سورة
اية:

وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى { يومئذ} أي يوم القيامة { لا تنفع الشفاعة} أي عنده { إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} ، كقوله: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} . وقوله: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} ، وقال: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} . وفي الصحيحين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (آتي تحت العرش وأخِرُّ للّه ساجداً، ويفتح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء أن يدعني ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع تشفع، قال: فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة ثم أعود)، فذكر أربع مرات صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء. وقوله: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي يحيط علماً بالخلائق كلهم { ولا يحيطون به علما} كقوله: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} ، وقوله: { وعنت الوجوه للحي القيوم} . قال ابن عباس وغير واحد من السلف: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه لا قوام له إلا به. وقوله: { وقد خاب من حمل ظلما} أي يوم القيامة فإن اللّه سيؤدي كل حق إلى صاحبه حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، وفي الحديث: (يقول اللّه عزَّ وجلَّ: وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم). وقوله: { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} لما ذكر الظالمين ووعيدهم ثَّنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون أي لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد، فالظلم الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم: النقص.

تفسير الجلالين

{ وعنت الوجوه } خضعت { للحي القيوم } أي الله { وقد خاب } خسر { من حَمَلَ ظلماً } أي شركاً .

تفسير الطبري

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : اسْتَسَرَّتْ وُجُوه الْخَلْق , وَاسْتَسْلَمَتْ للْحَيّ الْقَيُّوم الَّذي لَا يَمُوت , الْقَيُّوم عَلَى خَلْقه بتَدْبيره إيَّاهُمْ , وَتَصْريفهمْ لمَا شَاءُوا . وَأَصْل الْعنْو الذُّلّ , يُقَال منْهُ : عَنَا وَجْهه لرَبّه يَعْنُو عنْوًا , يَعْني خَضَعَ لَهُ وَذَلَّ , وَكَذَلكَ قيلَ للْأَسير : عَانٍ لذلَّة الْأَسْر . فَأَمَّا قَوْلهمْ : أَخَذَتْ الشَّيْء عَنْوَة , فَإنَّهُ يَكُون وَإنْ كَانَ مَعْنَاهُ يَئُول إلَى هَذَا أَنْ يَكُون أَخْذه غَلَبَة , وَيَكُون أَخْذه عَنْ تَسْليم وَطَاعَة , كَمَا قَالَ الشَّاعر : هَلْ أَنْتَ مُطيعي أَيّهَا الْقَلْب عَنْوَة وَلَمْ تَلَحْ نَفْس لَمْ تَلُمْ في اخْتيَالهَا وَقَالَ آخَر : فَمَا أَخَذُوهَا عَنْوَة عَنْ مَوَدَّة وَلَكنْ بحَدّ الْمَشْرَفيّ اسْتَقَالَهَا وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18370 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } يَقُول : ذَلَّتْ . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثَنَى أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } يَعْني بعَنَتْ : اسْتَسْلَمُوا لي . 18371 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه } قَالَ : خَشَعَتْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . 18372 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } أَيْ ذَلَّتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : ذَلَّتْ الْوُجُوه . 18373 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبيه , قَالَ : قَالَ طَلْق : إذَا سَجَدَ الرَّجُل فَقَدْ عَنَا وَجْهه , أَوْ قَالَ : عَنَا . * - حَدَّثَني أَبُو حصْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد , قَالَ : ثنا عَبْثَر , قَالَ : ثنا حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ طَلْق بْن حَبيب , في هَذه الْآيَة : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : هُوَ وَضْع الرَّجُل رَأْسه وَيَدَيْه وَأَطْرَاف قَدَمَيْه . * - حَدَّثَني أَبُو السَّائب , قَالَ : ثنا ابْن فُضَيْل , عَنْ لَيْث , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَا : وَهُوَ وَضْعك جَبْهَتك وَكَفَّيْك وَرُكْبَتَيْك وَأَطْرَاف قَدَمَيْك في السُّجُود . * - حَدَّثَنَا خَلَّاد بْن أَسْلَمَ , قَالَ ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : وَضْع الْجَبْهَة وَالْأَنْف عَلَى الْأَرْض . * - حَدَّثَني يَعْقُوب : قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مَرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب , في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : هُوَ السُّجُود عَلَى الْجَبْهَة وَالرَّاحَة وَالرُّكْبَتَيْن وَالْقَدَمَيْن . 18374 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : أَسْتَأْسَرَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم , صَارُوا أَسَارَى كُلّهمْ لَهُ . قَالَ : وَالْعَاني : الْأَسير . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحَيّ الْقَيُّوم فيمَا مَضَى , بمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته هَاهُنَا . الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } . يَقُول تَعَالَى ذكْره : اسْتَسَرَّتْ وُجُوه الْخَلْق , وَاسْتَسْلَمَتْ للْحَيّ الْقَيُّوم الَّذي لَا يَمُوت , الْقَيُّوم عَلَى خَلْقه بتَدْبيره إيَّاهُمْ , وَتَصْريفهمْ لمَا شَاءُوا . وَأَصْل الْعنْو الذُّلّ , يُقَال منْهُ : عَنَا وَجْهه لرَبّه يَعْنُو عنْوًا , يَعْني خَضَعَ لَهُ وَذَلَّ , وَكَذَلكَ قيلَ للْأَسير : عَانٍ لذلَّة الْأَسْر . فَأَمَّا قَوْلهمْ : أَخَذَتْ الشَّيْء عَنْوَة , فَإنَّهُ يَكُون وَإنْ كَانَ مَعْنَاهُ يَئُول إلَى هَذَا أَنْ يَكُون أَخْذه غَلَبَة , وَيَكُون أَخْذه عَنْ تَسْليم وَطَاعَة , كَمَا قَالَ الشَّاعر : هَلْ أَنْتَ مُطيعي أَيّهَا الْقَلْب عَنْوَة وَلَمْ تَلَحْ نَفْس لَمْ تَلُمْ في اخْتيَالهَا وَقَالَ آخَر : فَمَا أَخَذُوهَا عَنْوَة عَنْ مَوَدَّة وَلَكنْ بحَدّ الْمَشْرَفيّ اسْتَقَالَهَا وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18370 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } يَقُول : ذَلَّتْ . * - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثَنَى أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } يَعْني بعَنَتْ : اسْتَسْلَمُوا لي . 18371 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه } قَالَ : خَشَعَتْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . 18372 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } أَيْ ذَلَّتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : ذَلَّتْ الْوُجُوه . 18373 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبيه , قَالَ : قَالَ طَلْق : إذَا سَجَدَ الرَّجُل فَقَدْ عَنَا وَجْهه , أَوْ قَالَ : عَنَا . * - حَدَّثَني أَبُو حصْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد , قَالَ : ثنا عَبْثَر , قَالَ : ثنا حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ طَلْق بْن حَبيب , في هَذه الْآيَة : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : هُوَ وَضْع الرَّجُل رَأْسه وَيَدَيْه وَأَطْرَاف قَدَمَيْه . * - حَدَّثَني أَبُو السَّائب , قَالَ : ثنا ابْن فُضَيْل , عَنْ لَيْث , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَا : وَهُوَ وَضْعك جَبْهَتك وَكَفَّيْك وَرُكْبَتَيْك وَأَطْرَاف قَدَمَيْك في السُّجُود . * - حَدَّثَنَا خَلَّاد بْن أَسْلَمَ , قَالَ ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : وَضْع الْجَبْهَة وَالْأَنْف عَلَى الْأَرْض . * - حَدَّثَني يَعْقُوب : قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مَرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب , في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : هُوَ السُّجُود عَلَى الْجَبْهَة وَالرَّاحَة وَالرُّكْبَتَيْن وَالْقَدَمَيْن . 18374 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : أَسْتَأْسَرَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم , صَارُوا أَسَارَى كُلّهمْ لَهُ . قَالَ : وَالْعَاني : الْأَسير . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحَيّ الْقَيُّوم فيمَا مَضَى , بمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته هَاهُنَا .' وَقَوْله : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَمْ يَظْفَر بحَاجَته وَطُلْبَته مَنْ حَمَلَ إلَى مَوْقف الْقيَادَة شرْكًا باَللَّه , وَكُفْرًا به , وَعَمَلًا بمَعْصيَته . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في تَأْويل ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18375 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } قَالَ : مَنْ حَمَلَ شرْكًا . 18376 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } قَالَ : مَنْ حَمَلَ شرْكًا , الظُّلْم هَاهُنَا : الشّرْك . وَقَوْله : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَمْ يَظْفَر بحَاجَته وَطُلْبَته مَنْ حَمَلَ إلَى مَوْقف الْقيَادَة شرْكًا باَللَّه , وَكُفْرًا به , وَعَمَلًا بمَعْصيَته . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في تَأْويل ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18375 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } قَالَ : مَنْ حَمَلَ شرْكًا . 18376 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } قَالَ : مَنْ حَمَلَ شرْكًا , الظُّلْم هَاهُنَا : الشّرْك . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وعنت الوجوه} أي ذلت وخضعت؛ قاله ابن الأعرابي وغيره. ومنه قيل للأسير عان. قال أمية بن أبي الصلت : مليك على عرش السماء مهيمن ** لعزته تعنو الوجوه وتسجد وقال أيضا : وعنا له وجهي وخلقي كله ** في الساجدين لوجهه مشكورا قال الجوهري عنا يعنو خضع وذل وأعناه غيره؛ ومنه قوله تعالى { وعنت الوجوه للحي القيوم} . ويقال أيضا : عنا فيهم فلان أسيرا؛ أي قام فيهم على إساره واحتبس. وعناه غيره تعنية حبسه. والعاني الأسير. وقوم عناة ونسوة عوان. وعنت أمور نزلت. وقال ابن عباس { عنت} ذلت. وقال مجاهد : خشعت. الماوردي : والفرق بين الذل والخشوع - وإن تقارب معناهما - أن الذل أن يكون ذليل النفس، والخشوع أن يتذلل لذي طاعة. وقال الكلبي { عنت} أي علمت. عطية العوفي : استسلمت. وقال طلق بن حبيب : إنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود. النحاس { وعنت الوجوه} في معناه قولان : أحدهما : أن هذا في الآخرة. وروى عكرمة عن ابن عباس { وعنت الوجوه للحي القيوم} قال : الركوع والسجود؛ ومعنى { عنت} اللغة القهر والغلبة؛ ومنه فتحت البلاد عنوة أي غلبة؛ قال الشاعر : فما أخذوها عنوة عن مودة ** ولكن ضرب المشرفي استقالها وقيل : هو من العناء بمعنى التعب؛ وكنى عن الناس بالوجوه؛ لأن آثار الذل إنما تتبين في الوجه. { للحي القيوم} وفي القيوم ثلاث تأويلات؛ أحدهما : أنه القائم بتدبير الخلق. الثاني : أنه القائم على كل نفس بما كسبت. الثالث : أنه الدائم الذي لا يزول ولا يبيد. وقد مضى في { البقرة} . { وقد خاب من حمل ظلما} أي خسر من حمل شركا. قوله تعالى { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} لأن العمل لا يقبل من غير إيمان. و { من} في قوله { من الصالحات} للتبعيض؛ أي شيئا من الصالحات. وقيل للجنس. { فلا يخاف} قرأ ابن كثير ومجاهد وابن محيص { يخف} بالجزم جوابا لقوله { ومن يعمل} . الباقون { يخاف} رفعا على الخبر؛ أي فهو لا يخاف؛ أو فإنه لا يخاف. { ظلما} أي نقصا لثواب طاعته، ولا زيادة عليه في سيئاته. { ولا هضما} بالانتقاص من حقه. والهضم النقص والكسر؛ يقال : هضمت ذلك من حقي أي حططته وتركته. وهذا يهضم الطعام أي ينقص ثقله. وامرأة هضيم الكشح ضامرة البطن. الماوردي : والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، والهضم المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه؛ قال المتوكل الليثي : إن الأذلة واللئام لمعشر ** مولاهم المتهضم المظلوم قال الجوهري ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم. وتهضمه أي ظلمه واهتضمه إذا ظلمه وكسر عليه حقه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة طه الايات 105 - 114

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الوجه أشرف وأكرم شيء في تكوين الإنسان، وهو الذي يُعطِي الشخص سِمَته المميزة؛ لذلك يحميه الإنسان ويحفظه، ألاَ ترى لو أصاب وجهك غُبَار أو تراب أو طين مثلاً تمسحه بيدك، لم تزِدْ على أنك جعلْتَ ما في وجهك في يدك لماذا؟ لأنه أشرف شيء فيك.

لذلك، كان السجود لله تعالى في الصلاة علامة الخضوع والخشوع والذلَّة والانكسار له عز وجل، ورضيتَ أن تضع أشرف جزءٍ فيك على الأرض وتباشر به التراب، والإنسان لا يعنُو بوجهه إلا لمَنْ يعتقد اعتقاداً جازماً بأنه يستحقُّ هذا السجود، وأن السجود له وحده يحميه من السجود لغيره، كما قال الشاعر:
والسُّجُودُ الذِي تَجْتَوِيِه   مِن أُلُوفِ السُّجُودِ فيهِ نَجَاةُ
فاسْجُدْ لواحد يكْفك السجود لسواه، واعمل لوجه واحد يكْفك كل الأوْجُه.

وقوله: { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } [طه: 111] حمل: يعني أخذه عبئاً ثقيلاً عليه. والظلم في أصله أنْ تأخذَ خيراً ليس لك لتنتفع به وتزيد ما عندك، فأنت في الظاهر تزداد كما تظن، إنما الحقيقة أنك تُحمِّل نفسك وِزْراً وحملاً ثقيلاً، سوف تنوء به، وازددْتَ إثماً لا خيراً.

والظلم مراتب ودرجات، أدناها أنْ تأخذ ما ليس لك وإن كان حقيراً لا قيمة له، أو تظلم غيرك بأنْ تتناوله في عِرْضه، ثم ترقى الظلم إلى أنْ تصلَ به إلى القمة، وهو الشرك بالله، كما قال سبحانه:
{  إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
[لقمان: 13].

وهو عظيم؛ لأنك أخذتَ حقّاً لله تعالى، وأعطيته لغيره.

إذن: فحاول أن تَسْلَم من هذه الآفة؛ لأن الله قال فيها:
{  إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ }
[النساء: 48].

ثم يقول الحق سبحانه: { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ }


www.alro7.net