سورة
اية:

ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً على التفكير في مخلوقاته الدالة على وجوده، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، { أولم يتفكروا في أنفسهم} يعني به النظر والتأمل لخلق اللّه الأشياء، من العالم العلوي والسفلي، وما بينهما من المخلوقات المتنوعة، والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سدى ولا باطلاً بل بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، ولهذا قال تعالى: { وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون} ، ثم نبههم على صدق رسله فيما جاءوا به عنه، بما أيدهم به من المعجزات والدلائل الواضحات، من إهلاك من كفر بهم، ونجاة من صدقهم، فقال تعالى: { أولم يسيروا في الأرض} أي بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماع أخبار الماضين، ولهذا قال: { فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة} أي كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً، ومكنوا في الدنيا تمكيناً لم تبلغوا إليه، وعمروا فيها أعماراً طوالاً فعمروها أكثر منكم، واستغلوها أكثر من استغلالكم، ومع هذا فلما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا أخذهم اللّه بذنوبهم وما كان لهم من اللّه من واق، ولا حالت أموالهم وأولادهم بينهم وبين بأس اللّه ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان اللّه ليظلمهم فيما أحل بهم من العذاب والنكال، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} حيث كذبوا بآيات اللّه واستهزءوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة وتكذيبهم المتقدم، ولهذا قال تعالى: { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات اللّه وكانوا بها يستهزئون} ، كما قال تعالى: { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} ، وقال تعالى: { فلما زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم} أي كانت السوأى عاقبتهم لأنهم كذبوا بآيات اللّه وكانوا بها يستهزئون.

تفسير الجلالين

ثم كان عاقبة الذين أساءُوا السُّوأى } تأنيث الأسوأ: الأقبح خبر كان على رفع عاقبة واسم كان على نصب عاقبة، والمراد بها جهنم وإساءتهم { أن } أي: بأن { كذبوا بآيات الله } القرآن { وكانوا بها يستهزءُون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ كَانَ آخِر أَمْر مَنْ كَفَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَثَارُوا الْأَرْض وَعَمَرُوهَا , وَجَاءَتْهُمْ رُسُلهمْ بِالْبَيِّنَاتِ بِاَللَّهِ , وَكَذَّبُوا رُسُلهمْ , فَأَسَاءُوا بِذَلِكَ فِي فِعْلهمْ . السُّوأَى : يَعْنِي الْخُلَّة الَّتِي هِيَ أَسْوَأ مِنْ فِعْلهمْ ; أَمَّا فِي الدُّنْيَا , فَالْبَوَار وَالْهَلَاك , وَأَمَّا فِي الْآخِرَة فَالنَّار لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا , وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21250 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى } : الَّذِينَ أَشْرَكُوا السُّوأَى : أَيْ النَّار . 21251 -حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى } يَقُول : الَّذِينَ كَفَرُوا جَزَاؤُهُمْ الْعَذَاب. وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول : السُّوأَى فِي هَذَا الْمَوْضِع : مَصْدَر , مِثْل البُقوى , وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ غَيْره فَقَالَ : هِيَ اِسْم . وَقَوْله : { أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه } يَقُول : كَانَتْ لَهُمْ السُّوأَى , لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا فِي الدُّنْيَا بِآيَاتِ اللَّه , وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ : يَقُول : وَكَانُوا بِحُجَجِ اللَّه وَهُمْ أَنْبِيَاؤُهُ وَرُسُله يَسْخَرُونَ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ كَانَ آخِر أَمْر مَنْ كَفَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَثَارُوا الْأَرْض وَعَمَرُوهَا , وَجَاءَتْهُمْ رُسُلهمْ بِالْبَيِّنَاتِ بِاَللَّهِ , وَكَذَّبُوا رُسُلهمْ , فَأَسَاءُوا بِذَلِكَ فِي فِعْلهمْ . السُّوأَى : يَعْنِي الْخُلَّة الَّتِي هِيَ أَسْوَأ مِنْ فِعْلهمْ ; أَمَّا فِي الدُّنْيَا , فَالْبَوَار وَالْهَلَاك , وَأَمَّا فِي الْآخِرَة فَالنَّار لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا , وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21250 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى } : الَّذِينَ أَشْرَكُوا السُّوأَى : أَيْ النَّار . 21251 -حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى } يَقُول : الَّذِينَ كَفَرُوا جَزَاؤُهُمْ الْعَذَاب. وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول : السُّوأَى فِي هَذَا الْمَوْضِع : مَصْدَر , مِثْل البُقوى , وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ غَيْره فَقَالَ : هِيَ اِسْم . وَقَوْله : { أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه } يَقُول : كَانَتْ لَهُمْ السُّوأَى , لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا فِي الدُّنْيَا بِآيَاتِ اللَّه , وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ : يَقُول : وَكَانُوا بِحُجَجِ اللَّه وَهُمْ أَنْبِيَاؤُهُ وَرُسُله يَسْخَرُونَ.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوءى} السوءى فعلى من السوء تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، وقيل : يعني بها ها هنا النار؛ قاله ابن عباس. ومعنى { أساءوا} أشركوا؛ دل عليه { أن كذبوا بآيات الله} . { السوءى} : اسم جهنم؛ كما أن الحسنى اسم الجنة. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { ثم كان عاقبة الذين} بالرفع اسم كان، وذكرت لأن تأنيثها غير حقيقي. و { السوءى} خبر كان. والباقون بالنصب على خبر كان. { السوءى} بالرفع اسم كان. ويجوز أن يكون اسمها التكذيب؛ فيكون التقدير : ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساؤوا ويكون السوأى مصدرا لأساءوا، أو صفة لمحذوف؛ أي الخلة السوءى. وروي عن الأعمش أنه قرأ { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء} برفع السوء. قال النحاس : السوء أشد الشر؛ والسوأى الفعلى منه. { أن كذبوا بآيات الله} أي لأن كذبوا؛ قاله الكسائي. وقيل : بأن كذبوا. وقيل بمحمد والقرآن؛ قاله الكلبي. مقاتل : بالعذاب أن ينزل بهم. الضحاك : بمعجزات محمد صلى الله عليه وسلم { وكانوا بها يستهزئون} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الروم الايات 8 - 18

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الإساءة ضدها الإحسان، وسبق أن قلنا: إن الإحسان: أن تترك الصالح على صلاحه، أو أن تزيده صلاحاً، ومثَّلْنا لذلك ببئر الماء الذي يشرب منه الناس، فواحد يأتي إليه فيردمه أو يُلوث ماءه، وآخر يبني حوله سياجاً يحميه أو يجعل له آلة تُخرج الماء وتُريح الناس، فهذا أحسن وذاك أساء، فإذا لم تكُنْ محسناً فلا أقلَّ من أنْ تكفَّ إساءتك، وتدع الحال على ما هو عليه.

والحق - سبحانه وتعالى - خلق الكون على هيئة الصلاح، ولو تركناه كما خلقه ربه لَظلَّ على صلاحه، إِذاً لا يأتي الفساد إلا من تدخُّل الإنسان؛ لذلك يقول سبحانه
{  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ }
[البقرة: 11-12].

وينبغي على الإنسان أنْ يأخذ من ظواهر الكون ما يفيده، أذكر أننا حينما سافرنا إلى مكة سنة 1950 كنا ننتظر السَّقاء الذي يأتي لنا بقربة الماء، ويأخذ أجرة حملها، وكنا نضعها في (البزان) وهو مثل (الزير) عندنا، فإذا أراد أحدنا أن يتوضأ يأخذ من الماء كوزاً واحداً ويقول: نويت نية الاغتراف، ولا يزيد في وضوئه عن هذا الكوز؛ لأننا نشتري الماء، أما الآن فالواحد منا لا تكفيه (صفيحة) لكي يتوضأ من حنفية الماء. وفي ترشيد استعمال الماء ترشيد أيضاً للصرف الصحي وللمياه الجوفية التي تضر بالمباني وبالتربة الزراعية.

لذلك يحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الإسراف في استعمال الماء حتى لو كنَّا على نهر جارٍ.

فمعنى الذين أساءوا: أي الذي جاء إلى الصالح فأفسده أو أنشأ إفساداً جديداً، وطبيعي أن تكون عاقبته من جنس فِعْله { عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ } [الروم: 10] والسُّوأى: مؤنث سيء مثل: حسن للمذكر، وحُسْنى للمؤنث. وأصغر وصُغْرى، فهي أفعل تفضيل من السُّوء.

ثم يقول سبحانه: { أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ } [الروم: 10] فالأمر لم يقف عند حَدٍّ التكذيب بالآيات، إنما تعدّى التكذيب إلى الاستهزاء، فما فلسفة أهل الاستهزاء حينما يستهزئون بالآخرين؟ كثيراً ما نلاحظ أن التلميذ الفاشل يستهزيء بالمجتهد، والمنحرف يستهزيء بالمستقيم، لماذا؟

لأن حظ الفاشل أنْ يزهد المجتهد في اجتهاده، وحظ المنحرف أن يصير المستقيم منحرفاً مثله، ومن هنا نسمع عبارات السخرية من الآخرين كما حكاها القرآن:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ }
[المطففين: 29-32].

لكن لا تتعجل، وانتظر عاقبة ذلك حينما يأخذ هؤلاء المؤمنون أماكنهم في الجنة، ويجلسون على سُرُرها وأرائكها:
{  فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }
[المطففين: 34-36].

والخطاب هنا للمؤمنين الذين تحملوا السخرية والاستهزاء في الدنيا: أقدرنا أنْ نجازيهم على ما فعلوه بكم؟

إذن: فلسفة الاستهزاء أن الإنسان لم يقدر على نفسه ليحملها على الفضائل، فيغيظه كل صاحب فضيلة، ويؤلمه أنْ يرى مستقيماً ينعم بعزِّ الطاعة، وهو في حمئة المعصية؛ لذلك يسخر منه لعله ينصرف عما هو فيه من الطاعة والاستقامة.

ثم يقول الحق سبحانه: { ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ... }.


www.alro7.net