سورة
اية:

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مسلياً لرسوله صلى اللّه عليه وسلم عما كان يتعنت به المشركون فيما كانوا يقولونه عن الرسول كما أخبر تعالى عنهم في قوله: { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} ، فأمر اللّه تعالى رسوله صلوات اللّه وسلامه عليه وأرشده إلى أن لا يضيق بذلك منهم صدره، ولا يصدنه ذلك ولا يثنيه عن دعائهم إلى اللّه عزَّ وجلَّ آناء الليل وأطراف النهار، كما قال تعالى: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} الآية، وقال ههنا: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا} أي لقولهم ذلك، فإنما أنت نذير ولك أسوة بإخوانك من الرسل قبلك فإنهم كُذّبوا وأوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر اللّه عزَّ وجلَّ، ثم بين تعالى إعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة من مثله، لأن كلام الرب تعالى لا يشبه كلام المخلوقين كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات، وذاته لا يشبهها شيء، تعالى وتقدس وتنزه، ثم قال تعالى: { فإن لم يستجيبوا لكم} أي فإن لم يأتوا بما دعوتموهم إليه، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن هذا الكلام منزل من عند اللّه متضمن علمه وأمره ونهيه { وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} .

تفسير الجلالين

{ أم } بل أ { يقولون افتراه } أي القرآن { قل فأتوا بعشر سور مثله } في الفصاحة والبلاغة { مفتريات } فإنكم عربيون فصحاء مثلي تحداهم بها أولا ثم بسورة { وادعوا } للمعاونة على ذلك { من استطعتم من دون الله } أي غيره { إن كنتم صادقين } في أنه افتراء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْله مُفْتَرَيَات وَادْعُوا مَنْ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُون اللَّه إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَاك حُجَّة عَلَى حَقِيقَة مَا أَتَيْتهمْ بِهِ وَدَلَالَة عَلَى صِحَّة نُبُوَّتك هَذَا الْقُرْآن مِنْ سَائِر الْآيَات غَيْره , إِذْ كَانَتْ الْآيَات إِنَّمَا تَكُون لِمَنْ أُعْطِيهَا دَلَالَة عَلَى صِدْقه , لِعَجْزِ جَمِيع الْخَلْق عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا , وَهَذَا الْقُرْآن جَمِيع الْخَلْق عَجَزَة عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ . فَإِنْ هُمْ قَالُوا : اِفْتَرَيْته : أَيْ اِخْتَلَقْته وَتَكَذَّبْته . وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام مَا ذَكَرْنَا قَوْله : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ } إِلَى آخِر الْآيَة . وَيَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ } أَيْ أَيَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ - وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى سَبَب إِدْخَال الْعَرَب " أَمْ " فِي مِثْل هَذَا الْمَوْضِع - فَقُلْ لَهُمْ : يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْل هَذَا الْقُرْآن مُفْتَرَيَات , يَعْنِي مُفْتَعَلَات مُخْتَلِفَات , إِنْ كَانَ مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ مِنْ هَذَا الْقُرْآن مُفْتَرًى وَلَيْسَ بِآيَةٍ مُعْجِزَة كَسَائِرِ مَا سُئِلْته مِنْ الْآيَات , كَالْكَنْزِ الَّذِي قُلْتُمْ : هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ! أَوْ الْمَلَك الَّذِي قُلْتُمْ : هَلَّا جَاءَ مَعَهُ نَذِيرًا لَهُ مُصَدِّقًا ! فَإِنَّكُمْ قَوْمِي وَأَنْتُمْ مِنْ أَهْل لِسَانِي , وَأَنَا رَجُل مِنْكُمْ , وَمُحَال أَنْ أَقْدِر أَخْلُق وَحْدِي مِائَة سُورَة وَأَرْبَع عَشْرَة سُورَة , وَلَا تَقْدِرُوا بِأَجْمَعِكُمْ أَنْ تَفْتَرُوا وَتَخْتَلِفُوا عَشْر سُوَر مِثْلهَا , وَلَا سِيَّمَا إِذَا اِسْتَعَنْتُمْ فِي ذَلِكَ بِمَنْ شِئْتُمْ مِنْ الْخَلْق . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ لَهُمْ : وَادْعُوا مَنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْعُوهُمْ مِنْ دُون اللَّه , يَعْنِي سِوَى اللَّه , لِافْتِرَاءِ ذَلِكَ وَاخْتِلَاقه مِنْ الْآلِهَة , فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى أَنْ تَفْتَرُوا عَشْر سُوَر مِثْله , فَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّكُمْ كَذَبَة فِي قَوْلكُمْ اِفْتَرَاهُ , وَصَحَّتْ عِنْدكُمْ حَقِيقَة مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه , وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ أَنْ تَتَخَيَّرُوا الْآيَات عَلَى رَبّكُمْ , وَقَدْ جَاءَكُمْ مِنْ الْحُجَّة عَلَى حَقِيقَة مَا تَكْذِبُونَ بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه مِثْل الَّذِي تَسْأَلُونَ مِنْ الْحُجَّة وَتَرْغَبُونَ أَنَّكُمْ تُصَدِّقُونَ بِمَجِيئِهَا . وَقَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } لِقَوْلِهِ : { فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْله } وَإِنَّمَا هُوَ : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْله مُفْتَرَيَات إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآن اِفْتَرَاهُ مُحَمَّد , وَادْعُوا مَنْ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُون اللَّه عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد . 13921 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ } قَدْ قَالُوهُ , { قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْله مُفْتَرَيَات وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ } قَالَ : يَشْهَدُونَ أَنَّهَا مِثْله هَكَذَا قَالَ الْقَاسِم فِي حَدِيثه الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْله مُفْتَرَيَات وَادْعُوا مَنْ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُون اللَّه إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَاك حُجَّة عَلَى حَقِيقَة مَا أَتَيْتهمْ بِهِ وَدَلَالَة عَلَى صِحَّة نُبُوَّتك هَذَا الْقُرْآن مِنْ سَائِر الْآيَات غَيْره , إِذْ كَانَتْ الْآيَات إِنَّمَا تَكُون لِمَنْ أُعْطِيهَا دَلَالَة عَلَى صِدْقه , لِعَجْزِ جَمِيع الْخَلْق عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا , وَهَذَا الْقُرْآن جَمِيع الْخَلْق عَجَزَة عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ . فَإِنْ هُمْ قَالُوا : اِفْتَرَيْته : أَيْ اِخْتَلَقْته وَتَكَذَّبْته . وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام مَا ذَكَرْنَا قَوْله : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ } إِلَى آخِر الْآيَة . وَيَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ } أَيْ أَيَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ - وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى سَبَب إِدْخَال الْعَرَب " أَمْ " فِي مِثْل هَذَا الْمَوْضِع - فَقُلْ لَهُمْ : يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْل هَذَا الْقُرْآن مُفْتَرَيَات , يَعْنِي مُفْتَعَلَات مُخْتَلِفَات , إِنْ كَانَ مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ مِنْ هَذَا الْقُرْآن مُفْتَرًى وَلَيْسَ بِآيَةٍ مُعْجِزَة كَسَائِرِ مَا سُئِلْته مِنْ الْآيَات , كَالْكَنْزِ الَّذِي قُلْتُمْ : هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ! أَوْ الْمَلَك الَّذِي قُلْتُمْ : هَلَّا جَاءَ مَعَهُ نَذِيرًا لَهُ مُصَدِّقًا ! فَإِنَّكُمْ قَوْمِي وَأَنْتُمْ مِنْ أَهْل لِسَانِي , وَأَنَا رَجُل مِنْكُمْ , وَمُحَال أَنْ أَقْدِر أَخْلُق وَحْدِي مِائَة سُورَة وَأَرْبَع عَشْرَة سُورَة , وَلَا تَقْدِرُوا بِأَجْمَعِكُمْ أَنْ تَفْتَرُوا وَتَخْتَلِفُوا عَشْر سُوَر مِثْلهَا , وَلَا سِيَّمَا إِذَا اِسْتَعَنْتُمْ فِي ذَلِكَ بِمَنْ شِئْتُمْ مِنْ الْخَلْق . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ لَهُمْ : وَادْعُوا مَنْ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْعُوهُمْ مِنْ دُون اللَّه , يَعْنِي سِوَى اللَّه , لِافْتِرَاءِ ذَلِكَ وَاخْتِلَاقه مِنْ الْآلِهَة , فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى أَنْ تَفْتَرُوا عَشْر سُوَر مِثْله , فَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّكُمْ كَذَبَة فِي قَوْلكُمْ اِفْتَرَاهُ , وَصَحَّتْ عِنْدكُمْ حَقِيقَة مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه , وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ أَنْ تَتَخَيَّرُوا الْآيَات عَلَى رَبّكُمْ , وَقَدْ جَاءَكُمْ مِنْ الْحُجَّة عَلَى حَقِيقَة مَا تَكْذِبُونَ بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه مِثْل الَّذِي تَسْأَلُونَ مِنْ الْحُجَّة وَتَرْغَبُونَ أَنَّكُمْ تُصَدِّقُونَ بِمَجِيئِهَا . وَقَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } لِقَوْلِهِ : { فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْله } وَإِنَّمَا هُوَ : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْله مُفْتَرَيَات إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآن اِفْتَرَاهُ مُحَمَّد , وَادْعُوا مَنْ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُون اللَّه عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد . 13921 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ } قَدْ قَالُوهُ , { قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْله مُفْتَرَيَات وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ } قَالَ : يَشْهَدُونَ أَنَّهَا مِثْله هَكَذَا قَالَ الْقَاسِم فِي حَدِيثه '

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك‏} ‏ أي فلعلك لعظيم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه‏.‏ وقيل‏:‏ إنهم لما قالوا ‏ { ‏لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك‏} ‏ هم أن يدع سب آلهتهم فنزلت هذه الآية؛ فالكلام معناه الاستفهام؛ أي هل أنت تارك ما فيه سب آلهتهم كما سألوك‏؟‏ وتأكد عليه الأمر في الإبلاغ؛ كقوله ‏ { ‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك‏} ‏ [المائدة‏:‏ 67‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ معنى الكلام النفي مع استبعاد؛ أي لا يكون منك ذلك، بل تبلغهم كل ما أنزل إليك؛ وذلك أن مشركي مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا لاتبعناك، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع سب آلهتهم؛ فنزلت‏.‏ ‏ { ‏وضائق به صدرك‏} ‏ عطف على { ‏تارك‏} ‏ و‏ { ‏صدرك‏} ‏ مرفوع به، والهاء في { ‏به‏} ‏ تعود على ‏ { ‏ما‏} ‏ أو على بعض، أو على التبليغ، أو التكذيب‏.‏ وقال‏ { ‏ضائق‏} ‏ ولم يقل ضيق ليشاكل { ‏تارك‏} ‏ الذي قبله؛ ولأن الضائق عارض، والضيق ألزم منه‏.‏ ‏ { ‏أن يقولوا‏} ‏ في موضع نصب؛ أي كراهية أن يقولوا، أو لئلا يقولوا كقوله‏ { ‏يبين الله لكم أن تضلوا‏} [‏النساء‏:‏ 176‏]‏ أي لئلا تضلوا‏.‏ أو لأن يقولوا‏.‏ { ‏لولا‏} ‏ أي هلا { ‏أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك‏} ‏ يصدقه؛ قاله عبدالله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي؛ ‏} ‏إنما أنت نذير‏} ‏ فقال الله تعالى‏:‏ يا محمد إنما عليك أن تنذرهم، لا بأن تأتيهم بما يقترحونه من الآيات‏.‏ { ‏والله على كل شيء وكيل‏} ‏ أي حافظ وشهيد‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏أم يقولون افتراه‏} { ‏أم‏} ‏ بمعنى بل، وقد تقدم في ‏ { ‏يونس‏} ‏ أي قد أزحت علتهم وإشكالهم في نبوتك بهذا القرآن، وحججتهم به؛ فإن قالوا‏:‏ افتريته - أي اختلقته - فليأتوا بمثله مفترى بزعمهم‏.‏ { ‏وادعوا من استطعتم من دون الله‏} ‏ أي من الكهنة والأعوان‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 10 - 13


سورة هود الايات 13 - 17

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وفي قول الحق سبحانه وتعالى هنا بيان لِلَوْنٍ آخر من مصادمة الكافرين لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان به، فقالوا: إن محمداً قد افترى القرآن.

والافتراء: هو الكذب المتعمَّد، ومعنى الكذب المتعمد أنه كلام يخالف واقعاً في الكون.

فإذا كان الواقع نَفْياً وأنت قلت قضيةَ إثبات؛ تكون قد خالفت الواقع، كأن يُوجد في الكون شرٌّ ما ثم تقول أنت: لا يوجد شرٌّ في هذا المكان، وهكذا يكون الواقع إيجاباً والكلام نفْياً.

وكذلك أن يكون في الواقع نَفْيٌّ وفي الكلام إيجابٌ، فهذا أيضاً كذبٌ؛ لأن الصدق هو أن تتوافق القضية الكلامية مع الواقع الكوني، فإن اختلفتْ مع الواقع الكوني صار الكلام كاذباً.

والكذب نوعان: نوع متعمد، ونوع غير متعمد. والكذب خرق واقع واختلاق غير موجود. ويقال خرقت الشيء أي: أنك أتيت لواقع وبدَّلت فيه.

والحق سبحانه وتعالى يقول:


{  وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ }
[الأنعام: 100].

ويقول أيضاً الحق سبحانه:


{  وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً }
[العنكبوت: 17].

أي: تأتون بشيء من عدم، وهو من عندكم فقط.

ويقول الله سبحانه تعالى:


{  وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }
[الأنعام: 116].

وحين اتهموا محمداً صلى الله عليه وسلم بهتاناً بأنه افترى القرآن جاء الرد من القرآن الكريم بمنتهى البساطة، فأنتم ـ معشر العرب ـ أهل فصاحة وبلاغة، وقد جاء القرآن الكريم من جنس ونوع نُبوغكم، وما دمتم قد قُلْتم: إن محمداً قد افترى القرآن، وأن آيات القرآن ليست من عند الله، فلماذا لا تفترون مثله؟

وما دام الافتراء أمراً سهلاً بالنسبة لكم، فلماذا لا تأتون بمثل القرآن ولو بعشْر سور منه؟ وأنتم قد عِشْتم مع محمد منذ صِغَره، ولم يكن له شعْر، ولا نثر، ولا خطابة، ولا علاقة له برياضاتكم اللغوية، ولم يزاول الشعر أو الخطابة، ولم يشترك في أسواق البلاغة والشعر التي كانت تُعقد في الجاهلية مثل سوق عكاظ.

وإذا كان مَنْ لا رياضة له على الكلام ولا على البلاغة، قد جاء بهذا القرآن؛ فَلْيكُنْ لديكم ـ وأنتم أهل قُدْرة ودُرْبة ورياضة على البلاغة أن تأتوا ببعض من مثله، وإن كان قد افترى القرآن فلماذا لا تفترون مثله؟

وأنتم تعرفون المعارضات التي تُقام في أسواق البلاغة عندكم، حين يقول شاعر قصيدة، فيدخل معه شاعر أخر في مباراة ليلقي قصيدة أفضل من قصيدة الشاعر الأول، ثم تُعقد لجان تحكيم تُبَيِّن مظاهر الحُسْن ومظاهر السوء في أي قصيدة.

ولو كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن ـ كما تقولون ـ فأين أنتم؟ ألم تعرفوه منذ طفولته؟ ولذلك يأمر الحق سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول:


{  قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
[يونس: 16].

فهَل أثرَ عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال شعراً أو ألقى خطبة أو تَبارَى في عكاظَ أو المربد أو ذي المجاز أو المَجَنَّة، وتلك هي أسواق البلاغة ومهرجاناتها في تلك الأيام؟

هو لم يذهب إلى تلك الأماكن منافساً أو قائلاً.

إذن: أفليسَ الذين تنافسوا هناك أقدر منه على الافتراء؟ ألم يكن امرؤ القيس شاعراً فَحْلاً؟ لقد كان، وكان له نظير يعارضه.

وكذلك كان عمرو بن كلثوم، والحارث بن حِلَّزة اليشْكُري، كما جاء في عصور تالية آخرون مثل: جرير والفرزدق.

إذن: فأنتم تعرفون مَنْ يقولون الشعر ومَنْ يعارضونهم من أمثالهم من الشعراء.

إذن: فهاتوا مَنْ يفتري مثل سور القرآن، فإنْ لم تفتروا، فمعنى ذلك أن القرآن ليس افتراء.

ولذلك يقول الحق سبحانه هنا:

{ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } [هود: 13].

فهل كانوا قادرين على قبول التحدي، بأنْ يأتُوا بعشر سُوَر من مثل القرآن الكريم في البيان الآسر وقوة الفصاحة وأسرار المعاني؟

لقد تحدَّاهم بأن يأتوا ـ أولاً ـ بمثل القرآن، فلم يستطيعوا، ثم تحدَّاهم بأن يأتوا بعشر سور، فلم يستطيعوا، وتحدَّاهم بأن يأتوا بسورة، ثم تحدَّى أن يأتوا ولو بحديث مثله، فلم يستطيعوا.

وهنا جاء الحق سبحانه بالمرحلة الثانية من التحدي، وهو أنْ يأتوا بِعَشْر سُور، ولم يكتف الحق سبحانه بذلك، بل طالبهم أن يَدْعُوا مَجْمَعاً من البُلَغَاء، فقال سبحانه:

{ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ } [هود: 13].

أي: هاتوا كلَّ شركائكم وكل البُلغاء، من دون الله تعالى.

الحق سبحانه وتعالى هنا يقطع عليهم فرصة الادّعاء عليه سبحانه حتى لا يقولوا: سوف ندعو الله؛ ولذلك طالبهم الحق سبحانه أن يُجنِّبوه { وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [هود: 13].

أي: إن كنتم صادقين في أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن، وبما أنكم أهل ريادة في الفصاحة فَلْتفتروا عَشْر سُوَرٍ من مثل القرآن، أنتم ومَنْ تستطيعون دعوتهم من الشركاء.

لذلك كان الرد الحكيم من الله في قول الحق سبحانه بعد ذلك: { فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ }


www.alro7.net