سورة
اية:

وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

تفسير بن كثير

يقول تعالى متوعدا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} أي تقاربتم منهم ودنوتم إليهم { فلا تولوهم الأدبار} أي تفرقوا وتتركوا أصحابكم، { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال} أي يفر بين يدي قرنه مكيدة ليريه أنه خاف منه، فيتبعه، ثم يكر عليه فلا بأس عليه في ذلك وهو قول سعيد بن جبير والسدي . وقال الضحاك أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها، { أو متحيزا إلى فئة} أي فر من ها هنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سريه ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة. قال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: كنت في سرية من سرايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة ثم بتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإذا كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: (مَنْ القوم؟) فقلنا: نحن الفرارون، فقال: (لا، بل أنتم العكّارون أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين) قال: فأتيناه حتى قبَّلنا يده. وقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية: { أو متحيزا إلى فئة} ""رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه"". وقال أهل العلم: معنى قوله (العكارون): أي العرافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في أبي عبيدة لما قُتل بأرض فارس لكثرة الجيش من المجوس فقال عمر: لو تحيز إليَّ لكنت له فئة، ويروى عنه أنا فئة كل مسلم. وقال الضحاك في قوله { أو متحيزا إلى فئة} : المتحيز الفار إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه، فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات) قيل يا رسول اللّه وما هن؟ قال: (الشرك باللّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) ""أخرجه الشيخان عن أبي هريرة"". ولهذا قال تعالى: { فقد باء} أي رجع { بغضب من اللّه ومأواه} أي مصيره ومنقلبه يوم ميعاده { جهنم وبئس المصير} . وقال الإمام أحمد عن بشير بن معبد قال: أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبايعه فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل اللّه؛ فقلت يا رسول اللّه أما اثنتان فواللّه لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضبٍ من اللّه، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة، فواللّه مالي إلا غنيمة وعشر ذود هن رسل أهلي وحمولهم، فقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يده ثم حرك يده ثم قال: (فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذا)؟ قلت: يا رسول اللّه أنا أبايعك، فبايعته عليهن كلهن ""أخرجه الإمام أحمد، قال ابن كثير: حديث غريب من هذا الوجه لم يخرجوه في الكتب الستة"". وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حراما على الصحابة، لأن الجهاد كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة يروى هذا عن عمرو ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد ونافع والحسن البصري وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك وغيرهم . وحجتهم في هذا أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)، ولهذا قال الحسن في قوله: { ومن يولهم يومئذ دبره} قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر فلا بأس عليه، وقال ابن المبارك عن يزيد بن أبي حبيب: أوجب اللّه تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} ، فلما كان يوم أُحد بعد ذلك قال: { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} ، إلى قوله { ولقد عفا اللّه عنهم} ، ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال: { ثم وليتم مدبرين ثم يتوب اللّه من بعد ذلك على من يشاء} . وعن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: { ومن يولهم يومئذ دبره} إنما أنزلت في أهل بدر، وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ ومن يولهم يومئذ } أي يوم لقائهم { دُبُرَهُ إلا متحرفا } منعطفا { لقتال } بأن يريهم الغرَّة مكيدة وهو يريد الكرَّة { أو متحيزا } منضما { إلى فئة } جماعة من المسلمين يستنجد بها { فقد باء } رجع { بغضب من الله ومأواه جنهم وبئس المصير } المرجع هي وهذا مخصوص بما لم يزد الكفار على الضعف .

تفسير القرطبي

فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { زحفا} الزحف الدنو قليلا قليلا. وأصله الاندفاع على الألية؛ ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا. والتزاحف : التداني والتقارب؛ يقال : زحف إلى العدو زحفا. وازحف القوم، أي مشى بعضهم إلى بعض. ومنه زحاف الشعر، وهو أن يسقط بين الحرفين حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر. يقول : إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفروا عنهم ولا تعطوهم أدباركم. حرم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار. قال ابن عطية : والأدبار جمع دبر. والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة؛ لأنها بشعة على الفار، ذامة له. الثانية: أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار. وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين؛ فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنين من المشركين فالفرض ألا يفروا أمامهم. فمن فر من اثنين فهو فار من الزحف. ومن فر من ثلاثة فليس بفار من الزحف، ولا يتوجه عليه الوعيد. والفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة. وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة : إنه يراعى الضعف والقوة والعدة؛ فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس من مائة فارس إذا علموا أن ما عند المشركين من النجدة والبسالة ضعف ما عندهم. وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا مما زاد على، المائتين؛ فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين فيجوز الانهزام، والصبر أحسن. وقد وقف جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام. قلت : ووقع في تاريخ فتح الأندلس، أن طارقا مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة؛ فالتقى وملك الأندلس لذريق وكان في سبعين ألف عنان؛ فزحف إليه طارق وصبر له فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب : سمعت مالكا يسأل عن القوم يلقون العدو أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدو وهم يسير، أيقاتلون أو ينصرفون فيؤذنون أصحابهم؟ قال : إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم. الثالثة: واختلف الناس هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟ فروي عن أبي سعيد الخدري أن ذلك مخصوص بيوم بدر، وبه قال نافع والحسن وقتادة ويزيد بن أبي حبيب والضحاك، وبه قال أبو حنيفة. وأن ذلك خاص بأهل بدر فلم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض. قال الكيا : وهذا فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج ولم يكونوا يرون أنه قتال، وإنما ظنوا أنها العير؛ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف معه. ويروى عن ابن عباس وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة. احتج الأولون بما ذكرنا، وبقوله تعالى: { يومئذ} فقالوا : هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف. وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين { ثم وليتم مدبرين} [التوبة : 25] ولم يقع على ذلك تعنيف. وقال الجمهور من العلماء : إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: { إذا لقيتم} . وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ. والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر العلماء. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (اجتنبوا السبع الموبقات - وفيه - والتولي يوم الزحف) وهذا نص في المسألة. وأما يوم أحد فإنما فر الناس من أكثر من ضعفهم ومع ذلك عنفوا. وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف عن الكثرة؛ على ما يأتي بيانه. الرابعة: قال ابن القاسم : لا تجوز شهادة من فر من الزحف، ولا يجوز لهم الفرار وإن فر إمامهم؛ لقوله عز وجل { ومن يولهم يومئذ دبره} الآية. قال : ويجوز الفرار من أكثر من ضعفهم، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا؛ فإن بلغ اثني عشر ألفا لم يحل لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة} فإن أكثر أهل العلم خصصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية. قلت : رواه أبو بشر وأبو سلمة العاملي، وهو الحكم بن عبدالله بن خطاف وهو متروك. قالا : حدثنا الزهري عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (يا أكثم بن الجون اغز مع غير قومك يحسن خلقك وتكرم على رفقائك. يا أكثم بن الجون خير الرفقاء أربعة وخير الطلائع أربعون وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة). وروي عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه وهو قوله للعمري العابد إذ سأله هل لك سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام وبدلها ؟ فقال : إن كان معك اثنا عشر ألفا فلا سعة لك في ذلك. الخامسة: فإن فر فليستغفر الله عز وجل. روى الترمذي عن بلال بن يسار بن زيد قال : حدثني أبي عن جدي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول { من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر الله له وإن كان قد فر من الزحف} . قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. السادسة: قوله تعالى { إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} التحرف : الزوال عن جهة الاستواء. فالمتحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب غير منهزم؛ وكذلك المتحيز إذا نوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم فيرجع إلى القتال غير منهزم أيضا. روى أبو داود عن عبدالله بن عمر أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، قال : فلما برزنا قلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب. فقلنا : ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا يرانا أحد. قال : فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا. قال : فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا، نحن الفرارون؛ فأقبل إلينا فقال { لا بل أنتم العكارون} قال : فدنونا فقبلنا يده. فقال : (أنا فئة المسلمين). قال ثعلب : العكارون هم العطافون. وقال غيره : يقال للرجل الذي يولي عند الحرب ثم يكر راجعا : عكر واعتكر. وروى جرير عن منصور عن إبراهيم قال : انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين، هلكت! فررت من الزحف. فقال عمر : أنا فئتك. وقال محمد بن سيرين : لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال : لو انحاز إلي لكنت له فئة، فأنا فئة كل مسلم. وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرار كبيرة؛ لأن الفئة هنا المدينة والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا. وعلى القول الآخر يكون كبيرة؛ لأن الفئة هناك الجماعة من الناس الحاضرة للحرب. هذا على قول الجمهور أن الفرار من الزحف كبيرة. قالوا : وإنما كان ذلك القول من النبي صلى الله عليه وسلم وعمر على جهة الحيطة على المؤمنين، إذ كانوا في ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مرارا. والله أعلم. وفي قوله { والتولي يوم الزحف} ما يكفي. السابعة: قوله تعالى: { فقد باء بغضب من الله} أي استحق الغضب. وأصل { باء} رجع وقد تقدم. { ومأواه جهنم} أي مقامه. وهذا لا يدل على الخلود؛ كما تقدم في غير موضع. وقد قال صلى الله عليه وسلم : (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم غفر له وإن كان قد فر من الزحف).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانفال الايات 15 - 19

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة لم يرتب الغضب منه إلا على من يولي الدبر هَرباً وفراراً من لقاء الأعداء. أما الذي يولي الدبر احتيالاً ولإيهام العدو بأنه ينسحب وفي ذات اللحظة يعاود الكرّة على العدو مطوّقاً له، فهذا هو المقاتل الحق والصادق في إيمانه الذي يمكر بالعدو. وكذلك من يولي الدبر متحيزاً إلى فئة مؤمنة ليعاود معها الهجوم على الأعداء حتى لا تضيع منه حياته بلا ثمن، فهذا أيضاً من أعمل فكرة ليُنزل بالعدو الخسارة؛ لأن المؤمن يحرص دائما على أن يكون موته بمقابل، فإذا ما وعده الله بالجنة. ألا يقاتل هو ليصيب الأعداء بالهزيمة؟. وكان ثمن المؤمن من قبل عشرة كافرين، بمعنى أن الله تعالى منح كل مؤمن قوةً تغلب عشرة، مصداقاً لقوله عز وجل:
{  يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ }
[الأنفال:65]

ولكن علم الله أن بالمؤمنين ضعفاً فجعل مقابل المؤمن في المعركة اثنين من الكفار، مصداقاً لقوله تعالى:
{  ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }
[الأنفال: 66]

ولذلك فإننا نجد الذي يفر أمام ثلاثة من الأعداء لا يسمى فارًا في الحكم الشرعي. لكن من يفر من مواجهة اثنين، يعد فارّاً؛ لأن الحق تعالى قال قبل أن يوجد فينا الضعف:
{  إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ }
[الأنفال: 65]

أي أن المقاتل المؤمن كان يمكنه أن يواجه عشرة من الكافرين. فإن كان المقابل أقل من عشرة كافرين، فعلى المؤمن أن يحافظ على نفسه حتى لا يموت رخيص الثمن. ثم أوضح الحق سبحانه وتعالى أن الضعف سيصيب المؤمنين؛ لذلك قال:
{  ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ }
[الأنفال: 66].

وهكذا انتقلت النسبة بين المؤمنين والكافرين من واحد لعشرة، إلى مؤمن مقابل اثنين من الكفار، وهذا من رحمة الله تعالى، فمن رأى نفسه في مواجهة أكثر من اثنين من الأعداء يوضح له الحق تعالى: عليك أن تنحاز إلى فئة من المؤمنين تعصمك من نيلهم منك بلا ثمن.

{ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ } [الأنفال: 16].

وعرفنا أن المتحرف للقتال هو صاحب الحيلة، ونقول في ألفاظنا التي تجري على ألسنتنا في حياتنا اليومية: " فلان حريف " أي لا يغلبه أمر ويحتال عليه، وهكذا يكون المتحرف في القتال الذي يكيد للكافرين ويدبر لهم أشياء فيظنون الانهزام، وهي في الواقع مقدمات للنصر، وقوله سبحانه: " أو متحيزا " مأخوذ من " الحيز " ، وهو المكان الذي يشغله الجسم، وكل واحد منا له " حيز " في مكان يشغله، أي أن كل واحد منا متحز، والحيز هو الظرف المكاني الذي يسع الإنسان منا واسمه ظرف مكان، وكل واحد من المخاطبين له مكان وهو متحيز بطبيعته، وجاءت كلمة " متحيز " في هذه الآية لتوجه كل مؤمن مقاتل أن يأخذ لنفسه حيزاً جيداً يمكنه من إصابة الهدف، وكذلك تفيد ضرورة انضمام المقاتل دائما إلى فئة مع إخوانه بهدف تقوية المواجهة مع العدو.ومن لا يفعل ذلك فعليه أن يتلقى العقاب من الله، وقد بينه تعالى في قوله سبحانه: { فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ } [الأنفال: 16].

و " باء " تعني رجع، والتعبير الأدائي في القرآن الكريم مناسب لما فعلوه؛ لأن من يعطي الأعداء دبره فهو الراجع عن الزحف والقتال. لكن من يرجع بهدف الكيد للأعداء والمناورة في القتال أو لتقوية جماعة أخرى من المؤمنين، فهذا له وضع مختلف تماما، إنه ناصر لدين الله، عكس المنسحب الفار الذي يصحبه في انسحابه غضب من الله، والغضب من الله - كما نعلم - هو سبب من أسباب إنزال العذاب، ولهذا يقول الحق تبارك وتعالى:

{ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } [الأنفال: 16].

والمأوى هو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ونعلم أن الواحد منا حين يرغب في الراحة فهو يأوي إلى المكان الذي يجد فيه الراحة والأمن من كل سوء.

والفارُّ من مواجهة العدو في معارك الإسلام لن يجد مأوى إلا النار، بل وترحب به النار ويدور حوار بينها وبين الحق عز وجل يوم القيامة توضحه الآية الكريمة:
{  يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }
[ق: 30].

ويُثْبتُ الحق في قرآنه الكريم أن النار تغتاظُ من الكافرين لأنها جندٌ من جنود الله تعالى ومسخرة لتنفيذ حكم الله، فمن خالف المنهج في الدنيا تتلقاه النار بتغيظ وزفير، ويسمع الكافرون تغطيتها حين تراهم من بعد، والحق سبحانه هو القائل:
{  إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً }
[الفرقان: 12].

وحين تكون النار هي المأوى، أليس ذلك هو بئس المرجع؟.

كأن الراجع من الزحف والفارَّ من مواجهة الأعداء ومخافة أن يُقتل، سيذهب إلى شيء شر من القتل.

ثم يربب الحق في المؤمنين ويطلب منهم ألاّ يفتتنوا بالأسباب فيقول سبحانه: { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ... }


www.alro7.net