سورة
اية:

كَلَّا ۖ إِنَّهَا لَظَىٰ

تفسير بن كثير

يقول تعالى العذاب واقع بالكافرين { يوم تكون السماء كالمهل} ، قال ابن عباس ومجاهد: أي كدردي الزيت، { وتكون الجبال كالعهن} أي كالصوف المنفوش، قاله مجاهد وقتادة، وهذه الآية كقوله تعالى: { وتكون الجبال كالعهن المنفوش} ، وقوله تعالى: { ولا يسأل حميم حميماً يبصّرونهم} أي لا يسأل القريب قريبه عن حاله، وهو يراه في أسوأ الأحوال فتشغله نفسه عن غيره. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً ويتعارفون بينهم، ثم يفر بعضهم من بعض بعد ذلك، يقول اللّه تعالى: { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} ، وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: { واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً} ، وكقوله تعالى: { يوم يفر المرء من أخيه . وأمه وأبيه . وصاحبته وبنيه . لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} ، وقوله تعالى: { يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه . وصاحبته وأخيه . وفصيلته التي تؤويه . ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه . كلا} أي لا يقبل منه فداء ولو جاء بأهل الأرض، وبأعز ما يجده من المال، ولو بملء الأرض ذهباً، أو من ولده الذي كان في الدنيا حشاشة كبده، يود يوم القيامة إذا رأى الأهوال أن يفتدي من عذاب اللّه به، قال مجاهد والسدي: { فصيلته} قبيلته وعشيرته، وقال عكرمة: فخذه الذي هو منهم، وقوله تعالى: { إنها لظى} يصف النار وشدة حرها { نزاعة للشوى} ، قال ابن عباس ومجاهد: جلدة الرأس، وعن ابن عباس: { نزاعة للشوى} الجلود والهام، وقال أبو صالح { نزاعة للشوى} يعني أطراف اليدين والرجلين، وقال الحسن البصري: تحرق كل شيء فيه ويبقى فؤاده يصيح، وقال الضحّاك: تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً، وقوله تعالى: { تدعوا من أدبر وتولى . وجمع فأوعى} أي تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم اللّه لها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق، ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر، كما يلتقط الطير الحب، وذلك أنهم كانوا ممن أدبر وتولى، أي كذب بقلبه وترك العمل بجوارحه { وجمع فأوعى} أي جمع المال بعضه على بعض، فأوعاه أي أوكاه ومنع حق اللّه منه، من الواجب عليه في النفقات ومن إخراج الزكاة، وقد ورد في الحديث: (ولا توعي فيوعي اللّه عليك)، وكان عبد اللّه بن عكيم لا يربط له كيساً، يقول، سمعت اللّه يقول: { وجمع فأوعى} ، وقال الحسن البصري: يا ابن آدم سمعت وعيد اللّه ثم أوعيت الدنيا، وقال قتادة في قوله { وجمع فأوعى} قال: كان جموعاً قموماً للخبيث.

تفسير الجلالين

{ كلا } رد لما يوده { إنها } أي النار { لظى } اسم لجهنم لأنها تتلظى، أي تتلهب على الكفار.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَلَّا إِنَّهَا لَظَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَلَّا لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لَيْسَ يُنْجِيه مِنْ عَذَاب اللَّه شَيْء . ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَر عَمَّا أَعَدَّهُ لَهُ هُنَالِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , فَقَالَ : { إِنَّهَا لَظَى } وَلَظَى : اسْم مِنْ أَسْمَاء جَهَنَّم , وَلِذَلِكَ لَمْ يُجَرّ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَوْضِعهَا , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : مَوْضِعهَا نَصْب عَلَى الْبَدَل مِنَ الْهَاء , وَخَبَر إِنَّ : { نَزَّاعَة } ; قَالَ : وَإِنْ شِئْت جَعَلْت لَظَى رَفْعًا عَلَى خَبَر إِنَّ , وَرَفَعْت { نَزَّاعَة } عَلَى الِابْتِدَاء . وَقَالَ بَعْض مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْبَع الظَّاهِر الْمُكَنَّى إِلَّا فِي الشُّذُوذ ; قَالَ : وَالِاخْتِيَار { إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَة لِلشَّوَى } لَظَى : الْخَبَر , وَنَزَّاعَة : حَال ; قَالَ : وَمَنْ رَفَعَ اسْتَأْنَفَ ; لِأَنَّهُ مَدْح أَوْ ذَمّ ; قَالَ : وَلَا تَكُون ابْتِدَاء إِلَّا كَذَلِكَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , أَنَّ { لَظَى } الْخَبَر , و { نَزَّاعَة } ابْتِدَاء , فَذَلِكَ رَفْع , وَلَا يَجُوز النَّصْب فِي الْقِرَاءَة ; لِإِجْمَاعِ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَى رَفْعهَا , وَلَا قَارِئ قَرَأَ كَذَلِكَ بِالنَّصْبِ ; وَإِنْ كَانَ لِلنَّصْبِ فِي الْعَرَبِيَّة وَجْه ; وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون الْهَاء مِنْ قَوْله " إِنَّهَا " عِمَادًا , وَلَظَى مَرْفُوعَة بِنَزَّاعَةٍ , وَنَزَّاعَة , كَمَا يُقَال : إِنَّهَا هِنْد قَائِمَة , وَإِنَّهُ هِنْد قَائِمَة , وَالْهَاء عِمَاد فِي الْوَجْهَيْنِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَلَّا إِنَّهَا لَظَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَلَّا لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لَيْسَ يُنْجِيه مِنْ عَذَاب اللَّه شَيْء . ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَر عَمَّا أَعَدَّهُ لَهُ هُنَالِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , فَقَالَ : { إِنَّهَا لَظَى } وَلَظَى : اسْم مِنْ أَسْمَاء جَهَنَّم , وَلِذَلِكَ لَمْ يُجَرّ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَوْضِعهَا , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : مَوْضِعهَا نَصْب عَلَى الْبَدَل مِنَ الْهَاء , وَخَبَر إِنَّ : { نَزَّاعَة } ; قَالَ : وَإِنْ شِئْت جَعَلْت لَظَى رَفْعًا عَلَى خَبَر إِنَّ , وَرَفَعْت { نَزَّاعَة } عَلَى الِابْتِدَاء . وَقَالَ بَعْض مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْبَع الظَّاهِر الْمُكَنَّى إِلَّا فِي الشُّذُوذ ; قَالَ : وَالِاخْتِيَار { إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَة لِلشَّوَى } لَظَى : الْخَبَر , وَنَزَّاعَة : حَال ; قَالَ : وَمَنْ رَفَعَ اسْتَأْنَفَ ; لِأَنَّهُ مَدْح أَوْ ذَمّ ; قَالَ : وَلَا تَكُون ابْتِدَاء إِلَّا كَذَلِكَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , أَنَّ { لَظَى } الْخَبَر , و { نَزَّاعَة } ابْتِدَاء , فَذَلِكَ رَفْع , وَلَا يَجُوز النَّصْب فِي الْقِرَاءَة ; لِإِجْمَاعِ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَى رَفْعهَا , وَلَا قَارِئ قَرَأَ كَذَلِكَ بِالنَّصْبِ ; وَإِنْ كَانَ لِلنَّصْبِ فِي الْعَرَبِيَّة وَجْه ; وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون الْهَاء مِنْ قَوْله " إِنَّهَا " عِمَادًا , وَلَظَى مَرْفُوعَة بِنَزَّاعَةٍ , وَنَزَّاعَة , كَمَا يُقَال : إِنَّهَا هِنْد قَائِمَة , وَإِنَّهُ هِنْد قَائِمَة , وَالْهَاء عِمَاد فِي الْوَجْهَيْنِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { كلا} تقدم القول في { كلا} وأنها تكون بمعنى حقا، وبمعنى لا. وهي هنا تحتمل الأمرين؛ فإذا كانت بمعنى حقا كان تمام الكلام { ينجيه} . وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها؛ أي ليس ينجيه من عذاب الله الافتداء ثم قال { إنها لظى} أي هي جهنم؛ أي تتلظى نيرانها؛ كقوله تعالى { فأنذرتكم نارا تلظى} [الليل : 14] واشتقاق لظى من التلظي. والتظاء النار التهابها، وتلظيها تلهبها. وقيل : كان أصلها [لظظ] أي ما دامت لدوام عذابها؛ فقلبت إحدى الظاءين ألفا فبقيت لظى. وقيل : هي الدركة الثانية من طبقات جهنم. وهي اسم مؤنث معرفة فلا ينصرف. { نزاعة للشوى} قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم في رواية أبي بكر عنه والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي { نزاعة} بالرفع. وروى أبو عمرو عن عاصم { نزاعة} بالنصب. فمن رفع فله خمسة أوجه : أحدها أن تجعل { لظى} خبر { إن} وترفع { نزاعة} بإضمار هي؛ فمن هذا الوجه يحسن الوقف على { لظى} . والوجه الثاني أن تكون { لظى} و { نزاعة} خبران لإن. كما تقول إنه خلق مخاصم. والوجه الثالث أن تكون { نزاعة} بدلا من { لظى} و { لظى} خبر { إن} . والوجه الرابع أن يكون { لظى} بدلا من اسم { إن} و { نزاعة} خبر { إن} . والمعنى : أن القصة والخبر لظى نزاعة للشوى ومن نصب { نزاعة} حسن له أن يقف على { لظى} وينصب { نزاعة} على القطع من { لظى} إذ كانت نكرة متصلة بمعرفة. ويجوز نصبها على الحال المؤكدة؛ كما قال { وهو الحق مصدقا} [البقرة : 91]. ويجوز أن تنصب على معنى أنها تتلظى نزاعة؛ أي في حال نزعها للشوى. والعامل فيها ما دل عليه الكلام من معنى التلظي. ويجوز أن يكون حالا؛ على أنه حال للمكذبين بخبرها. ويجوز نصبها عل القطع؛ كما تقول : مررت بزيد العاقل الفاضل. فهذه خمسة أوجه للنصب أيضا. والشوى. جمع شواة وهي جلدة الرأس. قال الأعشى : قالت قُـتَيلة مالَه ** قد جللت شيبا شواته وقال آخر : لأصبحت هدتك الحوادث هدة ** لها فشواة الرأس باد قتيرها القتير : الشيب. وفي الصحاح: "والشوى : جمع شواة وهي جلدة الرأس" . والشوى : اليدان والرجلان والرأس من الآدميين، وكل ما ليس مقتلا. يقال : رماه فأشواه إذا لم يصب المقتل. قال الهذلي : فإن من القول التي لا شوى لها ** إذا زل عن ظهر اللسان انفلاتها يقول : إن من القول كلمة لا تشوي ولكن تقتل. قال الأعشى : قالت قتيلة ماله ** قد جللت شيبا شواته قال أبو عبيد : أنشدها أبو الخطاب الأخفش أبا عمرو بن العلاء فقال له صحفت! إنما هو سراته؛ أي نواحيه فسكت أبو الخطاب ثم قال لنا : بل هو صحف، إنما هو شواته . وشوى الفرس : قوائمه؛ لأنه يقال : عبل الشوى، ولا يكون هذا للرأس؛ لأنهم وصفوا الخيل بإسالة الخدين وعتق الوجه وهو رقته. والشوى : رذال المال. والشوى : هو الشيء الهين اليسير. وقال ثابت البناني والحسن { نزاعة للشوى} أي لمكارم وجهه. أبو العالية : لمحاسن وجهه. قتادة : لمكارم خلقته وأطرافه. وقال الضحاك : تفري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئا. وقال الكسائي : هي المفاصل. وقال بعض الأئمة : هي القوائم والجلود. قال امرؤ القيس : سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ** له حجبات مشرفات على الفال وقال أبو صالح : أطراف اليدين والرجلين. قال الشاعر : إذا نظرت عرفت الفخر منها ** وعينيها ولم تعرف شواها يعني أطرافها. وقال الحسن أيضا : الشوى الهام. { تدعو من أدبر وتولى} أي تدعو لظى من أدبر في الدنيا عن طاعة الله وتولى عن الإيمان. ودعاؤها أن تقول : إلي يا مشرك، إلي يا كافر. وقال ابن عباس : تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح : إلي يا كافر، إلي يا منافق؛ ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. وقال ثعلب { تدعو} أي تهلك. تقول العرب : دعاك الله؛ أي أهلكك الله. وقال الخليل : إنه ليس كالدعاء [تعالوا] ولكن دعوتها إياهم تمكنها من تعذيبهم. وقيل : الداعي خزنة جهنم؛ أضيف دعاؤهم إليها. وقيل هو ضرب مثل؛ أي إن مصير من أدبر وتولى إليها؛ فكأنها الداعية لهم. ومثله قول الشاعر : ولقد هبطنا الواديين فواديا ** يدعو الأنيس به العضيض الأبكم العضيض الأبكم : الذباب. وهو لا يدعو وإنما طنينه نبه عليه فدعا إليه. قلت : القول الأول هو الحقيقة؛ حسب ما تقدم بيانه بآي القرآن والأخبار الصحيحة. القشيري : ودعاء لظى بخلق الحياة فيها حين تدعو، وخوارق العادة غدا كثيرة. { وجمع فأوعى} أي جمع المال فجعله في وعائه ومنع منه حق الله تعالى؛ فكان جموعا منوعا. قال الحكم : كان عبدالله بن عكيم لا يربط كيسه ويقول سمعت الله يقول { وجمع فأوعى} .


www.alro7.net