سورة
اية:

وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

قال مجاهد: هذا وعيد من اللّه تعالى للمخالفين أوامره، بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى، وعلى الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى المؤمنين، وهذا كائن لا محالة يوم القيامة، كما قال: { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} ، وقال تعالى: { يوم تبلى السرائر} ، وقال: { وحصل ما في الصدور} ، وقد يظهر اللّه تعالى ذلك للناس في الدنيا كما قال الإمام أحمد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لأخرج اللّه عمله للناس كائناً ما كان)، وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا) ""أخرجه أحمد والطيالسي"". وقال البخاري: قالت عائشة رضي اللّه عنها: إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم فقل: { اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون} ، وفي الحديث الصحيح: (إذا أراد اللّه بعبده خيراً استعمله قبل موته)، قالوا: يا رسول اللّه وكيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه) ""أخرجه أحمد عن أنس ابن مالك"".

تفسير الجلالين

{ وقل } لهم أو للناس { اعملوا } ما شئتم { فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون } بالبعث { إلى عالم الغيب والشهادة } أي الله { فينبئكم بما كنتم تعملون } فيجازيكم به .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وقل اعملوا} خطاب للجميع. { فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} أي بإطلاعه إياهم على أعمالكم. وفي الخبر : (لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة التوبه الايات 103 - 105

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إذن: هم أعلنوا التوبة بعد أن اعترفوا بذنوبهم، وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وربطوا أنفسهم في سواري المسجد، وقالوا: لا نحل انفسنا حتى يحلّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: خذ من أموالنا صدقة لتطهرنا؛ كل هذا جعل هناك فاصلاً بني ماضٍ ندموا عليه، ومستقبل يستأنفونه قد ولدت الآن. وبدأت صفحة جديدة، فهل أنتم ستسيرون على مقتضى هذه التوبة أم لا؟

ولا تظنوا أن أموركم ستكون في الخفية بل ستكون في العلن أيضاً، أم أموركم الخفية فسيعلمها الله؛ لذلك قال: { فَسَيَرَى ٱللَّهُ }. أما الأمور التي تحتاج لفطنة النبوة فالرسول صلى الله عليه وسلم سيراها بنوره في سلوككم. أما الأمور الظاهرة الأخرى فسيراها { ٱلْمُؤْمِنُونَ }.

نحن هنا أمام ثلاثة أعمال: عمل يراه المؤمنون جميعاً، فالتزموا بهذا المنهج حتى يشهد لكم المؤمنون بما يرون من أعمالكم، وإياكم أن تخادعوا المؤمنين؛ لأن رسول الله بفطنته ونورانيته وصفائه وشفافيته سيعرف الخديعة، أما إن كانت المسألة قد تتعمَّى على المؤمنين وعلى الرسول، فالله هو الذي يعلم.

{ وَقُلِ ٱعْمَلُواْ } أي: اعملوا عملاً جديداً يناسب اعترافكم بذنوبكم، ويناسب إعلانكم التوبة، ويناسب أنكم ربطتم أنفسكم في المسجد، ويناسب أنكم تصدقتم بالأموال، عمل تستأنفون به حياتكم بصفحة جديدة، واعلموا أننا سنرقب عملكم، الله يرقبه فيما لا يعلمه البشر، وهو النيَّات، ورسول الله يعلمه فيما يطابق نورانيته وإشراقه، والمؤمنون يعلمونه في عاديات الأمور.

وهذه الرؤية من الله ومن الرسول ومن المؤمنين لا تكون لها قيمة إلا إذا ترتب عليها الجزاء ثواباً أو عقاباً، فهي ليست مجرد رؤية، بل إن الرائي يملك أن يثيب أو أن يعاقب. وأنكم راجعون إليه لا محالة. وإذا كنتم في الدنيا تعيشون في الأسباب التي يعيش فيها الكافر والمؤمن، ويعيش فيها الطائع والعاصي، فهناك عالم الغيب الذي يملكه الله وحده:
{  لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 16]

إذن: سيعامل التائب معاملة جديدة، وما دام قد تاب، فلعله بسبب الغفلة التي طرأت عليه فأذنب؛ غفل عن اليوم الآخر، فيحتاج إلى تجديد التذكير بالإيمان.

لذلك قال: { وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ }.

قوله سبحانه: (فَسَيَرَى) ذكر الفعل مرة واحدة، فالرؤية واحدة ملتحمة بعضها ببعض لتروا هل أنتم على المنهج أم لا؟

{ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ } أما علم الغيب فانفرد به الله سبحانه، وأما عالم الشهادة فالرسول سوف يعلم عنكم أشياء، وكذلك المؤمنون يعلمون أشياء، وربنا عالم بالكل. وسبحانه لا يجازي على مجرد العلم، بل بنية كل إنسان بما فعل، وسبحانه يقول:
{  كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }
[الإسراء: 14]

ولذلك يُنهي الحق هذه الآية بقوله:

{ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } وهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم، وربطوا أنفسهم في السواري، وتصدقوا بالأموال، وأعطى الله فيهم حكمه بأن جعل رسول الله هو من يحل وثاقهم من السواري، وقبل منهم الصدقات؛ ليسوا وحدهم، فهناك أناس آخرون فعلوا نفس الأمر، لكنهم لم يربطوا أنفسهم في سواري المسجد، ولا اعترفوا بذنوبهم؛ لذلك يجيء قوله الحق: { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ... }


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net