سورة
اية:

مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه} أي على بصيرة ويقين في أمر اللّه ودينه، بما أنزل اللّه في كتابه من الهدى والعلم، وبما جبله اللّه عليه من الفطرة المستقيمة، { كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم} ؟ أي ليس هذا كهذا، كقوله تعالى: { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} ؟ ثم قال عزَّ وجلَّ: { مثل الجنة التي وعد المتقون} قال عكرمة { مثل الجنة} أي نعتها، { فيها أنهار من ماء غير ءاسن} يعني غير متغير، والعرب تقول: أَسِنَ الماءُ إذا تغير ريحه، وفي حديث مرفوع { غير ءاسن} يعني الصافي الذي لا كدر فيه، وقال عبد اللّه رضي اللّه عنه: أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة، وفي حديث مرفوع: (لم يخرج من ضروع الماشية)، { وأنهار من خمر لذة للشاربين} أي ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة، { لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} { لا يصدّعون عنها ولا ينزفون} ، وفي حديث مرفوع: (لم يعصرها الرجال بأقدامهم) { وأنهار من عسل مصفى} أي وهو في غاية الصفاء وحسن اللون والطعم والريح، وفي حديث مرفوع: (لم يخرج من بطون النحل). روى الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (في الجنة بحر اللبن وبحر الماء، وبحر العسل وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد) ""أخرجه أحمد، ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح"". وفي الصحيح: (إذا سألتم اللّه تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجَّر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن)، وقال الحافظ الطبراني عن عاصم أن لقيط ابن عامر خرج وافداً إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قلت: يا رسول اللّه فعلى ما نطلع من الجنة؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله، وأزواج مطهرة)، قلت: يا رسول اللّه أوَ لنا فيها أزواج مصلحات؟ قال: (الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد). وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أخدود في الأرض، واللّه إنها لتجري سائحة على وجه الأرض حافاتها قباب اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر ""أخرجه ابن أبي الدنيا موقوفاً، ورواه ابن مردويه مرفوعاً"". وقوله تعالى: { ولهم فيها من كل الثمرات} كقوله عزَّ وجلَّ: { يدعون فيها بكل فاكهة آمنين} ، وقوله سبحانه وتعالى: { ومغفرة من ربهم} أي مع ذلك كله، وقوله سبحانه وتعالى: { كمن هو خالد في النار؟} أي هؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة، كمن هو خالد في النار؟ ليس هؤلاء كهؤلاء، وليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات، { وسقوا ماء حميماً} أي حاراً شديد الحر لا يستطاع، { فقطع أمعاءهم} أي قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء، عياذاً باللّه تعالى من ذلك.

تفسير الجلالين

{ مثل } أي صفة { الجنة التي وعد المتقون } المشتركة بين داخليها مبتدأ خبره { فيها أنهار من ماءٍ غير آسن } بالمد والقصر كضارب وحذر، أي غير متغير بخلاف ماء الدنيا فيتغير بعارض { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } بخلاف لبن الدنيا لخروجه من الضروع { وأنهار من خمر لذة } لذيذة { للشاربين } بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب { وأنهار من عسل مصفى } بخلاف عسل الدنيا فإنه بخروجه من بطون النحل يخالط الشمع وغيره { ولهم فيها } أصناف { من كل الثمرات ومغفرة من ربهم } فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر بخلاف سيد العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطا عليهم { كمن هو خالد في النار } خبر مبتدأ مقدر، أي أمن هو في هذا النعيم { وسقوا ماء حميما } أي شديد الحرارة { فقطَّع أمعاءهم } أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم، وهو جمع معى بالقصر، وألفه عن ياء لقولهم ميعان .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَثَل الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَار مِنْ مَاء غَيْر آسِن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : صِفَة الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَهَا الْمُتَّقُونَ , وَهُمْ الَّذِينَ اِتَّقَوْا فِي الدُّنْيَا عِقَابه بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه { فِيهَا أَنْهَار مِنْ مَاء غَيْر آسِن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره فِي هَذِهِ الْجَنَّة الَّتِي ذَكَرَهَا أَنْهَار مِنْ مَاء غَيْر مُتَغَيِّر الرِّيح , يُقَال مِنْهُ : قَدْ أَسِنَ مَاء هَذِهِ الْبِئْر : إِذَا تَغَيَّرَتْ رِيح مَائِهَا فَأَنْتَنَتْ , فَهُوَ يَأْسَن أَسَنًا , وَكَذَلِكَ يُقَال لِلرَّجُلِ إِذَا أَصَابَتْهُ رِيح مُنْتِنَة : قَدْ أَسِنَ فَهُوَ يَأْسَن . وَأَمَّا إِذَا أَجَنَ الْمَاء وَتَغَيَّرَ , فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ : أَسِنَ فَهُوَ يَأْسَن , وَيَأْسِن أُسُونًا , وَمَاء أَسَنّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله { مِنْ مَاء غَيْر آسِن } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24278 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { فِيهَا أَنْهَار مِنْ مَاء غَيْر آسِن } يَقُول : غَيْر مُتَغَيِّر . 24279 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَنْهَار مِنْ مَاء غَيْر آسِن } قَالَ : مِنْ مَاء غَيْر مُنْتِن . 24380 -حَدَّثَنِي عِيسَى بْن عَمْرو , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا مُصْعَب بْن سَلَّام , عَنْ سَعْد بْن طَرِيف , قَالَ : سَأَلْت أَبَا إِسْحَاق عَنْ { مَاء غَيْر آسِن } قَالَ : سَأَلْت عَنْهَا الْحَارِث , فَحَدَّثَنِي أَنَّ الْمَاء الَّذِي غَيْر آسِن تَسْنِيم , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهُ لَا تَمَسّهُ يَد , وَأَنَّهُ يَجِيء الْمَاء هَكَذَا حَتَّى يَدْخُل فِي فِيهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَثَل الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَار مِنْ مَاء غَيْر آسِن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : صِفَة الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَهَا الْمُتَّقُونَ , وَهُمْ الَّذِينَ اِتَّقَوْا فِي الدُّنْيَا عِقَابه بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه { فِيهَا أَنْهَار مِنْ مَاء غَيْر آسِن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره فِي هَذِهِ الْجَنَّة الَّتِي ذَكَرَهَا أَنْهَار مِنْ مَاء غَيْر مُتَغَيِّر الرِّيح , يُقَال مِنْهُ : قَدْ أَسِنَ مَاء هَذِهِ الْبِئْر : إِذَا تَغَيَّرَتْ رِيح مَائِهَا فَأَنْتَنَتْ , فَهُوَ يَأْسَن أَسَنًا , وَكَذَلِكَ يُقَال لِلرَّجُلِ إِذَا أَصَابَتْهُ رِيح مُنْتِنَة : قَدْ أَسِنَ فَهُوَ يَأْسَن . وَأَمَّا إِذَا أَجَنَ الْمَاء وَتَغَيَّرَ , فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ : أَسِنَ فَهُوَ يَأْسَن , وَيَأْسِن أُسُونًا , وَمَاء أَسَنّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله { مِنْ مَاء غَيْر آسِن } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24278 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { فِيهَا أَنْهَار مِنْ مَاء غَيْر آسِن } يَقُول : غَيْر مُتَغَيِّر . 24279 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَنْهَار مِنْ مَاء غَيْر آسِن } قَالَ : مِنْ مَاء غَيْر مُنْتِن . 24380 -حَدَّثَنِي عِيسَى بْن عَمْرو , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا مُصْعَب بْن سَلَّام , عَنْ سَعْد بْن طَرِيف , قَالَ : سَأَلْت أَبَا إِسْحَاق عَنْ { مَاء غَيْر آسِن } قَالَ : سَأَلْت عَنْهَا الْحَارِث , فَحَدَّثَنِي أَنَّ الْمَاء الَّذِي غَيْر آسِن تَسْنِيم , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهُ لَا تَمَسّهُ يَد , وَأَنَّهُ يَجِيء الْمَاء هَكَذَا حَتَّى يَدْخُل فِي فِيهِ . ' وَقَوْله : { وَأَنْهَار مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّر طَعْمه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَفِيهَا أَنْهَار مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّر طَعْمه لِأَنَّهُ لَمْ يُحْلَب مِنْ حَيَوَان فَيَتَغَيَّر طَعْمه بِالْخُرُوجِ مِنْ الضُّرُوع , وَلَكِنَّهُ خَلَقَهُ اللَّه اِبْتِدَاء فِي الْأَنْهَار , فَهُوَ بِهَيْئَتِهِ لَمْ يَتَغَيَّر عَمَّا خَلَقَهُ عَلَيْهِ .وَقَوْله : { وَأَنْهَار مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّر طَعْمه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَفِيهَا أَنْهَار مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّر طَعْمه لِأَنَّهُ لَمْ يُحْلَب مِنْ حَيَوَان فَيَتَغَيَّر طَعْمه بِالْخُرُوجِ مِنْ الضُّرُوع , وَلَكِنَّهُ خَلَقَهُ اللَّه اِبْتِدَاء فِي الْأَنْهَار , فَهُوَ بِهَيْئَتِهِ لَمْ يَتَغَيَّر عَمَّا خَلَقَهُ عَلَيْهِ .' وَقَوْله : { وَأَنْهَار مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ } يَقُول : وَفِيهَا أَنْهَار مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ يَلْتَذُّونَ بِشُرْبِهَا . كَمَا : 24281 - حَدَّثَنِي عِيسَى , قَالَ : ثَنَا . إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا مُصْعَب , عَنْ سَعْد بْن طَرِيف , قَالَ : سَأَلْت عَنْهَا الْحَارِث , فَقَالَ : لَمْ تَدُسّهُ الْمَجُوس , وَلَمْ يَنْفُخ فِيهِ الشَّيْطَان , وَلَمْ تُؤْذِهَا شَمْس , وَلَكِنَّهَا فَوْحَاء , قَالَ : قُلْت لِعِكْرِمَة : مَا الْفَوْحَاء : قَالَ : الصَّفْرَاء . وَكَمَا : 24282 - حَدَّثَنِي سَعْد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثَنَا حَفْص , بْن عُمَر , قَالَ : ثَنَا الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّر طَعْمه } قَالَ : لَمْ يُحْلَب , وَخُفِضَتْ اللَّذَّة عَلَى النَّعْت لِلْخَمْرِ , وَلَوْ جَاءَتْ رَفْعًا عَلَى النَّعْت لِلْأَنْهَارِ جَازَ , أَوْ نَصْبًا عَلَى يَتَلَذَّذ بِهَا لَذَّة , كَمَا يُقَال : هَذَا لَك هِبَة . كَانَ جَائِزًا ; فَأَمَّا الْقِرَاءَة فَلَا أَسْتَجِيزُهَا فِيهَا إِلَّا خَفْضًا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا . وَقَوْله : { وَأَنْهَار مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ } يَقُول : وَفِيهَا أَنْهَار مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ يَلْتَذُّونَ بِشُرْبِهَا . كَمَا : 24281 - حَدَّثَنِي عِيسَى , قَالَ : ثَنَا . إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا مُصْعَب , عَنْ سَعْد بْن طَرِيف , قَالَ : سَأَلْت عَنْهَا الْحَارِث , فَقَالَ : لَمْ تَدُسّهُ الْمَجُوس , وَلَمْ يَنْفُخ فِيهِ الشَّيْطَان , وَلَمْ تُؤْذِهَا شَمْس , وَلَكِنَّهَا فَوْحَاء , قَالَ : قُلْت لِعِكْرِمَة : مَا الْفَوْحَاء : قَالَ : الصَّفْرَاء . وَكَمَا : 24282 - حَدَّثَنِي سَعْد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثَنَا حَفْص , بْن عُمَر , قَالَ : ثَنَا الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّر طَعْمه } قَالَ : لَمْ يُحْلَب , وَخُفِضَتْ اللَّذَّة عَلَى النَّعْت لِلْخَمْرِ , وَلَوْ جَاءَتْ رَفْعًا عَلَى النَّعْت لِلْأَنْهَارِ جَازَ , أَوْ نَصْبًا عَلَى يَتَلَذَّذ بِهَا لَذَّة , كَمَا يُقَال : هَذَا لَك هِبَة . كَانَ جَائِزًا ; فَأَمَّا الْقِرَاءَة فَلَا أَسْتَجِيزُهَا فِيهَا إِلَّا خَفْضًا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا . ' وَقَوْله : { وَأَنْهَار مِنْ عَسَل مُصَفًّى } يَقُول : وَفِيهَا أَنْهَار مِنْ عَسَل قَدْ صُفِّيَ مِنْ الْقَذَى , وَمَا يَكُون فِي عَسَل أَهْل الدُّنْيَا قَبْل التَّصْفِيَة , إِنَّمَا أَعْلَمَ تَعَالَى ذِكْره عِبَاده بِوَصْفِهِ ذَلِكَ الْعَسَل بِأَنَّهُ مُصَفًّى أَنَّهُ خُلِقَ فِي الْأَنْهَار اِبْتِدَاء سَائِلًا جَارِيًا سَيْل الْمَاء وَاللَّبَن الْمَخْلُوقَيْنِ فِيهَا , فَهُوَ مِنْ أَجْل ذَلِكَ مُصَفًّى , قَدْ صَفَّاهُ اللَّه مِنْ الْأَقْذَاء الَّتِي تَكُون فِي عَسَل أَهْل الدُّنْيَا الَّذِي لَا يَصْفُو مِنْ الْأَقْذَاء إِلَّا بَعْد التَّصْفِيَة , لِأَنَّهُ كَانَ فِي شَمْع فَصُفِّيَ مِنْهُ .وَقَوْله : { وَأَنْهَار مِنْ عَسَل مُصَفًّى } يَقُول : وَفِيهَا أَنْهَار مِنْ عَسَل قَدْ صُفِّيَ مِنْ الْقَذَى , وَمَا يَكُون فِي عَسَل أَهْل الدُّنْيَا قَبْل التَّصْفِيَة , إِنَّمَا أَعْلَمَ تَعَالَى ذِكْره عِبَاده بِوَصْفِهِ ذَلِكَ الْعَسَل بِأَنَّهُ مُصَفًّى أَنَّهُ خُلِقَ فِي الْأَنْهَار اِبْتِدَاء سَائِلًا جَارِيًا سَيْل الْمَاء وَاللَّبَن الْمَخْلُوقَيْنِ فِيهَا , فَهُوَ مِنْ أَجْل ذَلِكَ مُصَفًّى , قَدْ صَفَّاهُ اللَّه مِنْ الْأَقْذَاء الَّتِي تَكُون فِي عَسَل أَهْل الدُّنْيَا الَّذِي لَا يَصْفُو مِنْ الْأَقْذَاء إِلَّا بَعْد التَّصْفِيَة , لِأَنَّهُ كَانَ فِي شَمْع فَصُفِّيَ مِنْهُ .' وَقَوْله : { وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلّ الثَّمَرَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِهَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ فِي هَذِهِ الْجَنَّة مِنْ هَذِهِ الْأَنْهَار الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ جَمِيع الثَّمَرَات الَّتِي تَكُون عَلَى الْأَشْجَاروَقَوْله : { وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلّ الثَّمَرَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِهَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ فِي هَذِهِ الْجَنَّة مِنْ هَذِهِ الْأَنْهَار الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ جَمِيع الثَّمَرَات الَّتِي تَكُون عَلَى الْأَشْجَار' يَقُول : وَعَفْو مِنْ اللَّه لَهُمْ عَنْ ذُنُوبهمْ الَّتِي أَذْنَبُوهَا فِي الدُّنْيَا , ثُمَّ تَابُوا مِنْهَا , وَصَفْح مِنْهُ لَهُمْ عَنْ الْعُقُوبَة عَلَيْهَا .يَقُول : وَعَفْو مِنْ اللَّه لَهُمْ عَنْ ذُنُوبهمْ الَّتِي أَذْنَبُوهَا فِي الدُّنْيَا , ثُمَّ تَابُوا مِنْهَا , وَصَفْح مِنْهُ لَهُمْ عَنْ الْعُقُوبَة عَلَيْهَا .' وَقَوْله : { كَمَنْ هُوَ خَالِد فِي النَّار } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمَّنْ هُوَ فِي هَذِهِ الْجَنَّة الَّتِي صِفَتهَا مَا وَصَفْنَا , كَمَنْ هُوَ خَالِد فِي النَّار . وَابْتُدِئَ الْكَلَام بِصِفَةِ الْجَنَّة , فَقِيلَ : مَثَل الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ , وَلَمْ يَقُلْ : أَمَّنْ هُوَ فِي الْجَنَّة . ثُمَّ قِيلَ بَعْد اِنْقِضَاء الْخَبَر عَنْ الْجَنَّة وَصِفَتهَا { كَمَنْ هُوَ خَالِد فِي النَّار } . وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , اِسْتِغْنَاء بِمَعْرِفَةِ السَّامِع مَعْنَى الْكَلَام , وَلِدَلَالَةِ قَوْله : { كَمْ هُوَ خَالِد فِي النَّار } عَلَى مَعْنَى قَوْله : { مَثَل الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ } .وَقَوْله : { كَمَنْ هُوَ خَالِد فِي النَّار } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمَّنْ هُوَ فِي هَذِهِ الْجَنَّة الَّتِي صِفَتهَا مَا وَصَفْنَا , كَمَنْ هُوَ خَالِد فِي النَّار . وَابْتُدِئَ الْكَلَام بِصِفَةِ الْجَنَّة , فَقِيلَ : مَثَل الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ , وَلَمْ يَقُلْ : أَمَّنْ هُوَ فِي الْجَنَّة . ثُمَّ قِيلَ بَعْد اِنْقِضَاء الْخَبَر عَنْ الْجَنَّة وَصِفَتهَا { كَمَنْ هُوَ خَالِد فِي النَّار } . وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , اِسْتِغْنَاء بِمَعْرِفَةِ السَّامِع مَعْنَى الْكَلَام , وَلِدَلَالَةِ قَوْله : { كَمْ هُوَ خَالِد فِي النَّار } عَلَى مَعْنَى قَوْله : { مَثَل الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ } .' وَقَوْله : { وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسُقِيَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ خُلُود فِي النَّار مَاء قَدْ اِنْتَهَى حَرّه فَقَطَّعَ ذَلِكَ الْمَاء مِنْ شِدَّة حَرّه أَمْعَاءَهُمْ . كَمَا : 24283 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثَنَا حَيْوَة بْن شُرَيْح الْحِمْصِيّ , قَالَ : ثَنَا بَقِيَّة , عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن بِشْر , عَنْ أَبِي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : { وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد يَتَجَرَّعهُ } 14 16 قَالَ : " يُقَرَّب إِلَيْهِ فَيَتَكَرَّههُ , فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهه , وَوَقَعَتْ فَرْوَة رَأْسه , فَإِذَا شَرِبَ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى يَخْرُج مِنْ دُبُره " . قَالَ : يَقُول اللَّه { وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا , فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { يَشْوِي الْوُجُوه , بِئْسَ الشَّرَاب وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } 18 29 .وَقَوْله : { وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسُقِيَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ خُلُود فِي النَّار مَاء قَدْ اِنْتَهَى حَرّه فَقَطَّعَ ذَلِكَ الْمَاء مِنْ شِدَّة حَرّه أَمْعَاءَهُمْ . كَمَا : 24283 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثَنَا حَيْوَة بْن شُرَيْح الْحِمْصِيّ , قَالَ : ثَنَا بَقِيَّة , عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن بِشْر , عَنْ أَبِي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : { وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد يَتَجَرَّعهُ } 14 16 قَالَ : " يُقَرَّب إِلَيْهِ فَيَتَكَرَّههُ , فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهه , وَوَقَعَتْ فَرْوَة رَأْسه , فَإِذَا شَرِبَ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى يَخْرُج مِنْ دُبُره " . قَالَ : يَقُول اللَّه { وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا , فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { يَشْوِي الْوُجُوه , بِئْسَ الشَّرَاب وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } 18 29 .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { مثل الجنة التي وعد المتقون} لما قال عز وجل { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات} [الحج: 14] وصف تلك الجنات، أي صفة الجنة المعدة للمتقين. وقد مضى الكلام في هذا في [الرعد]. وقرأ علي بن أبي طالب { مثال الجنة التي وعد المتقون} . { فيها أنهار من ماء غير آسن } أي غير متغير الرائحة. والآسن من الماء مثل الآجن. وقد أسن الماء يأسُن ويأسِن أسنا وأسونا إذا تغيرت رائحته. وكذلك أجن الماء يأجُن ويأجِن أجنا وأجونا. ويقال بالكسر فيهما : أجن وأسن يأسن ويأجن أسنا وأجنا، قاله اليزيدي. وأسن الرجل أيضا يأسن الكسر لا غير إذا دخل البئر فأصابته ريح منتنة من ريح البئر أو غير ذلك فغشي عليه أو دار رأسه، قال زهير : قد أترك القِرن مصفرا أنامله ** يميد في الرمح ميد المائح الأسن ويروى { الوسن} . وتأسن الماء تغير. أبو زيد : تأسن علي تأسنا اعتل وأبطأ. أبو عمرو : تأسن الرجل أباه أخذ أخلاقه. وقال اللحياني : إذا نزع إليه في الشبه، وقراءة العامة { آسن} بالمد. وقرأ ابن كثير وحميد { أسن} بالقصر، وهما لغتان، مثل حاذر وحذر. وقال الأخفش : أسن للحال، وآسن مثل فاعل يراد به الاستقبال. قوله تعالى { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} أي لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة. { وأنهار من خمر لذة للشاربين} أي لم تدنسها الأرجل ولم ترنقها الأيدي كخمر الدنيا، فهي لذيذة الطعم طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون. يقال : شراب لذ ولذيذ بمعنى. واستلذه عده لذيذا. { وأنهار من عسل مصفى} العسل ما يسيل من لعاب النحل. { مصفى} أي من الشمع والقذى، خلقه الله كذلك لم يطبخ على نار ولا دنسه النحل. وفي الترمذي عن حكيم بن معاومة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد). قال : حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة ). وقال كعب : نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم. وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر. والعسل : يذكر ويؤنث. وقال ابن عباس { من عسل مصفى} أي لم يخرج من بطون النحل. { ولهم فيها من كل الثمرات} { من} زائدة للتأكيد. { ومغفرة من ربهم} أي لذنوبهم. { كمن هو خالد في النار} قال الفراء : المعنى أفمن يخلد في هذا النعيم كمن يخلد في النار. وقال الزجاج : أي أفمن كان على بينة من ربه وأعطى هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار. فقوله { كمن} بدل من قوله { أفمن زين له سوء عمله} [فاطر : 8]. وقال ابن كيسان : مثل هذه الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم. ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب المقيم. { وسقوا ماء حميما} أي حارا شديد الغليان، إذا أدنى منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم. والأمعاء : جمع معى، والتثنية معيان، وهو جميع ما في البطن من الحوايا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة محمد الايات 3 - 15


سورة محمد الايات 10 - 16

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

كلمة { مَّثَلُ... } [محمد: 15] تقال بكسر الميم، حينما تُشبِّه مفرداً بمفرد. تقول: هذا مِثل هذا، وبالفتح حينما تُشبِّه صورة لها أجزاء بصورة أخرى لها أجزاء، لذلك هنا يقول تعالى: { مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ... } [محمد: 15] يفتح الميم، لأنها تمثل جمعاً وصورة كلية لها عناصر وأجزاء متعددة.

اقرأ قوله تعالى:
{  مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا... }
[الكهف: 45] أي: بما فيها من الميلاد إلى الموت
{  كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً }
[الكهف: 45].

والمثل تشبيه تلحق فيه مجهولاً لك بمعلوم عندك، لذلك سيدنا رسول الله لما سُئِلَ عن أوصاف سيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما السلام شبَّههما بما هو معلوم للصحابة، فقال: أما موسى فرجل طوال كأنه من رجال أزد شنوءة، وهي معروفة عندهم، وأما عيسى فكثير خيلان الوجه - يعني في وجهه حسنات كثيرة - يقطر وجهه ماءً كأنما خرج من ديماس يعني: من حمام، وأشبهه من أصحابي عروة بن مسعود الثقفي، إذن: شبَّه المجهول بما هو معلوم.

كذلك ضرب رسول الله لنا الأمثال ليوضح لنا أمور الدين، فقال في حديثه: " أنما مثَلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبُّهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلَّتون من يدي ".

وكلمة { ٱلْجَنَّةِ... } [محمد: 15] في أصلها تعني الشيء المستور ومنها الجن، وجنَّ الليل، حتى جنة الدنيا تحمل هذا المعنى، لأنها قطعة الأرض المليئة بالأشجار متشابكة الأغصان بحيث تستر وتُخفي ما فيها، أو تجنّ صاحبها يعني تستره وتمنعه من الخروج منها حيث توفر له كلَّ متطلبات حياته.

والحق سبحانه ضرب المثل بها:
{  كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ... }
[البقرة: 265].

وقال:
{  وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ... }
[الكهف: 32].

والفرق بين الجنتين أن جنة الدنيا من صُنع البشر ومباشرة الأسباب في الحرث والزرع، أما جنة الآخرة التي وعدها الله المتقين فهي قائمة بلا أسباب، قائمة بقدرة المسبِّب، لذلك حدث اختلاف في الجنة التي دخلها سيدنا آدم عليه السلام: أهي جنة الدنيا، أم جنة الآخرة؟

حينما نقرأ هذه القصة في كتاب الله نعلم أنها جنةُ الله جنة الآخرة، بدليل أنه لم يحرث فيها ولم يزرع، ولم يباشر أسباباً، إنما أكل مما أعده اللهُ له، وكان في أمان ذاتي مدة إقامته على طاعة أمر الله في الأكل.

فلما أغواه الشيطان أنْ يأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها حدث له تغيُّر في الوضع الطبيعي الذي كان فيه، ورأى من نفسه مسألة الإخراج التي لم يألفها من قبل، وتنبه إلى عورته وراح يسترها بورق الأشجار هو وزوجه.وكانت هذه المسألة عملية تدريب لآدم على احترام المنهج وعدم الخروج عليه، ونحن نفهم أيضاً كذلك أنه لا تظهر عورة في المجتمع المسلم إلا حين يحدث انحراف عن المنهج، وآدم عليه السلام لم يكُنْ رجلاً عادياً، إنما كان نبياً رسولاً، فأراد الحق سبحانه أنْ يعمله الدرس بصورة عملية.

وقوله تعالى: { وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ... } [محمد: 15] أي: وعدهم الله بها ووَعْد الله حَقٌّ نافذ، لأنه إله واحد ليس معه شريك يعارضه، ولا توجد قوة تحول بينه سبحانه وبين إنفاذ ما وعد، كما يحدث مثلاً في وعد البشر بعضهم لبعض، لأن البشر يطرأ عليهم التغيير ويلحق بهم الموت.

أما الحق سبحانه فهو الدائم الباقي وهو الحق.

والجنة وَعْد الله لا يعد بها غيره، يعد مَنْ؟ يعد بها المتقين، والمتقي هو الذي يسير وفق منهج الله، وأنْ يَجعل بينه وبين عذاب الله وقاية، ولا يكون ذلك إلا باتباع المنهج وعدم اتباع الشيطان والهوى.

قال تعالى:
{  ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }
[البقرة: 268].

ووعَدْ الله وعد الصدق ووعد الحق قال تعالى:
{  وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً }
[النساء: 122].

قوله تعالى: { مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ... } [محمد: 15] يعني: أن هذا الوصف ليس وَصْفاً للجنة، لكن مثل يُقربها للأذهان، لأنه لو أراد أن يعطينا وصفاً للجنة على حقيقتها لن يصل إلى ذلك إلا من خلال الألفاظ التي تعبر عن المعاني.

ومعلوم في اللغة أن المعنى يُوجد أولاً، ثم نضع له اللفظ الدال عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما وصف لنا الجنة قال: " فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر ".

أولاً: تأمل في الحديث هذا الترقي في الحواس والإدراكات، فالعين ترى ما كان في مجال الرؤية، أما الأذن فتسمع ما تراه أنت وما يراه غيرك، وأوسع من هذا كله ما يخطر بالبال أو القلب.

فإذا كنا لا نصل بإدراكاتنا إلى ما في الجنة، ولا حتى يخطر لنا على بال، فكيف نصفه؟ وكيف نضع له الألفاظ المعبِّرة عنه؟

إذن: هذا ليس وصفاً لحقيقة الجنة، إنما مجرد مثل يقربها من أفهامنا، لذلك قال تعالى عن الجنة:
{  فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ... }
[السجدة: 17].

إذن: فيها أشياء لا نعرفها، فكيف نضع لها أسماء؟ لذلك نقربها بمثَل مما نعرفه في الدنيا.

ففيها كما في الدنيا ماء ولبن وخمر وعسل، لكنه مُشذّب، ومُصفّى من كل ما يشوبه، فلا يشبه نعيم الدنيا إلا في الأسماء { فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ... } [محمد: 15].

فماء الدنيا يأسن ويعطن وتتغير رائحته، أما ماء الجنة فما غير آسن، وبدأ بالماء لأنه الأصل في الارتواء من العطش، وبه ينضج الطعام، وبه تتم نظافة الإنسان، بل هو عنصر أساسي في خلق كل كائن حي، قال تعالى:
{  وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ... }
[الإنبياء: 30].

وإذا كنا نعرف أن مصدر الماء العذب في الدنيا هو البحار، وبعملية البخر وتكوّن السحب يُنقّى من الملوحة فيصير عذباً صالحاً، فماء الجنة لا نعرف مصدره.

قال الله عنه
{  مَآءً طَهُوراً... }
[الفرقان: 48] لا تشوبه شائبة، ولا تلحق به مُلوِّثات تفسده، إذن: نعمة لا يُنغِّصها شيء ولا تشوبها شائبة، لأنك في الدنيا تعيش بأسبابك التي خلقها الله لك.

ومنا مَنْ يعكر صفو هذه الأسباب، أما في الآخرة فأنت تعيش بالمسبِّب سبحانه مباشرة، أنت تستضيء في الدنيا بالشمس نهاراً، وبالقمر والنجوم ليلاً، أما في الآخرة فلا شمسَ ولا قمر ولا نجوم، إنما تعيش بنور الله
{  وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا... }
[الزمر: 69] يعني: بلا أسباب.

كذلك الماء تأخذه في الدنيا بالأسباب، وفي الجنة بلا أسباب، واقرأ قوله تعالى عن الماء في الدنيا:
{  وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ... }
[الحجر: 22].

وقال عن ما ء الجنة:
{  وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً }
[الإنسان: 21].

وفرْق في المعنى بين (أسقى) و(سقى): أسقى: أوجد الماء الذي نستقي منه إنْ أردنا السُّقْيا. فينزل الماء من السحاب فنحجزه وراء السدود حتى نحتاج إليه، لكن (سقى) باشر السُّقيا بالفعل.

ومن العجيب في أنهار الجنة أنها ليس لها شُطآن، وأنها متداخلة دون أنْ يختلط بعضُها ببعض، ولا تسأل هنا عن كيفية ذلك، لأن هذا النعيم لا يقوم بالأسباب التي نعرفها، بل المسبِّب سبحانه، فلا يحكم عليها حكمك على مثلها في الدنيا. وقوله: { فِيهَآ... } [محمد: 15] أي: أنها ظرف لهذه الأنهار.

{ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ... } [محمد: 15] ولبن الدنيا يتغير طعمه بمرور الوقت ويفسد { وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ... } [محمد: 15] نعم أنهار من خر مُعدَّة وجاهزة، ليس هناك عنب يُعصر، إنما بكُنْ فيكون.

وإذا كانت خمر الدنيا مُحرَّمة، وتذهب بالعقل ولها رائحة كريهة، فخمر الآخرة لها لذة عند شربها ولا تذهب بالعقل، فليس لها من خمر الدنيا إلا اسمها.

وليس في الدنيا أنهار من خمر لأن خمر الدنيا بالأسباب، فهو كميات قليلة بمقدار ما يُعصر من العنب أو غيره، والحق سبحانه لما تكلم عن خمر الدنيا قال:
{  يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا... }
[البقرة: 219].

فالمنافع لا قيمة لها إذا ما قورنت بالمضار والحرمة، صحيح هي تُشعرك بشيء من النشوة أو السعادة، وتضحك وتفرح وتنسي همومك، لكنها بعد ذلك تغتال عقلك وتسلبك وقارك.

فإذا أضفتَ إلى اذلك أنها محرمة، وأنها من أكبر الكبائر بان لك ضررها. صحيح فيها ربح لمَنْ يتاجر فيه، لكنه ربح حرام، لذلك جعل الله خمر الدنيا قليلة، أما خمرة الآخرة فأنهارٌ لأنها في الآخرة لذة للشاربين.
{  لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ }
[الصافات: 47] يعني: لا تغتال العقل، ولا ينتج عن شُرْبها أضرار، والنزف هو إخراج شيء من شيء كمن يقيئ مثلاً بعد شربها، أو يصيبه دوار أو صداع.

{ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى... } [محمد: 15] إذن: ذكر الماء أولاً لأهميته بالدرجة الأولى ثم اللبن، لأنه يُحمل محمل الماء حتى يوجد الماء، وهو عنصر أساسي في الغذاء، ثم ذكر الخمر، لأن الإنسان بعد أنْ يأكل ويشرب يحتاج في كمال السعادة كأساً من هذه الخمر.

أما العسل فيأتي في آخر هذه القائمة لأن الله تعالى قال فيه:
{  فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ... }
[النحل: 69] إذن: الميزة التي تُميّز العسل ليست في طعمه وحلاوته، بل في كونه شفاء، والجنة لا مرض فيها. إذن: يشرب في الجنة للذته وجمال طعمه.

ومعنى: { مُّصَفًّى... } [محمد: 15] ليفرِّق بينه وبين عسل الدنيا الذي لا يخلو من شوائب، لأن الإنسان يجمعه من الجبال، فهي أول مسارح النحل
{  وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ }
[النحل: 68].

والعالم الأمريكي الباحث في حياة النحل وجد أن نحل الجبال هو أقدم أنواع النحل، وما دام من الجبال فلا يخلو من شوائب، أما عسل الجنة فمصفَّى بقدرة الذي أعدَّه سبحانه.

ثم يقول سبحانه: { وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ... } [محمد: 15] بعد أنْ ذكر الحق سبحانه ما في الجنة من السوائل يذكر ما فيها من الثمرات دون أنْ يسميها لأننا لا نعرفها.

لذلك قال في آية آخرى:
{  وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً... }
[البقرة: 25] يعني: ثمار متشابهة، لكن مختلفة المذاق، حتى لما أعطانا مثالاً بالعنب والعموميات، فهي في الجنة غير الذي نعرفه في الدنيا.

وإذا كانت الثمار عندنا لها بيئات تجود فيها ولها مواسم، فثمار الجنة موجودة في كلِّ الأوقات، فالبيئات في الدنيا من الأسباب، أما الآخرة فبالمسبِّب سبحانه.

وقوله تعالى: { وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ... } [محمد: 15] بعد أنْ أعطانا ربنا سبحانه لذة المادة والقالب في الجنة يعطينا لذة أعلى هي لذة نَيْل للمغفرة من الله كرماً وتفضلاً، لأنهم ما دخلوا الجنة إلا بالمغفرة، لكن قد يذكر أحدهم ذنبه فيقول له: أنت مغفور لك.

وقد ورد في الحديث القدسي أنه بعد أنْ يدخل أهل الجنة الجنة يسألهم ربُّ العزة سبحانه: " أرضيتم يا عبادي؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطينا كذا وكذا فيقول: الآن أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً ".

ثم يضعنا الحق سبحانه أمام هذه المقارنة بين أهل الجنة أهل النار، فيقول: { كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } [محمد: 15] يعني: أيهما أفضل، واحكم أنت وسنترضي حكمك.هذه هي الجنة أو مثل لها: أتستوي مع مقابلها وهو الخالد في النار؟ { وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } [محمد: 15] فكما ذكر الماء أولاً في الجنة ذكره أيضاً أولاً في النار والعياذ بالله.

وكلمة { وَسُقُواْ... } [محمد: 15] ولم يقُلْ شربوا لأن الشرب طواعية واختيار، إنما { وَسُقُواْ... } [محمد: 15] يعني: رغماً عنهم ودون إرادتهم، مثل ما تعطي الولد الصغير الدواء فتسقيه له على كُرْه منه.

{ مَآءً حَمِيماً... } [محمد: 15] الماء معروف أنه يُشرب للارتواء ويُشرب بارداً، أما ماء جنهم والعياذ بالله فهو حميم يعني: تناهتْ حرارته، فكيف بهم وهم في النار ويريدون أنْ يُبردوا حرارة أجوافهم فيسقْون الحميم الذي يزيدهم حرارة فوق حرارة النار.

لذلك قال تعالى في آية أخرى:
{  وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ... }
[الكهف: 29].

ثم يبين أثر هذا الماء الحميم { فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } [محمد: 15] وليتها قطعتْ وانتهت المسألة، إنما هم في عذاب مقيم دائم لا يُفتَّر عنهم.


{  كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ... }
[النساء: 56] الأمعاء جمع معي بكسر الميم، وقد ورد في الحديث الشريف قول سيدنا رسول الله: " المؤمن يأكل في مِعيً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء " يعني: المؤمن يأكل على قدر حاجته أو في أكله وفي طعامه بركة، أما الكافر فيأكل حتى تمتلىء بطنه.


www.alro7.net