سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: { إنا أرسلناك شاهداً} أي على الخلق، { ومبشراً} أي للمؤمنين، { ونذيراً} أي للكافرين، { لتؤمنوا باللّه ورسوله وتعزروه} قال ابن عباس وغير واحد: تعظموه، { وتوقروه} من التوقير، وهو الاحترام والإجلال والإعظام، { وتسبحوه} أي تسبحون اللّه، { بكرة وأصيلاً} أي أول النهار وآخره، ثم قال عزَّ وجلَّ لرسوله تشريفاً له وتعظيماً وتكريماً: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون اللّه} ، كقوله جلَّ وعلا: { من يطع الرسول فقد أطاع اللّه} ، { يد اللّه فوق أيديهم} أي هو حاضر معهم، يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله، كقوله تعالى: { إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون} ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (من سل سيفه في سبيل اللّه فقد بايع اللّه) ""أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي جرير مرفوعاً""، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الحجر: (واللّه ليبعثنه اللّه عزَّ وجلَّ يوم القيامة له عينان ينظر بهما ولسان ينطق به ويشهد على من استلمه بالحق، فمن استلمه فقد بايع اللّه تعالى) ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون اللّه يد اللّه فوق أيديهم} ""أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس""، ولهذا قال تعالى ههنا: { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} أي إنما يعود وبال ذلك على الناكث، واللّه غني عنه { ومن أوفى بما عاهد عليه اللّه فسيؤتيه أجراً عظيماً} أي ثواباً جزيلاً، وهذه البيعة هي بيعة الرضوان وكانت تحت شجرة سمرة بالحديبية، وكان الصحابة رضي اللّه عنهم الذين بايعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يومئذ ألفاً وأربعمائة، روى البخاري ومسلم عن جابر رضي اللّه عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، حتى رووا كلهم، وفي رواية في الصحيحين عن جابر رضي اللّه عنه: أنهم كانوا خمس عشرة مائة. ذكر سبب هذه البيعة العظيمة . قال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ليبعثه إلى مكة، ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول اللّه إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان رضي اللّه عنه نبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته، فخرج عثمان رضي اللّه عنه إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره، حتى بلَّغ رسالة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فانطلق عثمان رضي اللّه عنه حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان رضي اللّه عنه حين فرغ من رسالة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين أن عثمان رضي اللّه عنه قد قتل. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد اللّه ابن أبي بكر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: (لا نبرح حتى نناجز القوم)، ودعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الموت. وكان جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما يقول: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يبايعهم على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر، فبايع الناس، ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس فكان جابر رضي اللّه عنه يقول: واللّه لكأني أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته قد صبأ إليها، يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن الذي كان من أمر عثمان رضي اللّه عنه باطل، قال أنس بن مالك رضي اللّه عنه: لما أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رضي اللّه عنه رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (اللهم إن عثمان في حاجة اللّه تعالى وحاجة رسوله) فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعثمان رضي اللّه عنه خيراً من أيديهم لأنفسهم ""أخرجه الحافظ البيهقي عن أَنَس بن مالك"". قال البخاري عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: إن الناس كانوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال: يعني عمر رضي اللّه عنه، يا عبد اللّه انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى عمر رضي اللّه عنه فخرج فبايع ""أخرجه البخاري في صحيحه""، وروى البخاري عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه قال: بايعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تحت الشجرة، قال يزيد: قلت يا أبا مسلمة على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. وثبت في الصحيحين عن سعيد بن المسيب قال: (كان أبي ممن بايع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تحت الشجرة قال: فانطلقنا من قابل حاجين، فخفي علينا مكانها) ""أخرجه الشيخان عن سعيد بن المشيب""، وروى الحميدي عن جابر رضي اللّه عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فقال لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أنتم خير أهل الأرض اليوم) قال جابر رضي اللّه عنه: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة ""أخرجه البخاري ومسلم من حديث سفيان"". وروى الإمام أحمد عن جابر رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة). ولهذا قال اللّه تعالى في الثناء عليهم: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون اللّه، يد اللّه فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه اللّه فسيؤتيه أجراً عظيماً} .

تفسير الجلالين

( إن الذين يبايعونك ) بيعة الرضوان بالحديبية . ( إنما يبايعون الله ) هو نحو "" من يطع الرسول فقد أطاع الله "" ( يد الله فوق أيديهم ) التي بايعوا بها النبي ، أي هو تعالى مطلع على مبايعتهم فيجازيهم عليها ( فمن نكث ) نقض البيعة ( فإنما ينكث ) يرجع وبال نقضه ( على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه ) بالياء والنون ( أجرا عظيما ) .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك } بِالْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَصْحَابك عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا عِنْد لِقَاء الْعَدُوّ , وَلَا يُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَار { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه } يَقُول : إِنَّمَا يُبَايِعُونَ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّاكَ اللَّه , لِأَنَّ اللَّه ضَمِنَ لَهُمْ الْجَنَّة بِوَفَائِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24362 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك } قَالَ : يَوْم الْحُدَيْبِيَة. 24363 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه يَد اللَّه فَوْق أَيْدِيهمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُث عَلَى نَفْسه } وَهُمْ الَّذِينَ بَايَعُوا يَوْم الْحُدَيْبِيَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك } بِالْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَصْحَابك عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا عِنْد لِقَاء الْعَدُوّ , وَلَا يُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَار { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه } يَقُول : إِنَّمَا يُبَايِعُونَ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّاكَ اللَّه , لِأَنَّ اللَّه ضَمِنَ لَهُمْ الْجَنَّة بِوَفَائِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24362 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك } قَالَ : يَوْم الْحُدَيْبِيَة. 24363 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه يَد اللَّه فَوْق أَيْدِيهمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُث عَلَى نَفْسه } وَهُمْ الَّذِينَ بَايَعُوا يَوْم الْحُدَيْبِيَة . ' وَفِي قَوْله : { يَد اللَّه فَوْق أَيْدِيهمْ } وَجْهَانِ مِنْ التَّأْوِيل : أَحَدهمَا : يَد اللَّه فَوْق أَيْدِيهمْ عِنْد الْبَيْعَة , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُبَايِعُونَ اللَّه بِبَيْعَتِهِمْ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَالْآخَر : قُوَّة اللَّه فَوْق قُوَّتهمْ فِي نُصْرَة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نُصْرَته عَلَى الْعَدُوّ .وَفِي قَوْله : { يَد اللَّه فَوْق أَيْدِيهمْ } وَجْهَانِ مِنْ التَّأْوِيل : أَحَدهمَا : يَد اللَّه فَوْق أَيْدِيهمْ عِنْد الْبَيْعَة , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُبَايِعُونَ اللَّه بِبَيْعَتِهِمْ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَالْآخَر : قُوَّة اللَّه فَوْق قُوَّتهمْ فِي نُصْرَة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نُصْرَته عَلَى الْعَدُوّ .' وَقَوْله : { فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُث عَلَى نَفْسه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَته إِيَّاكَ يَا مُحَمَّد , وَنَقَضَهَا فَلَمْ يَنْصُرك عَلَى أَعْدَائِك , وَخَالَفَ مَا وَعَدَ رَبّه { فَإِنَّمَا يَنْكُث عَلَى نَفْسه } يَقُول : فَإِنَّمَا يَنْقُض بَيْعَته , لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ يَخْرُج مِمَّنْ وَعَدَهُ اللَّه الْجَنَّة بِوَفَائِهِ بِالْبَيْعَةِ , فَلَمْ يَضُرّ بِنَكْثِهِ غَيْر نَفْسه , وَلَمْ يَنْكُث إِلَّا عَلَيْهَا , فَأَمَّا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاصِره عَلَى أَعْدَائِهِ , نَكَثَ النَّاكِث مِنْهُمْ , أَوْ وَفَّى بِبَيْعَتِهِ .وَقَوْله : { فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُث عَلَى نَفْسه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَته إِيَّاكَ يَا مُحَمَّد , وَنَقَضَهَا فَلَمْ يَنْصُرك عَلَى أَعْدَائِك , وَخَالَفَ مَا وَعَدَ رَبّه { فَإِنَّمَا يَنْكُث عَلَى نَفْسه } يَقُول : فَإِنَّمَا يَنْقُض بَيْعَته , لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ يَخْرُج مِمَّنْ وَعَدَهُ اللَّه الْجَنَّة بِوَفَائِهِ بِالْبَيْعَةِ , فَلَمْ يَضُرّ بِنَكْثِهِ غَيْر نَفْسه , وَلَمْ يَنْكُث إِلَّا عَلَيْهَا , فَأَمَّا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاصِره عَلَى أَعْدَائِهِ , نَكَثَ النَّاكِث مِنْهُمْ , أَوْ وَفَّى بِبَيْعَتِهِ .' وَقَوْله : { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّه } . .. الْآيَة , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الصَّبْر عِنْد لِقَاء الْعَدُوّ فِي سَبِيل اللَّه وَنُصْرَة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَعْدَائِهِوَقَوْله : { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّه } . .. الْآيَة , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الصَّبْر عِنْد لِقَاء الْعَدُوّ فِي سَبِيل اللَّه وَنُصْرَة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَعْدَائِهِ' يَقُول : فَسَيُعْطِيهِ اللَّه ثَوَابًا عَظِيمًا , وَذَلِكَ أَنْ يُدْخِلهُ الْجَنَّة جَزَاء لَهُ عَلَى وَفَائِهِ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّه , وَوَثَّقَ لِرَسُولِهِ عَلَى الصَّبْر مَعَهُ عِنْد الْبَأْس بِالْمُؤَكِّدَةِ مِنْ الْأَيْمَان . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24364 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } وَهِيَ الْجَنَّة . يَقُول : فَسَيُعْطِيهِ اللَّه ثَوَابًا عَظِيمًا , وَذَلِكَ أَنْ يُدْخِلهُ الْجَنَّة جَزَاء لَهُ عَلَى وَفَائِهِ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّه , وَوَثَّقَ لِرَسُولِهِ عَلَى الصَّبْر مَعَهُ عِنْد الْبَأْس بِالْمُؤَكِّدَةِ مِنْ الْأَيْمَان . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24364 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } وَهِيَ الْجَنَّة . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن الذين يبايعونك} بالحديبية يا محمد. { إنما يبايعون الله} بين أن بيعتهم لنبيه إنما هي بيعة الله، كما قال تعالى { من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء : 80]. وهذه المبايعة هي بيعة الرضوان، على ما يأتي بيانها في هذه السورة إن شاء الله تعالى. { يد الله فوق أيديهم} قيل : يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويده في المنة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة. وقال الكلبي : معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة. وقال ابن كيسان : قوه الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم. { فمن نكث} بعد البيعة. { فإنما ينكث على نفسه} أي يرجع ضرر النكث عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب. { ومن أوفى بما عاهد عليه الله} قيل في البيعة. وقيل في إيمانه. وقرأ حفص والزهري { عليه} بضم الهاء. وجرها الباقون. { فسيؤتيه أجرا عظيما} يعني في الجنة. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر { فسنؤتيه} بالنون. واختاره الفراء وأبو معاذ. وقرأ الباقون بالياء. وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لقرب اسم الله منه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الفتح الايات 5 - 27

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحديث هنا عن بيعة الحديبية التي كانت عند شجرة الرضوان التي قال الله فيها في نفس هذه السورة
{  لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً }
[الفتح: 18].

إذن: الفتح الذي نحن بصدده ظهرت بشائره في هذه البيعة في بداية الفتح الأعظم، لذلك لما اعترض سيدنا عمر وقال لسيدنا رسول الله: لِمَ نُعطِ الدنية في ديننا؟ نهره الصِّديق أبو بكر وقال له: الزم غرزك يا عمر. يعني: لا تتعد حدودك واعرف مكانك.

وكان الصِّديق يقول: والله ما كان فَتْحٌ في الإسلام أعظمَ من فتح الحديبية، لماذا؟ لأنه الذي مهَّد لفتح مكة، ولكن الناس وقتها لم يتسع ظنهم لما بين محمد وربه، ومن طبيعة الناس العجلة.

أما الحق سبحانه فلا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد، وتعلمون قصة السيدة أم سلمة " لما دخل عليها سيدنا رسول الله مُغْضباً، فقالت له: ما أغضبك يا رسول الله؟ قال: هلك المسلمون يا أم سلمة أمرتهم فلم يمتثلوا. قالت: يا رسول الله إنهم مكروبون جاءوا على شوق لرؤية الكعبة، ثم يُمنعون عنها وبينهم وبينها كذا وكذا، اعذرهم يا رسول الله وانظر إلى ما أمرك الله به فافعله ولا تكلم أحداً، فإنهم إنْ رأوك فعلتَ فعلوا ".

ونحجت خطة أم سلمة ونجى المسلمون من فتنة كادت تهلكهم، صحيح هي عصبية إيمانية وأمر في ظاهره يُرضي رسول الله، لكن إنْ كان الأمر الأعلى من الله فهو أَوْلى بالسمع والطاعة.

لذلك قالوا: من الشجاعة أن تجبن ساعة، هَبْ ونحن جالسون في مكان وبيننا أكابر وعظماء ودخل علينا مجرم وفي يده مسدس وأمرنا بالقيام وهددنا، ماذا نفعل؟ لابّد أنْ نمتثل لأمره في هذا الموقف حتى لا نخاطر بأنفسنا.

فهناك شجاعة على الغير، وشجاعة على النفس، وهذه من الحنكة والسياسة، وهذا ما فعله رسول الله وما رآه بما لديه من نورانية موصولة بالحق سبحانه.

وكان هذا الصلح رفعة للإسلام وإعلاءً لرايته مع أنهم عادوا ولم يدخلوا مكة، ذلك لأن قريشاً كانت تتخذ من الإسلام عدواً، ولا تسمح له بأنْ يُعبِّر عن نفسه، والآن تفتح معه باب الحوار والمناقشة. إذن: أصبح للإسلام كيان وكلمة تُسمع، وارتفع عن ذلّة الماضي وهوانه.

كذلك كان الصلح تهدئة لقريش وإزالة لما لديها من حقد وشحناء ضد المسلمين، فالبصلح معهم نأمن جانبهم لنتفرغ لنشر الدعوة في باقي جزيرة العرب، وقبل أنْ يصل المسلمون في طريق عودتهم إلى المدينة بيَّن الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم المسألة، فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ... } [الفتح: 10].والمبايعة عقد بين طرفين واتفاق، والبيع أمر محبوب للإنسان على خلاف الشراء، لذلك قال تعالى في الجمعة
{  فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ... }
[الجمعة: 9] لأنك تحب أن تبيع، أما الشراء فلا تحرص عليه كما تحرص على البيع وقد تشتري وأنت كاره.

إذن: يبايعونك يعني: يعقدون معك عقد بيع، هذا العقد شرحه الحق سبحانه في قوله:
{  إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ... }
[التوبة: 111].

إذن: عقدوا هذه الصفقة مع الله { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ... } [الفتح: 10] لأنك يا محمد لا تأخذ شيئاً لنفسك، إما تأخذ لمنهج الله الذي أرسلك به وبعثك من أجله.

فبيعة الرسول هي في الحقيقة بيعة لله، لذلك قال: { يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ... } [الفتح: 10] أي: فوق الأيدي التي امتدتْ لتبايع رسول الله، فكانت يد الله فوق يد الجميع، لأن المنة هنا من الله فلا تظنوا المنة منكم بأن بايعتم، بل المنة من الله عليكم، ويده فوق أيديكم وهو الذي ساق لكم هذا الخير الذي يُسعدكم في الدنيا وفي الآخرة.

واليد هنا ليست هي اليد التي نعرفها كأيدينا، بل هي يد المنَّة والمعروف، كما تقول مثلاً: فلان له علىَّ يد. يعني: نعمة أو مكْرمة وجميل.

وقوله: { فَمَن نَّكَثَ... } [الفتح: 10] أي: نقض عهده { فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ... } [الفتح: 10] فهو المضار، لأن الله تعالى لا يضره شيء من أفعال العباد، لا تنفعه طاعة وتضره معصية.

وفي المقابل: { وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ... } [الفتح: 10] يعني: وفَّى وكان عند العهد الذي أخذه على نفسه { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً... } [الفتح: 10].

ذكر البخاري ومسلم هذه القصة، وأن الحديبية مكان يبعد عن مكة حوالي 22 كم عند شجرة كانت مائلة فسميت الحديبية، أو عند عين ماء كانوا يرتوون منها، وأن عددهم كان ألفاً وأربعمائة، في رواية البخاري روى سيدنا سلمة بن الأكوع أنهم بايعوا رسول الله على الموت، وفي رواية مسلم أنهم بايعوه على ألاَّ يفروا من المعركة.


www.alro7.net