سورة
اية:

يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ

تفسير بن كثير

روى ابن جرير عن ابن عمر في قوله تعالى: { فلا اقتحم} أي دخل { العقبة} قال: جبل في جهنم، وقال كعب الأحبار: هو سبعون درجة في جهنم، وقال الحسن البصري: عقبة في جهنم، وقال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة اللّه تعالى، { وما أدراك ما العقبة} ؟ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها فقال: { فك رقبة . أو إطعام} ، وقال ابن زيد: { فلا اقتحم العقبة} أي أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير، ثم بينها فقال تعالى: { وما أدراك ما العقبة . فك رقبة} ، عن سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللّه بكل إرب - أي عضو - منها إرباً منه من النار حتى إنه ليعتق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج)، فقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم، فقال علي بن الحسين لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفاً، فلما قام بين يديه، قال: اذهب فأنت حر لوجه اللّه) ""أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والإمام أحمد"". وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم، وعن عمرو بن عبسة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (من بنى مسجداً ليذكر اللّه فيه بنى اللّه له بيتاً في الجنة، ومن أعتق نفساً مسلمة كانت فديته من جهنم، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة) ""أخرجه أحمد"". وفي الحديث: (من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله اللّه الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل اللّه كانت له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل اللّه بلغ به العدو أصاب أو أخطأ كان له عتق رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللّه بكل عضو منه عضواً منه من النار، ومن أعتق زوجين في سبيل اللّه فإن للجنة ثمانية أبواب يدخله اللّه من أي باب شاء منها) ""أخرجه أحمد أيضاً"". وهذه أسانيد جيدة قوية وللّه الحمد. وقوله تعالى: { أو إطعام في يوم ذي مسغبة} قال ابن عباس: ذي مجاعة وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحّاك وقتادة وغيرهم والسغب: هو الجوع، وقال النخعي: في يوم الطعامُ فيه عزيز، وقال قتادة: في يوم مشتهى فيه الطعام، وقوله تعالى: { يتيماً} أي أطعم في مثل هذا اليوم يتيماً { ذا مقربة} أي ذا قرابة منه، كما جاء في الحديث الصحيح: (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة) ""أخرجه أحمد ورواه الترمذي والنسائي وإسناده صحيح"". وقوله تعالى: { أو مسكيناً ذا متربة} أي فقيراً مدقعاً لاصقاً بالتراب، وهو الدقعاء أيضاً، قال ابن عباس: ذا متربة هو المطروح في الطريق، الذي لا بيت له ولا شيء يقيه من التراب. وفي رواية: هو الذي لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة ليس له شيء، وقال عكرمة: هو الفقير المدين المحتاج، وقال سعيد بن جبير: هو الذي لا أحد له، وقال قتادة: هو ذو العيال، وكل هذه قريبة المعنى، وقوله تعالى: { ثم كان من الذين آمنوا} أي ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن بقلبه، محتسب ثواب ذلك عند اللّه عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى: { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً} ، وقوله تعالى: { وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} أي كان من المؤمنين العاملين صالحاً، (المتواصين بالصبر على أذى الناس، وعلى الرحمة بهم)، كما جاء في الحديث: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). وعن عبد اللّه بن عمرو يرويه قال: (من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا) ""أخرجه أبو داود""، وقوله تعالى: { أولئك أصحاب الميمنة} أي المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين، ثم قال: { والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة} أي أصحاب الشمال، { عليهم نار مؤصدة} أي مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها، قال أبو هريرة { مؤصدة} أي مطبقة، وقال ابن عباس: مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب أي أغلقه، وقال الضحّاك: { مؤصدة} حيط لا باب له، وقال قتادة { مؤصدة} : مطبقة فلا ضوء فيها ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد، وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة أمر اللّه بكل جبار وكل شيطان، وكل من كان يخاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوا بالحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم ثم أوصدوها عليهم أي أطبقوها، قال: فلا واللّه لا تستقر أقدامهم على قرار أبداً، ولا واللّه لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبداً، ولا واللّه لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبداً، ولا واللّه لا يذوقون فيها بارد شراب أبداً ""أخرجه ابن أبي حاتم"".

تفسير الجلالين

{ يتيما ذا مقربة } قرابة.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَة } يَقُول : أَوْ أَطْعَمَ فِي يَوْم مَجَاعَة صَغِيرًا لَا أَب لَهُ مِنْ قَرَابَته , وَهُوَ الْيَتِيم ذُو الْمَقْرَبَة ; وَعُنِيَ بِذِي الْمَقْرَبَة : ذَا الْقَرَابَة , كَمَا : 28919 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَة } قَالَ : ذَا قَرَابَة . وَقَوْله : { يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَة } يَقُول : أَوْ أَطْعَمَ فِي يَوْم مَجَاعَة صَغِيرًا لَا أَب لَهُ مِنْ قَرَابَته , وَهُوَ الْيَتِيم ذُو الْمَقْرَبَة ; وَعُنِيَ بِذِي الْمَقْرَبَة : ذَا الْقَرَابَة , كَمَا : 28919 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَة } قَالَ : ذَا قَرَابَة . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { أو إطعام في يوم ذي مسغبة} أي مجاعة. والسغب : الجوع. والساغب الجائع. وقرأ الحسن { أو إطعام في يوم ذا مسغبة} بالألف في { ذا} - وأنشد أبو عبيدة : فلو كنت جارا يا ابن قيس بن عاصم ** لما بت شبعانا وجارك ساغبا وإطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل. وقال النخعي في قوله تعالى { أو إطعام في يوم ذي مسغبة} قال : في يوم عزيز فيه الطعام. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [من موجبات الرحمة إطعام المسلم السغبان]. { يتيما ذا مقربة} أي قرابة. يقال : فلان ذو قرابتي وذو مقربتي. يعلمك أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة، كما أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم الذي يجد من يكفله. وأهل اللغة يقولون : سمي يتيما لضعفه. يقال : يتم الرجل يتما : إذا ضعف. وذكروا أن اليتيم في الناس من قبل الأب. وفي البهائم من قبل الأمهات. وقد مضى في سورة [البقرة] مستوفى، وقال بعض أهل اللغة : اليتيم الذي يموت أبواه. وقال قيس بن الملوح : إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا ** إلى الله فقد الوالدين يتيم قوله تعالى { أو مسكينا ذا متربة} أي لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلا التراب. قال ابن عباس : هو المطروح على الطريق، الذي لا بيت له. مجاهد : هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. وقال قتادة : إنه ذو العيال. عكرمة : المديون. أبو سنان : ذو الزمانة. ابن جبير : الذي ليس له أحد. وروى عكرمة عن ابن عباس : ذو المتربة البعيد التربة؛ يعني الغريب البعيد عن وطنه. وقال أبو حامد الخارزنجي : المتربة هنا : من التريب؛ وهي شدة الحال. يقال ترب : إذا افتقر. قال الهذلي : وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا ** سفكنا دماء البدن في تربة الحال وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي { فكَ} بفتح الكاف، على الفعل الماضي. { رقبة} نصبا لكونها مفعولا { أو أَطعم} بفتح الهمزة نصب الميم، من غير ألف، على الفعل الماضي أيضا؛ لقوله { ثم كان من الذين آمنوا} فهذا أشكل بـ { فك وأطعم} . وقرأ الباقون { فك} رفعا، على أنه مصدر فككت. { رقبة} خفض بالإضافة. { أو إطعام} بكسر الهمزة وألف ورفع الميم وتنوينها على المصدر أيضا. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنه تفسير لقوله تعالى { وما أدراك ما العقبة} ؟ ثم أخبره فقال { فك رقبة أو إطعام} . المعنى : اقتحام العقبة : فك رقبة أو إطعام. ومن قرأ بالنصب فهو محمول على المعنى؛ أي ولا فك رقبة، ولا أطعم في يوم ذا مسغبة؛ فكيف يجاوز العقبة. وقرأ الحسن وأبو رجاء { ذا مسغبة} بالنصب على أنه مفعول { إطعام} أي يطعمون ذا مسغبة و { يتيما} بدل منه. الباقون { ذي مسغبة} فهو صفة لـ { يوم} . ويجوز أن يكون قراءة النصب صفة لموضع الجار والمجرور لأن قوله { في يوم} ظرف منصوب الموضع، فيكون وصفا له على المعنى دون اللفظ.


www.alro7.net