سورة
اية:

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من اللّه ورضوان، ومن بنى مسجد ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين، فإنما يبني هؤلاء بنيانهم على شفا جرف هار، أي طرف حفيرة في نار جهنم، { واللّه لا يهدي القوم الظالمين} أي لا يصلح عمل المفسدين، قال جابر: رأيت المسجد الذي بني ضراراً يخرج منه الدخان على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالاً حفروا فوجدوا الدخان الذي يخرج منه، وكذا قال قتادة. وقال خلف الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره اللّه تعالى في القرآن، وفيه جحر يخرج منه الدخان وهو اليوم مزبلة، وقوله تعالى: { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم} أي شكاً ونفاقاً بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع، أورثهم نفاقاً في قلوبهم كما أُشرِب عابدو العجلِ حبَّه، وقوله: { إلا أن تقطع قلوبهم} أي بموتهم، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد من السلف، { واللّه عليم} أي بأعمال خلقه، { حكيم} في مجازاتهم عنها من خير وشر.

تفسير الجلالين

{ أفمن أسَّس بنيانه على تقوى } مخافة { من الله } رجاء { ورضوان } منه { خيرٌ أم من أسَّس بنيانه على شفا } طرف { جُرُفِ } بضم الراء وسكونها، جانب { هارِ } مشرف على السقوط { فانهار به } سقط مع بانيه { في نار جهنم } خير تمثيل لبناء على ضد التقوى بما يؤول إليه، والاستفهام للتقرير، أي الأول خير وهو مثال مسجد قباء، والثاني مثال مسجد الضرار { والله لا يهدي القوم الظالمين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّه وَرِضْوَان خَيْر أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بِهِ فِي نَار جَهَنَّم } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه } فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة : " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّه وَرِضْوَان خَيْر أَمَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانه " عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا . وَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّه وَرِضْوَان خَيْر أَمَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانه } عَلَى وَصْف مَنْ بِنَاء الْفَاعِل الَّذِي أَسَّسَ بُنْيَانه . وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب ; غَيْر أَنَّ قِرَاءَته بِتَوْجِيهِ الْفِعْل إِلَى " مَنْ " إِذْ كَانَ هُوَ الْمُؤَسِّس أَعْجَبَ إِلَيَّ. فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَا : أَيّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَنَوْا الْمَسَاجِد خَيْر أَيّهَا النَّاس عِنْدكُمْ الَّذِينَ اِبْتَدَءُوا بِنَاء مَسْجِدهمْ عَلَى اِتِّقَاء اللَّه بِطَاعَتِهِمْ فِي بِنَائِهِ وَأَدَاء فَرَائِضه وَرِضَا مِنْ اللَّه لِبِنَائِهِمْ مَا بَنُوهُ مِنْ ذَلِكَ وَفِعْلهمْ مَا فَعَلُوهُ خَيْر , أَمْ الَّذِينَ اِبْتَدَءُوا بِنَاء مَسْجِدهمْ عَلَى شَفَا جُرُف هَار , يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { عَلَى شَفَا جُرُف } عَلَى حَرْف جَرّ , وَالْجُرْف مِنْ الرَّكِيّ مَا لَمْ يُبْنَ لَهُ جَوْل . { هَار } يَعْنِي مُتَهَوِّر , وَإِنَّمَا هُوَ هَائِر وَلَكِنَّهُ قُلِبَ , فَأُخِّرَتْ يَاؤُهَا , فَقِيلَ هَار كَمَا قِيلَ : هُوَ شَاكّ السِّلَاح وَشَائِك , وَأَصْله مِنْ هَار يَهُور فَهُوَ هَائِر ; وَقِيلَ : هُوَ مِنْ هَار يُهَار : إِذَا اِنْهَدَمَ , وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ هَذِهِ اللُّغَة قَالَ : هَرْت يَا جُرُف ; وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ هَار يَهُور قَالَ : هُرْت يَا جُرُف ; وَإِنَّمَا هَذَا مَثَل . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَيّ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ خَيْر , وَأَيّ هَذَيْنِ الْبِنَاءَيْنِ أَثْبَت , أَمَّنْ اِبْتَدَأَ أَسَاس بِنَائِهِ عَلَى طَاعَة اللَّه وَعُلِمَ مِنْهُ بِأَنَّ بِنَاءَهُ لِلَّهِ طَاعَة وَاَللَّه بِهِ رَاضٍ , أَمْ مَنْ اِبْتَدَأَهُ بِنِفَاقٍ وَضَلَال وَعَلَى غَيْر بَصِيرَة مِنْهُ بِصَوَابِ فِعْله مِنْ خَطَئِهِ , فَهُوَ لَا يَدْرِي مَتَى يَتَبَيَّن لَهُ خَطَأ فِعْله وَعَظِيم ذَنْبه فَيَهْدِمهُ , كَمَا يَأْتِي الْبِنَاء عَلَى جُرُف رَكِيَّة لَا حَابِس لِمَاءِ السُّيُول عَنْهَا وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْمِيَاه تَرَى بِهِ التُّرَاب مُتَنَاثِرًا لَا تَلْبَث السُّيُول أَنْ تَهْدِمهُ وَتَنْثُرهُ ؟ يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَانْهَارَ بِهِ فِي نَار جَهَنَّم } يَعْنِي فَانْتَثَرَ الْجُرُف الْهَارِي بِبِنَائِهِ فِي نَار جَهَنَّم . كَمَا : 13405 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : فَانْهَارَ بِهِ قَوَاعِده فِي نَار جَهَنَّم. 13406 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَانْهَارَ بِهِ } يَقُول : فَخَرَّ بِهِ . 13407 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّه } إِلَى قَوْله : { فَانْهَارَ بِهِ فِي نَار جَهَنَّم } قَالَ : وَاَللَّه مَا تَنَاهَى أَنْ وَقَعَ فِي النَّار . ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ حُفِرَتْ بُقْعَة مِنْهُ فَرُئِيَ مِنْهَا الدُّخَان . 13408 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : بَنُو عَمْرو بْن عَوْف اِسْتَأْذَنُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بُنْيَانه , فَأَذِنَ لَهُمْ فَفَرَغُوا مِنْهُ يَوْم الْجُمْعَة فَصَلَّوْا فِيهِ الْجُمْعَة وَيَوْم السَّبْت وَيَوْم الْأَحَد . قَالَ : وَانْهَارَ يَوْم الِاثْنَيْنِ . قَالَ : وَكَانَ قَدْ اِسْتَنْظَرَهُمْ ثَلَاثًا : السَّبْت وَالْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ , فَانْهَارَ بِهِ فِي نَار جَهَنَّم , مَسْجِد الْمُنَافِقِينَ اِنْهَارَ فَلَمْ يَتَنَاهَ دُون أَنْ وَقَعَ فِي النَّار . قَالَ اِبْن جُرَيْج : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا حَفَرُوا فِيهِ , فَأَبْصَرُوا الدُّخَان يَخْرُج مِنْهُ . 13409 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار , عَنْ عَبْد اللَّه الدَّانَاج , عَنْ طَلْق بْن حَبِيب , عَنْ جَابِر , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا } قَالَ : رَأَيْت الْمَسْجِد الَّذِي بُنِيَ ضِرَارًا يَخْرُج مِنْهُ الدُّخَان عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَرْزُوق الْبَصْرِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو سَلَمَة , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار , عَنْ عَبْد اللَّه الداناج , قَالَ : ثني طَلْق الْعَنَزِيّ , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : رَأَيْت الدُّخَان يَخْرُج مِنْ مَسْجِد الضِّرَار . 13410 - حَدَّثَنِي سَلَّام بْن سَالِم الْخُزَاعِيّ , قَالَ : ثنا خَلَف بْن يَاسِين الْكُوفِيّ , قَالَ : حَجَجْت مَعَ أَبِي فِي ذَلِكَ الزَّمَان - يَعْنِي زَمَان بَنِي أُمَيَّة - فَمَرَرْنَا بِالْمَدِينَةِ , فَرَأَيْت مَسْجِد الْقِبْلَتَيْنِ - يَعْنِي مَسْجِد الرَّسُول - وَفِيهِ قِبْلَة بَيْت الْمَقْدِس . فَلَمَّا كَانَ زَمَان أَبِي جَعْفَر , قَالُوا : يَدْخُل الْجَاهِل فَلَا يَعْرِف الْقِبْلَة , فَهَذَا الْبِنَاء الَّذِي يَرَوْنَ جَرَى عَلَى يَد عَبْد الصَّمَد بْن عَلِيّ . وَرَأَيْت مَسْجِد الْمُنَافِقِينَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي الْقُرْآن , وَفِيهِ حَجَر يَخْرُج مِنْهُ الدُّخَان , وَهُوَ الْيَوْم مَزْبَلَة. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّه وَرِضْوَان خَيْر أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بِهِ فِي نَار جَهَنَّم } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه } فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة : " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّه وَرِضْوَان خَيْر أَمَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانه " عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا . وَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّه وَرِضْوَان خَيْر أَمَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانه } عَلَى وَصْف مَنْ بِنَاء الْفَاعِل الَّذِي أَسَّسَ بُنْيَانه . وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب ; غَيْر أَنَّ قِرَاءَته بِتَوْجِيهِ الْفِعْل إِلَى " مَنْ " إِذْ كَانَ هُوَ الْمُؤَسِّس أَعْجَبَ إِلَيَّ. فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَا : أَيّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَنَوْا الْمَسَاجِد خَيْر أَيّهَا النَّاس عِنْدكُمْ الَّذِينَ اِبْتَدَءُوا بِنَاء مَسْجِدهمْ عَلَى اِتِّقَاء اللَّه بِطَاعَتِهِمْ فِي بِنَائِهِ وَأَدَاء فَرَائِضه وَرِضَا مِنْ اللَّه لِبِنَائِهِمْ مَا بَنُوهُ مِنْ ذَلِكَ وَفِعْلهمْ مَا فَعَلُوهُ خَيْر , أَمْ الَّذِينَ اِبْتَدَءُوا بِنَاء مَسْجِدهمْ عَلَى شَفَا جُرُف هَار , يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { عَلَى شَفَا جُرُف } عَلَى حَرْف جَرّ , وَالْجُرْف مِنْ الرَّكِيّ مَا لَمْ يُبْنَ لَهُ جَوْل . { هَار } يَعْنِي مُتَهَوِّر , وَإِنَّمَا هُوَ هَائِر وَلَكِنَّهُ قُلِبَ , فَأُخِّرَتْ يَاؤُهَا , فَقِيلَ هَار كَمَا قِيلَ : هُوَ شَاكّ السِّلَاح وَشَائِك , وَأَصْله مِنْ هَار يَهُور فَهُوَ هَائِر ; وَقِيلَ : هُوَ مِنْ هَار يُهَار : إِذَا اِنْهَدَمَ , وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ هَذِهِ اللُّغَة قَالَ : هَرْت يَا جُرُف ; وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ هَار يَهُور قَالَ : هُرْت يَا جُرُف ; وَإِنَّمَا هَذَا مَثَل . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَيّ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ خَيْر , وَأَيّ هَذَيْنِ الْبِنَاءَيْنِ أَثْبَت , أَمَّنْ اِبْتَدَأَ أَسَاس بِنَائِهِ عَلَى طَاعَة اللَّه وَعُلِمَ مِنْهُ بِأَنَّ بِنَاءَهُ لِلَّهِ طَاعَة وَاَللَّه بِهِ رَاضٍ , أَمْ مَنْ اِبْتَدَأَهُ بِنِفَاقٍ وَضَلَال وَعَلَى غَيْر بَصِيرَة مِنْهُ بِصَوَابِ فِعْله مِنْ خَطَئِهِ , فَهُوَ لَا يَدْرِي مَتَى يَتَبَيَّن لَهُ خَطَأ فِعْله وَعَظِيم ذَنْبه فَيَهْدِمهُ , كَمَا يَأْتِي الْبِنَاء عَلَى جُرُف رَكِيَّة لَا حَابِس لِمَاءِ السُّيُول عَنْهَا وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْمِيَاه تَرَى بِهِ التُّرَاب مُتَنَاثِرًا لَا تَلْبَث السُّيُول أَنْ تَهْدِمهُ وَتَنْثُرهُ ؟ يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَانْهَارَ بِهِ فِي نَار جَهَنَّم } يَعْنِي فَانْتَثَرَ الْجُرُف الْهَارِي بِبِنَائِهِ فِي نَار جَهَنَّم . كَمَا : 13405 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : فَانْهَارَ بِهِ قَوَاعِده فِي نَار جَهَنَّم. 13406 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَانْهَارَ بِهِ } يَقُول : فَخَرَّ بِهِ . 13407 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّه } إِلَى قَوْله : { فَانْهَارَ بِهِ فِي نَار جَهَنَّم } قَالَ : وَاَللَّه مَا تَنَاهَى أَنْ وَقَعَ فِي النَّار . ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ حُفِرَتْ بُقْعَة مِنْهُ فَرُئِيَ مِنْهَا الدُّخَان . 13408 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : بَنُو عَمْرو بْن عَوْف اِسْتَأْذَنُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بُنْيَانه , فَأَذِنَ لَهُمْ فَفَرَغُوا مِنْهُ يَوْم الْجُمْعَة فَصَلَّوْا فِيهِ الْجُمْعَة وَيَوْم السَّبْت وَيَوْم الْأَحَد . قَالَ : وَانْهَارَ يَوْم الِاثْنَيْنِ . قَالَ : وَكَانَ قَدْ اِسْتَنْظَرَهُمْ ثَلَاثًا : السَّبْت وَالْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ , فَانْهَارَ بِهِ فِي نَار جَهَنَّم , مَسْجِد الْمُنَافِقِينَ اِنْهَارَ فَلَمْ يَتَنَاهَ دُون أَنْ وَقَعَ فِي النَّار . قَالَ اِبْن جُرَيْج : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا حَفَرُوا فِيهِ , فَأَبْصَرُوا الدُّخَان يَخْرُج مِنْهُ . 13409 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار , عَنْ عَبْد اللَّه الدَّانَاج , عَنْ طَلْق بْن حَبِيب , عَنْ جَابِر , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا } قَالَ : رَأَيْت الْمَسْجِد الَّذِي بُنِيَ ضِرَارًا يَخْرُج مِنْهُ الدُّخَان عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَرْزُوق الْبَصْرِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو سَلَمَة , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار , عَنْ عَبْد اللَّه الداناج , قَالَ : ثني طَلْق الْعَنَزِيّ , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : رَأَيْت الدُّخَان يَخْرُج مِنْ مَسْجِد الضِّرَار . 13410 - حَدَّثَنِي سَلَّام بْن سَالِم الْخُزَاعِيّ , قَالَ : ثنا خَلَف بْن يَاسِين الْكُوفِيّ , قَالَ : حَجَجْت مَعَ أَبِي فِي ذَلِكَ الزَّمَان - يَعْنِي زَمَان بَنِي أُمَيَّة - فَمَرَرْنَا بِالْمَدِينَةِ , فَرَأَيْت مَسْجِد الْقِبْلَتَيْنِ - يَعْنِي مَسْجِد الرَّسُول - وَفِيهِ قِبْلَة بَيْت الْمَقْدِس . فَلَمَّا كَانَ زَمَان أَبِي جَعْفَر , قَالُوا : يَدْخُل الْجَاهِل فَلَا يَعْرِف الْقِبْلَة , فَهَذَا الْبِنَاء الَّذِي يَرَوْنَ جَرَى عَلَى يَد عَبْد الصَّمَد بْن عَلِيّ . وَرَأَيْت مَسْجِد الْمُنَافِقِينَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي الْقُرْآن , وَفِيهِ حَجَر يَخْرُج مِنْهُ الدُّخَان , وَهُوَ الْيَوْم مَزْبَلَة. ' قَوْله : { وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ } يَقُول : وَاَللَّه لَا يُوَفِّق لِلرَّشَادِ فِي أَفْعَاله مَنْ كَانَ بَانِيًا بِنَاءَهُ فِي غَيْر حَقّه وَمَوْضِعه , وَمَنْ كَانَ مُنَافِقًا مُخَالِفًا بِفِعْلِهِ أَمْر اللَّه وَأَمْر رَسُوله.قَوْله : { وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ } يَقُول : وَاَللَّه لَا يُوَفِّق لِلرَّشَادِ فِي أَفْعَاله مَنْ كَانَ بَانِيًا بِنَاءَهُ فِي غَيْر حَقّه وَمَوْضِعه , وَمَنْ كَانَ مُنَافِقًا مُخَالِفًا بِفِعْلِهِ أَمْر اللَّه وَأَمْر رَسُوله.'

تفسير القرطبي

فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أفمن أسس} أي أصل، وهو استفهام معناه التقرير. و { من} بمعنى الذي، وهي في موضع رفع بالابتداء، وخبره { خير} . وقرأ نافع وابن عامر وجماعة { أسس بنيانه} على بناء أسس للمفعول ورفع بنيان فيهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وجماعة { أسس بنيانه} على بناء الفعل للفاعل ونصب بنيانه فيهما. وهي اختيار أبي عبيد لكثرة من قرأ به، وأن الفاعل سمي فيه. وقرأ نصر بن عاصم بن علي { أفمن أسس} بالرفع { بنيانه} بالخفض. وعنه أيضا { أساس بنيانه} وعنه أيضا { أس بنيانه} بالخفض. والمراد أصول البناء كما تقدم. وحكى أبو حاتم قراءة سادسة وهي { أفمن أساس بنيانه} قال النحاس : وهذا جمع أس؛ كما يقال : خف وأخفاف، والكثير { إساس} مثل خفاف. قال الشاعر : أصبح الملك ثابت الأساس ** في البهاليل من بني العباس الثانية: قوله تعالى: { على تقوى من الله} قراءة عيسى بن عمر - فيما حكى سيبويه - بالتنوين، والألف ألف إلحاق كألف تترى فيما نون، وقال الشاعر : يستن في علقي وفي مكور وأنكر سيبويه التنوين، وقال : لا أدري ما وجهه. { على شفا} الشفا : الحرف والحد، وقد مضى في (آل عمران) مستوفى. و { جرف} قرئ برفع الراء، وأبو بكر وحمزة بإسكانها؛ مثل الشغل والشغل، والرسل والرسل، يعني جرفا ليس له أصل. والجرف : ما يتجرف بالسيول من الأودية، وهو جوانبه التي تنحفر بالماء، وأصله من الجرف والاجتراف؛ وهو اقتلاع الشيء من أصله. { هار} ساقط؛ يقال. تهور البناء إذا سقط، وأصله هائر، فهو من المقلوب يقلب وتؤخر ياؤها، فيقال : هار وهائر، قال الزجاج. ومثله لاث الشيء به إذا دار؛ فهو لاث أي لائث. وكما قالوا : شاكي السلاح وشائك السلاح. قال العجاج : لاث به الأشاء والعبري الأشاء النخل، والعبري السدر الذي على شاطئ الأنهار. ومعنى لاث به مطيف به. وزعم أبو حاتم أن الأصل فيه هاور، ثم يقال هائر مثل صائم، ثم يقلب فيقال هار. وزعم الكسائي أنه من ذوات الواو ومن ذوات الياء، وأنه يقال : تهور وتهير. قلت : ولهذا يمال ومفتح. الثالثة: قوله تعالى: { فانهار به في نار جهنم} فاعل انهار الجرف؛ كأنه قال : فانهار الجرف بالبنيان في النار؛ لأن الجرف مذكر. ويجوز أن يكون الضمير في به يعود على { من} وهو الباني؛ والتقدير : فانهار من أسس بنيانه على غير تقوى. وهذه الآية ضرب مثل لهم، أي من أسس بنيانه على الإسلام خير أم من أسس بنيانه على الشرك والنفاق. وبين أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. والشفا : الشفير. وأشفى على كذا أي دنا منه. الرابعة: في هذه الآية دليل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله تعالى والقصد لوجهه الكريم فهو الذي يبقى ويسعد به صاحبه ويصعد إلى الله ويرفع إليه، ويخبر عنه بقوله { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن : 27] على أحد الوجهين. ويخبر عنه أيضا بقوله: { والباقيات الصالحات} [الكهف : 46] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الخامسة: واختلف العلماء في قوله تعالى: { فانهار به في نار جهنم} هل ذلك حقيقة أو مجاز على قولين؛ [الأول] أن ذلك حقيقة وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أَرسل إليه فهُدم رئي الدخان يخرج منه؛ من رواية سعيد بن جبير. وقال بعضهم : كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة. وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان. وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال : جهنم في الأرض، ثم تلا { فانهار به في نار جهنم} . وقال جابر بن عبدالله : أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. [والثاني] أن ذلك مجاز، والمعنى : صار البناء في نار جهنم، فكأنه انهار إليه وهوى فيه؛ وهذا كقوله تعالى: { فأمه هاوية} [القارعة : 9]. والظاهر الأول، إذ لا إحالة في ذلك. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة التوبه الايات 106 - 109

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقوله: { أَفَمَنْ } استفهام، وكأنه يقول: وكيف تساوون بين مسجد أسِّسَ على التقوى من أول يوم، ومسجد اتُّخِذ للضرار وللكفر ولتفريق جماعة المسلمين وإرصاداً لمن حارب الله؟

إنهما لا يستويان أبداً، وساعة يطرح الحق هذه العملية بالاستفهام فسبحانه واثق من أن عبده سيجيب بما يريد الله.

وقوله الحق: { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } نجد كلمة " بنيان " وهي مصدر؛ " بنى " " بنياناً " ، لكن أطلق على الشيء المبني، فنقول، إن هذا البنيان فرعوني.

إّذن: هناك فرق بين عملية البناء وبين الشيء الذي ينشأ من هذه العملية، وكلمة البنيان اسم جنس جمعي؛ لأنه يصح أن يكون جمعاً ومفرده " بنيانة " مثلما نقول: " رمان " ، ومفرده " رمانة " ، و " عنب " ومفرده عنبة " ، وأيضاً " روم " مفرده " رومي " فياء النسب هنا دخلت على الجمع فجعلته مفرداً. إذن: يُفرق بين الواحد والجمع، إما بالياء وإما بالتاء.

وقد حكم سبحانه بألا يصلوا في مسجد الضرار، وعليهم أن يصلوا في المسجد الآخر، وهو مسجد قباء، ثم يرد سبحانه الأمر إلى المؤمنين، ليعرفوا أن ما حكم به سبحانه هو ما تقبله العقول، وأن حكمهم يوافق حكم ربهم.

ثم يقول سبحانه:

{ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ } وهنا ثلاث كلمات: شفا، وجُرف، وهَار. والشفا مأخوذ من الشَّفَة، و " الشفا " حرف الشيء وطرفه. وسكانُ سواحل البحار يعرفون أن البحار لها نحر من تحت الأرض، وتجد الماء يحفر لنفسه مساحة تحت الأرض ويترك شفة من الأرض، ولو سار عليها الإنسان لوقع؛ لأنها الطرف الذي ليس له قاعدة وأسفله مَنْحور.

و " شفا جُرُف " أي طرف سينهار؛ لأنه " هار " أي غير متماسك، فتكون الصورة أن الماء ينحر في الساحل، فيصنع شفة لها سطح وليس لها قاعدة تحتها، وهذه اسمها " شفا جُرُف ".

وقد قال القرآن في موضع آخر:
{  وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا... }
[آل عمران: 103]

إنها الحفرة في النار، فكيف يكون شكلها؟ لابد أنه مرعب.

ونحن نعلم أنهم كانوا حين يحفرون الآبارليخأذوا منها الماء، كانوا يضعون في جدار البئر أحجاراً تمنع ردمه؛ لأن البئر إن لم يكن له جدار من حجارة قد ينهار بفعل سقوط الرمال من على فوهته، وهكذا تمنع الأحجار أي جزء متآكل من سطح البئر من الوقوع فيه، والجزء المتآكل هو جرف هَارٍ، وهكذا كان مسجد الضرار، ينهار بمن فيه في نار جهنم.ويذيل الحق الآية: { وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } وهم كانوا ظالمين بالنفاق؛ لذلك لم يَهْدِهم الله إلى عمل الخير؛ لأن الله لا يهدي الظالم. وسبحانه يقول في أكثر من موضع بالقرآن:
{  وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ }
[المائدة: 108]

ويقول سبحانه:
{  وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ }
[البقرة: 264]

ويقول عز وجل:
{  وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ }
[البقرة: 258]

والهداية - كما علمنا من قبل - قسمان: هداية الدلالة، وهي لجميع الخلق ويدل بها الناس على طريق الخير، ولهم أن يسلكوه أو لا يسلكوه، فهم أحرار، فلله هداية شملت الجميع، وهي هداية الدلالة، أما الهداية المنفية هنا فهي هداية المعونة.

ويقول الحق بعد ذلك: { لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي... }


www.alro7.net