَكَم , عَنْ أَبِي عِيَاض , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ وَحِين تُصْبِحُونَ } إِلَى قَوْله { وَحِين تُظْهِرُونَ } قَالَ : جَمَعَتْ الصَّلَوَات ; { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ } الْمَغْرِب وَالْعِشَاء { وَحِين تُصْبِحُونَ } صَلَاة الصُّبْح { وَعَشِيًّا } صَلَاة الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } صَلَاة الظُّهْر . 21262 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان الرَّازِيّ , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { فَسُبْحَان اللَّه يَحِين تُمْسُونَ } الْمَغْرِب وَالْعِشَاء { وَحِين تُصْبِحُونَ } الْفَجْر { وَعَشِيًّا } الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } الظُّهْر , وَكُلّ سَجْدَة فِي الْقُرْآن فَهِيَ صَلَاة . 21263 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ } لِصَلَاةِ الْمَغْرِب { وَحِين تُصْبِحُونَ } لِصَلَاةِ الصُّبْح { وَعَشِيًّا } لِصَلَاةِ الْعَصْر { وَحِين تُظْهِرُونَ } صَلَاة الظُّهْر أَرْبَع صَلَوَات . 21264 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْل اللَّه : { فَسُبْحَان اللَّه حِين تُمْسُونَ وَحِين تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْد فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَعَشِيًّا وَحِين تُظْهِرُونَ } قَالَ : حِين تُمْسُونَ : صَلَاة الْمَغْرِب , وَحِين تُصْبِحُونَ : صَلَاة الصُّبْح , وَعَشِيًّا : صَلَاة الْعَصْر , وَحِين تُظْهِرُونَ : صَلَاة الظُّهْر. '

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { فسبحان الله} الآية فيه ثلاثة أقوال : الأول : أنه خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات. قال ابن عباس : الصلوات الخمس في القرآن؛ قيل له : أين؟ فقال : قال الله تعالى { فسبحان الله حين تمسون} صلاة المغرب والعشاء { وحين تصبحون} صلاة الفجر { وعشيا} العصر { وحين تظهرون} الظهر؛ وقاله الضحاك وسعيد بن جبير. وعن ابن عباس أيضا وقتادة : أن الآية تنبيه على أربع صلوات : المغرب والصبح والعصر والظهر؛ قالوا : والعشاء الآخرة هي في آية أخرى في { وزلفا من الليل} هود : 114] وفي ذكر أوقات العورة. وقال النحاس : أهل التفسير على أن هذه الآية { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} في الصلوات. وسمعت على بن سليمان يقول : حقيقته عندي : فسبحوا الله في الصلوات، لأن التسبيح في الصلاة؛ وهو القول الثاني. والقول الثالث : فسبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون؛ ذكره الماوردي. وذكر القول الأول، ولفظه فيه : فصلوا لله حين تمسون وحين تصبحون. وفي تسمية الصلاة بالتسبيح وجهان : أحدهما : لما تضمنها من ذكر التسبيح في الركوع والسجود. الثاني : مأخوذ من السبحة والسبحة الصلاة؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (تكون لهم سبحة يوم القيامة) أي صلاة. الثانية: قوله تعالى: { وله الحمد في السماوات والأرض} اعتراض بين الكلام بدءوب الحمد على نعمه وألائه. وقيل : معنى { وله الحمد} أي الصلاة له لاختصاصها بقراءة الحمد. والأول أظهر؛ فإن الحمد لله من نوع تعظيم الله تعالى والحض على عبادته ودوام نعمته؛ فيكون نوعا آخر خلاف الصلاة، والله أعلم. وبدأ بصلاة المغرب لأن الليل يتقدم النهار. وفي سورة "الإسراء" بدأ بصلاة الظهر إذ هي أول صلاة صلاها جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم. الماوردي : وخص صلاة الليل باسم التسبيح وصلاة النهار باسم الحمد لأن للإنسان في النهار متقلبا في أحوال توجب حمد الله تعالى عليها، وفي الليل على خلوة توجب تنزيه الله من الأسواء فيها؛ فلذلك صار الحمد بالنهار أخص فسميت به صلاة النهار، والتسبيح بالليل أخص فسميت به صلاة الليل. الثالثة: قرأ عكرمة "حينا تمسون وحينا تصبحون" والمعنى : حينا تمسون فيه وحينا تصبحون فيه؛ فحذف "فيه" تخفيفا، والقول فيه كالقول في { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} البقرة : 48]. { وعشيا وحين تظهرون} قال الجوهري : العشي والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة؛ تقول : أتيته عشية أمس وعشي أمس. وتصغير العشي : عشيان، على غير قياس مكبره؛ كأنهم صغروا عشيانا، والجمع عشيانات. وقيل أيضا في تصغيره : عشيشيان، والجمع عشيشيات. وتصغير العشية عشيشية، والجمع عشيشيات. والعشاء (بالكسر والمد) مثل العشي. والعشاء إن المغرب والعتمة. وزعم قوم أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا : غدونا غدوة سحرا بليل ** عشاء بعدما انتصف النهار الماوردي : والفرق بين المساء والعشاء : أن المساء بدو الظلام بعد المغيب، والعشاء آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذ من عشا العين وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الروم الايات 8 - 18

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هنا تتجلى عظمة الإيمان، وتتجلى محبة الله تعالى لخَلْقه، حيث يدعوهم إليه في كل أوقات اليوم والليلة، في الصباح وفي المساء، في العشية والظهيرة.

والحق سبحانه حين يطلب من عباده أن يؤمنوا به، إنما لحبه لهم، وحرصه عليهم ليعطيهم، ويفيض عليهم من آلائه، وإلا فهو سبحانه بصفات الكمال والجلال غنيٌّ عنهم، فإيمان المؤمنين لا يزيد في مُلكه سبحانه شيئاً، كذلك كُفْر الكافرين لا ينقص من مُلكه سبحانه شيئاً.

إذن: المسألة أنه سبحانه يريد أنْ يبرَّ صنعته، ويُكرم خَلْقه وعباده؛ لذلك يستدعيهم إلى حضرته، وقرَّبنا هذه المسألة بمثل - ولله تعالى المثل الأعلى -، قلنا: إذا أردتَ أنْ تقابل أحد العظماء، أو أصحاب المراكز العليا، فدون هذا اللقاء مشاقّ لا بُدَّ أن تتجشمها.

لا بُدَّ أن يُؤْذَن لك أولاً في اللقاء، ثم يُحدَّد لك الزمان والمكان، بل ومدة اللقاء وموضوعه، وربما الكلمات التي ستقولها، ثم هو الذي يُنهي اللقاء، لا أنت.

هذا إنْ أردتَ لقاء الخَلْق، فما بالك بلقاء الخالق عز وجل؟ يكفي أنه سبحانه يستدعيك بنفسه إلى حضرته، ويجعل ذلك فرضاً وحتماً عليك، ويطلبك قبل أنْ تطلبه، ويذكرك قبل أن تذكره، لا مرة واحدة، إنما خمس مرات في اليوم والليلة، فإذا لبَّيْتَ طلبه أفاض عليك من رحمته، ومن نعمه، ومن تجلياته، وما بالك بصنعة تُعرَض على صانعها خمس مرات كل يوم، أيصيبها عطب؟

ثم يترك لك ربك كل تفاصيل هذه المقابلة، فتختار أنت الزمان والمكان والموضوع، فإنْ أردتَ أنْ تطيل أمد المقابلة، فإن ربك لا يملّ حتى تمل؛ لذلك فإن أهل المعرفة الذين عرفوا لله تعالى قَدْره، وعرفوا عطاءه، وعرفوا عاقبة اللجوء إليه سبحانه يقولون:
حَسْبُ نفسِي عِزّاً بأنِّي عَبْدٌ   يَحْتَفِي بي بلاَ مَواعيدَ رَبّ
هُوَ في قُدْسِهِ الأعَزِّ ولكن   أنا ألقي كيفما وأين أحب
والعبودية كلمة مكروهة عند البشر؛ لأن العبودية للبشر ذُلٌّ ومهانة، حيث يأخذ السيد خير عبده، أمّا العبودية لله فهي قمة العزِّ كله، وفيها يأخذ العبد غير سيده؛ لذلك امتنّ الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه العبودية في قوله سبحانه:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ... }
[الإسراء: 1].

وكلمة { فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ... } [الروم: 17] هي في ذاتها عبادة وتسبيح لله تعني: أُنزِّه الله عن أنْ يكون مثله شيء؛ لذلك يقول أهل المعرفة: كل ما يخطر ببالك فالله غير ذلك؛ لأنه سبحانه
{  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ... }
[الشورى: 11].

فالله سبحانه مُنزَّه في ذاته، مُنزَّه في صفاته، مُنزَّه في أفعاله، فإنْ وجدنا صفة مشتركة بين الخَلْق والخالق سبحانه نفهمها في إطار
{  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ... }
[الشورى: 11].

وقلنا: إنك لو استقرأت مادة سبح ومشتقاتها في كتاب الله تجد في أول الإسراء:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ... }
[الإسراء: 1] وفي أول سورة الحديد:
{  سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ... }
[الحديد: 1] ثم
{  يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ... }
[الجمعة: 1].

فكأن الله تعالى مُسبَّح أزلاً قبل أنْ يخلق مَنْ يُسبِّحه، فالتسبيح ثابت لله أولاً، وبعد ذلك سبَّحَتْ له السماوات والأرض، ولم ينقطع تسبيحها، إنما ما زالت مُسبِّحة لله.

فإذا كان التسبيح ثابتاً لله تعالى قبل أنْ يخلق مَنْ يُسبِّحه، وحين خلق السماوات والأرض سبَّحتْ له السماوات والأرض وما زالت، فعليك أنت أيها الإنسان ألاَّ تشذَّ عن هذه القاعدة، وألاَّ تتخلف عن هذه المنظومة الكونية، وأن تكون أنت كذلك مُسبِّحاً؛ لذلك جاء في القرآن:
{  سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ }
[الأعلى: 1].

فاستح أنت أيها الإنسان، فكل شيء في الوجود مُسبِّح
{  وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ... }
[الإسراء: 44].

لكن أراد بعض العلماء أنْ يُقرِّب تسبيح الجمادات التي لا يسمع لها صوتاً ولا حِسّاً، فقال: إن تسبيحها تسبيح دلالة على الله. ونقول: إنْ كان تسبيحَ دلالة كما تقول فقد فهمته، والله يقول
{  وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ... }
[الإسراء: 44].

إذن: ففهْمُك له غير حقيقي، وما دام أن الله أخبر أنها تُسبِّح فهي تسبِّح على الحقيقة بلغة لا نعرفها نحن، ولِمَ لا والله قد أعطانا أمثلة لأشياء غير ناطقة سبَّحتْ؟ ألم يقُلْ عن الجبال أنها تُسبِّح مع داود عليه السلام:
{  يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ... }
[سبأ: 10] ألم يُثبت للنملة وللهدهد كلاماً ومنطقاً؟ وقال في عموم الكائنات:
{  كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ... }
[النور: 41].

إذن: فالتسبيح لله تعالى من كل الكائنات، والحق سبحانه يعطينا المثل في ذواتنا: فأنت إذا لم تكُنْ تعرف الإنجليزية مثلاً، أتفهم مَنْ يتكلم بها؟ وهي لغة لها أصوات وحروف تُنطق، وتسمعها بنفس الطريقة التي تتكلم أنت بها.

لذلك تأتي كلمة (سبحان الله) في الأشياء التي يجب أنْ تُنزه الله فيها، واقرأ إنْ شئت قوله تعالى في الإسراء:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ... }
[الإسراء: 1] كأنه سبحانه يقول لنا: نزِّهوا الله عن مشابهة البشر، وعن قوانين البشر في هذه المسألة، إياك أنْ تقول: كيف ذهب محمد من مكة إلى بيت المقدس، ثم يصعد إلى السماء، ويعود في ليلة واحدة.

فبقانون البشر يصعُب عليك فَهْم هذه المسألة، وهذا ما فعله كفار مكة حيث قالوا: كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً، وتدَّعي أنك أتيتها في ليلة؟ فقاسوا المسألة والمسافات على قدرتهم هم، فاستبعدوا ذلك وكذَّبوه.

ولو تأملوا الآية
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ... }
[الإسراء: 1] وهم أهل اللغة لَعرفوا أن الإسراء لم يكُنْ بقوة محمد، فلم يقُلْ أسريتُ، ولكن قال: " أُسرِي بي " ، فلا دخلَ له في هذه المسألة وقانونه فيها مُلْغى، إنما أسرى بقانون مَنْ أسرى به.

إذن: عليك أن تُنزه الله عن قوانينك في الزمان وفي المسافة، وإنْ أردتَ أن تُقرب هذه المسألة للعقل، فالمسافة تحتاج إلى زمن يتناسب مع الوسيلة هذه المسألة للعقل، فالمسافة تحتاج إلى زمن يتناسب مع الوسيلة التي ستقطع بها المسافة، فالذي يسير غير الذي يركب دابةً، غير الذي يركب سيارة أو طائرة أو صاروخاً وهكذا.فإذا كان في قوانين البشر: إذا زادت القوة قَلَّ الزمن، فكيف لو نسَبْتَ القوة إلى الله عز وجل؟ عندها نقول: لا زمن فإنْ قُلْتَ: إن ألغينا الزمن مع قوة الله وقدرته تعالى، فلماذا ذكر الزمن هنا وقُدِّر بليلة؟

قالوا: لأن الرحلة لم تقتصر على الذهاب والعودة، إنما تعرَّض فيها النبي صلى الله عليه وسلم لَمَراء كثيرة، وقابل هناك بعض الأنبياء، وتحدَّث معهم، فهذه الأحداث لرسول الله هي التي استغرقتْ الزمن، أمّا الرحلة فلم تستغرق وقتاً.

كذلك جاءت كلمة (سبحان) في قوله تعالى:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ }
[يس: 36] لماذا؟ لأن مسألة الخَلْق من المسائل التي يقف عندها العقل، وينبغي أنْ تُنزِّه الله عن أنْ يشاركه فيها أحد.

ولما نزلت هذه الآية كان الناس يعرفون الزوجية في النبات لأنهم كانوا يُلقِّحون النخل، ويعرفونها في الإنسان؛ لأنهم يتزوجون وينجبون، وكذلك يعرفونها في الحيوان، هذه حدود العقل في مسألة الزوجية.

لكن الآية لم تقتصر على ذلك، إنما قال سبحانه
{  وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ }
[يس: 36] لأن المستقبل سيكتشف لهم عن أشياء أخرى تقوم على نظرية الزوجية، وقد عرفنا نحن هذه النظرية في الكهرباء مثلاً حيث (السالب) و (الموجب)، وفي الذرات حيث (الإلكترونات)، و (البروتونات).. إلخ.

إذن: ساعةَ تسمع كلمة التسبيح فاعلم أنك ستستقبل حدثاً فريداً، ليس كأحداث البشر، ولا يخضع لقوانينهم.

ثم يقول سبحانه: { وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ... }.


www.alro7.net