سورة
اية:

وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً للعباد على قدرته العظيمة، التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها} ؟ أي بالمصابيح، { وما لها من فروج} قال مجاهد: يعني من شقوق، وقال غيره: فتوق، وقال غيره: صدوع، والمعنى متقارب، كقوله تبارك وتعالى: { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور} . وقوله تبارك وتعالى: { والأرض مددناها} أي وسعناها وفرشناها { وألقينا فيها رواسي} وهي الجبال لئلا تميد بأهلها وتضطرب، فإنها مقرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها، { وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} أي من جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع، { ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} وقوله { بهيج} أي حسن المنظر، { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} أي مشاهدة خلق السماوات والأرض وما جعل اللّه فيهما من الآيات العظيمة { تبصرة} ودلالة وذكرى لكل { عبد منيب} أي خاضع خائف وجل، رجَّاع إلى اللّه عزَّ وجلَّ، وقوله تعالى: { ونزلنا من السماء ماءً مباركاً} أي نافعاً { فأنبتنا به جنات} أي حدائق من بساتين ونحوها { وحب الحصيد} وهو الزرع الذي يراد لحبه وادخاره، { والنخل باسقات} أي طوالاً شاهقات، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: الباسقات الطوال، { لها طلع نضيد} أي منضود، { رزقاً للعباد} أي للخلق، { وأحيينا به بلدة ميتاً} وهي الأرض التي كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، من أزاهير وغير ذلك مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعدما كانت لا نبات بها فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يحيي اللّه الموتى، وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحس، أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث، كقوله عزَّ وجلَّ: { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} ، وقوله تعالى: { أولم يروا أن اللّه الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير} وقال سبحانه وتعالى: { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} .

تفسير الجلالين

{ والنخل باسقات } طوالا حال مقدرة { لها طلع نضيد } متراكب بعضه فوق بعض .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَالنَّخْل بَاسِقَات } يَقُول : وَأَنْبَتْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاء النَّخْل طِوَالًا , وَالْبَاسِق : هُوَ الطَّوِيل يُقَال لِلْجَبَلِ الطَّوِيل : جَبَل بَاسِق , كَمَا قَالَ أَبُو نَوْفَل لِابْنِ هُبَيْرَة : يَا ابْن الَّذِينَ بِفَضْلِهِمْ بَسَقَتْ عَلَى قَيْس فَزَارَهْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24652 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { بَاسِقَات } يَقُول : طِوَال . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَالنَّخْل بَاسِقَات } قَالَ : النَّخْل الطِّوَال . 24653 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , عَنْ إِسْمَاعِيل ابْن أَبِي خَالِد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد فِي قَوْله : { وَالنَّخْل بَاسِقَات } قَالَ : بِسُوقِهَا : طُولهَا فِي إِقَامَة . 24654 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { وَالنَّخْل بَاسِقَات } الْبَاسِقَات : الطِّوَال 24655 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { بَاسِقَات } قَالَ : الطِّوَال . 24656 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَالنَّخْل بَاسِقَات } قَالَ : بِسُوقِهَا طُولهَا . * -حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَالنَّخْل بَاسِقَات } قَالَ : يَعْنِي طُولهَا . 24657 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَالنَّخْل بَاسِقَات } قَالَ : الْبُسُوق : الطُّول . وَقَوْله : { وَالنَّخْل بَاسِقَات } يَقُول : وَأَنْبَتْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاء النَّخْل طِوَالًا , وَالْبَاسِق : هُوَ الطَّوِيل يُقَال لِلْجَبَلِ الطَّوِيل : جَبَل بَاسِق , كَمَا قَالَ أَبُو نَوْفَل لِابْنِ هُبَيْرَة : يَا ابْن الَّذِينَ بِفَضْلِهِمْ بَسَقَتْ عَلَى قَيْس فَزَارَهْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24652 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { بَاسِقَات } يَقُول : طِوَال . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَالنَّخْل بَاسِقَات } قَالَ : النَّخْل الطِّوَال . 24653 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , عَنْ إِسْمَاعِيل ابْن أَبِي خَالِد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد فِي قَوْله : { وَالنَّخْل بَاسِقَات } قَالَ : بِسُوقِهَا : طُولهَا فِي إِقَامَة . 24654 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { وَالنَّخْل بَاسِقَات } الْبَاسِقَات : الطِّوَال 24655 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { بَاسِقَات } قَالَ : الطِّوَال . 24656 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَالنَّخْل بَاسِقَات } قَالَ : بِسُوقِهَا طُولهَا . * -حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَالنَّخْل بَاسِقَات } قَالَ : يَعْنِي طُولهَا . 24657 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَالنَّخْل بَاسِقَات } قَالَ : الْبُسُوق : الطُّول . ' وَقَوْله : { لَهَا طَلْع نَضِيد } يَقُول : لِهَذَا النَّخْل الْبَاسِقَات طَلْع وَهُوَ الْكُفُرَّى , نَضِيد : يَقُول : مَنْضُود بَعْضه عَلَى بَعْض مُتَرَاكِب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24658 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { لَهَا طَلْع نَضِيد } قَالَ : يَقُول بَعْضه عَلَى بَعْض . 24659 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , لَهَا : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { نَضِيد } قَالَ : الْمُنَضَّد . 24660 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { لَهَا طَلْع نَضِيد } يَقُول : بَعْضه عَلَى بَعْض . * -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لَهَا طَلْع نَضِيد } يُنَضَّد بَعْضه عَلَى بَعْض .وَقَوْله : { لَهَا طَلْع نَضِيد } يَقُول : لِهَذَا النَّخْل الْبَاسِقَات طَلْع وَهُوَ الْكُفُرَّى , نَضِيد : يَقُول : مَنْضُود بَعْضه عَلَى بَعْض مُتَرَاكِب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24658 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { لَهَا طَلْع نَضِيد } قَالَ : يَقُول بَعْضه عَلَى بَعْض . 24659 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , لَهَا : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { نَضِيد } قَالَ : الْمُنَضَّد . 24660 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { لَهَا طَلْع نَضِيد } يَقُول : بَعْضه عَلَى بَعْض . * -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لَهَا طَلْع نَضِيد } يُنَضَّد بَعْضه عَلَى بَعْض .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم} نظر اعتبار وتفكر، وأن القادر على إيجادها قادر على الإعادة. { كيف بنيناها} فرفعناها بلا عمد { وزيناها} بالنجوم { وما لها من فروج} جمع فرج وهو الشق؛ ومنه قول امرىء القيس : تسد به فرجها من دبر وقال الكسائي : ليس فيها تفاوت ولا اختلاف ولا فتوق. { والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي} تقدم في الرعد. { وأنبتنا فيها من كل زوج} أي من كل نوع من النبات { بهيج} أي حسن يسر الناظرين؛ وقد تقدم في الحج بيانه. { تبصرة} أي جعلنا ذلك تبصرة لندل به على كمال قدرتنا. وقال أبو حاتم : نصب على المصدر؛ يعني جعلنا ذلك تبصيرا وتنبيها على قدرتنا { وذكرى} معطوف عليه. { لكل عبد منيب} راجع إلى الله تعالى، مفكر في قدرته. قوله تعالى { وأنزلنا من السماء} أي من السحاب { ماء مباركا} أي كثير البركة. { فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} التقدير : وحب النبت الحصيد وهو كل ما يحصد. هذا قول البصريين. وقال الكوفيون : هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، كما يقال : مسجد الجامع وربيع الأول وحق اليقين وحبل الوريد ونحوها؛ قال الفراء. والأصل الحب الحصيد فحذفت الألف واللام وأضيف المنعوت إلى النعت. وقال الضحاك : حب الحصيد البر والشعير. وقيل : كل حب يحصد ويدخر ويقتات. { والنخل باسقات} نصب على الحال ردا على قوله { وحب الحصيد} و { باسقات} حال. والباسقات الطوال؛ قال مجاهد وعكرمة. وقال قتادة وعبدالله بن شداد : بسوقها استقامتها في الطول. وقال سعيد بن جبير : مستويات. وقال الحسن وعكرمة أيضا والفراء : مواقير حوامل؛ يقال للشاة بسقت إذا ولدت، قال الشاعر : فلما تركنا الدار ظلت منيفة ** بقران فيه الباسقات المواقر والأول في اللغة أكثر وأشهر؛ يقال بسق النخل بسوقا إذا طال. قال : لنا خمر وليست خمر كرم ** ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا ** وفات ثمارها أيدي الجناة ويقال : بسق فلان على أصحابه أي علاهم، وأبسقت الناقة إذا وقع في ضرعها للبن قبل النتاج فهي مبسق ونوق مباسيق. وقال قطبة بن مالك : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ { باصقات} بالصاد؛ ذكره الثعلبي. قلت : الذي في صحيح مسلم عن قطبة بن مالك قال : صليت وصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ { ق والقرآن المجيد} حتى قرأ { والنخل باسقات} قال فجعلت أرددها ولا أدري ما قال؛ إلا أنه لا يجوز إبدال الصاد من السين لأجل القاف. { لها طلع نضيد} الطلع هو أول ما يخرج من ثمر النخل؛ يقال : طلع الطلع طلوعا وأطلعت النخلة، وطلعها كفراها قبل أن ينشق. { نضيد} أي متراكب قد نضد بعضه على بعض. وفي البخاري { النضيد} الكفري ما دام في أكمامه ومعناه منضود بعضه على بعض؛ فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد. { رزقا للعباد} أي رزقناهم رزقا، أوعلى معنى أنبتناها رزقا؛ لأن الإنبات في معنى الرزق، أو على أنه مفعول له أي أنبتناها لرزقهم، والرزق ما كان مهيأ للانتفاع به. وقد تقدم القول فيه. { وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} أي من القبور أي كما أحيا الله هذه الأرض الميتة فكذلك يخرجكم أحياء بعد موتكم؛ فالكاف في محل رفع على الابتداء. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. وقال { ميتا} لأن المقصود المكان ولو قال ميتة لجاز.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ق الايات 2 - 10

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله: { وَنَزَّلْنَا... } [ق: 9] مادة نزل أتت بلفظ أنزلنا ونزَّلنا، أنزلنا للشيء ينزل جملة واحدة، كما في قوله تعالى:
{  إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }
[القدر: 1] أي: أنزلناه في هذه الليلة جملة، ثم نزل به الروح الأمين مُتفرقاً حسب الأحداث، فقال:
{  نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ... }
[الشعراء: 293-194].

كذلك الماء لا ينزل من السماء جملة واحدة، إنما ينزل متتابعاً متفرقاً، فقال: { وَنَزَّلْنَا... } [ق: 9] وقوله: { مِنَ ٱلسَّمَآءِ... } [ق: 9] أي: من جهة السماء، لأن المطر في السحاب وأصله من الماء المالح في الأرض، حيث تتم عملية البخر ويتكثف بخار الماء في السحاب فيتكوَّن الماء الذي يسوقه الله تعالى بقوة الهواء حيث ينزل حينما يصادف الأماكن الباردة.

وقال عنه { مَآءً مُّبَٰرَكاً... } [ق: 9] لأن الله بارك فيه وجعله صالحاً للشرب ولسقي النبات، فهو عذْب سائغٌ للشاربين.

وساعة ينزل هذا الماء المبارك على الأرض تهتز الأرض وتُخرج ما فيها من نبات { فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّٰتٍ... } [ق: 9] جمع جنة، وهي المكان المليء بالأشجار التي تجنُّ مَنْ يسير فيها. أي: تستره فسُميتْ جنة، ومنه قوله تعالى:
{  فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ... }
[الأنعام: 76] يعني: ستره بظلمته.

ومعنى { وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ... } [ق: 9] أي: الحب الذي يُحصد مثل القمح والشعير والذرة والأرز، وهو يُزرع كل عام ويُحصد ليزرع من جديد، أما الجنات فهي الشجر الدائم الذي يعمر لعدة سنوات ويثمر، فنجمع منه الثمار فقط وتبقى الشجرة كما هي للعام التالي.

وقوله: { وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ... } [ق: 10] عاليات مرتفعات، والعلو في النخل من عجائب الخَلْق ودقة الإبداع، لأننا رأينا العواصف تقتلع بعض الأشجار الضخمة، لكن لم نَرَ نخلة وقعتْ من العاصفة فجأة كما تقع الشجرة. لكنْ إذا ضعفت النخلة نراها تميل شيئاً فشيئاً على فترات حتى تصل إلى الأرض، ففيها رِفْعة، وفيها شموخ.

وذكر الحق سبحانه النخل بعد شجر الجنات وحبّ الحصيد لأن النخل يجمع الصفتين معاً لأن يعطي ثماره مثل الشجر كل عام، لكن إذا لم يلقح جاءت الثمار كما يقولون: صيّص يعني بلح لا ينفع ولا فائدة فيه فيُقطع ويُرمى.

ومعنى { لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ... } [ق: 10] الطلع كوز أخضر يتفتح وتخرج منه السباطة، والسُّباطة هذه تحتوي على الشماريخ التي تحمل حبات البلح، ومن عجائب الخَلْق أنك ترى هذه الحبات مُنضدّة، يعني: مرصوصة بنظام دقيق في الشمروخ الذي يحملها، فلا تجد مثلاً بلحة أمام الأخرى، لكن موزَّعة على الشمروخ بالتساوي على شكل رِجْل غراب كما يقولون.

إذن: الحق سبحانه أعطانا طرفاً من آياته في السماوات والأرض، وقلنا: أن السماوات والأرض ظرف لما فيهما، ومع عِظَم خَلْق السماوات والأرض، إلا أن المظروف فيهما أعظم.والإنسان في هذه الظرفية له خصوصية لأنه خليفة الله في الأرض، فالناس باعتبار أنهم مظروف ليس لأحد منهم حَظٌّ أوفر من الآخر، فهم في هذه الظرفية سواء، لأن الظرف مهمته حماية المظروف فيه فيستوي في الحماية ورقة بخمسين مع الورقة بمائة، ويستوي الذهب والفضة والحديد، فالصيانة للجميع وإنْ كان المصون مختلفاً.

كذلك الإنسان له حظه من الصيانة مع أن قيمة الناس تختلف، وهذا الاختلاف جاء لحكمة أرادها الحق سبحانه لصالح المجتمع كله:
{  وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً }
[الزخرف: 32].

فالناس منهم القوي والضعيف، والغني والفقير، العالم والجاهل، والذكي والغبي يتم بينهم التكامل في حركة الحياة، وقلنا: ماذا لو أن الناس جميعاً تخرجوا في الجامعة؟ فمَنْ إذنْ سيقوم بالأعمال الدنيا، إذن: لا بدّ أنْ يوجد ناس للقمة، وناس دوهم للخدمة، وإلا ما استقامتْ حركة الحياة.

ومع هذا الاختلاف في القيمة من حيث عمل كل إنسان وإجادته لعلمه يبقى أننا جميعاً عيالُ الله وعبيده، ليس منا من هو ابن الله، فليلزم كلٌّ منا أدبه وحدوده، فكلٌّ منا مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، يعنى (مفيش حد أحسن من حد).

يقول الحق سبحانه: { رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ... } [ق: 11].


www.alro7.net