سورة
اية:

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى

تفسير بن كثير

من ههنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين للّه تعالى ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم شباباً. وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل، وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شباباً. وقال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة، يعني الحلق، فألهمهم اللّه رشدهم، وآتاهم تقواهم فآمنوا بربهم، أي اعترفوا له بالوحدانية وشهدوا أنه لا إله إلا هو، { وزدناهم هدى} استدل بهذه الآية وأمثالها على زيادة الإيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: { وزدناهم هدى} ، كما قال: { والذين اهتدوا زادهم هدى تقواهم} ، وقد ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى ابن مريم، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض} يقول تعالى: وصبرناهم على مخالفة قومهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوماً في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها، وكان لها ملك جبار عنيد يقال له دقيانوس وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا للّه الذي خلق السماوات والأرض؛ فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز عنهم، واتخذوا لهم معبداً يعبدون اللّه فيه، فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى اللّه عزَّ وجلَّ، ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها} ولن لنفي التأبيد: أي لا يقع منا هذا أبداً لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلاً، ولهذا قال عنهم: { لقد قلنا إذا شططا} أي باطلاً وكذباً وبهتاناً، { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين} أي هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً، { فمن أظلم ممن افترى على اللّه كذبا} ، يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال إن ملكهم تهددهم وتوعدهم وأمر بنزع لباسهم عنهم وأجلّهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا لطف اللّه بهم فإنهم توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفاً على دينه كما جاء في الحديث: (يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن) ""الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود عن أبي سعيد""، ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع، فلما عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار اللّه تعالى لهم ذلك وأخبر عنهم بذلك في قوله: { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا اللّه} : أي وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير اللّه، ففارقوهم أيضاً بأبدانكم، { فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته} : أي يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم { ويهيىء لكم من أمركم} الذي أنتم فيه، { مرفقا} أي أمراً ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هرباً إلى الكهف، فأووا إليه ففقدهم قومهم من بين أظهرهم وتطلبهم الملك، فيقال إنه لم يظفر بهم، وعمّى اللّه عليه خبرهم كما فعل بنبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم وصاحبه الصدّيق حين لجآ إلى غار ثور .

تفسير الجلالين

{ نحن نقص } نقرأ { عليك نبأهم بالحق } بالصدق { إنهم فتية آمنوا بربِّهم وزدناهم هدى } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ يَا مُحَمَّد نَقُصّ عَلَيْك خَبَر هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ أَوَوْا إِلَى الْكَهْف بِالْحَقِّ , يَعْنِي : بِالصِّدْقِ وَالْيَقِين الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ { إِنَّهُمْ فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ } يَقُول : إِنَّ الْفِتْيَة الَّذِينَ أَوَوْا إِلَى الْكَهْف الَّذِينَ سَأَلَك عَنْ نَبَئِهِمْ الْمَلَأ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك , فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ , { وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } يَقُول : وَزِدْنَاهُمْ إِلَى إِيمَانهمْ بِرَبِّهِمْ إِيمَانًا , وَبَصِيرَة بِدِينِهِمْ , حَتَّى صَبَرُوا عَلَى هِجْرَان دَار قَوْمهمْ , وَالْهَرَب مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ بِدِينِهِمْ إِلَى اللَّه , وَفِرَاق مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ خَفْض الْعَيْش وَلِينه , إِلَى خُشُونَة الْمُكْث فِي كَهْف الْجَبَل. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ يَا مُحَمَّد نَقُصّ عَلَيْك خَبَر هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ أَوَوْا إِلَى الْكَهْف بِالْحَقِّ , يَعْنِي : بِالصِّدْقِ وَالْيَقِين الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ { إِنَّهُمْ فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ } يَقُول : إِنَّ الْفِتْيَة الَّذِينَ أَوَوْا إِلَى الْكَهْف الَّذِينَ سَأَلَك عَنْ نَبَئِهِمْ الْمَلَأ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك , فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ , { وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } يَقُول : وَزِدْنَاهُمْ إِلَى إِيمَانهمْ بِرَبِّهِمْ إِيمَانًا , وَبَصِيرَة بِدِينِهِمْ , حَتَّى صَبَرُوا عَلَى هِجْرَان دَار قَوْمهمْ , وَالْهَرَب مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ بِدِينِهِمْ إِلَى اللَّه , وَفِرَاق مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ خَفْض الْعَيْش وَلِينه , إِلَى خُشُونَة الْمُكْث فِي كَهْف الْجَبَل.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { نحن نقص عليك نبأهم بالحق} لما اقتضى قوله تعالى { لنعلم أي الحزبين أحصى} اختلافا وقع في أمد الفتية، عقب بالخبر عن أنه عز وجل يعلم من أمرهم بالحق الذي وقع. { إنهم فتية} أي شباب وأحداث حكم لهم بالفتوة حين آمنوا بلا واسطة؛ كذلك قال أهل اللسان : رأس الفتوة الإيمان. وقال الجنيد : الفتوة بذل الندى وكف الأذى وترك الشكوى. وقيل : الفتوة اجتناب المحارم واستعجال المكارم. وقيل غير هذا. وهذا القول حسن جدا؛ لأنه يعم بالمعنى جميع ما قيل في الفتوة. { وزدناهم هدى} أي يسرناهم للعمل الصالح؛ من الانقطاع إلى الله تعالى، ومباعدة الناس، والزهد في الدنيا. وهذه زيادة على الإيمان. وقال السدي : زادهم هدى بكلب الراعي حين طردوه ورجموه مخافة أن ينبح عليهم وينبه بهم؛ فرفع الكلب يديه إلى السماء كالداعي فأنطقه الله، فقال : يا قوم لم تطردونني، لم ترجمونني لم تضربونني فوالله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه بأربعين سنة؛ فزادهم الله بذلك هدى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 11 - 21

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ نَحْنُ } أي: الحق سبحانه وتعالى، فهو الذي يقصُّ ما حدث بالحق، فلو أن القاصَّ غير الله لتُوقّع منه الخطأ أو النسيان، أو ترك شيء من الأحداث لِهَوىً في نفسه، إنما إنْ جاءك القصص من الله فهو الحق، كما قال في آية أخرى:
{  نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ.. }
[يوسف: 3]

إذن: هناك قصَص ليس بالحسن، وهو القَصَص غير الدقيق.

فالقصَصُ القرآني يضمن لك منتهى الدقة في عرض الأحداث، ويُصوّر لك كل اللقطات، وكلمة قصة أو قَصَص تدلُّ على دقة التتبع؛ لأنها من قصَّ الأثر أي: تتبَّعه وكان لهذه المهمة رجال معروفون بقصّاصي الأثر، وهم الذين يتتبعون الواقع.

و { نبَأَهُم } النبأ: هو الخبر العظيم.

ثم يقول تبارك وتعالى: { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى.. } [الكهف: 13]

هذا هو تفصيل القصة بعد أنْ لخَّصها القرآن في المذكرة والبرقية السابقة، وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله: لقد ذكر ناسٌ هذه القصة من قبل، لكنها قُصَّتْ بغير الحق، وغُيّر فيها، لكن قَصّنا لها هو القَصَص الحق الذي لا كذبَ فيه.

فحقيقة هؤلاء أنهم فتية آمنوا بالله، وهذه قضيتهم التي ضَحَّوْا من أجلها، فلما آمنوا بالله تولاّهم ونوَّر بصائرهم وربط على قلوبهم، وزادهم إيماناً، كما قال في آية أخرى:
{  وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتٰهم تَقْوَاهُمْ }
[محمد: 17]

وما أشبه هذه المسألة بالمعلِّم الذي يلمح أمارات النجابة والذكاء على أحد تلاميذه، ويراه مُجيباً حريصاً على العلم فيُولِيه اهتمامه ويمنحه المزيد من المعلومات.

ونلاحظ هنا أن هؤلاء المؤمنين الذين ضَحَّوْا بكلِّ شيء وفرُّوا بدينهم ما زالوا في مرحلة الشباب، وهو مظنّة الانشغال بالدنيا والحِرْص على مُتعها، أما هؤلاء فقد انشغلوا بدينهم منذ صِغَرهم ليكونوا قدْوة ومثَلاً للشباب المؤمن في كل زمان ومكان، فالفتاء في أهل الكهف: فتاء إيمان و فتاء عقيدة.

والحق سبحانه يقول: { وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا... }.


www.alro7.net