سورة
اية:

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المتقين للّه عزَّ وجلَّ، أنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون، بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال، وقوله تعالى: { آخذين ما آتاهم ربهم} ، قال ابن جرير: أي عاملين بما آتاهم اللّه من الفرائض، { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} أي قبل أن يفرض عليهم الفرائض كانوا محسنين في الأعمال أيضاً، والذي فسر به ابن جرير فيه نظر، لأن قوله تبارك وتعالى { آخذين} حال من قوله { في جنات وعيون} فالمتقون في حال كونهم في الجنان والعيون آخذين ما آتاهم ربهم، أي من النعيم والسرور والغبطة. وقوله عزَّ وجلَّ: { إنهم كانوا قبل ذلك} أي في الدار الدنيا، { محسنين} كقوله تعالى: { كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية} ، ثم إنه تعالى بيّن إحسانهم في العمل فقال جلَّ وعلا: { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} . اختلف المفسرون في ذلك على قولين: أحدهما: أن ما نافية تقديره: كانوا قليلاً من الليل لا يهجعونه، قال ابن عباس: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئاً؛ وقال قتادة: قلّ ليلة تأتي عليهم إلا يصلون فيها للّه عزَّ وجلَّ، إما من أولها أو من وسطها، وقال مجاهد: قلَّ ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون، والقول الثاني: أن ما مصدرية تقديره: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم ونومهم، واختاره ابن جرير، وقال الحسن البصري: { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} ، كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسحر، وقال الأحنف بن قيس: { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} كانوا لا ينامون إلا قليلاً، ثم يقول: لست من أهل هذه الآية، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة صفةٌ لا أجدها فينا ذكر اللّه تعالى قوماً فقال: { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} ونحن واللّه قليلاً من الليل ما نقوم، فقال له أبي: (طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى اللّه إذا استيقظ) وقال عبد اللّه بن سلام: لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه صلى اللّه عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما سمعته صلى اللّه عليه وسلم يقول: (يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا إلى الجنة بسلام) وروى الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها) فقال أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه: لمن هي يا رسول اللّه؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات للّه قائماً والناس نيام) ""أخرجه الإمام أحمد"". وقوله عزَّ وجلَّ: { وبالأسحار هم يستغفرون} ، قال مجاهد: يصلون، وقال آخرون: قاموا الليل وأخروا الاستغفار إلى الأسحار، كما قال تبارك وتعالى: { والمستغفرين بالأسحار} ، وقد ثبت في الصحاح، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن اللّه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر) وقوله تعالى: { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} لما وصفهم بالصلاة، ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة، فقال { وفي أموالهم حق} أي جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم، أما السائل فمعروف وهو الذي يبتديء بالسؤال وله حق، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (للسائل حق وإن جاء على فرس) ""أخرجه أحمد وأبو داود"". وأما المحروم فقال ابن عباس ومجاهد: هو المحارب الذي ليس له في الإسلام سهم، يعني لا سهم له في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها: هو المحارب الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه، وقال الضحّاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى اللّه تعالى له ذلك، وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء: المحروم المحارف، وقال قتادة والزهري: المحروم الذي لا يسأل الناس شيئاً، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه) ""هذا الحديث أسنده الشيخان من وجه آخر"". وقال سعيد بن جبير: هو الذي يجيء وقد قسم المغنم فيرضخ له، وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم، واختار ابن جرير أن المحروم الذي لا مال له بأي سبب كان وقد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب، أو قد هلك ماله بآفة أو نحوها. وقوله عزَّ وجلَّ: { وفي الأرض آيات للموقنين} أي فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما فيها من صنوف النبات والحيوانات والمهاد، والجبال والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم، في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون} ؟ قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة، ثم قال تعالى: { وفي السماء رزقكم} يعني المطر { وما توعدون} يعني الجنة، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد، وقوله تعالى: { فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} ، يقسم تعالى بنفسه الكريمة: أن ما وعدهم به من أمر القيامة، والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون، وكان معاذ رضي اللّه عنه إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه إن هذا لحقٌ كما أنك ههنا. وعن الحسن البصري قال: بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (قاتل اللّه أقواماً أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا) ""أخرجه ابن جرير عن الحسن مرسلاً"".

تفسير الجلالين

{ إن المتقين في جنات } بساتين { وعيون } تجري فيها .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا اللَّهَ بِطَاعَتِهِ , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه فِي الدُّنْيَا فِي بَسَاتِينَ وَعُيُونِ مَاءٍ فِي الْآخِرَة .وَقَوْله : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا اللَّهَ بِطَاعَتِهِ , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه فِي الدُّنْيَا فِي بَسَاتِينَ وَعُيُونِ مَاءٍ فِي الْآخِرَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن المتقين في جنات وعيون} لما ذكر مال الكفار ذكر مال المؤمنين أي هم في بساتين فيها عيون جارية على نهاية ما يتنزه به. { آخذين ما آتاهم ربهم} أي ما أعطاهم من الثواب وأنواع الكرامات؛ قاله الضحاك. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير { آخذين ما آتاهم ربهم} أي عاملين بالفرائض. { إنهم كانوا قبل ذلك} أي قبل دخولهم الجنة في الدنيا { محسنين} بالفرائض. وقال ابن عباس : المعنى كانوا قبل أن يفرض عليهم الفرائض محسنين في أعمالهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الذاريات الايات 12 - 20

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ... } [الذاريات: 15] (إن) تفيد توكيد الكلام، و(المتقين) جمع المتقي، والتقوى كما قلنا أنْ تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، لذلك نجد القرآن يقول مرة:
{  وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ... }
[الحشر: 18] ومرة يقول
{  وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ... }
[آل عمران: 131].

والمراد: الزموا طاعة الله، وتجنّبوا معصيته وأسباب عذابه، لأن لله تعالى صفات جمال وصفات جلال، والتقوى أنْ تجعل بينك وبين صفات الجلال وقاية من صفات الجلال التي تزجر المخالف وترده عن الشر.

فمن صفات الجمال أن خلق لنا ما ننتفع به في الدنيا، ومن ذلك النار
{  أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ }
[الواقعة: 71-72].

لكن هذه النار التي تنتفعون بها في الدنيا وتُعد نعمة من نعم الله عليكم احذروها في الآخرة، لأنها ستكون أداة تعذيب، ستكون جنداً من جند الله لقهر المخالفين، فاتقوها. إذن: المعنى واحد: اتقوا الله، واتقوا النار.

وتلاحظ هنا أن { ٱلْمُتَّقِينَ.. } [الذرايات: 15] في زمان التكليف وهي جمع و { جَنَّاتٍ... } [الذاريات: 15] في زمن الجزاء وهي جمع، وكذلك { وَعُيُونٍ } [الذرايات: 15] فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: إن لكل مُتّق جنة وعيناً تجري خلالها، نعم جنة خاصة به، لأن القاعدة إذا قُوبل الجمع بالجَمع اقتضى القسمةَ آحاداً.

كما يقول المدرس مثلاً للتلاميذ: أخرجوا كتبكم، والمراد أنْ يُخرجَ كلّ منهم كتابه، لكن نجد في سورة (الرحمن) يقول سبحانه:
{  وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ }
[الرحمن: 46].

فكيف نجمع ونُوفِّق بين الآيتين؟ قالوا: لأن سورة الرحمن جاء الخطاب فيها للثقلين الجن والإنس، فالمعنى: ولمَنْ خاف مقام ربه من الإنس أو الجن جنة، جنة للإنس وجنة للجن.

أو أن المعنى: له جنتان بالفعل، وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه خلق الجنة على فرض أنْ يؤمن جميعُ البشر، وخلق النار كذلك تكفي للبشر جميعاً إنْ لم يؤمنوا.

وقلنا: هناك لا توجد أزمة مساكن، فإذا دخل أهلُ النار النارَ فرغتْ أماكنهم في الجنة فورثها المتقون، فكأنه أخذ جنته وجنة الكافر الذي تركها، وذهب إلى النار.

والجنة هي البستان المليء بالأشجار متشابكة الأغصان بحيث تستر مَنْ يسير فيها وتُجنّه، أو أن فيها كلَّ مقومات الحياة بحيث لا يحتاج إلى الخروج منها، كما نقول في كلمة قصر يعني: قصرك في مكانه عن الأمكنة الأخرى، فلا تخرج منه إلى مكان آخر لتلتمس أسباب الحياة..

وقال: { فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } [الذاريات: 15] أي: عيون الماء، لأن الجنات الأصل فيها الخضرة والنماء والثمار، وهكذا الأشياء وليدة وجود الماء، فالعيون في الجنات لاستبقائها ودوامها كجنة.

لذلك لما تحدَّث القرآن عن أنهار الجنة وتوفير الماء اللازم لها قال مرة
{  تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ... }
[التوبة: 100] وقال مرة
{  تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ... }
[الصف: 12].

فمن هنا تفيد أن الماء ذاتي فيها، حتى لا نظن أن الماء الجاري الذي يمرُّ بها قد ينقطع فيقول لك: اطمئن فماء الجنة مضمون لأنه نابع منها.

وقوله سبحانه: { آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ... } [الذاريات: 16] يعود السياق هنا إلى الماضي ويُحدِّثنا عن الحيثية، فهؤلاء المتقون نالوا هذا الجزاء، لأنهم أخذوا منهج الله برضا وقبول.

{ آخِذِينَ... } [الذاريات: 16] جمع آخذ اسم فاعل، وهو الذي يتناول الشيء بعشق ولهفة، ويأخذه برضى وقبول، والإنسان لا يمدُّ يده ليأخذ إلا لشيء فيه نفع له على خلاف شيء يُرْمي عليك فتأخذه وأنت كاره.

فكأن هؤلاء سمعوا منهج الله، وعلموا أن فيه قوامَ حياتهم وصيانة حركتهم ونجاة آخرتهم فأخذوه، أخذوه بلهفة وحب وعشق، أخذوه بقوة كما قال تعالى:
{  خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ... }
[البقرة: 63].

فالقوه في الأخذ تدل على أن الآخذ يقدر المنفعة الجميلة التي ينالها، ثم إنك أخذتَ وغيرك ترك، فأحسنتَ وأساءوا، مع أنك مختار ولك مطلق الحرية تأخذ أو تترك.

لقد أحسنتَ وأنت قادر على الخير وعلى قبول الشر. فكوْنُكَ تسمع وحي الله وتطيع وتتحمل التكاليف عن رضا وقبول، فأنت أهلٌ لهذا الجزاء.

ثم تبين الآيات أن الأخذ هنا أخذٌ مقيد، لا نأخذ كل شيء وكل ما يأتينا بل نأخذ ما جائنا من ربنا وخالقنا { آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ... } [الذاريات: 16] واختار هنا صفة الربوبية لأنها عطاء، فالرب هو الذي خلق من عَدمَ وأمدَّ من عُدْم، وأبقى لك مُقوِّمات الحياة بقيوميته، نقول: فلان قائم على الأمر يعني: مهتم به لا يتركه لغيره.

فالله بحكمته وقدرته خلق، وبقيمومته استدام الخير، لذلك ساعة يأتيك الخير تذكر الربوبية التي منحتك. والربوبية أسبق في حياة الإنسان من الألوهية، لأن الله تعالى أعطاك وأمدَّك قبل انْ تُخَلق وما كلّفك إلاب بعد سنِّ البلوغ.

وما دُمت قد أخذتَ عطاء الربوبية وتمتعتَ به فقد وجب عليك أنْ تأخذ عطاء الألوهية، وكما أخذتَ العطاء الأول بحب ورغبة وعشق، فعليك أنْ تأخذ العطاء الآخر أيضاً بحب ورغبة وعشق، لا يليق بك أن تأخذ الأول وتترك الثاني وتتنكر له لأنك لو تأملت عطاء الألوهية لوجدته أنفع لك من عطاء الربوبية وأدوم.

فعطاء الربوبية الأول أعطاك مقومات الحياة الدنيا وهي موقوتة فانية، أعطاك مقومات القالب الزائل، أما عطاء الألوهية فعطاء يضمن لك الآخرة الباقية ويحيي فيك الروح الباقية التي لا تفنى. إذن: فأيّهما أحقُّ بالأخذ؟

لذلك الحق سبحانه وتعالى حينما حدثنا عن هذه المسألة قال سبحانه:
{  يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ... }
[الأعراف: 26].

فاللباس الذي يواري السوأة يمثل الضروريات والريش للزنية والكماليات، وهذا قصارى ما نأخذه في الدنيا. ثم يلفت الأنظار إلى ما هو أهم
{  لِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ... }
[الأعراف: 26] خير من نعيم الدنيا وزينتها وزخرفها، لأن هذا زائل وهذا باقٍ دائم، لباس الدنيا يسترك في الدنيا، ولباس التقوى يسترك في الدنيا وفي الآخرة.

ولما كان لعطاء الألوهية هذه الأهمية لم يُعطه الله إلا لمن آمن به مختاراً، فلم يكلف إلا المؤمن، لذلك نقرأ دائماً في مجال التكاليف
{  يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }
[البقرة: 153].

ثم تذكر الآيات صفة أخرى من صفات المتقين { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } [الذاريات: 16] أي: ما استحقوا هذه المنزلة إلا لأنهم { كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } [الذاريات: 16] والإحسان درجة عالية من درجات الإيمان عرَّفها العلماء فقالوا: الإحسان هو ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك ".

والإحسان هو الزيادة في الطاعات فوق ما أمرك الله به، لذلك نزلت هذه الآية في مكة قبل أنْ تُفرض الزكاة في مكة، قال تعالى: { وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } [الذرايات: 19] ولم يقل حق معلوم، فالحق المعلوم هو الزكاة وقد فرضت بالمدينة، أما الصدقة فكانت في المرحلة المكية.

إذن: معنى الإحسان أنهم ذهبوا إلى مراتب الإحسان قبل أنْ يُكلِّفوا بها، وهذا يعني أن مراتب الإحسان فطرية وطبيعية، وفي إمكانك ولا تكلفك، وهكذا كل أمور الطاعة والاستقامة تأتي طبيعية لا تكلُّف فيها على خلاف المعصية.

لذلك نقول: إن المستقيم مثلاً يوفر ثمن الجلوس على القهاوي وشرب الدخان والقهوة والمخدرات والمسكرات، فالاستقامة من الناحية الاقتصادية أوفر لصاحبها.

حتى في عمل الجوارح تأتي الاستقامة طبيعية، أما المعصية فتحتاج إلى تكلُّف وتلصُّص واحتيال، لذلك في الاشتقاق اللغوي عبَّر القرآن عن الطاعة بـ(كسب) وعن المعصية بـ(اكتسب).

فالكسب أمر طبيعي، و(كسب) على وزن فعل، أما (اكتسب) ففيها افعتال وهي على وزن افتعل، وهذا الافتعال تراه مثلاً فيمن يحتال لينظر إلى ما حرَّم الله عليه، كيف يتلصص ويُسارق الناسَ النظرات، كذلك تراه فيمن يذهب إلى المسجد ومَنْ يذهب إلى الخمارة وهكذا.

وقد عرَّف العلماء درجة الإحسان في العبادة، فقالوا: الإحسان أنْ تؤدي ما فرضه الله عليك من العبادة، وتزيد عليها من جنس ما فرض الله، فالمؤمن يؤدي الصلوات الخمس والمحسن يؤديها ويزيد عليها ما استطاع من النوافل.

المؤمن يؤدب الزكاة بمقدار نصف العشر أو ربع العشر، والمحسن يؤدي فوق ذلك وهكذا.

إذن: المسحن هنا له معنيان: أنه أحسن قبل التكليف وبادر بعمل الخيرات قبل أنْ تُفرض عليه، أو أدَّى ما فُرِض عليه ثم زاد على ما فرض من جنس ما فرض الله عليه.

ثم يصف الحق سبحانه وتعالى المحسنين بقوله: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } [الذاريات: 17] والهجوع هو: الثبات عن الحركة في الخير وعدم عمل الشر، ونقول للولد المشاغب الذي تزيد حركته: أهجع.يعني: كُفّ عن الحركة المزعجة.

ومن هنا قالوا: نوم الظالم عبادة، نعم عبادة لأنه يكفُّه عن الظلم، فهؤلاء لهم أنْ يصلُّوا العشاء ويناموا بعدها إلى الفجر، لكن حبهم للطاعة جعلهم لا يهجعون من الليل إلا قليلاً، ونَفْي الهجوع نَفْيٌ للنوم من باب أوْلَى.

والإحسان نتيجة لحب العبد لربِّه، فالله أحسن إليك حين كلَّفك وحيَّاك بهذا التكليف، فعليك أنْ ترد التحية بأحسن منها، فإنْ كلَّفك بخمس صلوات تجعلها عشراً، وإنْ كلَّفك بنصف العشر أو بُربْع العشر في الزكاة تجعلها أضعاف ذلك، وهكذا في سائر العبادات وأوجه الخيرات.

ولما سُئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: " هو أنْ تعبد الله كأنك تراه، فإنْ لم تكُنْ تراه فإنه يراك " والذي تراه يكون حاضراً ليس غيباً، وتصوَّر أنك أجير عند رجل يجلس خلفك يراقبك ويرصد كل تحركاتك، هل تستطيع عندَه إذن أنْ تتهاون في عملك أو تقصر فيه؟

كذلك حال المحسن في عبادته، وقد ورد في الحديث القدسى: " يا عبادي إنْ كنتم تعتقدون أنِّي لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، وإنْ كنتم تعتقدون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم "

وقوله تعالى: { وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [الذاريات: 18] الأسحار جمع السَّحَر، وهو آخر الليل وقبل طلوع الفجر، حيث يظهر شوء بسيط يخيَّل للإنسان أنه ضوء الشمس وهي لم تطلع بعد، ولذلك يُسمَّى ضوءاً تخيلياً.

ومنه كلمة السِّحر، فالسحر قلْبٌ للحقائق بطريق التخيُّل ولا حقيقة له، ومنه قوله تعالى:
{  سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ... }
[الأعراف: 116].

ووقت السَّحَر من أفضل الأوقات للاستفغار، لكن ممّ يستغفر هؤلاء الذين وصفهم ربهم بالتقوى، وأنهم أخذوا ما آتاهم ربهم، وأنهم نالوا درجة الإحسان، وكانوا قليلاً من الليل ما يهجعون؟

إذن: ليس لهم ذنوب يستغفرون الله منها، قالوا: إن لهؤلاء استغفاراً يليق بدرجة الإحسان، فهم لا يستغفرون الله من ذنوبهم، بل يستغفرونه للتقصير الذي يظنونه في عباداتهم وأعمالهم وكأنهم استقلُّوا ما فعلوه ورأوه دون ما يستحق الله تعالى من التقدير والعبادة، وهذا من باب " حسنات الأبرار سيئات المقربين ".

وقوله تعالى: { وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } [الذاريات: 19] نسب إليهم المال، فقال { أَمْوَالِهِمْ... } [الذاريات: 19] لأنه يتملكه الآن وإنْ كان في الحقيقة مال الله، والإنسان مستخلف فيه إلى حين.

لذلك قال سبحانه:
{  وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ... }
[الحديد: 7].

والإنسان خليفة لله في الأرض، وعليه بمقتضى هذه الخلافة أنْ يطيع أمر مَن استخلفه بأنْ يعطي السائل والمحروم من مال الله المستودع عنده، يعطي العاجز غير القادر على العمل والكسب، حتى لو يعطيه شكراً لله الذي منحه القوة ليعمل، في حين أن غيره عاجز محروم من هذه القوة.والحق سبحانه وتعالى حينما يأمرنا بذلك إنما يُؤمِّن حياة ومستقبل القادر وغير القادر على العمل، لأن الدهر يتقلب بالناس، وأحداث الحياة دائمة التغيير، وربما أصبح القادر اليوم غير قادر غداً، وعندها يجد مَنْ يمد إليه يد المساعدة.

لذلك قلنا: إن الشارع الحكيم علمنا أنْ نعمل على قدر الطاقة لا على قدر الحاجة، فحينما تعمل على قدر الطاقة التي وضعها الله فيك فإنك ستأخذ حاجتك وتتصدَّق على غير القادر أنْ يعمل، ولو توفر لنا هذا التضامن وهذا التأمين لَعاش الإنسانُ لا يهاب أحداث الحياة ولا يخشى الفقر عليه وعلى ذريته من بعده.

وقوله تعالى: { لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } [الذاريات: 19] السائل هو المحتاج وتضطره الحاجة لأنْ يسأل الناس، ومثله المحروم هو أيضاً محتاج لكنه يتعفف عن المسألة فيحرم وربما يجوع أو يهلك، وهو في هذه الحالة يكون آثماً في حقِّ نفسه، لأن الله تعالى شرع له أنْ يسأل، فهو محروم من التملك أولاً، وحرم نفسه ثانياً من السؤال الذي شرع له.

ومن هنا حثَّ الإسلام على التعارف وعلى حضور الجماعات التي يتعارف فيها الناس، ويسأل بعضهم عن بعض، ومن خلال هذا التعارف نعرف المحتاج فنساعده ونعرف المريض فنزوره، وهكذا.

وأحد الصالحين جاءه سائل فأعطاه حاجته، ثم دخلتْ عليه زوجته فوجدته باكياً، فقالت له: ما يُبكيك وقد أعطيته حاجته؟ فقال: أبكى لأنِّي تركته حتى يسألني.

إذن: الواجب أنْ يصل الحق إلى أصحابه دون سؤال؛ واجب على الغني أنْ يكفي الفقير مذلة السؤال.


www.alro7.net