سورة
اية:

وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن كفار قريش أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا واتبعوا سبيلنا { ولنحمل خطاياكم} أي آثامكم إن كانت لكم آثام، كما يقول القائل: افعل هذا وخطيئتك في رقبتي، قال اللّه تعالى تكذيباً لهم: { وما هم بحاملين من خطاياكم من شيء إنهم لكاذبون} أي فيما قالوه إنهم يحتملون عن أولئك خطاياهم. فإنه لا يحمل أحد وزر أحد. قال اللّه تعالى: { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} ، وقال تعالى: { ولا يسأل حميم حميما ، يبصرونهم} ، وقوله تعالى: { وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة، أنهم يحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم وأوزاراً أخر، بسبب ما أضلوا من الناس من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئاً كما قال تعالى: { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} الآية، وفي الصحيح: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من آثامهم شيئاً)، وفي الصحيح: (ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل). وقوله تعالى: { وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} أي يكذبون ويختلفون من البهتان. وفي الحديث: (إياكم والظلم فإن اللّه يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي وجلالي لا يجوزني اليوم ظلم ثم ينادي مناد فيقول: أين فلان بن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس أبصارهم، حتى يقوم بين يدي الرحمن عزَّ وجلَّ، ثم يأمر المنادي من كانت له تباعة أو ظلامة عند بن فلان بن فلان فهلم، فيقبلون حتى يجتمعوا قياماً بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي، فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول: خذوا لهم من حسناته فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى منها حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات، فيقول: اقضوا عن عبدي، فيقولون: لم يبق له حسنة. فيقول: خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه) ثم نزع صلى اللّه عليه وسلم بهذه الآية الكريمة: { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} ""أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي أمامة مرفوعاً""وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه: (إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا وأخذ مال هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم تبق له حسنة أخذ من سيئاتهم فطرح عليه).

تفسير الجلالين

( وليحملن أثقالهم ) أوزارهم ( وأثقالاً مع أثقالهم ) بقولهم للمؤمنين "اتبعوا سبيلنا" وإضلالهم مقلديهم ( وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) يكذبون على الله سؤال توبيخ واللام في الفعلين لام قسم ، وحذف فاعلهما الواو ونون الرفع .

تفسير القرطبي

قوله ‏ { ‏وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا‏} ‏أي ديننا ‏ { ‏ولنحمل خطاياكم‏} ‏جزم على الأمر قال الفراء والزجاج‏:‏ هو أمر في تأويل الشرط والجزاء؛ أي إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم كما قال‏:‏ فقلت ادعي وأدْعُ فإن أندى ** لصوت أن يناديَ داعيان أي إن دعوتِ دعوتُ‏.‏ قال المهدوي‏:‏ وجاء وقوع ‏ { ‏إنهم لكاذبون‏} ‏بعده على الحمل على المعنى؛ لأن المعنى إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر وقع عليه التكذيب كما يوقع عليه الخبر قال مجاهد‏:‏ قال المشركون من قريش نحن وأنتم لا نبعث فإن كان عليكم وزر فعلينا؛ أي نحن نحمل عنكم ما يلزمكم والحمل ههنا بمعنى الحمالة لا الحمل على الظهر و‏‏روي أن قائل ذلك الوليد بن المغيرة‏.‏ ‏ { ‏وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم‏} ‏يعني ما يحمل عليهم من سيئات من ظلموه بعد فراغ حسناتهم روي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في ‏"‏آل عمران‏" ‏قال أبو أمامة الباهلي‏:‏ ‏(‏يؤتى بالرجل يوم القيامة وهو كثير الحسنات فلا يزال يقتص منه حتى تفنى حسناته ثم يطالب فيقول الله عز وجل اقتصوا من عبدي فتقول الملائكة: ما بقيت له حسنات فيقول خذوا من سيئات المظلوم فاجعلوا عليه‏)‏ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ { ‏وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم‏} ‏وقال قتادة‏:‏ من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء ونظيره قوله ‏ { ‏ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم‏} ‏ ونظير هذا قول عليه السلام‏:‏ ‏(‏من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزوها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء‏)‏ روي من حديث أبي هريرة وغيره وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور من اتبعه ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع عليها وعمل بها بعده فعليه مثل أوزار من عمل بها ممن اتبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا‏)‏ ثم قرأ الحسن‏ { ‏وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} . قلت‏:‏ هذا مرسل وهو معنى حديث أبي هريرة خرجه مسلم ونص حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فإن له مثل أوزار من اتبعه ولا ينقص من أوزرهم شيئا وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فإن له مثل أجور من اتبعه ولا ينقص من أجورهم شيئا‏)‏ ‏‏خرجه ابن ماجه في السنن. ‏وفي الباب عن أبي جحيفة وجرير وقد قيل‏:‏ أن المراد أعوان الظلمة وقيل أصحاب البدع إذا اتبعوا عليها وقيل‏:‏ محدثو السنن الحادثة إذا عمل بها من بعدهم والمعنى متقارب والحديث يجمع ذلك كله‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة العنكبوت الايات 6 - 14

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وفي موضع آخر:
{  لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ }
[النحل: 25]. فالأثقال هي الأوزار، فسيحملون أثقالاً على أثقالهم، وأوزاراً على أوزارهم، فالأثقال الأولى بسبب ضلالهم، والأثقال الأخرى بسبب إضلالهم للغير { وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [العنكبوت: 13] والافتراء: تعمُّد الكذب.

وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن المقدمات في عمومها، أراد أن يتكلَّم عنها في خصوص الرسالات، فقال سبحانه:

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً... }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net