سورة
اية:

اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { اللّه يبدأ الخلق ثم يعيده} أي كما هو قادر على بداءته فهو قادر على إعادته، { ثم إليه ترجعون} أي يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله، ثم قال: { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} قال ابن عباس: ييأس المجرمون، وقال مجاهد: يفتضح المجرمون، وفي رواية يكتئب المجرمون، { ولم يكن له من شركائهم شفعاء} أي ما شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون اللّه تعالى وكفروا بهم وخانوهم أحوج ما كانوا إليهم، ثم قال تعالى: { ويوم تقوم الساعة يؤمئذ يتفرقون} قال قتادة: هي واللّه الفرقة التي لا اجتماع بعدها، يعني أنه إذا رفع هذا إلى عليين وخفض هذا إلى أسفل سافلين، فذلك آخر العهد بينهما، ولهذا قال تعالى: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون} قال مجاهد وقتادة: ينعمون.

تفسير الجلالين

{ الله يبدأ الخلق } أي: ينشئ خلق الناس { ثم يعيده } أي خلقهم بعد موتهم { ثم إليه يرجعون } بالياء والتاء.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه يَبْدَأ الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اللَّه تَعَالَى يَبْدَأ إِنْشَاء جَمِيع الْخَلْق مُنْفَرِدًا بِإِنْشَائِهِ مِنْ غَيْر شَرِيك وَلَا ظَهِير , فَيُحْدِثهُ مِنْ غَيْر شَيْء , بَلْ بِقُدْرَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ , ثُمَّ يُعِيدهُ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْد إِفْنَائِهِ وَإِعْدَامه , كَمَا بَدَأَهُ خَلْقًا سَوِيًّا , وَلَمْ يَكُ شَيْئًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه يَبْدَأ الْخَلْق ثُمَّ يُعِيدهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اللَّه تَعَالَى يَبْدَأ إِنْشَاء جَمِيع الْخَلْق مُنْفَرِدًا بِإِنْشَائِهِ مِنْ غَيْر شَرِيك وَلَا ظَهِير , فَيُحْدِثهُ مِنْ غَيْر شَيْء , بَلْ بِقُدْرَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ , ثُمَّ يُعِيدهُ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْد إِفْنَائِهِ وَإِعْدَامه , كَمَا بَدَأَهُ خَلْقًا سَوِيًّا , وَلَمْ يَكُ شَيْئًا' { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يَقُول : ثُمَّ إِلَيْهِ مِنْ بَعْد إِعَادَتهمْ خَلْقًا جَدِيدًا يُرَدُّونَ , فَيُحْشَرُونَ لِفَصْلِ الْقَضَاء بَيْنهمْ و { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } 53 31 { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يَقُول : ثُمَّ إِلَيْهِ مِنْ بَعْد إِعَادَتهمْ خَلْقًا جَدِيدًا يُرَدُّونَ , فَيُحْشَرُونَ لِفَصْلِ الْقَضَاء بَيْنهمْ و { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } 53 31 '

تفسير القرطبي

قرأ أبو عمرو وأبو بكر { يرجعون} بالياء. الباقون بالتاء. { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي { يبلس} بفتح اللام؛ والمعروف في اللغة : أبلس الرجل إذا سكت وانقطعت حجته، ولم يؤمل أن يكون له حجة. وقريب منه : تحير؛ كما قال العجاج : يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ** قال نعم أعرفه وأبلسا وقد زعم بعض النحويين أن إبليس مشتق من هذا، وأنه أبلس لأنه انقطعت حجته. النحاس : ولو كان كما قال لوجب أن ينصرف، وهو في القرآن غير منصرف. الزجاج : المبلس الساكت المنقطع في حجته، اليائس من أن يهتدي إليها. { ولم يكن لهم من شركائهم} أي ما عبدوه من دون الله { شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين} قالوا ليسوا بآلهة فتبرؤوا منها وتبرأت منهم؛ حسبما تقدم في غير موضع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الروم الايات 8 - 18

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هل بدأ الله الخلق بالفعل، أم مازال يبدأ الخلق؟ الأسلوب هنا أسلوب ربٍّ يتكلم، فهو سبحانه بدأ الخَلْق أصوله أولاً، وما يزال خالقاً سبحانه، وما دام هو الذي خلق بَدْءاً، فهو الذي يعيد { ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.... } [الروم: 11].

وفي أعراف البشر أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ لأن الابتداء يكون من عدم، أما الإعادة فمن موجود، لذلك يقول الحق سبحانه:
{  وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ... }
[الروم: 27] أي: بمقاييسكم وعلى قَدْر فَهْمكم، لكن في الحقيقة ليس هناك هَيِّن وأهون في حقه تعالى؛ لأنه سبحانه لا يفعل بمزاولة الأشياء وعلاجها، إنما بكُنْ فيكون، لكن يخاطبنا سبحانه على قَدْر عقولنا.

فالحق سبحانه بدأ الخلق وما يزال سبحانه يخلق، وانظر مثلاً إلى الزرع تحصده وتأخذ منه التقاوي للعام القادم، وهكذا في دورة مستمرة بين بَدْء وإعادة { ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ... } [الروم: 11].

وسبق أنْ ضربنا مثلاً بالوردة الغضَّة الطرية بما فيه من جمال في المنظر والرائحة، فإذا ما قُطِفتْ جفَّتْ، لأن المائية التي بها تبخرتْ، وكذلك رائحتها ولونها انتشر في الأثير، ثم يتفتت الباقي ويصير تراباً، فإذا ما زرعت وردة جديدة أخذت من المائية التي تبخرت ومن اللون ومن الرائحة التي في الجو.

وهكذا تبدأ دورة وتنتهي أخرى؛ لأن مُقوِّمات الحياة التي خلقها الله هي هي في الكون، لا تزيد ولا تنقص، فالماء في الكون كما هو منذ خلقه الله: هَبْ أنك شربت طوال حياتك عشرين طناً من الماء، هل تحمل معك هذا الماء الآن؟ لا إنما تَمَّ إخراجه على هيئة عرق وبول ومخاط وصماخ أذن.. إلخ، وهذا كله تبخَّر ليبدأ دورة جديدة.

ثم يقول سبحانه: { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [الروم: 11] نلحظ أن الكلام هنا عن الخَلْق { ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ... } [الروم: 11] لكن انتقل السياق من المفرد إلى الجمع { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [الروم: 11] ولم يقل يرجع أي: الخلْق، فلماذا؟

قالوا: لأن الناس جميعاً لا يختلفون في بَدْء الخلق ولا في إعادته، لكن يختلفون في الرجوع إلى الله، فهذا مؤمن، وهذا كافر، هذا طائع، وهذا عاصٍ، وهذا بين بين، ففي حال الرجوع إلى الله ستفترق هذه الوحدة إلى طريقين: طريق للسعداء، وطريق للأشقياء، لذلك لزم صيغة الإفراد في البَدْء وفي الإعادة، وانتقل إلى الجمع في الرجوع إلى الله لاختلافهم في الرجوع

ثم يقول الحق سبحانه: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ... }.


www.alro7.net