سورة
اية:

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويستمعون كلامه فلا يفهمون منه شيئاً، فإذا خرجوا من عنده { قالوا للذين أوتوا العلم} من الصحابة رضي اللّه عنهم { ماذا قال آنفاً} ؟ أي الساعة لا يعقلون ما قال، ولا يكترثون له، قال اللّه تعالى: { أولئك الذين طبع اللّه على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} أي فلا فهم صحيح ولا قصد صحيح، ثم قال عزَّ وجلَّ: { والذين اهتدوا زادهم هدى} أي والذين قصدوا الهداية، وفقهم اللّه تعالى لها، فهداهم إليها وثبتهم عليها وزادهم منها، { وآتاهم تقواهم} أي ألهمهم رشدهم. وقوله تعالى: { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} ؟ أي وهم غافلون عنها { فقد جاء أشراطها} أي أمارات اقترابها، كقوله تعالى: { أزفت الأزفة} ، وكقوله جلت عظمته: { اقتربت الساعة وانشق القمر} ، وقوله سبحانه وتعالى: { أتى أمر اللّه فلا تستعجلوه} . فبعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أشراط الساعة لأنه خاتم الرسل، الذي أكمل اللّه تعالى به الدين، وأقام به الحجة على العالمين، وقد أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأمارات الساعة وأشراطها وهو عليه السلام الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي، روى البخاري عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال بأصبعيه - هكذا بالوسطى والتي تليها - (بعثت أنا والساعة كهاتين). ثم قال تعالى: { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} ؟ أي فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة، حيث لا ينفعهم ذلك؟ كقوله تعالى: { يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} ، وقوله عزَّ وجلَّ: { فاعلم أنه لا إلا إله إلا اللّه} هذا إخبار بأنه لا إله إلا اللّه، ولهذا عطف عليه قوله عزَّ وجلَّ: { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} وفي الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي)، وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت)، وفي الصحيح أنه قال: (يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني استغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)، وعنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (وعليكم بلا إله إلا اللّه والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال: إنما أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا اللّه والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون) ""أخرجه الحافظ أبو يعلى""، وفي الأثر المروي: (قال إبليس: وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال اللّه عزَّ وجلَّ: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني)، والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جداً، وقوله تبارك وتعالى: { واللّه يعلم متقلبكم ومثواكم} أي يعلم تصرفكم في نهاركم، ومستقركم في ليلكم، كقوله تعالى: { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} ، وقوله سبحانه وتعالى: { وما من دابة في الأرض إلا على اللّه رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما { متقلبكم} في الدنيا و { مثواكم} في الآخرة، وقال السدي: متقلبكم في الدنيا ومثواكم في قبوركم، والأول أولى وأظهر، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ ومنهم } أي الكفار { من يستمع إليك } في خطبة الجمعة وهم المنافقون { حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم } لعلماء الصحابة منهم ابن مسعود وابن عباس استهزاء وسخرية { ماذا قال آنفا } بالمد والقصر، الساعة، أي لا نرجع إليه { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم بالكفر { واتبعوا أهواءهم } في النفاق .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدك قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم مَاذَا قَالَ آنِفًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار يَا مُحَمَّد { مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك } وَهُوَ الْمُنَافِق , فَيَسْتَمِع مَا تَقُول فَلَا يَعِيه وَلَا يَفْهَمهُ , تَهَاوُنًا مِنْهُ بِمَا تَتْلُو عَلَيْهِ مِنْ كِتَاب رَبّك , تَغَافُلًا عَمَّا تَقُولهُ , وَتَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان , { حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدك } قَالُوا إِعْلَامًا مِنْهُمْ لِمَنْ حَضَرَ مَعَهُمْ مَجْلِسك مِنْ أَهْل الْعِلْم بِكِتَابِ اللَّه , وَتِلَاوَتك عَلَيْهِمْ مَا تَلَوْت , وَقِيلك لَهُمْ مَا قُلْت إِنَّهُمْ لَنْ يُصْغُوا أَسْمَاعهمْ لِقَوْلِك وَتِلَاوَتك { مَاذَا قَالَ } لَنَا مُحَمَّد { آنِفًا } ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24284 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدك } هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , دَخَلَ رَجُلَانِ : رَجُل مِمَّنْ عَقَلَ عَنْ اللَّه وَانْتَفَعَ بِمَا سَمِعَ وَرَجُل لَمْ يَعْقِل عَنْ اللَّه , فَلَمْ يَنْتَفِع بِمَا سَمِعَ , كَانَ يُقَال : النَّاس ثَلَاثَة : فَسَامِع عَامِل , وَسَامِع غَافِل , وَسَامِع تَارِك . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك } قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ . وَكَانَ يُقَال : النَّاس ثَلَاثَة : سَامِع فَعَامِل , وَسَامِع فَغَافِل , وَسَامِع فَتَارِك . 24285 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن آدَم , قَالَ : ثَنَا شَرِيك , عَنْ عُثْمَان أَبِي الْيَقْظَان , عَنْ يَحْيَى بْن الْجَزَّار , أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدك قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم مَاذَا قَالَ آنِفًا } قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَنَا مِنْهُمْ , وَقَدْ سُئِلْت فِيمَنْ سُئِلَ . 24286 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدك } . .. إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم : الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدك قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم مَاذَا قَالَ آنِفًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار يَا مُحَمَّد { مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك } وَهُوَ الْمُنَافِق , فَيَسْتَمِع مَا تَقُول فَلَا يَعِيه وَلَا يَفْهَمهُ , تَهَاوُنًا مِنْهُ بِمَا تَتْلُو عَلَيْهِ مِنْ كِتَاب رَبّك , تَغَافُلًا عَمَّا تَقُولهُ , وَتَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان , { حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدك } قَالُوا إِعْلَامًا مِنْهُمْ لِمَنْ حَضَرَ مَعَهُمْ مَجْلِسك مِنْ أَهْل الْعِلْم بِكِتَابِ اللَّه , وَتِلَاوَتك عَلَيْهِمْ مَا تَلَوْت , وَقِيلك لَهُمْ مَا قُلْت إِنَّهُمْ لَنْ يُصْغُوا أَسْمَاعهمْ لِقَوْلِك وَتِلَاوَتك { مَاذَا قَالَ } لَنَا مُحَمَّد { آنِفًا } ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24284 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدك } هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , دَخَلَ رَجُلَانِ : رَجُل مِمَّنْ عَقَلَ عَنْ اللَّه وَانْتَفَعَ بِمَا سَمِعَ وَرَجُل لَمْ يَعْقِل عَنْ اللَّه , فَلَمْ يَنْتَفِع بِمَا سَمِعَ , كَانَ يُقَال : النَّاس ثَلَاثَة : فَسَامِع عَامِل , وَسَامِع غَافِل , وَسَامِع تَارِك . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك } قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ . وَكَانَ يُقَال : النَّاس ثَلَاثَة : سَامِع فَعَامِل , وَسَامِع فَغَافِل , وَسَامِع فَتَارِك . 24285 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن آدَم , قَالَ : ثَنَا شَرِيك , عَنْ عُثْمَان أَبِي الْيَقْظَان , عَنْ يَحْيَى بْن الْجَزَّار , أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدك قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم مَاذَا قَالَ آنِفًا } قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَنَا مِنْهُمْ , وَقَدْ سُئِلْت فِيمَنْ سُئِلَ . 24286 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدك } . .. إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم : الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . ' وَقَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتهمْ هُمْ الْقَوْم الَّذِينَ خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ , فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّه بِهِ رَسُوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام { وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } يَقُول : وَرَفَضُوا أَمْر اللَّه , وَاتَّبَعُوا مَا دَعَتْهُمْ إِلَيْهِ أَنْفُسهمْ , فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ إِلَى حَقِيقَة وَلَا بُرْهَان , وَسَوَّى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَيْن صِفَة هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَبَيْن الْمُشْرِكِينَ , فِي أَنَّ جَمِيعهمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ فِرَاقهمْ دِين اللَّه , الَّذِي اُبْتُعِثَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْوَاءَهُمْ , فَقَالَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } وَقَالَ فِي أَهْل الْكُفْر بِهِ مِنْ أَهْل الشِّرْك , { كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوء عَمَله , وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } 9 37 .وَقَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتهمْ هُمْ الْقَوْم الَّذِينَ خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ , فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّه بِهِ رَسُوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام { وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } يَقُول : وَرَفَضُوا أَمْر اللَّه , وَاتَّبَعُوا مَا دَعَتْهُمْ إِلَيْهِ أَنْفُسهمْ , فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ إِلَى حَقِيقَة وَلَا بُرْهَان , وَسَوَّى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَيْن صِفَة هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَبَيْن الْمُشْرِكِينَ , فِي أَنَّ جَمِيعهمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ فِرَاقهمْ دِين اللَّه , الَّذِي اُبْتُعِثَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْوَاءَهُمْ , فَقَالَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } وَقَالَ فِي أَهْل الْكُفْر بِهِ مِنْ أَهْل الشِّرْك , { كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوء عَمَله , وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } 9 37 .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ومنهم من يستمع إليك} أي من هؤلاء الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وزين لهم سوء عملهم قوم يستمعون إليك وهم المنافقون : عبدالله بن أبي سلول ورفاعة بن التابوت وزيد بن الصليت والحارث بن عمرو ومالك بن دخشم، كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه، فإذا خرجوا سألوا عنه، قاله الكلبي ومقاتل. وقيل : كانوا يحضرون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين، فيستمعون منه ما يقول، فيعيه المؤمن ولا يعيه الكافر. { حتى إذا خرجوا من عندك} أي إذا فارقوا مجلسك. { قالوا للذين أوتوا العلم} قال عكرمة : هو عبدالله بن العباس. قال ابن عباس : كنت ممن يُسأل، أي كنت من الذين أوتوا العلم. وفي رواية عن ابن عباس : أنه يريد عبدالله بن مسعود. وكذا قال عبدالله بن بريدة : هو عبدالله بن مسعود. وقال القاسم بن عبدالرحمن : هو أبو الدرداء. وقال ابن زيد : إنهم الصحابة. { ماذا قال آنفا } أي الآن، على جهة الاستهزاء. أي أنا لم ألتفت إلى قوله. و { آنفا} يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات إليك، من قولك : استأنفت الشيء إذا ابتدأت به. ومنه أمر أنف، وروضة أنف، أي لم يرعها أحد. وكأس أنف : إذا لم يشرب منها شيء، كأنه استؤنف شربها مثل روضة أنف. قال الشاعر : ويحرم سر جارتهم عليهم ** ويأكل جارهم أنف القصاع وقال آخر : إن الشواء والنشيل والرغف ** والقينة الحسناء والكأس الأنف للطاعنين الخيل والخيل قطف وقال امرؤ القيس : قد غدا يحملني في أنفه أي في أوله. وأنف كل شيء أوله. وقال قتادة في هؤلاء المنافقين : الناس رجلان : رجل عقل عن الله فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل ولم ينتفع بما سمع. وكان يقال : الناس ثلاثة : فسامع عامل، وسامع عاقل، وسامع غافل تارك. قوله تعالى { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} فلم يؤمنوا. { واتبعوا أهواءهم} في الكفر. { والذين اهتدوا} أي للإيمان زادهم الله هدى. وقيل : زادهم النبي صلى الله عليه وسلم هدى. وقيل : ما يستمعونه من القرآن هدى، أي يتضاعف يقينهم. وقال الفراء : زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى. وقيل : زادهم نزول الناسخ هدى. وفي الهدى الذي زادهم أربعة أقاويل : أحدها : زادهم علما، قاله الربيع بن أنس. الثاني : أنهم علموا ما سمعوا وعملوا بما علموا، قاله الضحاك. الثالث : زادهم بصيرة في دينهم وتصديقا لنبيهم، قاله الكلبي. الرابع : شرح صدورهم بما هم عليه من الإيمان. قوله تعالى { وآتاهم تقواهم} أي ألهمهم إياها. وقيل : فيه خمسة أوجه : أحدها : آتاهم الخشية، قاله الربيع. الثاني : ثواب تقواهم في الآخرة، قاله السدي. الثالث : وفقهم للعمل الذي فرض عليهم، قاله مقاتل. الرابع : بين لهم ما يتقون، قاله ابن زياد والسدي أيضا. الخامس : أنه ترك المنسوخ والعمل بالناسخ، قاله عطية. الماوردي : ويحتمل. سادسا : أنه ترك الرخص والأخذ بالعزائم. وقرئ { وأعطاهم} بدل { وآتاهم} . وقال عكرمة : هذه نزلت فيمن آمن من أهل الكتاب.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة محمد الايات 10 - 16


سورة محمد الايات 16 - 22

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ... } [محمد: 16] ممَّنْ؟ ستعرف بعد أن تقرأ أوصافهم { مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ... } [محمد: 16] يستمع إلى رسول الله وهو يقرأ القرآن { حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ... } [محمد: 16] يا محمد { قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ... } [محمد: 16] أمثال ابن مسعود وابن عباس { مَاذَا قَالَ آنِفاً... } [محمد: 16] يعني: ما الجديد فيما قاله محمد، كأنهم يتحقرون ما سمعوه من رسول الله.

هذه إذن ليست صفات الكافرين، لأن الكافرين لم يكونوا يستمعون للقرآن، إنما هي صفات المنافقين الذين كانوا يشاركون المسلمين صلاتهم ومجالسهم ويذوبون فيهم بخبث ودهاء، لكن كان القرآن ينزل على رسول الله فيكشفهم.

لذلك كان النفاق أسوأ وأضرَّ على المسلمين من الكفر، فالكافر معلوم أنه عدو ظاهر العداوة، ويمكن أنْ تحتاط له، أمَّا المنافق فواحد من الجماعة المسلمة يعلن الإسلام ويبطن الكفر، فعداوته غير ظاهرة وخطرة أعظم.

والذي يتتبع تاريخ النفاق في الإسلام يجده لم يظهر في مكة إنما ظهر في المدينة، فرغم العداء الشديد بين الإسلام والكفار في مكة إلا أنه كان عداءً ظاهراً مُعلناً يمكن مواجته، فلم يوجد فيها نفاق، لم يظهر إلا في المدينة، لماذا؟

لأن النفاق لا يكون إلا مع القوى، فالضعيف لا يُنافق الضعيف، تعلن العداء في وجهه، أما القوى فتنافقه لتتغلب عليه.

إذن ما الداعي للنفاق في مكة والمسلمون فيها قلَّة مستضعفة، هذا يعني أن النفاق ظاهرة تدل على قوة الإيمان، وأنه أصبح له شوكة تُنَافَق، وهذا حديث في المدينة.

لذلك قال سبحانه وتعالى في حقهم:
{  وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ... }
[التوبة: 101].

كلمة { يَسْتَمِعُ... } [محمد: 16] وردتْ هذه المادة في القرآن بفلظ: سمع واستمع وتسمَّع، سمع أي: دون إرادة منه للسماع، واستمع لمن يحب أنْ يسمع شيئاً محبوباً لديه، أما تسمع ففيها تفعُّل وتكلُّف للسماع ومحاولة.

إذن: قال: { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ... } [محمد: 16] يعني: برغبته وارداته وهو محب لأنْ يسمع، وهكذا كان حال المنافقين يجلسون في الصفوف الأولى ويُبدون من الاهتمام ما لا يُبديه غيرهم، فلا تفوتهم كلمة ولا تفوتهم صلاة ليحبكوا خطتهم ويُخْفوا نفاقهم.

{ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ... } [محمد: 16] لأنهم سمعوا الكلام ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بمقتضاه، فكان الجزاء أنْ ختم الله على قلوبهم وطبع عليها، وكأن الله يقول لهم: ما دُمتم أحببتم النفاق فسوف أزيدكم منه وأختم على قلوبكم حتى لا يخرج منها النفاق ولا يدخلها الإيمان.

{ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ } [محمد: 16] الهوى أنْ يميل قلبك إلى شيء تعتقد أنه سارّ ومُفرح لك، فرح عاجل ولذة وقتية دون النظر في العواقب بعد هذه اللذة.

إذن: اجعل لهواك ضوابط، واختر الهوى الأبقى أثراً والأدوم نفعاً، أجعلْ هواك فيما ينفعك لا فيما يضرك، كالذي يأكل (شطة) مثلاً، لأنها تجعل للأكل لذة وطعماً هو يرغب فيه الآن حين يأكل، لكنه غفل عن مسألة إخراج هذا الطعام، وأنه سيجُر عليه ألماً يفوق لذة الأكل.إذن: على العاقل أنْ يتدبر عواقب هواه، ويحذر أنْ يميل به الهوى، لذلك يقول تعالى:
{  وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ... }
[المؤمنون: 71]. والحق سبحانه أتى لنا بالمنهج ليحمينا من الهوى، لأن أهواء النفوس متضاربة ومتعارضة، فهي أداة اختلاف وتنافر، والله يريد لنا أن نتفق، وأنْ نتساند لإ أنْ نتعاند.

وفي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به ".

البعض يقف عند قوله تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ... } [محمد: 16] فيقول ما دام أن الله طبع على قلوبهم وأراد لهم الضلال، فلماذا يعذبهم؟ نقول: الله يهدي العباد لا يضلهم، وهم الذين يختارون الضلال ولا يهتدون بالإيمان.

لذلك نقرأ:
{  وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ }
[البقرة: 264] و
{  وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ }
[المائدة: 108] و
{  وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ }
[البقرة: 258].

فالضلال إذن وعدم الهداية ناشيء عنهم هم ونتيجة مسلكهم غير المستقيم، فالله لم يهدهم لأنهم إما كافرون أو فاسقون أو ظالمون.

وإلا فالحق سبحانه في واقع الأمر هدي الجميع، المؤمن والكافر، لأنه نادى الجميع في قوله سبحانه:
{  يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ }
[البقرة: 21] فدلَّ الجميع وأرشدهم إلى منهجه وعاقبة السَّيْر على هذا المنهج، وأنذرهم عاقبة الخروج عنه.

وبيَّن لهم أن المهج ما وُضع إلا لمصلحتهم باستقامة أمورهم في الدنيا وسلامتهم في الآخرة، وأنه سبحانه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، فهو سبحانه غني عنهم مُستغن عن عبادتهم، لأن له صفات الكمال قبل أنْ يخلقهم، يقول لعبده: يا عبدي أقبل عليَّ أعْطِكَ خيري.

واقرأ قوله تعالى في قوم ثمود:
{  وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ... }
[فصلت: 17] يعني: دللناهم وأرشدناهم إلى طريق الخير
{  فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ... }
[فصلت: 17] فلما استحبُّوا العمى أعماهم الله.

ثم إن الذين يقولون: لماذا يعذبهم الله وهو أضلهم؟ لماذا لا يذكرون المقابل فيقولون: ما دام كتب عليهم الطاعة، فلماذا يثيبهم عليها؟.

لذلك ورد في الحديث القدسى: " قالت السماء: يا رب إئذن لي أنْ أسقط كسفاً على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الأرض: يا رب إئذن لي أنْ أخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب إئذن لي أنْ أسقط على أبن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، فقال الله لهم: دعوني وخلقي لو خلقتموهم لرحمتموهم، فإنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم، وأبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب ".

وسبق أنْ مثَّلنا مسألة الهداية - ولله المثل الأعلى - برجل المرور حين تذهب إليه فتسأله عن الطريق، فيقول لك: الطريق من هنا، فإنْ أطعته زادك وقال لك: إن في الطريق عقبة في المكان الفلاني فانتبه لها، أو يأخذك بنفسه حتى تبلغ ما تريد.

وهكذا الحق سبحانه دلَّ الجميع وأرشد الجميع، فمنْ سمع وأطاع زاده هداية، ومَنْ أعرض وتمرد زاده ضلالاً بأنْ ختم على قبله.

لذلك قسَّم العلماء الهداية إلى نوعين: هداية الدلالة وهي للمؤمن وللكفار، وهداية التوفيق والمعونة، هي خاصة بالمؤمن، لذلك قال في الآية بعدها: { وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى... } [محمد: 17]


www.alro7.net