سورة
اية:

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة، وقوله تعالى: { أولئك الأحزاب} أي كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالاً وأولاداً، فما دفع عنهم من عذاب اللّه من شيء لما جاء أمر ربك، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر، وقوله تعالى: { وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} قال زيد بن أسلم: أي ليس لها مثنوية، أي ما ينظرون { إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها} أي فقد اقتربت ودنت وأزفت، وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر اللّه تعالى إسرافيل أن يطولها، فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا فزع إلا من استثنى اللّه عزَّ وجلَّ، وقوله جلَّ جلاله: { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} هذا إنكار من اللّه تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن القِط هو الكتاب، وقيل: هو الحظ والنصيب، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: سألوا تعجيل العذاب كما قالوا: { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة إن كانت موجودة ليلقوا ذاك في الدنيا، وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب، وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا، وهذا الذي قاله جيد، ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد قال اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم آمراً له بالصبر على أذاهم، ومبشراً له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر.

تفسير الجلالين

{ كذبت قبلهم قوم نوح } تأنيث قوم باعتبار المعنى { وعاد وفرعون ذو الأوتاد } كان يتد لكل من يغضب عليه أربعة أوتاد يشد إليها يديه ورجليه ويعذبه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَّبَتْ قَبْلهمْ قَوْم نُوح وَعَاد وَفِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَذَّبَتْ قَبْل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش , الْقَائِلِينَ : أَجَعَلَ الْآلِهَة إِلَهًا وَاحِدًا , رُسُلهَا , قَوْم نُوح وَعَاد وَفِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله قِيلَ لِفِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد , فَقَالَ بَعْضهمْ : قِيلَ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ مَلَاعِب مِنْ أَوْتَاد , يُلْعَب لَهُ عَلَيْهَا. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22859 - حُدِّثْت عَنْ عَلِيّ بْن الْهَيْثَم , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَفِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد } قَالَ : كَانَتْ مَلَاعِب يُلْعَب لَهُ تَحْتهَا . 22860 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَفِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد } قَالَ : كَانَ لَهُ أَوْتَاد وَأَرْسَان , وَمَلَاعِب يَلْعَب لَهُ عَلَيْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قِيلَ ذَلِكَ لَهُ كَذَلِكَ لِتَعْذِيبِهِ النَّاس بِالْأَوْتَادِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22861 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , , قَوْله : { ذُو الْأَوْتَاد } قَالَ : كَانَ يُعَذِّب النَّاس بِالْأَوْتَادِ , يُعَذِّبهُمْ بِأَرْبَعَةِ أَوْتَاد , ثُمَّ يَرْفَع صَخْرَة تَمُدّ بِالْحِبَالِ , ثُمَّ تُلْقَى عَلَيْهِ فَتَشْدَخهُ . 22862 -حُدِّثْت عَنْ عَلِيّ بْن الْهَيْثَم , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : كَانَ يُعَذِّب النَّاس بِالْأَوْتَادِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : ذُو الْبُنْيَان , قَالُوا : وَالْبُنْيَان : هُوَ الْأَوْتَاد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22863 - حُدِّثْت عَنْ الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك { ذُو الْأَوْتَاد } قَالَ : ذُو الْبُنْيَان . وَأَشْبَه الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْأَوْتَاد , إِمَّا لِتَعْذِيبِ النَّاس , وَإِمَّا لِلَّعِبِ , كَانَ يَلْعَب لَهُ بِهَا , وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوف مِنْ مَعْنَى الْأَوْتَاد , الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَّبَتْ قَبْلهمْ قَوْم نُوح وَعَاد وَفِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَذَّبَتْ قَبْل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش , الْقَائِلِينَ : أَجَعَلَ الْآلِهَة إِلَهًا وَاحِدًا , رُسُلهَا , قَوْم نُوح وَعَاد وَفِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله قِيلَ لِفِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد , فَقَالَ بَعْضهمْ : قِيلَ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ مَلَاعِب مِنْ أَوْتَاد , يُلْعَب لَهُ عَلَيْهَا. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22859 - حُدِّثْت عَنْ عَلِيّ بْن الْهَيْثَم , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَفِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد } قَالَ : كَانَتْ مَلَاعِب يُلْعَب لَهُ تَحْتهَا . 22860 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَفِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد } قَالَ : كَانَ لَهُ أَوْتَاد وَأَرْسَان , وَمَلَاعِب يَلْعَب لَهُ عَلَيْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قِيلَ ذَلِكَ لَهُ كَذَلِكَ لِتَعْذِيبِهِ النَّاس بِالْأَوْتَادِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22861 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , , قَوْله : { ذُو الْأَوْتَاد } قَالَ : كَانَ يُعَذِّب النَّاس بِالْأَوْتَادِ , يُعَذِّبهُمْ بِأَرْبَعَةِ أَوْتَاد , ثُمَّ يَرْفَع صَخْرَة تَمُدّ بِالْحِبَالِ , ثُمَّ تُلْقَى عَلَيْهِ فَتَشْدَخهُ . 22862 -حُدِّثْت عَنْ عَلِيّ بْن الْهَيْثَم , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : كَانَ يُعَذِّب النَّاس بِالْأَوْتَادِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : ذُو الْبُنْيَان , قَالُوا : وَالْبُنْيَان : هُوَ الْأَوْتَاد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22863 - حُدِّثْت عَنْ الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك { ذُو الْأَوْتَاد } قَالَ : ذُو الْبُنْيَان . وَأَشْبَه الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْأَوْتَاد , إِمَّا لِتَعْذِيبِ النَّاس , وَإِمَّا لِلَّعِبِ , كَانَ يَلْعَب لَهُ بِهَا , وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوف مِنْ مَعْنَى الْأَوْتَاد ,'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح} ذكرها تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له؛ أي هؤلاء من قومك يا محمد جند من الأحزاب المتقدمين الذين تحزبوا على أنبيائهم، وقد كانوا أقوى من هؤلاء فأهلكوا. وذكر الله تعالى القوم بلفظ التأنيث، واختلف أهل العربية في ذلك على قولين : أحدهما : أنه قد يجوز فيه التذكير والتأنيث. الثاني : أنه مذكر اللفظ لا يجوز تأنيثه، إلا أن يقع المعنى على العشيرة والقبيلة، فيغلب في اللفظ حكم المعنى المضمر تنبيها عليه؛ كقوله تعالى: { كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره { المدثر : 55] ولم يقل ذكرها؛ لأنه لما كان المضمر فيه مذكرا ذكره؛ وإن كان اللفظ مقتضيا للتأنيث. ووصف فرعون بأنه ذو الأوتاد. وقد اختلف في تأويل ذلك؛ فقال ابن عباس : المعنى ذو البناء المحكم. وقال الضحاك : كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادا. وعن ابن عباس أيضا وقتادة وعطاء : أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها. وعن الضحاك أيضا : ذو القوة والبطش. وقال الكلبي ومقاتل : كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت. وقيل : كان يشبح المعذب بين أربع سوار؛ كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وتد من حديد ويتركه حتى يموت. وقيل : ذو الأوتاد أي ذو الجنود الكثيرة فسميت الجنود أوتادا؛ لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت. وقال ابن قتيبة : العرب تقول هم في عز ثابت الأوتاد، يريدون دائما شديدا. وأصل هذا أن البيت من بيوت الشعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد. وقال الأسود بن يعفر : ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ** في ظل ملك ثابت الأوتاد وواحد الأوتاد وتد بالكسر، وبالفتح لغة. وقال الأصمعي : يقال وتد واتد كما يقال : شغل شاغل. وأنشد : لاقت على الماء جذيلا واتدا ** ولم يكن يخلفها المواعدا قال : شبه الرجل بالجذل. { وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة} أي الغيضة. وقد مضى ذكرها في { الشعراء]. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر { ليكة} بفتح اللام والتاء من غير همز. وهمز الباقون وكسروا التاء. وقد تقدم هذا. { أولئك الأحزاب} أي هم الموصوفون بالقوة والكسرة؛ كقولك فلان هو الرجل. { إن كل} بمعنى ما كل. { إلا كذب الرسل فحق عقاب} أي فنزل بهم العذاب لذلك التكذيب. وأثبت يعقوب الياء في { عذابي} و { عقابي} في الحالين وحذفها الباقون في الحالين. ونظير هذه الآية قوله عز وجل: { وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود { غافر : 31] فسمى هذه الأمم أحزابا.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى: { ذُو ٱلأَوْتَادِ } [ص: 12] صاحب الأوتاد وهي الأشياء المثبتة، وقيل: المراد الأهرامات. أو كانت مثبتة عذَّب بها خصومه، و { لْئَيْكَةِ } [ص: 13] هي الحديقة مُلتفّة الأشجار، متشابكة الأغصان، وأصحاب الأيكة هم قوم سيدنا شعيب { أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ } [ص: 13] أي: الذين تحزَّبوا على رسلهم وصادموهم وعاندوهم.

{ إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ } [ص: 14] ما أحد من هؤلاء إلا كَذَّبَ رسوله { فَحَقَّ } [ص: 14] أي: وجب له وحَقَّ عليه (عَقَابِ) إذن: فكيف يُقدِّرون لأنفسهم أنْ يقفوا منك يا محمد هذا الموقف ولا نعاقبهم؟ كيف يفلتون منا وقد عاقبنا مَنْ هم أقوى منهم؟


www.alro7.net