سورة
اية:

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ...} الآية. [110].
قال ابن عباس: نزلت في جُنْدُب بن زهير العامري، وذلك أنه قال: إني أعمل العمل لله، فإذا اطلع عليه سرني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ما شورِك، فيه. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال طاوس: قال رجل: يا نبي الله، إن أحب الجهاد في سبيل الله، وأحب أن يرى مكاني! فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مجاهد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أتصدق، وأصل الرَّحم، ولا أصنع ذلك إلا لله سبحانه وتعالى، فيذكر ذلك مني وأُحمد عليه، فيسرني ذلك وأُعجب به. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئاً، فأنزل الله تعالى: { فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً} .

تفسير بن كثير

يقول تعالى لرسوله محمد صلوات اللّه وسلامه عليه { قل} لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم { إنما أنا بشر مثلكم} ، فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق في نفس الأمر، لولا ما أطلعني اللّه عليه، وإنما أخبركم { أنما إلهكم} الذي أدعوكم إلى عبادته { إله واحد} لا شريك له، { فمن كان يرجو لقاء ربه} أي ثوابه وجزاءه الصالح { فليعمل عملا صالحا} ما كان موافقاً لشرع اللّه، { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وهو الذي يراد به وجه اللّه وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بدَّ أن يكون خالصاً للّه، صواباً على شريعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقد روي عن طاووس قال، قال رجل: يا رسول اللّه! إني أقف المواقف أريد وجه اللّه، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئاً، حتى نزلت هذه الآية { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ، وجاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه اللّه ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه اللّه ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه اللّه ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه اللّه ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس له شيء، إن اللّه تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي فيه. وروى الإمام أحمد، عن شداد بن أوس رضي اللّه عنه أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال شيء سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأبكاني. سمعت رسول اللّه يقول: (أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية)، قلت: يا رسول اللّه! أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: (نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه) ""أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه"". حديث آخر : قال الإمام أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم يرويه عن اللّه عزَّ وجلَّ أنه قال: (أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو للذي أشرك). حديث آخر : قال الإمام أحمد، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان من الصحابة أنه قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (إذا جمع اللّه الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله للّه أحداً فليطلب ثوابه من عند غير اللّه، فإن اللّه أغنى الشركاء عن الشرك) ""رواه أحمد والترمذي وابن ماجه"". حديث آخر : عن أنَس رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (تعرض أعمال بني آدم بين يدي اللّه عزَّ وجلَّ يوم القيامة، في صحف مُخَتََّمة، فيقول اللّه: ألقوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: يا رب، واللّه ما رأينا منه إلا خيراً، فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي) ""أخرجه الحافظ أبو بكر البزار"". وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه عزَّ وجلَّ) ""رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي"".

تفسير الجلالين

{ قل إنما أنا بشر } آدمي { مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد } أن المكفوفة بما باقية على مصدريتها والمعنى: يوحى إليَّ وحدانية الإله { فمن كان يرجو } يأمل { لقاء ربه } بالبعث والجزاء { فليعمل عملاً صالحا ولا يشرك بعبادة ربه } أي فيها بأن يرائي { أحدا } .

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} أي لا أعلم إلا ما يعلمني الله تعالى، وعلم الله تعالى لا يحصى، وإنما أمرت بأن أبلغكم بأنه لا إله إلا الله. { فمن كان يرجو لقاء ربه} أي يرجو رؤيته وثوابه ويخشى عقابه { فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} قال ابن عباس : نزلت في جندب بن زهير العامري قال : يا رسول الله إني أعمل العمل لله تعالى، وأريد وجه الله تعالى، إلا أنه إذا اطلع عليه سرني النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه) فنزلت الآية. وقال طاووس قال رجل : يا رسول الله! إني أحب الجهاد في سبيل الله تعالى وأحب أن يرى مكاني فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد : جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله! إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت رسو الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئا، فأنزل الله تعالى { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} . قلت : والكل مراد، والآية تعم ذلك كله وغيره من الأعمال. وقد تقدم في سورة [هود] حديث أبي هريرة الصحيح في الثلاثة الذين يقضى عليهم أول الناس وقد تقدم في سورة [النساء] الكلام على الرياء، وذكرنا من الأخبار هناك ما فيه كفاية. وقال الماوردي وقال جميع أهل التأويل : معنى قوله تعالى { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} إنه لا يرائي بعمله أحدا. وروى الترمذي الحكيم رحمه الله تعالى في (نوادر الأصول) قال : حدثنا أبي رحمه الله تعالى قال : حدثنا مكي بن إبراهيم قال : حدثنا عبدالواحد بن زيد عن عبادة بن نسي قال : أتيت شداد بن أوس في مصلاه وهو يبكي، فقلت : ما الذي أبكاك يا أبا عبدالرحمن؟ قال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، إذ رأيت بوجهه أمرا ساءني فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما الذي أرى بوجهك؟ قال : (أمرا أتخوفه على أمتي من بعدي) قلت : ما هو يا رسول الله؟ قال : (الشرك والشهوة الخفية) قلت : يا رسول الله! وتشرك أمتك من بعدك؟ قال : (يا شداد أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ولكنهم يراؤون بأعمالهم) قلت : والرياء شرك هو؟ قال : (نعم). قلت : فما الشهوة الخفية؟ قال : (يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوات الدنيا فيفطر) قال عبدالواحد : فلقيت الحسن، فقلت : يا أبا سعيد! أخبرني عن الرياء أشرك هو؟ قال : نعم؛ أما تقرأ { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} . وروى إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن أبي بكر قال حدثنا المعتمر بن سليمان عن ليث عن شهر بن حوشب قال : (كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس جالسين، فقالا : إنا نتخوف على هذه الأمة من الشرك والشهوة الخفية، فأما الشهوة الخفية فمن قبل النساء). وقالا : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك ومن صام صياما يرائي به فقد أشرك) ثم تلا { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} . قلت : وقد جاء تفسير الشهوة الخفية بخلاف هذا، وقد ذكرناه في [النساء]. وقال سهل بن عبدالله : وسئل الحسن عن الإخلاص والرياء فقال : من الإخلاص أن تحب أن تكتم حسناتك ولا تحب أن تكتم سيئاتك، فإن أظهر الله عليك حسناتك تقول هذا من فضلك وإحسانك، وليس هذا من فعلي ولا من صنيعي، وتذكر قوله تعالى { فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} . { والذين يؤتون ما آتوا} [المؤمنون : 10] الآية؛ يؤتون الإخلاص، وهم يخافون ألا يقبل منهم؛ وأما الرياء فطلب حظ النفس من عملها في الدنيا؛ قيل له : كيف يكون هذا؟ قال : من طلب بعمل بينه وبين الله تعالى سوى وجه الله تعالى والدار الآخرة فهو رياء. وقال علماؤنا رضي الله تعالى عنهم : وقد يقضي الرياء بصاحبه إلى استهزاء الناس به؛ كما يحكى أن طاهر بن الحسين قال لأبي عبدالله المروزي : منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبدالله؟ قال : دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم؛ فقال يا أبا عبدالله سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين. وحكى الأصمعي أن أعرابيا صلى فأطال وإلى جانبه قوم، فقالوا : ما أحسن صلاتك؟ ! فقال : وأنا مع ذلك صائم. أين هذا من قول الأشعث، بن قيس وقد صلى فخفف، فقيل له إنك خففت، فقال : إنه لم يخالطها رياء؛ فخلص من تنقصهم بنفي الرياء عن نفسه، والتصنع من صلاته؛ وقد تقدم في [النساء] دواء الرياء من قول لقمان؛ وأنه كتمان العمل، وروى الترمذي الحكيم حدثنا أبي رحمه الله تعالى قال : أنبأنا الحماني قال : أنبأنا جرير عن ليث عن شيخ عن معقل بن يسار قال قال أبو بكر وشهد به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك، قال : (هو فيكم أخفى من دبيب النمل وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره تقول اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم تقولها ثلاث مرات). وقال عمر بن قيس الكندي سمعت معاوية تلا هذه الآية على المنبر { فمن كان يرجو لقاء ربه} فقال : إنها لآخر آية نزلت من السماء. وقال عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أوحى إلي أنه من قرأ { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا} رفع له نور ما بين عدن إلى مكة حشوه الملائكة يصلون عليه ويستغفرون له). وقال معاذ بن جبل قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء) وعن ابن عباس أنه قال له رجل : إني أضمر أن أقوم ساعة من الليل فيغلبني النوم، فقال : (إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل فاقرأ إذا أخذت مضجعك { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} إلى آخر السورة فإن الله تعالى يوقظك متى شئت من الليل)؛ ذكر هذه الفضائل الثعلبي رضي الله تعالى عنه. وفي مسند الدارمي أبي محمد أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن عبدة عن زر بن حبيش قال من قرأ آخر سورة الكهف لساعة أن يقوم من الليل قامها؛ قال عبدة فجربناه فوجدناه كذلك قال ابن العربي : كان شيخنا الطرطوشي الأكبر يقول : لا تذهب بكم الأزمان في مصاولة الأقران، ومواصلة الإخوان؛ وقد ختم سبحانه وتعالى البيان بقوله { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 101 - 110

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

(قُلْ) أي: يا محمد، وهذا كلام جديد { قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ... } [الكهف: 110] يعني: خُذُوني أُسْوة، فأنا لست ملَكاً إنما أنا بشر مثلكم، وحملتُ نفسي على المنهج الذي أطالبكم به، فأنا لا آمركم بشيء وأنا عنه بنجْوَى. بل بالعكس كان صلى الله عليه وسلم أقلَّ الناس حَظّاً من مُتَعِ الحياة وزينتها.

فكان في المؤمنين به الأغنياء الذين يتمتعون بأطايب الطعام ويرتدُونَ أغْلى الثياب في حين كان صلى الله عليه وسلم يمر عليه الشهر والشهران دون أنْ يُوقَد في بيته نار لطعام، وكان يرتدي المرقّع من الثياب، كما أن أولاده لا يرثونه، كما يرث باقي الناس، ولا تحل لهم الزكاة كغيرهم، فحُرِموا من حَقٍّ تمتع به الآخرون.

لذلك كان صلى الله عليه وسلم أدنى الأسوات أي: أقل الموجودين في مُتع الحياة وزُخْرفها، وهذا يلفتنا إلى أن الرسالة لم تُجْرِ لمحمد نفعاً دنيوياً، ولم تُميِّزه عن غيره في زَهْرة الدنيا الفانية، إنما مَيَّزتْه في القيم والفضائل.

ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يقول: " يرد عليَّ ـ يعني من الأعلى ـ فأقول: أنا لست مثلكم، ويؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ".

والآية هنا لا تميزه صلى الله عليه وسلم عن البشر إلا في أنه: { يُوحَىٰ إِلَيَّ } [الكهف: 110] فما زاد محمد عن البشر إلا أنه يُوحَى إليه.

ثم يقول تعالى: { أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } [الكهف: 110] أنما: أداة قَصْر { إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } [الكهف: 110] أي: لا إله غيره، وهذه قِمَّة المسائل، فلا تلتفتوا إلى إله غيره، ومن أعظم نعم الله على الإنسان أنْ يكونَ له إله واحد، وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلاً ليوضح لنا هذه المسألة فقال تعالى:


{  ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً }
[الزمر: 29].

فلا يستوي عبد مملوك لعدة أسياد يتجاذبونه؛ لأنهم متشاكسون مختلفون يَحَارُ فيما بينهم، إنْ أرضي هذا سخط ذاك. هل يستوي وعبد مملوك لسيد واحد؟ إذن: فمما يُحمَد الله عليه أنه إله واحد.

{ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ } [الكهف: 110] الناس يعملون الخير لغايات رسمها الله لهم في الجزاء، ومن هذه الغايات الجنة ونعيمها، لكن هذه الآية تُوضّح لنا غاية أَسْمى من الجنة ونعيمها، هي لقاء الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم، فقوله تعالى: { يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهًِ } [الكهف: 110] تصرف النظر عن النعمة إلى المنعم تبارك وتعالى.

فمن أراد لقاء ربه لا مُجرَّد جزائه في الآخرة: { فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً } [الكهف: 110] فهذه هي الوسيلة إلى لقاء الله؛ لأن العمل الصالح دليل على أنك احترمتَ أمر الآخر بالعمل، ووثقتَ من حكمته ومن حُبِّه لك فارتاحتْ نفسك في ظلِّ طاعته، فإذا بك إذا أويْتَ إلى فراشك تستعرض شريط أعمالك، فلا تجد إلا خيراً تسعَدُ به نفسك، وينشرح له صدرك، ولا تتوجَّس شراً من أحد، ولا تخاف عاقبة أمر لا تُحمَدُ عقباه، فمَنِ الذي أنعم عليك بكل هذه النعم ووفَّقك لها؟

ثم: { وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً } [الكهف: 110] وسبق أن قُلْنا: إن الجنة أحد، فلا تشرك بعبادة الله شيئاً، ولو كان هذا الشيء هو الجنة، فعليك أنْ تسموَ بغاياتك، لا إلى الجنة بل إلى لقاء ربها وخالقها والمنعِم بها عليك.وقد ضربنا لذلك مثلاً بالرجل الذي أعدَّ وليمة عظيمة فيها أطايب الطعام والشراب، ودعا إليها أحبابه فلما دخلوا شغلهم الطعام إلا واحداً لم يهتم بالطعام والشراب، وسأل عن صاحب الوليمة ليُسلِّم عليه ويأنس به.

وما أصدق ما قالته رابعة العدوية:
كُلُّهم يَعبدُونَ مِنْ خَوْفِ   نارٍ ويروْنَ النَّجاةَ حَظَّا جَزِيلاً
أَوْ بأنْ يسكنُوا الجِنَان فيحظَوْاَ   بقصُورٍ ويشْرَبُوا سَلْسَبِيلا
ليسَ لِي بالجنَانِ والنَّارِ حظُّ   أنَا لا ابتغِي بحُبِّي بَدِيلا
وهذا يشرح لنا الحديث القدسي: " لوْ لَم أخلق جنة وناراً، أما كنتُ أَهْلاً لأنْ أُعْبَد؟ ".

فلا ينبغي للعبد أن يكون نفعياً حتى في العبادة، والحق سبحانه وتعالى أهْل بذاته لأن يُعبد، لا خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، فاللهم ارزقنا هذه المنزلة، واجعلنا برحمتك من أهلها.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net