سورة
اية:

فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

تفسير بن كثير

لما طال مقام نبي اللّه بين أظهرهم يدعوهم إلى اللّه تعالى ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، وكلما كرر عليهم الدعوة صمموا على الكفر الغليظ والامتناع الشديد، وقالوا في الآخر: { لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} أي إن لم تنته عن دعوتك إيانا على دينك { لتكونن من المرجومين} أي لنرجمنك، فعند ذلك دعا عليهم دعوة استجاب اللّه منه فقال: { رب إن قومي كذبون * فافتح بيني وبينهم فتحا} الآية، كما قال في الآية الأخرى { فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} إلى آخر الآية، وقال ههنا { فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين} والمشحون هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيها من كل زوجين اثنين، أي أنجيا نوحاً ومن اتبعه كلهم وأغرقنا من كفر به وخالف أمره كلهم أجمعين { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم} .

تفسير الجلالين

{ فافتح بيني وبينهم فتحا } أي احكم { ونجني ومن معي من المؤمنين } .

تفسير الطبري

يَقُول : فَاحْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنهمْ حُكْمًا مِنْ عِنْدك تُهْلِك بِهِ الْمُبْطِل , وَتَنْتَقِم بِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِك وَجَحَدَ تَوْحِيدك , وَكَذَّبَ رَسُولك . كَمَا : 20274 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنهمْ فَتْحًا } قَالَ : فَاقْضِ بَيْنِي وَبَيْنهمْ قَضَاء . 20275 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنهمْ فَتْحًا } قَالَ : يَقُول : اِقْضِ بَيْنِي وَبَيْنهمْ . { وَنَجِّنِي } يَقُول : وَنَجِّنِي مِنْ ذَلِكَ الْعَذَاب الَّذِي تَأْتِي بِهِ حُكْمًا بَيْنِي وَبَيْنهمْ . { وَمَنْ مَعِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : وَاَلَّذِينَ مَعِي مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِك وَالتَّصْدِيق لِي .يَقُول : فَاحْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنهمْ حُكْمًا مِنْ عِنْدك تُهْلِك بِهِ الْمُبْطِل , وَتَنْتَقِم بِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِك وَجَحَدَ تَوْحِيدك , وَكَذَّبَ رَسُولك . كَمَا : 20274 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنهمْ فَتْحًا } قَالَ : فَاقْضِ بَيْنِي وَبَيْنهمْ قَضَاء . 20275 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنهمْ فَتْحًا } قَالَ : يَقُول : اِقْضِ بَيْنِي وَبَيْنهمْ . { وَنَجِّنِي } يَقُول : وَنَجِّنِي مِنْ ذَلِكَ الْعَذَاب الَّذِي تَأْتِي بِهِ حُكْمًا بَيْنِي وَبَيْنهمْ . { وَمَنْ مَعِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول : وَاَلَّذِينَ مَعِي مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِك وَالتَّصْدِيق لِي .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { كذبت قوم نوح المرسلين} قال { كذبت} والقوم مذكر؛ لأن المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال { المرسلين} لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل : كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل : ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في "الفرقان" { إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل : هي أخوة المجانسة. قال الله { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم 4 وقد مضى هذا في "الأعراف" وقيل : هو من قول العرب يا أخا بني تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري : ومنه بيت الحماسة : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات على ما قال برهانا { ألا تتقون} أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. { إني لكم رسول أمين} أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل { أمين} فيما بينكم؛ فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. { فاتقوا الله} أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. { وأطيعون} فيما آمركم به من الإيمان. { وما أسألكم عليه من أجر} أي لا طمع لي في مالكم. { إن أجري إلا على رب العالمين} أي ما جزائي { إلا على رب العالمين} . { فاتقوا الله وأطيعون} كرر تأكيدا. قوله تعالى: { قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون} فيه مسألتان: الأولى: { قالوا أنومن لك} أي نصدق قولك. { واتبعك الأرذلون} الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد اتبعك. { الأرذلون} جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلي والجمع الرذل. قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم، { وأتباعك الأرذلون} . النحاس : وهي قراءة حسنة؛ وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر : له تبع قد يعلم الناس أنه ** على من يداني صيف وربيع ارتفاع { أتباعك} يجوز أن يكون بالابتداء و { الأرذلون} الخبر؛ التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله { أنؤمن لك} والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم؛ وحسن ذلك الفصل بقوله { لك} وقد مضى القول في الأراذل في سورة "هود" مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية: فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون؛ وقد قال نوح { ونجني ومن معي من المؤمنين} والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام؛ فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا؛ وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: { قال وما علمي بما كانوا يعملون} { كان} زائدة؛ والمعنى : وما علمي بما يعملون؛ أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع؛ وكأنهم قالوا : إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال : إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلي ظاهرهم. وقيل : المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. { إن حسابهم} أي في أعمالهم وإيمانهم { إلا على ربي لو تشعرون} وجواب { لو} محذوف؛ أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة { تشعرون} بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرأ ابن أبي عبلة ومحمد بن السميقع { لو يشعرون} بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم؛ نحو قوله { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} يونس 22 . وروي أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهي مسلمة هل يقطع لها بالنار ؟ فقال { إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} . { وما أنا بطارد المؤمنين} أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. { إن أنا إلا نذير مبين} يعني : إن الله ما أرسلني أخص ذوي الغني دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: { قالوا لئن لم تنته يانوح} أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا { لتكونن من المرجومين} أي بالحجارة؛ قال قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل : من المقتولين. قال الثمالي : كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم { لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46 أي لأسبنك. وقيل { من المرجومين} من المشتومين؛ قاله السدي. ومنه قول أبي دؤاد. { قال رب إن قومي كذبون، فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. { فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأن الفلك ها هنا واحد لا جمع { ثم أغرقنا بعد الباقين} أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. { إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الشعراء الايات 105 - 129

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

تأمل هنا أدب نوح ـ عليه السلام ـ حين يشكو قومه إلى الله ويرفع إليه ما حدث منهم، كل ما قاله: { إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ } [الشعراء: 117] ولم يذكر شيئاً عن التهديد له بالرجم، وإعلان الحرب على دعوته، لماذا؟ لأن ما يهمه في المقام الأول أن يُصدِّقه قومه، فهذا هو الأصل في دعوته.

وقوله: { فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً } [الشعراء: 118] الفتح في الشيء إما: حسياً وإما معنوياً، فمثلاً الباب المغلَق بقُفْل نقول: نفتح الباب: أي نزيل أغلاقه.

فإنْ كان الشيء مربوطاً نزيل الأشكال ونفكّ الأربطة.

ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف:
{  وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ }
[يوسف: 65] أي: أزالوا الرباط عن متاعهم، هذا هو الفتح الحسِّيّ.

أما الفتح المعنوي فنُزيل الأغلاق والأشكال المعنوية ليأتي الخير وتأتي البركة، كما في قوله سبحانه:
{  وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ }
[الأعراف: 96].

وفي آية أخرى:
{  مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ }
[فاطر: 2].

والخير الذي يفتح الله به على الناس قد يكون خيراً مادياً، وقد يكون عِلْماً، كما في قوله تعالى:
{  أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ }
[البقرة: 76].

أي: من العلم في التوراة، يخافون أن يأخذه المؤمنون، ويجعلوه حجة على أهل التوراة إذا ما كان لهم الفتح والغَلَبة، فمعنى:
{  بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ }
[البقرة: 76] أي: بما علَّمكم من علم لم يعلموه هم.

وقد يكون الفتح بمعنى الحكم، مثل قوله سبحانه:
{  رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ }
[الأعراف: 89].

ويكون الفتح بمعنى النصر، كما في قوله تعالى:
{  إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ }
[النصر: 1].

ثم يقول نوح عليه السلام: { وَنَجِّنِي } [الشعراء: 118] من كيدهم وما يُهدِّدونني به من الرَّجْم { وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الشعراء: 118] لأن الإيذاء قد يتعدّاه إلى المؤمنين معه، وتأتي الإجابة سريعة: { فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ }


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net