سورة
اية:

قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى أنه خاطب موسى بأنه اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى وبكلامه، ولا شك أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم سيّد ولد آدم من الأولين والآخرين، ولهذا اختصه اللّه تعالى بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، وأتباعه أكثر من أتباع سائر المرسلين كلهم، وبعده في الشرف والفضل إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم ""موسى بن عمران""كليم الرحمن عليه السلام، ولهذا قال تعالى له { فخذ ما آتيتك} أي من الكلام والمناجاة { وكن من الشاكرين} أي على ذلك ولا تطلب ما لا طاقة لك به، ثم أخبر تعالى أنه كتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء، كتب له فيها مواعظ وأحكاماً مفصلة، مبينة للحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة، وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة فاللّه أعلم، وقوله { فخذها بقوة} أي بعزم على الطاعة { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} ، قال ابن عباس: أمر موسى عليه السلام أن يأخذ بأشد ما أمر قومه، وقوله: { سأريكم دار الفاسقين} أي سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب، قال ابن جرير: وإنما قال: { سأريكم دار الفاسقين} كما يقول القائل لمن يخاطبه: سأريك غداً إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره ، ""نقل معنى ذلك عن مجاهد والحسن البصري ""، وقيل: منازل قوم فرعون، والأول أولى لأن هذا كان بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ قال } تعالى له { يا موسى إني اصطفيتك } اخترتك { على الناس } أهل زمانك { برسالاتي } بالجمع والإفراد { وبكلامي } أي تكليمي إياك { فخذ ما آتيتك } من الفضل { وكن من الشاكرين } لأنعمي .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} الاصطفاء : الاجتباء؛ أي فضلتك. ولم يقل على الخلق؛ لأن من هذا الاصطفاء أنه كلمه وقد كلم الملائكة وأرسله وأرسل غيره. فالمراد { على الناس} المرسل إليهم. وقرأ { برسالتي} على الإفراد نافع وابن كثير. والباقون بالجمع. والرسالة مصدر، فيجوز إفرادها. ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالة فاختلفت أنواعها، فجمع المصدر لاختلاف أنواعه؛ كما قال { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} [لقمان : 19]. فجمع لاختلاف أجناس الأصوات واختلاف المصوتين. ووحد في قوله { الصوت} لما أراد به جنسا واحدا من الأصوات. ودل هذا على أن قومه لم يشاركه في التكليم ولا واحد من السبعين؛ كما بيناه في { البقرة} . قوله تعالى: { فخذ ما آتيتك} إشارة إلى القناعة؛ أي اقنع بما أعطيتك. { وكن من الشاكرين} أي من المظهرين لإحساني إليك وفضلي عليك؛ يقال : دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف. والشاكر معرض للمزيد كما قال { لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم : 7]. ويروى أن موسى عليه السلام مكث بعد أن كلمه الله تعالى أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور الله عز وجل.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الاعراف الايات 142 - 145

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والاصطفاء هو استخلاص الصفوة، وقوله: { ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ } تعبير فيه دقة الأداء لأنه لو قال اصطفيتك فقط، ولم يقل على الناس، فقد يُفهم الاصطفاء على الملائكة أيضاً. ولكن الاصطفاء هنا محدد في دائرة الاصطفاء البشري: { إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي }. ولقائل أن يقول: إن الحق اصطفى غيره أيضاً من الرسل، والحق هو القائل:
{  إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً... }
[آل عمران: 33]

ونقول: هناك فرق بين اصطفاء رسالة منفردة، وبين اصطفاء في رسالة ومعها شيء زائد، وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فإذا جئت كمدرس لتلاميذ وأعطيت واحداً منهم هدية عبارة عن قلم كمكافأة، ثم أعطيت الثاني قلماً وزجاجة حبر، أنت بذلك اصطفيت التلميذ الأول بهدية القلم، واصطفيت الآخر باجتماع قلم وزجاجة حبر في هدية واحدة. والاصطفاء هنا لموسى بالرسالة كما اصطفى غيره من الرسل بالإضافة إلى شرف الكلام: { ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي }.

وعرفنا من قبل أن " رسالاتي " هي في مجموعها رسالة واحدة، ولكن الرسالة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم استمرت جزئياتها ثلاثاً وعشرين سنة في النزول، فكأن كل نجم رسالة، أو كل باب من أبواب الخير رسالة، فهي رسالات متعددة، أو أن رسالته جمعت رسالات السابقين: { قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ } [الأعراف: 144]

أي لا تنظر إلى ما منعتك، بل اذكر أني اصطفيتك وكلمتك وعليك أن تشكر لي هذا. ولذلك يجب على الإِنسان المؤمن حين يتلقى قضاء الله فيه أن ينظر دائماً إلى ما بقي له من النعم. لا إلى ما سلب عنه من النعم. ولذلك نجد المؤمن المتفاءل ينظر إلى الكوب الذي نصفه مملوء بالماء فيقول: الحمد لله نصف الكوب ملآن. أما المتشائم فيقول: إن نصف الكوب فارغ، وبرغم أن كُلاًّ منهما يقرر الحقيقة إلا أن المؤمن المتفائل نظر إلى ما بقي من نعم الله.

إننا نجد ابن جعفر حين ذهب للخليفة الأموي في دمشق وجرحت رجله في أثناء السير من المدينة إلى دمشق، ولم تكن هناك عناية طبية فتقيحت، وحين أحضروا له الأطباء وقرروا قطع رجله، قال بعض الحاضرين: التمسوا له مرقداً أي دواء تخدير يجعله لا يحس بالألم، فقال: لا، فإني لا أريد أن أغفل عن ربي لحظة عين، فلما قطعوها أخذوها ليدفنوها، فقال هاتوها. فأحضروها له وأمسك بها وقال: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو فقد عافيت في أعضاء.

هذه نظرة المؤمن الذي لا ينظر إلى ما أُخذ منه بل ينظر إلى ما بقي له. وكذلك كان توجيه الحق لموسى عليه السلام، فقد أوضح له: لا تنظر إلى أني منعتك الرؤية، لا، بل انظر الاصطفاء وشرف الكلمة إلى الخالق واشكر ذلك.

ويقول الحق بعد ذلك: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ... }


www.alro7.net