سورة
اية:

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ

تفسير بن كثير

هذا مثل أريد به أهل مكة؟ فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمناً لا يخاف، كما قال تعالى: { أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا} ، وهكذا قال هاهنا: { يأتيها رزقها رغدا} ، أي هنيئاً سهلاً، { من كل مكان فكفرت بأنعم الله} أي جحدت آلاء اللّه عليها وأعظمها بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم إليهم، كما قال تعالى: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة اللّه كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار} ولهذا بدلهم اللّه بحاليهم الأولين خلافهما، فقال: { فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف} أي ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليها ثمرات كل شيء ويأتيها رزقها رغداً من كل مكان، وذلك أنهم استعصوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأبوا إلا خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز، وهو وبر يخلط بدمه إذا نحروه. وقوله: { والخوف} وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفاً من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه، حين هاجروا إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل ما لهم في دمار وسفال، حتى فتحها اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم الذي بعثه اللّه فيهم منهم وامتن عليهم في قوله: { لقد منّ اللّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} الآية. وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل ضرب لأهل مكة قاله ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة والزهري رحمهم اللّه.

تفسير الجلالين

{ وضرب الله مثلاً } ويبدل منه { قرية } هي مكة والمراد أهلها { كانت آمنة } من الغارات لا تهاج { مطمئنة } لا يحتاج إلى الانتقال عنها لضيق أو خوف { يأتيها رزقها رغدا } واسعا { من كل مكان فكفرت بأنعم الله } بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم { فأذاقها الله لباس الجوع } فقحطوا سبع سنين { والخوف } بسرايا النبي صلى الله عليه وسلم { بما كانوا يصنعون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة يَأْتِيهَا رِزْقهَا رَغَدًا مِنْ كُلّ مَكَان } يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره . وَمَثَّلَ اللَّه مَثَلًا لِمَكَّة الَّتِي سُكَّانهَا أَهْل الشِّرْك بِاَللَّهِ هِيَ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة . وَكَانَ أَمْنهَا أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تَتَعَادَى وَيَقْتُل بَعْضهَا بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضهَا بَعْضًا , وَأَهْل مَكَّة لَا يُعَار عَلَيْهِمْ وَلَا يُحَارَبُونَ فِي بَلَدهمْ , فَذَلِكَ كَانَ أَمْنهَا . وَقَوْله : { مُطْمَئِنَّة } يَعْنِي : قَارَّة بِأَهْلِهَا , لَا يَحْتَاج أَهْلهَا إِلَى النَّجْع كَمَا كَانَ سُكَّان الْبَوَادِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا . { يَأْتِيهَا رِزْقهَا رَغَدًا } يَقُول : يَأْتِي أَهْلهَا مَعَايِشهمْ وَاسِعَة كَثِيرَة . وَقَوْله : { مِنْ كُلّ مَكَان } يَعْنِي : مِنْ كُلّ فَجّ مِنْ فِجَاج هَذِهِ الْقَرْيَة وَمِنْ كُلّ نَاحِيَة فِيهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي أَنَّ الْقَرْيَة الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِع أُرِيدَ بِهَا مَكَّة قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16572 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة يَأْتِيهَا رِزْقهَا رَغَدًا مِنْ كُلّ مَكَان } يَعْنِي : مَكَّة . 16573 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة } قَالَ : مَكَّة . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد . مِثْله . 16574 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة } قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا مَكَّة . * حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة } قَالَ : هِيَ مَكَّة . 16575 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . قَالَ : هَذِهِ مَكَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْقَرْيَة الَّتِي ذَكَرَ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع مَدِينَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16576 - حَدَّثَنِي اِبْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِع بْن يَزِيد , قَالَ : ثني عَبْد الرَّحْمَن بْن شُرَيْح , أَنَّ عَبْد الْكَرِيم بْن الْحَارِث الْحَضْرَمِيّ , حَدَّثَ أَنَّهُ سَمِعَ مِشْرَح بْن عَاهَان , يَقُول : سَمِعْت سُلَيْم بْن نُمَيْر يَقُول : صَدَرْنَا مِنْ الْحَجّ مَعَ حَفْصَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُثْمَان مَحْصُور بِالْمَدِينَةِ ; فَكَانَتْ تَسْأَل عَنْهُ مَا فَعَلَ , حَتَّى رَأَتْ رَاكِبَيْنِ , فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمَا تَسْأَلهُمَا , فَقَالَا : قُتِلَ ! فَقَالَتْ حَفْصَة : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا الْقَرْيَة , تَعْنِي الْمَدِينَة الَّتِي قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة يَأْتِيهَا رِزْقهَا رَغَدًا مِنْ كُلّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّه } قَرَأَهَا . قَالَ أَبُو شُرَيْح : وَأَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن الْمُغِيرَة عَمَّنْ حَدَّثَهُ , أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنَّهَا الْمَدِينَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة يَأْتِيهَا رِزْقهَا رَغَدًا مِنْ كُلّ مَكَان } يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره . وَمَثَّلَ اللَّه مَثَلًا لِمَكَّة الَّتِي سُكَّانهَا أَهْل الشِّرْك بِاَللَّهِ هِيَ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة . وَكَانَ أَمْنهَا أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تَتَعَادَى وَيَقْتُل بَعْضهَا بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضهَا بَعْضًا , وَأَهْل مَكَّة لَا يُعَار عَلَيْهِمْ وَلَا يُحَارَبُونَ فِي بَلَدهمْ , فَذَلِكَ كَانَ أَمْنهَا . وَقَوْله : { مُطْمَئِنَّة } يَعْنِي : قَارَّة بِأَهْلِهَا , لَا يَحْتَاج أَهْلهَا إِلَى النَّجْع كَمَا كَانَ سُكَّان الْبَوَادِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا . { يَأْتِيهَا رِزْقهَا رَغَدًا } يَقُول : يَأْتِي أَهْلهَا مَعَايِشهمْ وَاسِعَة كَثِيرَة . وَقَوْله : { مِنْ كُلّ مَكَان } يَعْنِي : مِنْ كُلّ فَجّ مِنْ فِجَاج هَذِهِ الْقَرْيَة وَمِنْ كُلّ نَاحِيَة فِيهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي أَنَّ الْقَرْيَة الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِع أُرِيدَ بِهَا مَكَّة قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16572 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة يَأْتِيهَا رِزْقهَا رَغَدًا مِنْ كُلّ مَكَان } يَعْنِي : مَكَّة . 16573 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة } قَالَ : مَكَّة . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد . مِثْله . 16574 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة } قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا مَكَّة . * حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة } قَالَ : هِيَ مَكَّة . 16575 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . قَالَ : هَذِهِ مَكَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْقَرْيَة الَّتِي ذَكَرَ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع مَدِينَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16576 - حَدَّثَنِي اِبْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِع بْن يَزِيد , قَالَ : ثني عَبْد الرَّحْمَن بْن شُرَيْح , أَنَّ عَبْد الْكَرِيم بْن الْحَارِث الْحَضْرَمِيّ , حَدَّثَ أَنَّهُ سَمِعَ مِشْرَح بْن عَاهَان , يَقُول : سَمِعْت سُلَيْم بْن نُمَيْر يَقُول : صَدَرْنَا مِنْ الْحَجّ مَعَ حَفْصَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُثْمَان مَحْصُور بِالْمَدِينَةِ ; فَكَانَتْ تَسْأَل عَنْهُ مَا فَعَلَ , حَتَّى رَأَتْ رَاكِبَيْنِ , فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمَا تَسْأَلهُمَا , فَقَالَا : قُتِلَ ! فَقَالَتْ حَفْصَة : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا الْقَرْيَة , تَعْنِي الْمَدِينَة الَّتِي قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَة مُطْمَئِنَّة يَأْتِيهَا رِزْقهَا رَغَدًا مِنْ كُلّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّه } قَرَأَهَا . قَالَ أَبُو شُرَيْح : وَأَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن الْمُغِيرَة عَمَّنْ حَدَّثَهُ , أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنَّهَا الْمَدِينَة . ' وَقَوْله : { فَكَفَرَتْ بِأَنْعُم اللَّه } يَقُول : فَكَفَرَ أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة بِأَنْعُم اللَّه الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَاحِد " الْأَنْعُم " , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : جَمَعَ النِّعْمَة عَلَى أَنْعُم , كَمَا قَالَ اللَّه : { حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدّهُ } 46 15 فَزَعَمَ أَنَّهُ جَمْع الشِّدَّة . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ الْوَاحِد نُعْم , وَقَالَ : يُقَال : أَيَّام طُعْم وَنُعْم : أَيْ نَعِيم , قَالَ : فَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَاهَا : فَكَفَرَتْ بِنَعِيمِ اللَّه لَهَا . وَاسْتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : وَعِنْدِي قُرُوض الْخَيْر وَالشَّرّ كُلّه فَبُؤْس لِذِي بُؤْس وَنُعْم بِأَنْعُمِ وَكَانَ بَعْض أَهْل الْكُوفَة يَقُول : أَنْعُم : جَمْع نَعْمَاء , مِثْل بَأْسَاء وَأَبْؤُس , وَضَرَّاء وَأَضُرّ ; فَأَمَّا الْأَشَدّ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ جَمْع شَدّ .وَقَوْله : { فَكَفَرَتْ بِأَنْعُم اللَّه } يَقُول : فَكَفَرَ أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة بِأَنْعُم اللَّه الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَاحِد " الْأَنْعُم " , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : جَمَعَ النِّعْمَة عَلَى أَنْعُم , كَمَا قَالَ اللَّه : { حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدّهُ } 46 15 فَزَعَمَ أَنَّهُ جَمْع الشِّدَّة . وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ الْوَاحِد نُعْم , وَقَالَ : يُقَال : أَيَّام طُعْم وَنُعْم : أَيْ نَعِيم , قَالَ : فَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَاهَا : فَكَفَرَتْ بِنَعِيمِ اللَّه لَهَا . وَاسْتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : وَعِنْدِي قُرُوض الْخَيْر وَالشَّرّ كُلّه فَبُؤْس لِذِي بُؤْس وَنُعْم بِأَنْعُمِ وَكَانَ بَعْض أَهْل الْكُوفَة يَقُول : أَنْعُم : جَمْع نَعْمَاء , مِثْل بَأْسَاء وَأَبْؤُس , وَضَرَّاء وَأَضُرّ ; فَأَمَّا الْأَشَدّ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ جَمْع شَدّ .' وَقَوْله : { فَأَذَاقَهَا اللَّه لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَذَاقَ اللَّه أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة لِبَاس الْجُوع ; وَذَلِكَ جُوع خَالَطَ أَذَاهُ أَجْسَامهمْ , فَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره ذَلِكَ لِمُخَالَطَتِهِ أَجْسَامهمْ بِمَنْزِلَةِ اللِّبَاس لَهَا . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ الْجُوع سِنِينَ مُتَوَالِيَة بِدُعَاءِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى أَكَلُوا الْعِلْهِزَ وَالْجِيَف . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْعِلْهِز : الْوَبَر يُعْجَن بِالدَّمِ وَالْقُرَاد يَأْكُلُونَهُ . وَأَمَّا الْخَوْف فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ خَوْفهمْ مِنْ سَرَايَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كَانَتْ تُطِيف بِهِمْ .وَقَوْله : { فَأَذَاقَهَا اللَّه لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَذَاقَ اللَّه أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة لِبَاس الْجُوع ; وَذَلِكَ جُوع خَالَطَ أَذَاهُ أَجْسَامهمْ , فَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره ذَلِكَ لِمُخَالَطَتِهِ أَجْسَامهمْ بِمَنْزِلَةِ اللِّبَاس لَهَا . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ الْجُوع سِنِينَ مُتَوَالِيَة بِدُعَاءِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى أَكَلُوا الْعِلْهِزَ وَالْجِيَف . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْعِلْهِز : الْوَبَر يُعْجَن بِالدَّمِ وَالْقُرَاد يَأْكُلُونَهُ . وَأَمَّا الْخَوْف فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ خَوْفهمْ مِنْ سَرَايَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كَانَتْ تُطِيف بِهِمْ .' وَقَوْله : { بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } يَقُول : بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ مِنْ الْكُفْر بِأَنْعُمِ اللَّه , وَيَجْحَدُونَ آيَاته , وَيُكَذِّبُونَ رَسُوله . وَقَالَ : { بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } وَقَدْ جَرَى الْكَلَام مِنْ اِبْتِدَاء الْآيَة إِلَى هَذَا الْمَوْضِع عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ الْقَرْيَة , لِأَنَّ الْخَبَر وَإِنْ كَانَ جَرَى فِي الْكَلَام عَنْ الْقَرْيَة اِسْتِغْنَاء بِذِكْرِهَا عَنْ ذِكْر أَهْلهَا لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِالْمُرَادِ مِنْهَا , فَإِنَّ الْمُرَاد أَهْلهَا ; فَلِذَلِكَ قِيلَ : { بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } فَرَدَّ الْخَبَر إِلَى أَهْل الْقَرْيَة , وَذَلِكَ نَظِير قَوْله : { فَجَاءَهَا بَأْسنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } وَلَمْ يَقُلْ قَائِلَة , وَقَدْ قَالَ قَبْله : { فَجَاءَهَا بَأْسنَا } , لِأَنَّهُ رَجَعَ بِالْخَبَرِ إِلَى الْإِخْبَار عَنْ أَهْل الْقَرْيَة ; وَنَظَائِر ذَلِكَ فِي الْقُرْآن كَثِيرَة .وَقَوْله : { بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } يَقُول : بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ مِنْ الْكُفْر بِأَنْعُمِ اللَّه , وَيَجْحَدُونَ آيَاته , وَيُكَذِّبُونَ رَسُوله . وَقَالَ : { بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } وَقَدْ جَرَى الْكَلَام مِنْ اِبْتِدَاء الْآيَة إِلَى هَذَا الْمَوْضِع عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ الْقَرْيَة , لِأَنَّ الْخَبَر وَإِنْ كَانَ جَرَى فِي الْكَلَام عَنْ الْقَرْيَة اِسْتِغْنَاء بِذِكْرِهَا عَنْ ذِكْر أَهْلهَا لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِالْمُرَادِ مِنْهَا , فَإِنَّ الْمُرَاد أَهْلهَا ; فَلِذَلِكَ قِيلَ : { بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } فَرَدَّ الْخَبَر إِلَى أَهْل الْقَرْيَة , وَذَلِكَ نَظِير قَوْله : { فَجَاءَهَا بَأْسنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } وَلَمْ يَقُلْ قَائِلَة , وَقَدْ قَالَ قَبْله : { فَجَاءَهَا بَأْسنَا } , لِأَنَّهُ رَجَعَ بِالْخَبَرِ إِلَى الْإِخْبَار عَنْ أَهْل الْقَرْيَة ; وَنَظَائِر ذَلِكَ فِي الْقُرْآن كَثِيرَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وضرب الله مثلا قرية} هذا متصل بذكر المشركين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على مشركي قريش وقال : (اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف). فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، ووجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما ففرق فيهم. { كانت آمنة} لا يهاج أهلها. { يأتيها رزقها رغدا من كل مكان} من البر والبحر؛ نظيره { يجبى إليه ثمرات كل شيء} [القصص : 57] الآية. { فكفرت بأنعم الله} الأنعم : جمع النعمة؛ كالأشد جمع الشدة. وقيل : جمع نعمى؛ مثل بؤسى وأبؤس. وهذا الكفران تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم. { فأذاقها الله} أي أذاق أهلها. { لباس الجوع والخوف} سماه لباسا لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس. { بما كانوا يصنعون} أي من الكفر والمعاصي. وقرأه حفص بن غياث ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق والحسن وأبو عمرو فيما روى عنه عبدالوارث وعبيد وعباس { والخوف} نصبا بإيقاع أذاقها عليه، عطفا على { لباس الجوع} وأذاقها الخوف. وهو بعث النبي صلى الله عليه وسلم سراياه التي كانت تطيف بهم. وأصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء. وضرب مكة مثلا لغيرها من البلاد؛ أي أنها مع جوار بيت الله وعمارة مسجده لما كفر أهلها أصابهم القحط فكيف بغيرها من القرى. وقد قيل : إنها المدينة، آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كفرت بأنعم الله لقتل عثمان بن عفان، وما حدث بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتن. وهذا قول عائشة وحفصة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل : إنه مثل مضروب بأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 101 - 112


سورة النحل الايات 112 - 119

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه وتعالى بعد أنْ تكلَّم عن الإيمان بالله والإيمان بصدق رسوله في البلاغ عنه، واستقبال منهج الله في الكتاب والسنة، وتكلم عن المقابل لذلك من الكفر واللجاج والعناد لله وللرسول وللمنهج. أراد سبحانه أنْ يعطينا واقعاً ملموساً في الحياة لكل ذلك، فضرب لنا هذا المثل.

ومعنى المثل: أن يتشابه أمران تشابهاً تاماً في ناحية معينة بحيث تستطيع أن تقول: هذا مثل هذا تماماً.

والهدف من ضرب الأمثال أنْ يُوضِّح لك مجهولاً بمعلوم، فإذا كنتَ مثلاً لا تعرف شخصاً نتحدث عنه فيمكن أن نقول لك: هو مثل فلان ـ المعلوم لك ـ في الطول ومثل فلان في اللون.. إلخ من الصور المعلومة لك، وبعد أن تجمع هذه الصور تُكوِّن صورة كاملة لهذا الشخص الذي لا تعرفه.

لذلك، فالشيء الذي لا مثيلَ له إياك أن تضرب له مثلاً، كما قال الحق سبحانه:
{  فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ }
[النحل: 74].

لأنه سبحانه لا مثيل له، ولا نظير له، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهو سبحانه الذي يضرب المثل لنفسه، أما نحن فلا نضرب المثل إلا للكائنات المخلوقة له سبحانه.

لذلك نجد في القرآن الكريم أمثالاً كثيرة توضح لنا المجهول بمعلوم لنا، وتوضح الأمر المعنوي بالأمر الحسيِّ الملموس لنا.

ومن ذلك ما ضربه الله لنا مثلاً في الإنفاق في سبيل الله، وأن الله يضاعف النفقة، ويُخلِف على صاحبها أضعافاً مضاعفة، فانظر كيف صوَّر لنا القرآن هذه المسألة:
{  مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }
[البقرة: 261].

وهكذا أوضح لنا المثل الأمر الغيبي المجهول بالأمر المحسِّ المُشَاهد الذي يعلمه الجميع، حتى استقرَّ هذا المجهول في الذهن، بل أصبح أمراً مُتيقّناً شاخصاً أمامنا.

والمتأمل في هذا المثل التوضيحي يجد أن الأمر الذي وضّحه الحق سبحانه أقوى في العطاء من الأمر الذي أوضح به، فإنْ كانت هذه الأضعاف المضاعفة هي عطاء الأرض، وهي مخلوقة لله تعالى، فما بالك بعطاء الخالق سبحانه وتعالى؟

وكلمة (ضَرَبَ) مأخوذة من ضَرْب العملة، حيث كانت في الماضي من الذهب أو الفضة، ولخوف الغش فيها حيث كانوا يخلطون الذهب مثلاً بالنحاس، فكان النقاد أي: الخبراء في تمييز العملة يضربونها أي: يختمون عليها فتصير مُعتمدة موثوقاً بها، ونافذة وصالحة للتداول.

كذلك إذا ضرب الله مثلاً لشيء مجهول بشيء معلوم استقرَّ في الذهن واعتُمِد.

فقال تعالى في هذا المثل:

{ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً.. } [النحل: 112].

الهدف من ضرب هذا المثل أن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يوضح لنا أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بشتى أنواع النعم فجحدها، ولم يشكره عليها، ولم يُؤدِّ حق الله فيها، واستعمل نعمة الله في معصيته فقد عرَّضها للزوال، وعرَّض نفسه لعاقبة وخيمة ونهاية سيئة، فقيَّد النعمة بشكرها وأداء حق الله فيها، لذلك قال الشاعر:
إذَا كُنْتَ في نعمةٍ فَارْعَها   فَإِنَّ المَعَاصِي تُزيلُ النِّعَم
وحَافِظْ عليها بشُكْرِ الإلهِ   فَإنَّ الإلَه شَدِيدُ النِّقَم
ولكن، القرية التي ضربها الله لنا مثلاً هنا، هل هي قرية معينة أم المعنى على الإطلاق؟ قد يُراد بالقرية قرية معينة كما قال البعض إنها مكة، أو غيرها من القرى، وعلى كلٍّ فتحديدها أمر لا فائدة منه، ولا يُؤثِّر في الهدف من ضَرْب المثل بها.

والقرية: اسم للبلد التي يكون بها قِرىً لمن يمرُّ بها، أي: بلد استقرار. وهي اسم للمكان فإذا حُدِّث عنها يراد المكين فيها، كما في قوله تعالى:
{  وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا.. }
[يوسف: 82].

فالمراد: اسأل أهل القرية؛ لأن القرية كمكان لا تُسأل.. هكذا قال علماء التفسير، على اعتبار أن في الآية مجازاً مرسلاً علاقته المحلية.

ولكن مع تقدُّم العلم الحديث يعطينا الحق تبارك وتعالى مدداً جديداً، كما قال سبحانه:
{  سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ.. }
[فصلت: 53].

والآن تطالعنا الاكتشافات بإمكانية التقاط صور وتسجيل أصوات السابقين، فمثلاً يمكنهم بعد انصرافنا من هذا المكان أن يُسجِّلوا جلستنا هذه بالصوت والصورة.

ومعنى ذلك أن المكان يعي ويحتفظ لنا بالصور والأصوات منذ سنوات طويلة، وعلى هذا يمكن أن نقول: إن القرية يمكن أنْ تُسأل، ويمكن أن تجيب، فلديها ذاكرة واعية تسجِّل وتحتفظ بما سجَّلته، بل وأكثر من ذلك يتطلعون لإعادة الصور والأصوات من بَدْء الخليقة على اعتبار أنها موجودة في الجو، مُودعة فيه على شكل موجات لم تُفقد ولم تَضِع.

وما أشبه هذه الموجات باندياح الماء إذا ألقيتَ فيه بحجر، فينتج عنه عدة دوائر تبتعد عن مركزها إلى أنْ تتلاشى بالتدريج.

إذن: يمكن أن يكون سؤال القرية على الحقيقة، ولا شك أن سؤال القرية سيكون أبلغ من سؤال أهلها، لأن أهلها قد يكذبون، أما هي فلا تعرف الكذب.

وبهذا الفهم للآية الكريمة يكون فيها إعجاز من إعجازات الأداء القرآني.

وقوله تعالى: { كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً... } [النحل: 112].

آمنةً: أي في مَأْمَن من الإغارة عليها من خارجها، والأمن من أعظم نِعَم الله تعالى على البلاد والعباد.

وقوله: { مُّطْمَئِنَّةً.. } [النحل: 112].

أي: لديها مُقوِّمات الحياة، فلا تحتاج إلى غيرها، فالحياة فيها مُستقرَّة مريحة، والإنسان لا يطمئن إلا في المكان الخالي من المنغِّصات، والذي يجد فيه كل مقومات الحياة، فالأمن والطمأنينة هما سِرُّ سعادة الحياة واستقرارها.

وحينما امتنَّ الله تعالى على قريش قال:
{  لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }
[قريش: 1-4].

فطالما شبعت البطن، وأمنتْ النفس استقرت بالإنسان الحياة.

والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا صورة مُثْلى للحياة الدنيا، فيقول: " مَنْ أصبح معافىً في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ".

ويصف الحق سبحانه هذه القرية بأنها:

{ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ... } [النحل: 112].

معلوم أن الناس هم الذين يخرجون لطلب الرزق، لكن في هذه القرية يأتي إليها الرزق، وهذا يُرجِّح القول بأنها مكة؛ لأن الله تعالى قال عنها:
{  أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }
[القصص: 57].

ومن تيسَّر له العيش في مكة يرى فيها الثمرات والمنتجات من كل أنحاء العالم، وبذلك تمَّتْ لهم النعمة واكتملتْ لديهم وسائل الحياة الكريمة الآمنة الهانئة، فماذا كان منهم؟ هل استقبلوها بشكر الله؟ هل استخدموا نعمة عليهم في طاعته ومَرْضاته؟ لا.. بل:

{ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ.. } [النحل: 112].

أي: جحدت بهذه النعم، واستعملتها في مصادمة منهج الله وشريعته، فكانت النتيجة:

{ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [النحل: 112].

وكأن في الآية تحذيراً من الحق سبحانه لكل مجتمع كفر بنعمة الله، واستعمل النعمة في مصادمة منهجه سبحانه، فسوف تكون عاقبته كعاقبة هؤلاء.

{ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ.. } [النحل: 112].

من الذوق، نقول: ذاق وتذوَّق الطعام إذا وضعه على لسانه وتذوَّقه. والذَّوْق لا يتجاوز حلمات اللسان. إذن: الذوْق خاصٌّ بطعْم الأشياء، لكن الله سبحانه لم يقُلْ: أذاقها طعم الجوع، بل قال:

{ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ.. } [النحل: 112].

فجعل الجوع والخوف وكأنهما لباسٌ يلبسه الإنسان، والمتأمل في الآية يطالع دقّة التعبير القرآني، فقد يتحول الجوع والخوف إلى لباس يرتديه الجائع والخائف، كيف ذلك؟

الجوع يظهر أولاً كإحساس في البطن، فإذا لم يجد طعاماً عوّض من المخزون في الجسم من شحوم، فإذا ما انتهتْ الشحوم تغذَّى الجسم على اللحم، ثم بدأ ينحت العظام، ومع شدة الجوع نلاحظ على البشرة شحوباً، وعلى الجلد هُزَالاً وذبولاً، ثم ينكمش ويجفّ، وبذلك يتحول الجوع إلى شكل خارجي على الجلد، وكأنه لباس يرتديه الجائع.

وتستطيع أن تتعرف على الجوع ليس من بطن الجائع، ولكن من هيئته وشُحوب لونه وتغيُّر بشرته، كما قال تعالى عن الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض:
{  تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً.. }
[البقرة: 273].

وكذلك الخوف وإنْ كان موضعه القلب، إلا أنه يظهر على الجسم كذلك، فإذا زاد الخوف ترتعد الفرائص، فإذا زاد الخوف يرتعش الجسم كله، فيظهر الخوف عليه كثوب يرتديه.

وهكذا جَسَّد لنا التعبير القرآني هذه الأحاسيس الداخلية، وجعلها محسوسة تراها العيون، ولكنه أدخلها تحت حاسَّة التذوق؛ لأنها أقوى الحواسّ.

وفي تشبيه الجوع والخوف باللباس ما يُوحي بشمولهما الجسم كله، كما يلفّه اللباس فليس الجوع في المعدة فقط، وليس الخوف في القلب فقط.ومن ذلك ما اشتُهِر بين المحبين والمتحدثين عن الحب أن محله القلب، فنراهم يتحدثون عن القلوب، كما قال الشاعر:
خَطَرَاتُ ذِكْرِكَ تَسْتَسِيغُ مَودَّتي   فَأُحِسُّ مِنْها في الفُؤادِ دَبِيبَا
فإذا ما زاد الحب وتسامى، وارتقت هذه المشاعر، تحوَّل الحب من القلب، وسكَن جميع الجوارح، وخالط كل الأعضاء، على حَدِّ قول الشاعر:
لاَ عُضْو لِي إِلاَّ وَفِيهِ صَبَابةٌ   فَكأنَّ أَعْضَائِي خُلِقْنَ قُلُوبَا
وقوله: { بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [النحل: 112].

أي: أن الحق سبحانه ما ظلمهم وما تجنَّى عليهم، بل ما أصابهم هو نتيجة عملهم وصدودهم عن سبيل الله، وكفرهم بأنعمه، فحبسها الله عنهم، فهم الذين قابلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصُّدود والجحود والنكران، وتعرَّضوا له ولأصحابه بالإيذاء وبيَّتوا لقتله، حتى دعا عليهم قائلاً: " اللهم اشْدُدْ وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ".

فاستجاب الحق سبحانه لنبيه، وألبسهم لباس الجوع والخوف، حتى إنهم كانوا يأكلون الجيف، ويخلطون الشعر والوبر بالدم فيأكلوه.

وظلوا على هذا الحال سبع سنين حتى ضَجُّوا، وبلغ بهم الجَهْد والضَّنْك مُنْتهاه، فأرسلوا وفداً منهم لرسول الله، فقالوا: هذا عملك برجال مكة، فما بال صبيانها ونسائها؟ فكان صلى الله عليه وسلم يرسل لهم ما يأكلونه من الحلال الطيب.

أما لباس الخوف فتمثَّل في السرايا التي كان يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لترهبهم وتزعجهم؛ ليعلموا أن المسلمين أصبحتْ لهم قوة وشوكة.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ... }.


www.alro7.net