سورة
اية:

فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم، كما قال ابن أبي حاتم عن عمرو، قال قرأ ابن عباس: { طيبات كانت أحلت لهم } وهذا التحريم قد يكون قدرياً بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم، وحرَّفوا وبدلوا أشياء كانت حلالاً لهم، فحرموها على أنفسهم تشديداً منهم على أنفسهم وتضييقاً وتنطعاً، ويحتمل أن يكون شرعياً بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالاً لهم قبل ذلك، كما قال تعالى: { كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} وقد قدمنا الكلام على هذه الآية وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالاً لهم، من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها. ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة، كما قال في سورة الأنعام: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} أي إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم وطغيانهم، ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولهذا قال: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل اللّه كثيرا} ، أي صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق، وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقاً من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمداً صلوات اللّه وسلامه عليهما. وقوله تعالى: { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه} ، أي أن اللّه قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال تعالى: { وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً} ثم قال تعالى: { لكن الراسخون في العلم منهم} أي الثابتون في الدين، لهم قدم راسخة في العلم النافع، { والمؤمنون} عطف على الرسخين، وخبره { يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} قال ابن عباس: أنزلت في عبد اللّه بن سلام وثعلبة بن سعيه "" في نسخة الأميرية: تحريف في هذه الأسماء واعتمد في تصحيحها على ما في الإصابة وغيرها، وسعيه بفتح السين المهملة وسكون الياء التحتانية "" وأسد بن سعيه وأسد بن عبيد الذين دخلوا في الإسلام وصدقوا بما أرسل اللّه به محمداً صلى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى: { والمقيمين الصلاة} هكذا، هو في جميع مصاحف الأئمة وكذا هو في مصحف أبي بن كعب ، وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود { والمقيمون الصلاة} ، قال: والصحيح قراءة الجميع، رد على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب، ثم ذكر اختلاف الناس، فقال بعضهم: هو منصوب على المدح، كما جاء في قوله: { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} ، قال وهذا سائغ في كلام العرب كما قال الشاعر: لا يبعدن قومي الذن همو ** أسد العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك ** والطيبون معاقد الأزر وقال آخرون: هو مخفوض عطفاً على قوله: { بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} يعني وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة التي يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم. وقوله: { والمؤتون الزكاة} يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين واللّه أعلم، { والمؤمنون بالله واليوم الآخر} أي يصدقون بأنه لا إله إلا اللّه ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها، وقوله: { أولئك} هو الخبر عما تقدم، { سنؤتيهم أجراً عظيماً} يعني الجنة.

تفسير الجلالين

{ فبظلم } أي فبسبب ظلم { من الذين هادوا } هم اليهود { حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } من التي في قوله تعالى: (حرمنا كل ذي ظفر) الآية { وبصدهم } الناس { عن سبيل الله } دينه صدا { كثيرا } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَحَرَّمْنَا عَلَى الْيَهُود الَّذِينَ نَقَضُوا مِيثَاقهمْ الَّذِي وَاثَقُوا رَبّهمْ , وَكَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّه , وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُمْ , وَقَالُوا الْبُهْتَان عَلَى مَرْيَم , وَفَعَلُوا مَا وَصَفَهُمْ اللَّه فِي كِتَابه طَيِّبَات مِنْ الْمَآكِل وَغَيْرهَا كَانَتْ لَهُمْ حَلَالًا , عُقُوبَة لَهُمْ بِظُلْمِهِمْ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ فِي كِتَابه. كَمَا : 8517 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ } . .. الْآيَة , عُوقِبَ الْقَوْم بِظُلْمٍ ظَلَمُوهُ وَبَغْي بَغَوْهُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أَشْيَاء بِبَغْيِهِمْ وَبِظُلْمِهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَحَرَّمْنَا عَلَى الْيَهُود الَّذِينَ نَقَضُوا مِيثَاقهمْ الَّذِي وَاثَقُوا رَبّهمْ , وَكَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّه , وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُمْ , وَقَالُوا الْبُهْتَان عَلَى مَرْيَم , وَفَعَلُوا مَا وَصَفَهُمْ اللَّه فِي كِتَابه طَيِّبَات مِنْ الْمَآكِل وَغَيْرهَا كَانَتْ لَهُمْ حَلَالًا , عُقُوبَة لَهُمْ بِظُلْمِهِمْ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ فِي كِتَابه. كَمَا : 8517 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ } . .. الْآيَة , عُوقِبَ الْقَوْم بِظُلْمٍ ظَلَمُوهُ وَبَغْي بَغَوْهُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أَشْيَاء بِبَغْيِهِمْ وَبِظُلْمِهِمْ . ' وَقَوْله : { وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيل اللَّه كَثِيرًا } يَعْنِي : وَبِصَدِّهِمْ عِبَاد اللَّه عَنْ دِينه وَسُبُله الَّتِي شَرَعَهَا لِعِبَادِهِ صَدًّا كَثِيرًا , وَكَانَ صَدّهمْ عَنْ سَبِيل اللَّه بِقَوْلِهِمْ عَلَى اللَّه الْبَاطِل , وَادِّعَائِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ اللَّه , وَتَبْدِيلهمْ كِتَاب اللَّه وَتَحْرِيف مَعَانِيه عَنْ وُجُوهه , وَكَانَ مِنْ عَظِيم ذَلِكَ جُحُودهمْ نُبُوَّة نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْكهمْ بَيَان مَا قَدْ عَلِمُوا مِنْ أَمْره لِمَنْ جَهِلَ أَمْره مِنْ النَّاس. وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ مُجَاهِد يَقُول . 8518 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثني أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثني عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيل اللَّه كَثِيرًا } قَالَ : أَنْفُسهمْ وَغَيْرهمْ عَنْ الْحَقّ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله .وَقَوْله : { وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيل اللَّه كَثِيرًا } يَعْنِي : وَبِصَدِّهِمْ عِبَاد اللَّه عَنْ دِينه وَسُبُله الَّتِي شَرَعَهَا لِعِبَادِهِ صَدًّا كَثِيرًا , وَكَانَ صَدّهمْ عَنْ سَبِيل اللَّه بِقَوْلِهِمْ عَلَى اللَّه الْبَاطِل , وَادِّعَائِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ اللَّه , وَتَبْدِيلهمْ كِتَاب اللَّه وَتَحْرِيف مَعَانِيه عَنْ وُجُوهه , وَكَانَ مِنْ عَظِيم ذَلِكَ جُحُودهمْ نُبُوَّة نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْكهمْ بَيَان مَا قَدْ عَلِمُوا مِنْ أَمْره لِمَنْ جَهِلَ أَمْره مِنْ النَّاس. وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ مُجَاهِد يَقُول . 8518 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثني أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثني عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيل اللَّه كَثِيرًا } قَالَ : أَنْفُسهمْ وَغَيْرهمْ عَنْ الْحَقّ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { فبظلم من الذين هادوا} قال الزجاج : هذا بدل من { فبما نقضهم} . والطيبات ما نصه في قوله تعالى { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام : 146]. وقدم الظلم على التحريم إذ هو الغرض الذي قصد إلى الإخبار عنه بأنه سبب التحريم. { وبصدهم عن سبيل الله كثيرا} أي وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل} كله تفسير للظلم الذي تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وما بعده؛ وقد مضى في آل عمران أن اختلاف العلماء في سبب التحريم على ثلاثة أقوال هذا أحدها. الثانية: قال ابن العربي : لا خلاف في مذهب مالك أن الكفار مخاطبون، وقد بين الله في هذه الآية أنهم قد نهوا عن الربا وأكل الأموال بالباطل؛ فإن كان ذلك خبرا عما نزل على محمد في القرآن وأنهم دخلوا في الخطاب فبها ونعمت، وإن كان خبرا عما أنزل الله على موسى في التوراة، وأنهم بدلوا وحرفوا وعصوا وخالفوا فهل يجوز لنا معاملتهم والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم أم لا؟ فظنت طائفة أن معاملتهم لا تجوز؛ وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد. والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم واقتحام ما حرم الله سبحانه عليهم؛ فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآنا وسنة؛ قال الله تعالى { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة : 5] وهذا نص؛ وقد عامل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لعياله. والحاسم لداء الشك والخلاف اتفاق الأمة على جواز التجارة مع أهل الحرب؛ وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم إليهم تاجرا، وذلك من سفره أمر قاطع على جواز السفر إليهم والتجارة معهم. فإن قيل : كان ذلك قبل النبوة؛ قلنا : إنه لم يتدنس قبل النبوة بحرام - ثبت ذلك تواترا - ولا اعتذر عنه إذ بعث، ولا منع منه إذ نبئ، ولا قطعه أحد من الصحابة في حياته، ولا أحد من المسلمين بعد وفاته؛ فقد كانوا يسافرون في فك الأسرى وذلك واجب، وفي الصلح كما أرسل عثمان وغيره؛ وقد يجب وقد يكون ندبا؛ فأما السفر إليهم لمجرد التجارة فمباح.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 159 - 163

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هو سبحانه يوضح أن تحريم بعض الطيبات على بني إسرائيل جاء نتيجة لمواقف يعددها الله، لقد ارتكبوا ما ارتكبوا من ذنوب كبيرة وظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، وصدوا عن دين الله، بمعنى أنهم لم يدخلوا في الإسلام.

وتستمر الحيثيات للتحريم لبعض الطيبات لتزيد على هذين الموقفين: { وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا... }


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net