سورة
اية:

رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أنه بعدما نصره اللّه تعالى على قومه، وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة، هاجر من بين أظهرهم وقال: { إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين} يعني أولاداً مطيعين يكونون عوضاً عن قومه وعشيرته الذين فارقهم، قال اللّه تعالى: { فبشرناه بغلام حليم} هذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل ولد ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وفي عمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسع وتسعون سنة، وعندهم أن اللّه تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة أخرى: بكره، فأقحموا ههنا كذباً وبهتاناً إسحاق ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، حسدوهم، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة رضي اللّه عنهم أيضاً، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مُسَلَّماً من غير حجة، وهذا كتاب اللّه شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: { وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين} ، ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا { إنا نبشرك بغلام عليم} ، وقال تعالى: { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي يولد في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيراً؟ وإسماعيل وصف ههنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام، وقوله تعالى: { فلما بلغ معه السعي} أي كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه، قال ابن عباس ومجاهد: { فلما بلغ معه السعي} بمعنى شب وارتحل، وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، ثم تلا هذه الآية: { قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} ؟، وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة اللّه تعالى وطاعة أبيه { قال يا أبت افعل ما تؤمر} أي امض لما أمرك اللّه من ذبحي، { ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين} أي سأصبر وأحتسب ذلك عند اللّه عزَّ وجلَّ، وصدق صلوات اللّه وسلامه عليه فيما وعد، ولهذا قال اللّه تعالى: { واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً} ، قال تعالى: { فلما أسلما وتله للجبين} أي فلما تشهدا وذكرا اللّه تعالى إبراهيمُ على الذبح وشهد الولد شهادة الموت، وقيل: { أسلما} يعني استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل أمر اللّه تعالى وإسماعيل طاعة للّه ولأبيه قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وهو الأظهر ، ومعنى { تلّه للجبين} : أي صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه، قال ابن عباس: { وتله للجبين} أكبه على وجهه وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك وقتادة . عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي فسابقه، فسبقه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم ذهب به جبريل عليه السلام إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات، ثم تلَّه للجبين، وعلى إسماعيل عليه الصلاة والسلام قميص أبيض: فقال له يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفني فيه غيره، فأخلعه حتى تكفني فيه، فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه: { أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} فالتفت إبراهيم، فإذا بكبش أبيض أقرن أعين" "هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد عن ابن عباس موقوفاً". وقوله تعالى: { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} أي قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح، وذكر السدي وغيره أنه أمرَّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئاً، بل حال بينها وبينه صفحة من نحاس، ونودي إبراهيم عليه الصلاة والسلام عند ذلك { قد صدقت الرؤيا} ، وقوله تعالى: { إنا كذلك نجزي المحسنين} أي هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجاً ومخرجاً كقوله تعالى: { ومن يتق اللّه يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} قال تعالى: { إن هذا لهو البلاء المبين} أي الاختبار الواضح الجلي حيث أمر بذبح ولده فسارع إلى ذلك، مستسلماً لأمر اللّه تعالى منقاداً لطاعته ولهذا قال تعالى: { وإبراهيم الذي وفى} ، وقوله تعالى: { وفديناه بذبح عظيم} عن علي رضي اللّه عنه قال: بكبش أبيض أقرن قد ربط بسمرة، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: كان الكبش يرتع في الجنة، حتى شقق عنه ثبير، وكان عليه عهن أحمر ذكر أن الكبش هو الذي قربه ابن آدم وكان في الجنة حتى فدي به إسماعيل وهو منقول عن بعض السلف ، قال مجاهد: ذبحه بمنى عند النحر، وقال الثوري، عن ابن عباس في قوله تعالى: { وفديناه بذبح عظيم} قال: وعل، وقال الحسن: ما فدي إسماعيل عليه السلام إلا بتيس من الأروى، أهبط عليه من ثبير. ذكرت الآثار الواردة أنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام وهو الصحيح المقطوع به. تقدمت الرواية عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه إسحاق عليه الصلاة والسلام، وروى مجاهد وعطاء وغير واحد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وروى ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: المفدى إسماعيل عليه السلام، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود، وروى مجاهد، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: الذبيح إسماعيل، وقال مجاهد: هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة، وقال محمد بن إسحاق، عن الحسن البصري: أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل عليه السلام، قال ابن إسحاق: وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول: إن الذي أمر اللّه تعالى إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل وإنا لنجد ذلك في كتاب اللّه تعالى، وذلك أن اللّه تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابنَيْ إبراهيم قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين} ويقول اللّه تعالى: { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} يقول: بابن، وابن ابن، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الموعد بما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل، قال ابن إسحاق: سمعته يقول ذلك كثيراً. وقال ابن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي: أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه وهو خليفة إذ كان معه بالشام، فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهودياً، فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علمائهم، فسأله عمر ابن عبد العزيز رضي اللّه عنه عن ذلك، قال محمد بن كعب: وأنا عند عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: أيُّ ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل واللّه يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر اللّه فيه، والفضل الذي ذكر اللّه تعالى منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنه إسحاق، لأن إسحاق أبوهم، واللّه أعلم أيهما كان، وكل قد كان طاهراً طيباً مطيعاً للّه عزَّ وجلَّ ذهب ابن جرير الطبري إلى أن الذبيح هو إسحاق وهو قول لبعض علماء السلف وإحدى الروايات عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ورواية عن كعب الأحبار، والصحيح كما قال ابن كثير أن الذبيح هو إسماعيل للآثار الكثيرة الواردة وظاهر القرآن الكريم كما في رواية ابن إسحاق، واللّه أعلم. ، وقال عبد اللّه بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللّه: سألت أبي عن الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: إسماعيل" "ذكره ابن حنبل في كتاب الزهد" وقال ابن أبي حاتم، وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام، قال: وروي عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح رضي اللّه عنهم أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل، وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: { فبشرناه بغلام حليم} فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: { وبشروه بغلام عليم} ، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو بعيد جداً، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين} لما تقدمت البشارة بالذبيح وهو إسماعيل عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق وقد ذكرت في سورتي هود والحجر، وقوله تعالى: { نبياً} أي سيصير منه نبي صالح، قال ابن عباس: بشر بنبوته، حين ولد، وحين نبئ، وقال قتادة في قوله تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين} قال: بعد ما كان من أمره لما جاد للّه تعالى بنفسه، وقوله تعالى: { وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} كقوله تعالى: { قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} .

تفسير الجلالين

{ رب هب لي } ولدا { من الصالحين } .

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة. وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام، وذلك حين خلصه الله من النار { قال إن ذاهب إلى ربي} أي مهاجر من بلد قومي ومولدي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه { سيهدين} فيما نويت إلى الصواب. قال مقاتل : هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة، إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام. وقيل : ذاهب بعملي وعبادتي، وقلبي ونيتي. فعلى هذا ذهابه بالعمل لا بالبدن. وقد مضى بيان هذا في { الكهف} مستوفى. وعلى الأول بالمهاجرة إلى الشام وبيت القدس. وقيل : خرج إلى حران فأقام بها مدة. ثم قيل : قال ذلك لمن فارقه من قومه؛ فيكون ذلك توبيخا لهم. وقيل : قاله لمن هاجر معه من أهله؛ فيكون ذلك منه ترغيبا. وقيل : قال هذا قبل إلقائه في النار. وفيه على هذا القول تأويلان : أحدهما : إني ذاهب إلى ما قضاه علي ربي. الثاني : إني ميت؛ كما يقال لمن مات : قد ذهب إلى الله تعالى؛ لأنه عليه السلام تصور أنه يموت بإلقائه في النار، على المعهود من حالها في تلف ما يلقى فيها، إلى أن قيل لها: { كوني بردا وسلاما} فحينئذ سلم إبراهيم منها. وفي قوله: { سيهدين} على هذا القول تأويلان : أحدهما { سيهدين} إلى الخلاص منها. الثاني : إلى الجنة. وقال سليمان ابن صرد وهو ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم : لما أرادوا إلقاء إبراهيم في النار جعلوا يجمعون له الحطب؛ فجعلت المرأة العجوز تحمل على ظهرها وتقول : اذهب به إلى هذا الذي يذكر آلهتنا؛ فلما ذهب به ليطرح في النار { قال إني ذاهب إلى ربي} . فلما طرح في النار قال : (حسبي الله ونعم الوكيل) فقال الله تعالى: { يا نار كوني بردا وسلاما { الأنبياء : 69] فقال أبو لوط وكان ابن عمه : إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني. فأرسل الله عنقا من النار فأحرقه. الثانية: قوله تعالى: { رب هب لي من الصالحين} لما عرفه الله أنه مخلصه دعا الله ليعضده بولد يأنس به في غربته. وقد مضى في { آل عمران} القول في هذا. وفي الكلام حذف؛ أي هب لي ولدا صالحا من الصالحين، وحذف مثل هذا كثير. قال الله تعالى: { فبشرناه بغلام حليم} أي أنه يكون حليما في كبره فكأنه بشر ببقاء ذلك الولد؛ لأن الصغير لا يوصف بذلك، فكانت البشرى على ألسنة الملائكة كما تقدم في { هود} . ويأتي أيضا في { الذاريات} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الصّافات الايات 89 - 131

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لَمَّا لم يجد إبراهيم - عليه السلام - فائدة من دعوته لقومه، قال: { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الصافات: 99] والمعنى ذاهب لنصرة دينه وإلا فربُّه موجود معه، وفي كل مكان، أو مهاجر إلى ربي. أي: إلى مكان آخر، حيث أجد مَنْ يسمعني ويستجيب لدعوتي، وما دُمْتُ ذاهباً إلى ربي { سَيَهْدِينِ } [الصافات: 99] أي: يهديني المقام الطيب المناسب لدعوتي.

ثم يدعو إبراهيمُ ربَّه { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } [الصافات: 100] أي: هَبْ لي ذريةً صالحةً مؤمنة، ونبيُّ الله حين يتمنى الذرية لا يتمناها لتكون ذِكْرى أو عزوة أو امتداداً ينتقل إليه الميراث، فالأنبياء يريدون الولد ليَحمل رسالتهم، وليكون نموذجاً إيمانياً يرثه في دعوته؛ لذلك قال في قصة سيدنا زكريا:
{  يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً }
[مريم: 6].

فكأن سيدنا إبراهيم عَزَّ عليه ألاَّ يتسعَ عمره ليكون جندياً من جنود منهج الله في الأرض، فقال: يا رب قرّ عيني بأنْ أرى ولداً لي يحمل مسئولية النبوة من بعدي.

وقال { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } [الصافات: 100] ولم يقل رب هَبْ لي الصالحين، فأراد من ذريته مَنْ هو صالح من ضمن صلاح غيره، فهو يريد الصلاحَ لذريته وللآخرين؛ لذلك أجابه ربه: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ } [الصافات: 101] الحليم: هو الذي لا يستفزه غضب، ويتحمل الأمور على مقدار ما تطيب به أخلاقه، ومن الحِلْم تَرْكُ المراء واللجاج، ولو كان في الحق.

لذلك جاء في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقاً.. ".

فهذا في حاشية الجنة، وهذا في صميم الجنة، لماذا؟ لأنه يعتقد أن له رباً قيُّوماً لا تأخذه سِنَة ولا نوم، سوف يحكم بين الجميع، وإليه تنتهي كل الخلافات، فيقتص للمظلوم من ظالمه. والناس يميلون دائماً إلى كبير يحكم بينهم، ونقول في العامية (اللي له أب ميحملش هم)، فما بالك بمَنْ له رَبٌّ. لذلك من رحمة الله بنا أن يقول: يا عبادي ناموا مِلء جفونكم، لتصبحوا نشيطين لأعمالكم، ولا تحملوا هَمَّ شيء، لأن ربكم لا ينام.

وقوله سبحانه: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ } [الصافات: 101] البُشْرى بالشيء تكون قبل وجوده، فوصفه الله بأنه سيكون حليماً وهو ما يزال غلاماً. يعني: سيجمع الوصفين معاً؛ لأن الحِلْم عادة ما يتكوَّن لدى الرجل الواعي الذي يستطيع تقدير الأمور، فالميزة هنا أن يتصفَ الغلامُ بالحِلْم في صغَره.

وفعلاً ظهر حِلْم هذا الغلام في أول اختبار يتعرَّض له، حين قال له أبوه:
{  يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ }
[الصافات: 102] تأمل ماذا قال الغلام، وأبوه يريد أنْ يذبحه،
{  قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ }
[الصافات: 102] هذا هو الحِلْم، يتجلَّى منه وهو غلام.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net