سورة
اية:

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً نبيه صلى اللّه عليه وسلم سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف { ديناً قيماً} أي قائماً ثابتاً { ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} ، كقوله: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} ، وقوله: { وجاهدوا في اللّه حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم} ، وقوله: { إن إبراهيم كان أمّة قانتاً للّه حنيفاً ولم يك من المشركين * شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} ، وليس يلزمه من كونه صلى اللّه عليه وسلم أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها لأنه عليه السلام قام بها قياماً عظيماً، وأكملت له إكمالاً تاماً لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى الخليل عليه السلام. وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أصبح قال: (أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين)، وقال الإمام أحمد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي الأديان أحب إلى اللّه تعالى؟ قال: (الحنيفية السمحة) ""أخرجه الأمام أحمد في المسند"". وقوله تعالى: { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين} يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير اللّه ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته للّه ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: { فصل لربك وانحر} أي أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره اللّه تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص للّه تعالى، قال مجاهد: النسك: الذبح في الحج والعمرة، وقال سعيد بن جبير { ونسكي} قال: ذبحي، وكذا قال السدي والضحاك، وعن جابر بن عبد اللّه قال: ضحّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في يوم عيد النحر بكبشين، وقال حين ذبحهما: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) ""رواه ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد اللّه"". وقوله عزَّ وجلَّ: { وأنا أول المسلمين} قال قتادة: أي من هذه الأمة، وهو كما قال: فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة اللّه وحده لا شريك له، وقد أخبرنا تعالى عن نوح أنه قال لقومه: { فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على اللّه وأمرت أن أكون من المسلمين} ، وقال تعالى: { يا بني إن اللّه اصطفى لكم لدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ، وقال يوسف عليه السلام: { رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} ، وقال موسى: { يا قوم إن كنتم آمنتم باللّه فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} . وقال تعالى: { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار} الآية، وقال تعالى: { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} ، فأخبر تعالى أنه بعث رسله بالإسلام ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة، التي ينسخ بعضها بعضاً إلى أن نسخت بشريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة وأعلامها منشورة إلى قيام الساعة، ولهذا قال عليه السلام: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد) فإن أولاد العلات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد وهو عبادة اللّه وحده لا شريك له، وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات وقد قال الإمام أحمد عن علي رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا كبر استفتح ثم قال: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين إلى آخر الآية: (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك(، ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد ""الحديث رواه مسلم في صحيحه"".

تفسير الجلالين

{ قل إن صلاتي ونسكي } عبادتي من حج وغيره { ومحياي } حياتي { ومماتي } موتي { لله رب العالمين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيك لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , الَّذِينَ يَسْأَلُونَك أَنْ تَتَّبِعَ أَهْوَاءَهُمْ عَلَى الْبَاطِل مِنْ عِبَادَة الْآلِهَة وَالْأَوْثَان : { إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي } يَقُول : وَذِبْحِي . { وَمَحْيَايَ } يَقُول : وَحَيَاتِي . { وَمَمَاتِي } يَقُول : وَوَفَاتِي . { لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كُلّه لَهُ خَالِصًا دُون مَا أَشْرَكْتُمْ بِهِ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ الْأَوْثَان . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيك لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , الَّذِينَ يَسْأَلُونَك أَنْ تَتَّبِعَ أَهْوَاءَهُمْ عَلَى الْبَاطِل مِنْ عِبَادَة الْآلِهَة وَالْأَوْثَان : { إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي } يَقُول : وَذِبْحِي . { وَمَحْيَايَ } يَقُول : وَحَيَاتِي . { وَمَمَاتِي } يَقُول : وَوَفَاتِي . { لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كُلّه لَهُ خَالِصًا دُون مَا أَشْرَكْتُمْ بِهِ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ الْأَوْثَان .'

تفسير القرطبي

الثانية: قوله تعالى { قل إن صلاتي ونسكي} قد تقدم اشتقاق لفظ الصلاة. وقيل : المراد بها هنا صلاة الليل. وقيل : صلاة العيد. والنسك جمع نسيكة، وهي الذبيحة، وكذلك قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم. والمعنى : ذبحي في الحج والعمرة. وقال الحسن : نسكي ديني. وقال الزجاج : عبادتي؛ ومنه الناسك الذي يتقرب إلى الله بالعبادة. وقال قوم : النسك في هذه الآية جميع أعمال البر والطاعات؛ من قولك نسك فلان فهو ناسك، إذا تعبد. { ومحياي} أي ما أعمله في حياتي { ومماتي} أي ما أوصي به بعد وفاتي { لله رب العالمين} أي أفرده بالتقرب بها إليه. وقيل { ومحياي ومماتي لله} أي حياتي وموتي له. وقرأ الحسن { نُسْكي} بإسكان السين. وأهل المدينة { ومحياي} بسكون الياء في الإدراج. والعامة بفتحها؛ لأنه يجتمع ساكنان. قال النحاس : لم يجزه أحد من النحويين إلا يونس، وإنما أجازه لأن قبله ألفا، والألف المدة التي فيها تقوم مقام الحركة. وأجاز يونس اضربانْ زيدا، وإنما منع النحويون هذا لأنه جمع بين ساكنين وليس في الثاني إدغام، ومن قرأ بقراءة أهل المدينة وأراد أن يسلم من اللحن وقف على { محياي} فيكون غير لاحن عند جميع النحويين. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وعاصم الجحدري { ومحيي} بتشديد الياء الثانية من غير ألف؛ وهي لغة عليا مضر يقولون : قفي وعصي. وأنشد أهل اللغة : سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم وقد تقدم. الثالثة: قال الكيا الطبري : قوله تعالى { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} إلى قوله { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر؛ فإن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل في كتابه، ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال { وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - إلى قوله - وأنا من المسلمين). قلت : روي مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال : (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك. تباركت وتعاليت. أستغفرك وأتوب إليك. الحديث. وأخرجه الدارقطني وقال في آخره : بلغنا عن النضر بن شميل وكان من العلماء باللغة وغيرها قال : معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (والشر ليس إليك) الشر ليس مما يتقرب به إليك. قال مالك : ليس التوجيه في الصلاة بواجب على الناس، والواجب عليهم التكبير ثم القراءة. قال ابن القاسم : لم ير مالك هذا الذي يقوله الناس قبل القراءة : سبحانك اللهم وبحمدك. وفي مختصر ما ليس في المختصر : أن مالكا كان يقوله في خاصة نفسه؛ لصحة الحديث به، وكان لا يراه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه. قال أبو الفرج الجوزي : وكنت أصلى وراء شيخنا أبي بكر الدينوري الفقيه في زمان الصبا، فرآني مرة أفعل هذا فقال : يا بني، إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم يختلفوا أن الافتتاح سنة، فاشتغل بالواجب ودع السنن. والحجة لمالك قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي علمه الصلاة : (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ) ولم يقل له سبح كما يقول أبو حنيفة، ولا قل وجهت وجهي، كما يقول الشافعي. وقال لأبي : (كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة)؟ قال : قلت الله أكبر، الحمد لله رب العالمين. فلم يذكر توجيها ولا تسبيحا. فإن قيل : فإن عليا قد أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله. قلنا : يحتمل أن يكون قاله قبل التكبير ثم كبر، وذلك حسن عندنا. فإن قيل : فقد روى النسائي والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم يقول : (إن صلاتي ونسكي) الحديث قلنا : هذا نحمله على النافلة في صلاة الليل؛ كما جاء في كتاب النسائي عن أبي سعيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة بالليل قال : (سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك). أو في النافلة مطلقا؛ فإن النافلة أخف من الفرض؛ لأنه يجوز أن يصليها قائما وقاعدا وراكبا، وإلى القبلة وغيرها في السفر، فأمرها أيسر. وقد روى النسائي عن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي تطوعا قال : (الله أكبر. وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك). ثم يقرأ. وهذا نص في التطوع لا في الواجب. وإن صح أن ذلك كان في الفريضة بعد التكبير، فيحمل على الجواز والاستحباب، وأما المسنون فالقراءة بعد التكبير، والله بحقائق الأمور عليم. ثم إذا قال فلا يقل { وأنا أول المسلمين} إذ ليس أحدهم بأولهم إلا محمدا صلى الله عليه وسلم. فإن قيل : أو ليس إبراهيم والنبيون قبله؟ قلنا عنه ثلاثة أجوبة : الأول : أنه أول الخلق أجمع معنى؛ كما في حديث أبي هريرة من قوله عليه السلام : (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة). وفي حديث حذيفة (نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق). الثاني : أنه أولهم لكونه مقدما في الخلق عليهم؛ قال الله تعالى { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} [الأحزاب : 7]. قال قتادة : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث). فلذلك وقع ذكره هنا مقدما قبل نوح وغيره. الثالث : أول المسلمين من أهل ملته؛ قال ابن العربي، وهو قول قتادة وغيره. واختلفت الروايات في { أول} ففي بعضها ثبوتها وفي بعضها لا، على ما ذكرنا. وروى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك في أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه ثم قولي : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين). قال عمران : يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال : (بل للمسلمين عامة).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 157 - 162


سورة الانعام الايات 162 - 165

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

و " صلاتي " مقصود بها العبادة والركن الثاني في الإِسلام الذي يتكرر كل يوم خمس مرات، وهي الركن الذي لا يسقط أبداً؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله- كما قلنا سابقاً- يكفي أن تقولها مرة في العمر، وقد يسقط عنك الصوم إن كنت لا تستطيع، وقد لا تزكي لأنه ليس لك مال، وقد لا تستطيع الحج، وتبقى الصلاة التي لا تسقط أبداً عن العبد. وهي- كما نعلم- قد أخذت من التكليف حظها من الركينة.

إن كل تكليف من التكاليف جاء بواسطة الوحي إلا الصلاة فإنها جاءت بالمباشرة، وتلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه دون واسطة. وحين يقول الحق: { إِنَّ صَلاَتِي } ، فهو يذكر لنا عمدة الأركان والتي اشتملت على كل الأركان كما أوضحنا سابقاً. حتى إن الإِنسان إذا كان راقداً في مرض ولا يستطيع القيام فعليه أن يحرك رأسه بالصلاة أو يخطر أعمال الصلاة على قلبه. ويقول الحق { وَنُسُكِي }. و " النسك " يطلق ويراد به كل عبادة، والحق يقول:
{  لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ... }
[الحج: 67]

" النسك " إذن هو عبادة ويطلق بالأخص على أفعال كثيرة في الحج، مثل نسك الطواف ونسك السعي، ونسك الوقوف بعرفة، ونسك الرمي، ونسك الجمار، وكل هذه اسمها مناسك، والأصل فيها أنها مأخوذة من مادة " النسيكة " وهي السبيكة من الفضة التي تصهر صهراً يُخرج منها كل المعادن المختلطة بها حتى تصير غاية في النقاء. فسميت العبادة نسكاً لهذا، أي يجب أن تصفى العبادة لله كما تصفى سبيكة الفضة من كل المعادن التي تخالطها: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي }.

وهنا أمران اختياريان، وأمران لا اختيار للإِِنسان فيهما، الصلاة والمناسك كلاهما داخل في قانون الاختيار، لكن المحيا والممات لا يدخل أي منهما في قانون الاختيار؛ إنهما في يد الله، والصلاة والنسك أيضاً لله، ولكن باختيارك، وأنت لا تصلي إلا لأنك آمنت بالآمر بالصلاة، أو أن الجوارح ما فعلت كذا إلا لله. إذن فأنت لم تفعل شيئاً من عندك أنت، بل وجهت الطاقات المخلوقة لله لتأدية المنهج الذي أنزله الله إذن إن أردت نسبة كل فعل فانسبه إلى الله.

ولماذا جاء بالصلاة والنسك وكلاهما أمر اختياري؟؛ لأنه إن كان في ظاهر الأمر لكم اختيار، فكل هذا اختيار، فكل هذا الاختيار نابع من إيجاد الله لكم مختارين. وهو الذي وضع المنهج فجعلكم تصلون، أو: إن صلاتي لله ونسكي لله، أي أن تخلص فيها، ولا تشرك فيها، ولا تصلي مرائياً، ولا تصنع نسكاً مرائياً، ولا تذهب إلى الحج من أجل أن يقولوا لك: " الحاج فلان " أبداً، بل اجعلها كلها لله؛ لأنك إن جعلتها لغيره فليس لغيره من القدرة على الجزاء ما يجازيك الله به؛ إن جعلتها لغيره فقد اخترت الخيبة في الصفقة؛ لذلك اجعل الصلاة والنسك للذي يعطيك الأجر. { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الأنعام: 162]

والحياة هبة الله، وإياك أن تصرف قدرة الحياة ومظاهر الحياة في غير ما يرضي الله. فينبغي أن يكون حياتك لله لا لشهوتك، ومماتك لله لا لورثتك، وتذكر جيداً لأن الحق يقول بعد ذلك: { لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ... }


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net