سورة
اية:

أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم، والخلق العظيم، { فلا تطع المكذبين . ودوا لو تدهن فيدهنون} قال ابن عباس: لو ترخص لهم فيرخصون، وقال مجاهد: تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق، ثم قال تعالى: { ولا تطع كل حلاف مهين} وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته، يجترئ على أسماء اللّه تعالى، باستعمالها في كل وقت في غير محلها، قال ابن عباس: المهين الكاذب، وقال الحسن: { كل حلاف} مكابر { مهين} ضعيف، وقوله تعالى: { هماز} يعني الاغتياب، { مشاء بنميم} يعني الذي يمشي بين الناس ويحرش بينهم، وينقل الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: مرَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) ""رواه الشيخان وبقية الجماعة"". وعن همام بن الحارث قال: مر رجل على حذيفة فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء، فقال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (لا يدخل الجنة قَتَّات) ""أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود. والقتات: النمام"". وعن أبي وائل قال: بلغ حذيفة عن رجل أنه يَنُم الحديث فقال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة نمام) ""أخرجه أحمد""، وروى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد بن السكن أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بخياركم؟) قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: (الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ اللّه عزَّ وجلَّ)، ثم قال: (ألا أخبركم بشراركم؟ المشَّاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العَنَت) ""أخرجه أحمد وابن ماجة"". وقوله تعالى: { مناع للخير معتد أثيم} أي يمنع ما عليه وما لديه من الخير { معتد} في تناول ما أحل اللّه له، يتجاوز فيها الحد المشروع، { أثيم} أي يتناول المحرمات، وقوله تعالى: { عتُل بعد ذلك زنيم} أما العتل فهو الفظ الغليظ، الجموع المنوع. روى الإمام أحمد، عن حارثة بن وهب قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على اللّه لأبره، ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر) وفي رواية: (كل جواظ جعظري مستكبر) ""أخرجه الشيخان والإمام أحمد"". وفي أُخْرى لأحمد: (كل جعظري، جواظ قال أهل اللغة: الجعظري: الفظ الغليظ، والجواظ: الجموع المنوع ، مستكبر، جمّاع، منّاع) وفي الحديث: (تبكي السماء من عبد أصح اللّه جسمه، وأرحب جوفه، وأعطاه من الدنيا هضماً، فكان للناس ظلوماً، فذلك العتل الزنيم) ""أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم مرفوعاً""، فالعتل هو الشديد القوي في المأكل والمشرب والمنكح وغير ذلك، وأما الزنيم في لغة العرب فهو الدَّعِيُّ في القوم، ومنه قول حسان بن ثابت يذم بعض كفّار قريش: وأنت زنيم نيط في آل هاشم ** كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وقال ابن عباس في قوله { زنيم} قال الدَّعِيُّ الفاحش اللئيم، وأنشد: زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم الأكارع والمراد به الأخنس بن شريق وقال مجاهد عن ابن عباس: { الزنيم} الملحق النسب، وقال سعيد بن المسيب: هو الملصق بالقوم ليس منهم، وسئل عكرمة عن الزنيم فقال: هو ولد الزنا، وقال سعيد بن جبير: الزنيم الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها، والزنيم الملصق، وقال الضحّاك: كانت له زنمة في أصل أذنه، ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب، والأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر، الذي يعرف به من بين الناس، وغالباً يكون دعيًّا ولد زنا، فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره، وقوله تعالى: { أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} يقول تعالى هذا مقابلة ما أنعم اللّه عليه من المال والبنين، كفر بآيات اللّه عزَّ وجلَّ وأعرض عنها، وزعم أنها كذب مأخوذ من أساطير الأولين، كقوله تعالى: { ذرني ومن خلقت وحيداً . وجعلت له مالاً ممدوداً . وبنين شهوداً . ومهدت له تمهيداً . ثم يطمع أن أزيد . كلا إنه كان لآياتنا عنيداً} . { سنسمه على الخرطوم} ، قال ابن جرير: سنبين أمره بياناً واضحاً، حتى يعرفوه ولا يخفى عليهم، كما لا نخفي عليهم السمة على الخراطيم، وقال قتادة { سنسمه على الخرطوم} : شين لا يفارقه آخر ما عليه، وعنه: سيما على أنفه، وقال ابن عباس: يقاتل يوم بدر فيخطم السيف في القتال، وقال آخرون: { سنسمه} سمة أهل النار، يعني نسود وجهه يوم القيامة، وعبر عن الوجه بالخرطوم، ولا مانع من اجتماع الجميع عليه في الدنيا والآخرة وفي الحديث: (من مات همازاً لمازاً ملقِّباً للناس كان علامته يوم القيامة أن يَسِمه اللّه على الخرطوم من كلا الشفتين) ""أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد اللّه بن عمرو مرفوعاً وهو جزء من حديث"".

تفسير الجلالين

{ أن كان ذا مال وبنين } أي لأن وهو متعلق بما دل عليه.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ } . اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { أَنْ كَانَ } فَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَر الْمَدَنِيّ وَحَمْزَة : " أَأَنْ كَانَ ذَا مَال " بِالِاسْتِفْهَامِ بِهَمْزَتَيْنِ , وَتَتَوَجَّه قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهِ تَقْرِيع هَذَا الْحَلَّاف الْمَهِين , فَقِيلَ : أَلِأَنْ كَانَ هَذَا الْحَلَّاف الْمَهِين ذَا مَال وَبَنِينَ { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ } وَهَذَا أَظْهَر وَجْهَيْهِ . وَالْآخَر أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهِ : أَلِأَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ تُطِيعهُ , عَلَى وَجْه التَّوْبِيخ لِمَنْ أَطَاعَهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْد سَائِر قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْكُوفَة وَالْبَصْرَة : { أَنْ كَانَ ذَا مَال } عَلَى وَجْه الْخَبَر بِغَيْرِ اسْتِفْهَام بِهَمْزَةٍ وَاحِدَة ; وَمَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : وَلَا تُطِعْ كُلّ حَلَّاف مَهِين { أَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ } كَأَنَّهُ نَهَاهُ أَنْ يُطِيعهُ مِنْ أَجْل أَنَّهُ ذُو مَال وَبَنِينَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ } . اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { أَنْ كَانَ } فَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَر الْمَدَنِيّ وَحَمْزَة : " أَأَنْ كَانَ ذَا مَال " بِالِاسْتِفْهَامِ بِهَمْزَتَيْنِ , وَتَتَوَجَّه قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهِ تَقْرِيع هَذَا الْحَلَّاف الْمَهِين , فَقِيلَ : أَلِأَنْ كَانَ هَذَا الْحَلَّاف الْمَهِين ذَا مَال وَبَنِينَ { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ } وَهَذَا أَظْهَر وَجْهَيْهِ . وَالْآخَر أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهِ : أَلِأَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ تُطِيعهُ , عَلَى وَجْه التَّوْبِيخ لِمَنْ أَطَاعَهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْد سَائِر قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْكُوفَة وَالْبَصْرَة : { أَنْ كَانَ ذَا مَال } عَلَى وَجْه الْخَبَر بِغَيْرِ اسْتِفْهَام بِهَمْزَةٍ وَاحِدَة ; وَمَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : وَلَا تُطِعْ كُلّ حَلَّاف مَهِين { أَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ } كَأَنَّهُ نَهَاهُ أَنْ يُطِيعهُ مِنْ أَجْل أَنَّهُ ذُو مَال وَبَنِينَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { أن كان ذا مال وبنين} قرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو حيوة والمغيرة والأعرج { آن كان} بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام. وقرأ المفضل وأبو بكر وحمزة { أأن كان} بهمزتين محققتين. وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر؛ فمن قرأ بهمزة مطولة أو بهمزتين محققتين فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على { زنيم} ، ويبتدئ { أن كان} على معنى ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه. ويجوز أن يكون التقدير : ألأن كان ذا مال وبنين يقول إذا تتلى عليه آياتنا : أساطير الأولين!! ويجوز أن يكون التقدير : ألأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر. ودل عليه ما تقدم من الكلام فصار كالمذكور بعد الاستفهام. ومن قرأ { أن كان} بغير استفهام فهو مفعول من أجله والعامل فيه فعل مضمر، والتقدير : يكفر لأن كان ذا مال وبنين. ودل على هذا الفعل { إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} ولا يعمل في { أن} { تتلى} ولا { قال} لأن ما بعد { إذا} لا يعمل فيما قبلها؛ لأن { إذا} تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف. و { قال} جواب الجزاء ولا يعمل فيما قبل الجزاء؛ إذا حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط فيصير مقدما مؤخرا في حال. ويجوز أن يكون المعنى لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد. قال ابن الأنباري : ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على { زنيم} لأن المعنى لأن كان وبأن كان، { فأن} متعلقة بما قبلها. قال غيره : يجوز أن يتعلق بقوله { مشاء بنميم} والتقدير يمشي بنميم لأن كان ذا مال وبنين. وأجاز أبو علي أن يتعلق { بعتل} . وأساطير الأولين : أباطيلهم وترهاتهم وخرافاتهم. وقد تقدم.


www.alro7.net