سورة
اية:

إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا

تفسير بن كثير

هذا إخبار من اللّه تعالى عن قصة أصحاب الكهف { أم حسبت} يعني يا محمد { أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} أي ليس أمرهم عجيباً في قدرتنا وسلطاننا فإن خلق السماوات والأرض وتسخير الشمس والقمر وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة اللّه تعالى؛ وأنه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء - أعجب من أخبار أصحاب الكهف، كما قال مجاهد: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك، وقال ابن عباس: الذي آتيتك من العلم والسنّة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم، وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم، وأما الكهف: فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون، وأما الرقيم: فقال ابن عباس: هو واد قريب من أيلة. وقال الضحّاك: أما الكهف فهو غار الوادي، والرقيم اسم الوادي، وقال مجاهد: الرقيم كتاب بنيانهم، ويقول بعضهم هو الوادي الذي فيه كهفهم. وقال ابن عباس: الرقيم الجبل الذي فيه الكهف. وقال سعيد بن جبير: الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرقيم الكتاب، ثم قرأ { كتاب مرقوم} وهذا هو الظاهر من الآية وهو اختيار ابن جرير، قال الرقيم بمعنى مرقوم، كما يقال للمقتول قتيل وللمجروح جريح، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا} يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه فهربوا منهم فلجأوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين من اللّه تعالى رحمته ولطفه بهم: { ربنا آتنا من لدنك رحمة} أي هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا، { وهيئ لنا من أمرنا رشدا} أي اجعل عاقبتنا رشداً، كما جاء في الحديث: (وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشداً). وفي المسند عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يدعو: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة)، وقوله: { فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا} أي ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة { ثم بعثناهم} أي من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعاماً يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال: { ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين} أي المختلفين فيهم { أحصى لما لبثوا أمدا} قيل: عدداً، وقيل: غاية.

تفسير الجلالين

اذكر { إذ أوى الفتية إلى الكهف } جمع فتى وهو الشاب الكامل ، خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار { فقالوا ربنا آتنا من لدنك } من قبلك { رحمة وهيئ } أصلح { لنا من أمرنا رشدا } هداية .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِذْ أَوَى الْفِتْيَة إِلَى الْكَهْف فَقَالُوا رَبّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْك رَحْمَة وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرنَا رَشَدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم كَانُوا مِنْ آيَاتنَا عَجَبًا } حِين أَوَى الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف إِلَى كَهْف الْجَبَل , هَرَبًا بِدِينِهِمْ إِلَى اللَّه , فَقَالُوا إِذْ أَوَوْهُ : { رَبّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْك رَحْمَة } رَغْبَة مِنْهُمْ إِلَى رَبّهمْ , فِي أَنْ يَرْزُقهُمْ مِنْ عِنْده رَحْمَة . وَقَوْله : { وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرنَا رَشَدًا } يَقُول : وَقَالُوا : يَسِّرْ لَنَا بِمَا نَبْتَغِي وَمَا نَلْتَمِس مِنْ رِضَاك وَالْهَرَب مِنْ الْكُفْر بِك , وَمِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان الَّتِي يَدْعُونَا إِلَيْهَا قَوْمنَا , { رَشَدًا } يَقُول : سَدَادًا إِلَى الْعَمَل بِاَلَّذِي تُحِبّ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي سَبَب مَصِير هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة إِلَى الْكَهْف الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي كِتَابه , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ سَبَب ذَلِكَ , أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عَلَى دِين عِيسَى , وَكَانَ لَهُمْ مَلِك عَابِد وَثَن , دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَة الْأَصْنَام فَهَرَبُوا بِدِينِهِمْ مِنْهُ خَشْيَة أَنْ يَفْتِنهُمْ عَنْ دِينهمْ , أَوْ يَقْتُلهُمْ , فَاسْتَخْفَوْا مِنْهُ فِي الْكَهْف . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17268 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا الْحَكَم بْن بَشِير , قَالَ : ثنا عَمْرو فِي قَوْله : { أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم } كَانَتْ الْفِتْيَة عَلَى دِين عِيسَى عَلَى الْإِسْلَام , وَكَانَ مَلِكهمْ كَافِرًا , وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُمْ صَنَمًا , فَأَبَوْا , وَقَالُوا : { رَبّنَا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونه إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } 18 14 قَالَ : فَاعْتَزَلُوا عَنْ قَوْمهمْ لِعِبَادَةِ اللَّه , فَقَالَ أَحَدهمْ : إِنَّهُ كَانَ لِأَبِي كَهْف يَأْوِي فِيهِ غَنَمه , فَانْطَلِقُوا بِنَا نَكُنْ فِيهِ , فَدَخَلُوهُ , وَفُقِدُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَان فَطُلِبُوا , فَقِيلَ : دَخَلُوا هَذَا الْكَهْف , فَقَالَ قَوْمهمْ : لَا نُرِيد لَهُمْ عُقُوبَة وَلَا عَذَابًا أَشَدّ مِنْ أَنْ نَرْدِم عَلَيْهِمْ هَذَا الْكَهْف , فَبَنَوْهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَدَمُوهُ . ثُمَّ إِنَّ اللَّه بَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا عَلَى دِين عِيسَى , وَرَفَعَ ذَلِكَ الْبِنَاء الَّذِي كَانَ رُدِمَ عَلَيْهِمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { كَمْ لَبِثْتُمْ } ؟ ف { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم } حَتَّى بَلَغَ { فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَة } 18 19 وَكَانَ وَرِق ذَلِكَ الزَّمَان كِبَارًا , فَأَرْسَلُوا أَحَدهمْ يَأْتِيهِمْ بِطَعَامٍ وَشَرَاب ; فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَخْرُج , رَأَى عَلَى بَاب الْكَهْف شَيْئًا أَنْكَرَهُ ; فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِع , ثُمَّ مَضَى حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَة , فَأَنْكَرَ مَا رَأَى , ثُمَّ أَخْرَجَ دِرْهَمًا , فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَأَنْكَرُوهُ , وَأَنْكَرُوا الدِّرْهَم , وَقَالُوا : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا ؟ هَذَا مِنْ وَرِق غَيْر هَذَا الزَّمَان , وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ , فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى اِنْطَلَقُوا بِهِ إِلَى مَلِكهمْ , وَكَانَ لِقَوْمِهِمْ لَوْح يَكْتُبُونَ فِيهِ مَا يَكُون , فَنَظَرُوا فِي ذَلِكَ اللَّوْح , وَسَأَلَهُ الْمَلِك , فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ , وَنَظَرُوا فِي الْكِتَاب مَتَى فُقِدَ , فَاسْتَبْشَرُوا بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ , وَقِيلَ لَهُ : اِنْطَلِقْ بِنَا فَأَرِنَا أَصْحَابك , فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقُوا مَعَهُ , لِيُرِيَهُمْ , فَدَخَلَ قَبْل الْقَوْم , فَضُرِبَ عَلَى آذَانهمْ , فَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرهمْ : { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } 18 21 17269 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : مَرِجَ أَمْر أَهْل الْإِنْجِيل وَعَظُمَتْ فِيهِمْ الْخَطَايَا وَطَغَتْ فِيهِمْ الْمُلُوك , حَتَّى عَبَدُوا الْأَصْنَام وَذَبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ , وَفِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ بَقَايَا عَلَى أَمْر عِيسَى اِبْن مَرْيَم , مُتَمَسِّكُونَ بِعِبَادَةِ اللَّه وَتَوْحِيده , فَكَانَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ مُلُوكهمْ , مَلِك مِنْ الرُّوم يُقَال لَهُ : دقينوس , كَانَ قَدْ عَبَدَ الْأَصْنَام , وَذَبَحَ لِلطَّوَاغِيتِ , وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ أَقَامَ عَلَى دِين عِيسَى اِبْن مَرْيَم . كَانَ يَنْزِل فِي قُرَى الرُّوم , فَلَا يَتْرُك فِي قَرْيَة يَنْزِلهَا أَحَدًا مِمَّنْ يَدِين بِدِينِ عِيسَى اِبْن مَرْيَم إِلَّا قَتَلَهُ , حَتَّى يَعْبُد الْأَصْنَام , وَيَذْبَح لِلطَّوَاغِيتِ , حَتَّى نَزَلَ دقينوس مَدِينَة الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف ; فَلَمَّا نَزَلَهَا دقينوس كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى أَهْل الْإِيمَان , فَاسْتَخْفَوْا مِنْهُ وَهَرَبُوا فِي كُلّ وَجْه . وَكَانَ دقينوس قَدْ أَمَرَ حِين قَدِمَهَا أَنْ يُتَّبَع أَهْل الْإِيمَان فَيُجْمَعُوا لَهُ , وَاِتَّخَذَ شَرْطًا مِنْ الْكُفَّار مِنْ أَهْلهَا , فَجَعَلُوا يَتْبَعُونَ أَهْل الْإِيمَان فِي أَمَاكِنهمْ الَّتِي يَسْتَخْفُونَ فِيهَا , فَيَسْتَخْرِجُونَهُمْ إِلَى دقينوس , فَقَدَّمَهُمْ إِلَى الْمَجَامِع الَّتِي يُذْبَح فِيهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَيُخَيِّرهُمْ بَيْن الْقَتْل , وَبَيْن عِبَادَة الْأَوْثَان وَالذَّبْح لِلطَّوَاغِيتِ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْغَب فِي الْحَيَاة وَيُفَظَّع بِالْقَتْلِ فَيُفْتَتَن , وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْبَى أَنْ يَعْبُد غَيْر اللَّه فَيُقْتَل ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْل الصَّلَابَة مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ , جَعَلُوا يُسَلِّمُونَ أَنْفُسهمْ لِلْعَذَابِ وَالْقَتْل , فَيُقَتَّلُونَ وَيُقَطَّعُونَ , ثُمَّ يُرْبَط مَا قُطِعَ مِنْ أَجْسَادهمْ , فَيُعَلَّق عَلَى سُور الْمَدِينَة مِنْ نَوَاحِيهَا كُلّهَا , وَعَلَى كُلّ بَاب مِنْ أَبْوَابهَا , حَتَّى عَظُمَتْ الْفِتْنَة عَلَى أَهْل الْإِيمَان , فَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ فَتُرِكَ , وَمِنْهُمْ مَنْ صُلِبَ عَلَى دِينه فَقُتِلَ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف , حَزَنُوا حُزْنًا شَدِيدًا , حَتَّى تَغَيَّرَتْ أَلْوَانهمْ , وَنَحَلَتْ أَجْسَامهمْ , وَاسْتَعَانُوا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالصَّدَقَة , وَالتَّحْمِيد , وَالتَّسْبِيح , وَالتَّهْلِيل , وَالتَّكْبِير , وَالْبُكَاء , وَالتَّضَرُّع إِلَى اللَّه , وَكَانُوا فِتْيَة أَحْدَاثًا أَحْرَارًا مِنْ أَبْنَاء أَشْرَاف الرُّوم . 17270 - فَحَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : لَقَدْ حُدِّثْت أَنَّهُ كَانَ عَلَى بَعْضهمْ مِنْ حَدَاثَة أَسْنَانه وَضَح الْوَرِق . قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَكَانُوا كَذَلِكَ فِي عِبَادَة اللَّه لَيْلهمْ وَنَهَارهمْ , يَبْكُونَ إِلَى اللَّه , وَيَسْتَغِيثُونَهُ , وَكَانُوا ثَمَانِيَة نَفَر ; مكسلمينا , وَكَانَ أَكْبَرهمْ , وَهُوَ الَّذِي كَلَّمَ الْمَلِك عَنْهُمْ , ومحسيميلنينا , ويمليخا , ومرطوس , وكشوطوش , وبيرونس , ودينموس , ويطونس قالوس فَلَمَّا أَجْمَعَ دقينوس أَنْ يَجْمَع أَهْل الْقَرْيَة لِعِبَادَةِ الْأَصْنَام , وَالذَّبْح لِلطَّوَاغِيتِ , بَكَوْا إِلَى اللَّه وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ , وَجَعَلُوا يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونك إِلَهًا { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } اِكْشِفْ عَنْ عِبَادك الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْفِتْنَة وَادْفَعْ عَنْهُمْ الْبَلَاء وَأَنْعِمْ عَلَى عِبَادك الَّذِينَ آمَنُوا بِك , وَمَنَعُوا عِبَادَتك إِلَّا سِرًّا , مُسْتَخْفِينَ بِذَلِكَ , حَتَّى يَعْبُدُوك عَلَانِيَة . فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ , عَرَفَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ مِنْ الْكُفَّار , مِمَّنْ كَانَ يَجْمَع أَهْل الْمَدِينَة لِعِبَادَةِ الْأَصْنَام , وَالذَّبْح لِلطَّوَاغِيتِ , وَذَكَرُوا أَمْرهمْ , وَكَانُوا قَدْ خَلَوْا فِي مُصَلًّى لَهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّه فِيهِ , وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ , وَيَتَوَقَّعُونَ أَنْ يُذْكَرُوا لدقينوس , فَانْطَلَقَ أُولَئِكَ الْكَفَرَة حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِمْ مُصَلَّاهُمْ , فَوَجَدُوهُمْ سُجُودًا عَلَى وُجُوههمْ يَتَضَرَّعُونَ , وَيَبْكُونَ , وَيَرْغَبُونَ إِلَى اللَّه أَنْ يُنَجِّيهِمْ مِنْ دقينوس وَفِتْنَته ; فَلَمَّا رَآهُمْ أُولَئِكَ الْكَفَرَة مِنْ عُرَفَائِهِمْ قَالُوا لَهُمْ : مَا خَلَّفَكُمْ عَنْ أَمْر الْمَلِك ؟ اِنْطَلِقُوا إِلَيْهِ ! ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ عِنْدهمْ , فَرَفَعُوا أَمْرهمْ إِلَى دقينوس , وَقَالُوا : تَجْمَع النَّاس لِلذَّبْحِ لِآلِهَتِك , وَهَؤُلَاءِ فِتْيَة مِنْ أَهْل بَيْتك , يَسْخَرُونَ مِنْك , وَيَسْتَهْزِئُونَ بِك , وَيَعْصُونَ أَمْرك , وَيَتْرُكُونَ آلِهَتك , يَعْمِدُونَ إِلَى مُصَلًّى لَهُمْ وَلِأَصْحَابِ عِيسَى اِبْن مَرْيَم يُصَلُّونَ فِيهِ , وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى إِلَههمْ وَإِلَه عِيسَى وَأَصْحَاب عِيسَى , فَلَمْ تَتْرُكهُمْ يَصْنَعُونَ هَذَا وَهُمْ بَيْن ظَهْرَانِيّ سُلْطَانك وَمُلْكك , وَهُمْ ثَمَانِيَة نَفَر : رَئِيسهمْ مكسلمينا , وَهُمْ أَبْنَاء عُظَمَاء الْمَدِينَة ؟ فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لدقينوس , بَعَثَ إِلَيْهِمْ , فَأُتِيَ بِهِمْ مِنْ الْمُصَلَّى الَّذِي كَانُوا فِيهِ تَفِيض أَعْيُنهمْ مِنْ الدُّمُوع مُعَفَّرَة وُجُوههمْ فِي التُّرَاب , فَقَالَ لَهُمْ : مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَشْهَدُوا الذَّبْح لِآلِهَتِنَا الَّتِي تُعْبَد فِي الْأَرْض , وَأَنْ تَجْعَلُوا أَنْفُسكُمْ أُسْوَة لِسَرَاةِ أَهْل مَدِينَتكُمْ , وَلِمَنْ حَضَرَ مِنَّا مِنْ النَّاس ؟ اِخْتَارُوا مِنِّي : إِمَّا أَنْ تَذْبَحُوا لِآلِهَتِنَا كَمَا ذَبَحَ النَّاس , وَإِمَّا أَنْ أَقْتُلكُمْ ! فَقَالَ مكسلمينا : إِنَّ لَنَا إِلَهًا نَعْبُدهُ مَلَأَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض عَظَمَته , لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونه إِلَهًا أَبَدًا , وَلَنْ نُقِرّ بِهَذَا الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ أَبَدًا , وَلَكِنَّا نَعْبُد اللَّه رَبّنَا , لَهُ الْحَمْد وَالتَّكْبِير وَالتَّسْبِيح مِنْ أَنْفُسنَا خَالِصًا أَبَدًا , إِيَّاهُ نَعْبُد , وَإِيَّاهُ نَسْأَل النَّجَاة وَالْخَيْر , فَأَمَّا الطَّوَاغِيت وَعِبَادَتهَا , فَلَنْ نُقِرّ بِهَا أَبَدًا , وَلَسْنَا بِكَائِنِينَ عِبَادًا لِلشَّيَاطِينِ , وَلَا جَاعِلِي أَنْفُسنَا وَأَجْسَادنَا عِبَادًا لَهَا , بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه لَهُ رَهْبَتك , أَوْ فَرَقًا مِنْ عُبُودَتك , اِصْنَعْ بِنَا مَا بَدَا لَك ; ثُمَّ قَالَ أَصْحَاب مكسلمينا لدقينوس مِثْل مَا قَالَ . قَالَ : فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لَهُ , أَمَرَ بِهِمْ فَنُزِعَ عَنْهُمْ لُبُوس كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ لُبُوس عُظَمَائِهِمْ , ثُمَّ قَالَ : أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَإِنِّي سَأُؤَخِّرُكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَهْل مَمْلَكَتِي وَبِطَانَتِي , وَأَهْل بِلَادِي , وَسَأَفْرُغُ لَكُمْ , فَأُنْجِز لَكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ مِنْ الْعُقُوبَة , وَمَا يَمْنَعنِي أَنْ أُعَجِّل ذَلِكَ لَكُمْ إِلَّا أَنِّي أَرَاكُمْ فِتْيَانًا حَدِيثَة أَسْنَانكُمْ , وَلَا أُحِبّ أَنْ أُهْلِككُمْ حَتَّى أَسْتَأْنِي بِكُمْ , وَأَنَا جَاعِل لَكُمْ أَجَلًا تَذْكُرُونَ فِيهِ , وَتُرَاجِعُونَ عُقُولكُمْ . ثُمَّ أَمَرَ بِحِلْيَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَهَب وَفِضَّة , فَنُزِعَتْ عَنْهُمْ ; ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَأُخْرِجُوا مِنْ عِنْده . وَانْطَلَقَ دقينوس مَكَانه إِلَى مَدِينَة سِوَى مَدِينَتهمْ الَّتِي هُمْ بِهَا قَرِيبًا مِنْهَا لِبَعْضِ مَا يُرِيد مِنْ أَمْره . فَلَمَّا رَأَى الْفِتْيَة دقينوس قَدْ خَرَجَ مِنْ مَدِينَتهمْ بَادَرُوا قُدُومه , وَخَافُوا إِذَا قَدِمَ مَدِينَتهمْ أَنْ يَذْكُر بِهِمْ , فَائْتَمَرُوا بَيْنهمْ أَنْ يَأْخُذ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ نَفَقَة مِنْ بَيْت أَبِيهِ , فَيَتَصَدَّقُوا مِنْهَا , وَيَتَزَوَّدُوا بِمَا بَقِيَ , ثُمَّ يَنْطَلِقُوا إِلَى كَهْف قَرِيب مِنْ الْمَدِينَة فِي جَبَل يُقَال لَهُ : بنجلوس فَيَمْكُثُوا فِيهِ , وَيَعْبُدُوا اللَّه حَتَّى إِذَا رَجَعَ دقينوس أَتَوْهُ فَقَامُوا بَيْن يَدَيْهِ , فَيَصْنَع بِهِمْ مَا شَاءَ . فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , عَمَدَ كُلّ فَتًى مِنْهُمْ , فَأَخَذَ مِنْ بَيْت أَبِيهِ نَفَقَة , فَتَصَدَّقَ مِنْهَا , وَانْطَلَقُوا بِمَا بَقِيَ مَعَهُمْ مِنْ نَفَقَتهمْ , وَاتَّبَعَهُمْ كَلْب لَهُمْ , حَتَّى أَتَوْا ذَلِكَ الْكَهْف الَّذِي فِي ذَلِكَ الْجَبَل , فَلَبِثُوا فِيهِ لَيْسَ لَهُمْ عَمَل إِلَّا الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالتَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَالتَّحْمِيد , اِبْتِغَاء وَجْه اللَّه تَعَالَى , وَالْحَيَاة الَّتِي لَا تَنْقَطِع , وَجَعَلُوا نَفَقَتهمْ إِلَى فَتًى مِنْهُمْ يُقَال لَهُ يمليخا , فَكَانَ عَلَى طَعَامهمْ , يَبْتَاع لَهُمْ أَرْزَاقهمْ مِنْ الْمَدِينَة سِرًّا مِنْ أَهْلهَا ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَجْمَلهمْ وَأَجْلَدهمْ , فَكَانَ يمليخا يَصْنَع ذَلِكَ , فَإِذَا دَخَلَ الْمَدِينَة يَضَع ثِيَابًا كَانَتْ عَلَيْهِ حِسَانًا , وَيَأْخُذ ثِيَابًا كَثِيَابِ الْمَسَاكِين الَّذِينَ يَسْتَطْعِمُونَ فِيهَا , ثُمَّ يَأْخُذ وَرِقه , فَيَنْطَلِق إِلَى الْمَدِينَة فَيَشْتَرِي لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا , وَيَتَسَمَّع وَيَتَجَسَّس لَهُمْ الْخَبَر , هَلْ ذُكِرَ هُوَ وَأَصْحَابه بِشَيْءٍ فِي مَلَإِ الْمَدِينَة , ثُمَّ يَرْجِع إِلَى أَصْحَابه بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابهمْ , وَيُخْبِرهُمْ بِمَا سَمِعَ مِنْ أَخْبَار النَّاس , فَلَبِثُوا بِذَلِكَ مَا لَبِثُوا . ثُمَّ قَدِمَ دقينوس الْجَبَّار الْمَدِينَة الَّتِي مِنْهَا خَرَجَ إِلَى مَدِينَته , وَهِيَ مَدِينَة أفسوس ; فَأَمَرَ عُظَمَاء أَهْلهَا , فَذَبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ , فَفَزِعَ فِي ذَلِكَ أَهْل الْإِيمَان , فَتَخَبَّئُوا مِنْ كُلّ مَخْبَأ ; وَكَانَ يمليخا بِالْمَدِينَةِ يَشْتَرِي لِأَصْحَابِهِ طَعَامهمْ وَشَرَابهمْ بِبَعْضِ نَفَقَتهمْ , فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابه وَهُوَ يَبْكِي وَمَعَهُ طَعَام قَلِيل , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْجَبَّار دقينوس قَدْ دَخَلَ الْمَدِينَة , وَأَنَّهُمْ قَدْ ذُكِرُوا وَافْتُقِدُوا وَالْتُمِسُوا مَعَ عُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة لِيَذْبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ ; فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ , فَزِعُوا فَزَعًا شَدِيدًا , وَوَقَعُوا سُجُودًا عَلَى وُجُوههمْ يَدْعُونَ اللَّه , وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ , وَيَتَعَوَّذُونَ بِهِ مِنْ الْفِتْنَة ; ثُمَّ إِنَّ يمليخا قَالَ لَهُمْ : يَا إِخْوَتاه , اِرْفَعُوا رُءُوسكُمْ , فَاطْعَمُوا مِنْ هَذَا الطَّعَام الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ , وَتَوَكَّلُوا عَلَى رَبّكُمْ ; فَرَفَعُوا رُءُوسهمْ , وَأَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع حَذَرًا وَتَخَوُّفًا عَلَى أَنْفُسهمْ , فَطَعِمُوا مِنْهُ , وَذَلِكَ مَعَ غُرُوب الشَّمْس , ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وَيَتَدَارَسُونَ , وَيَذْكُر بَعْضهمْ بَعْضًا عَلَى حُزْن مِنْهُمْ , مُشْفِقِينَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ صَاحِبهمْ مِنْ الْخَبَر . فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ , إِذْ ضَرَبَ اللَّه عَلَى آذَانهمْ فِي الْكَهْف سِنِينَ عَدَدًا , وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِبَابِ الْكَهْف , فَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ مُوقِنُونَ , مُصَدِّقُونَ بِالْوَعْدِ , وَنَفَقَتهمْ مَوْضُوعَة عِنْدهمْ ; فَلَمَّا كَانَ الْغَد فَقَدَهُمْ دقينوس , فَالْتَمَسَهُمْ فَلَمْ يَجِدهُمْ , فَقَالَ لِعُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة : لَقَدْ سَاءَنِي شَأْن هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ ذَهَبُوا . لَقَدْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ بِي غَضَبًا عَلَيْهِمْ فِيمَا صَنَعُوا فِي أَوَّل شَأْنهمْ , لِجَهْلِهِمْ مَا جَهِلُوا مِنْ أَمْرِي , مَا كُنْت لِأَجْهَل عَلَيْهِمْ فِي نَفْسِي , وَلَا أُؤَاخِذ أَحَدًا مِنْهُمْ بِشَيْءٍ إِنْ هُمْ تَابُوا وَعَبَدُوا آلِهَتِي , وَلَوْ فَعَلُوا لَتَرَكْتهمْ , وَمَا عَاقَبْتهمْ بِشَيْءٍ سَلَفَ مِنْهُمْ . فَقَالَ لَهُ عُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة : مَا أَنْتَ بِحَقِيقٍ أَنْ تَرْحَم قَوْمًا فَجَرَة مَرَدَة عُصَاة , مُقِيمِينَ عَلَى ظُلْمهمْ وَمَعْصِيَتهمْ , وَقَدْ كُنْت أَجَّلْتهمْ أَجَلًا , وَأَخَّرْتهمْ عَنْ الْعُقُوبَة الَّتِي أَصَبْت بِهَا غَيْرهمْ , وَلَوْ شَاءُوا لَرَجَعُوا فِي ذَلِكَ الْأَجَل , وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتُوبُوا وَلَمْ يَنْزِعُوا وَلَمْ يَنْدَمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا , وَكَانُوا مُنْذُ اِنْطَلَقْت يُبَذِّرُونَ أَمْوَالهمْ بِالْمَدِينَةِ ; فَلَمَّا عَلِمُوا بِقُدُومِك فَرُّوا فَلَمْ يُرَوْا بَعْد . فَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ تُؤْتَى بِهِمْ , فَأَرْسِلْ إِلَى آبَائِهِمْ فَامْتَحِنْهُمْ , وَاشْدُدْ عَلَيْهِمْ يَدُلُّوك عَلَيْهِمْ , فَإِنَّهُمْ مُخْتَبِئُونَ مِنْك . فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لدقينوس الْجَبَّار , غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا , ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى آبَائِهِمْ , فَأُتِيَ بِهِمْ فَسَأَلَهُمْ عَنْهُمْ وَقَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ أَبْنَائِكُمْ الْمَرَدَة الَّذِينَ عَصَوْا أَمْرِي , وَتَرَكُوا آلِهَتِي ; اِئْتُونِي بِهِمْ , وَأَنْبِئُونِي بِمَكَانِهِمْ ! فَقَالَ لَهُ آبَاؤُهُمْ : أَمَّا نَحْنُ فَلَمْ نَعْصِ أَمْرك وَلَمْ نُخَالِفك . قَدْ عَبَدْنَا آلِهَتك وَذَبَحْنَا لَهُمْ , فَلَمْ تَقْتُلنَا فِي قَوْم مَرَدَة , قَدْ ذَهَبُوا بِأَمْوَالِنَا فَبَذَّرُوهَا وَأَهْلَكُوهَا فِي أَسْوَاق الْمَدِينَة , ثُمَّ اِنْطَلَقُوا , فَارْتَقَوْا فِي جَبَل يُدْعَى بنجلوس , وَبَيْنه وَبَيْن الْمَدِينَة أَرْض بَعِيدَة هَرَبًا مِنْك ؟ ! فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ خَلَّى سَبِيلهمْ , وَجَعَلَ يَأْتَمِر مَاذَا يَصْنَع بِالْفِتْيَةِ , فَأَلْقَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي نَفْسه أَنْ يَأْمُر بِالْكَهْفِ فَيُسَدّ عَلَيْهِمْ كَرَامَة مِنْ اللَّه , أَرَادَ أَنْ يُكْرِمهُمْ , وَيُكْرِم أَجْسَاد الْفِتْيَة , فَلَا يَجُول , وَلَا يَطُوف بِهَا شَيْء , وَأَرَادَ أَنْ يُحْيِيهِمْ , وَيَجْعَلهُمْ آيَة لِأُمَّةٍ تُسْتَخْلَف مِنْ بَعْدهمْ , وَأَنْ يُبَيِّن لَهُمْ أَنَّ السَّاعَة آتِيَة لَا رَيْب فِيهَا , وَأَنَّ اللَّه يَبْعَث مَنْ فِي الْقُبُور . فَأَمَرَ دقينوس بِالْكَهْفِ أَنْ يُسَدّ عَلَيْهِمْ , وَقَالَ : دَعُوا هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الْمَرَدَة الَّذِينَ تَرَكُوا آلِهَتِي فَلْيَمُوتُوا كَمَا هُمْ فِي الْكَهْف عَطَشًا وَجُوعًا , وَلْيَكُنْ كَهْفهمْ الَّذِي اِخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ قَبْرًا لَهُمْ ; فَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ عَدُوّ اللَّه , وَهُوَ يَظُنّ أَنَّهُمْ أَيْقَاظ يَعْلَمُونَ مَا يَصْنَع بِهِمْ , وَقَدْ تَوَفَّى اللَّه أَرْوَاحهمْ وَفَاة النَّوْم , وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِبَابِ الْكَهْف , قَدْ غَشَّاهُ اللَّه مَا غَشَّاهُمْ , يُقَلَّبُونَ ذَات الْيَمِين وَذَات الشِّمَال . ثُمَّ إِنَّ رَجُلَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ كَانَا فِي بَيْت الْمَلِك دقينوس يَكْتُمَانِ إِيمَانهمَا : اِسْم أَحَدهمَا بيدروس , وَاسْم الْآخَر : روناس , فَائْتَمَرَا أَنْ يَكْتُبَا شَأْن الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف , أَنْسَابهمْ وَأَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ , وَقِصَّة خَبَرهمْ فِي لَوْحَيْنِ مِنْ رَصَاص , ثُمَّ يَصْنَعَا لَهُ تَابُوتًا مِنْ نُحَاس , ثُمَّ يَجْعَلَا اللَّوْحَيْنِ فِيهِ , ثُمَّ يَكْتُبَا عَلَيْهِ فِي فَم الْكَهْف بَيْن ظَهْرَانِيّ الْبُنْيَان , وَيَخْتِمَا عَلَى التَّابُوت بِخَاتَمِهِمَا , وَقَالَا : لَعَلَّ اللَّه أَنْ يُظْهِر عَلَى هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة قَوْمًا مُؤْمِنِينَ قَبْل يَوْم الْقِيَامَة , فَيَعْلَم مَنْ فَتَحَ عَلَيْهِمْ حِين يَقْرَأ هَذَا الْكِتَاب خَبَرهمْ , فَفَعَلَا ثُمَّ بَنَيَا عَلَيْهِ فِي الْبُنْيَان , فَبَقِيَ دقينوس وَقَرْنه الَّذِينَ كَانُوا مِنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَبْقَوْا , ثُمَّ هَلَكَ دقينوس وَالْقَرْن الَّذِي كَانُوا مَعَهُ , وَقُرُون بَعْده كَثِيرَة , وَخَلَفَتْ الْخُلُوف بَعْد الْخُلُوف . 17271 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ أَصْحَاب الْكَهْف أَبْنَاء عُظَمَاء مَدِينَتهمْ , وَأَهْل شَرَفهمْ , فَخَرَجُوا فَاجْتَمَعُوا وَرَاء الْمَدِينَة عَلَى غَيْر مِيعَاد , فَقَالَ رَجُل مِنْهُمْ هُوَ أَسَنّهمْ : إِنِّي لَأَجِد فِي نَفْسِي شَيْئًا مَا أَظُنّ أَنَّ أَحَدًا يَجِدهُ , قَالُوا : مَاذَا تَجِد ؟ قَالَ : أَجِد فِي نَفْسِي أَنَّ رَبِّي رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَقَالُوا : نَحْنُ نَجِد . فَقَامُوا جَمِيعًا , فَقَالُوا : { رَبّنَا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونه إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } 18 14 فَاجْتَمَعُوا أَنْ يَدْخُلُوا الْكَهْف , وَعَلَى مَدِينَتهمْ إِذْ ذَاكَ جَبَّار يُقَال لَهُ دقينوس , فَلَبِثُوا فِي الْكَهْف ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا رَقْدًا . 17272 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ : كَانَ أَصْحَاب الْكَهْف فِتْيَانًا مُلُوكًا مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ ذَوِي ذَوَائِب , وَكَانَ مَعَهُمْ كَلْب صَيْدهمْ , فَخَرَجُوا فِي عِيد لَهُمْ عَظِيم فِي زِيّ وَمَوْكِب , وَأَخْرَجُوا مَعَهُمْ آلِهَتهمْ الَّتِي يَعْبُدُونَ . وَقَذَفَ اللَّه فِي قُلُوب الْفِتْيَة الْإِيمَان فَآمَنُوا , وَأَخْفَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ الْإِيمَان عَنْ صَاحِبه , فَقَالُوا فِي أَنْفُسهمْ مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر إِيمَان بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : نَخْرُج مِنْ بَيْن أَظْهُر هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يُصِيبنَا عِقَاب بِجُرْمِهِمْ . فَخَرَجَ شَابّ مِنْهُمْ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى ظِلّ شَجَرَة , فَجَلَسَ فِيهِ , ثُمَّ خَرَجَ آخَر فَرَآهُ جَالِسًا وَحْده , فَرَجَا أَنْ يَكُون عَلَى مِثْل أَمْره مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر مِنْهُ , فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ , ثُمَّ خَرَجَ الْآخَرُونَ , فَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا , فَاجْتَمَعُوا , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَا جَمَعَكُمْ ؟ وَقَالَ آخَر : بَلْ مَا جَمَعَكُمْ ؟ وَكُلّ يَكْتُم إِيمَانه مِنْ صَاحِبه مَخَافَة عَلَى نَفْسه , ثُمَّ قَالُوا : لِيَخْرُج مِنْكُمْ فِتْيَان , فَيَخْلُوا , فَيَتَوَاثَقَا أَنْ لَا يُفْشِي وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه , ثُمَّ يُفْشِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَمْره , فَإِنَّا نَرْجُو أَنْ نَكُون عَلَى أَمْر وَاحِد . فَخَرَجَ فِتْيَان مِنْهُمْ فَتَوَاثَقَا , ثُمَّ تَكَلَّمَا , فَذَكَرَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَمْره لِصَاحِبِهِ , فَأَقْبَلَا مُسْتَبْشِرِينَ إِلَى أَصْحَابهمَا قَدْ اِتَّفَقَا عَلَى أَمْر وَاحِد , فَإِذَا هُمْ جَمِيعًا عَلَى الْإِيمَان , وَإِذَا كَهْف فِي الْجَبَل قَرِيب مِنْهُمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : اِئْتُوا إِلَى الْكَهْف { يَنْشُر لَكُمْ رَبّكُمْ مِنْ رَحْمَته وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ مِرْفَقًا } 18 16 فَدَخَلُوا الْكَهْف وَمَعَهُمْ كَلْب صَيْدهمْ فَنَامُوا , فَجَعَلَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ رَقْدَة وَاحِدَة , فَنَامُوا ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا . قَالَ : وَفَقَدَهُمْ قَوْمهمْ فَطَلَبُوهُمْ وَبَعَثُوا الْبُرُد , فَعَمَى اللَّه عَلَيْهِمْ آثَارهمْ وَكَهْفهمْ . فَلَمَّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ كَتَبُوا أَسْمَاءَهُمْ وَأَنْسَابهمْ فِي لَوْح : فُلَان اِبْن فُلَان , وَفُلَان اِبْن فُلَان أَبْنَاء مُلُوكنَا , فَقَدْنَاهُمْ فِي عِيد كَذَا وَكَذَا فِي شَهْر كَذَا وَكَذَا فِي سَنَة كَذَا وَكَذَا , فِي مَمْلَكَة فُلَان اِبْن فُلَان ; وَرَفَعُوا اللَّوْح فِي الْخِزَانَة . فَمَاتَ ذَلِكَ الْمَلِك وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ مَلِك مُسْلِم مَعَ الْمُسْلِمِينَ , وَجَاءَ قَرْن بَعْد قَرْن , فَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ مَصِيرهمْ إِلَى الْكَهْف هَرَبًا مِنْ طَلَب سُلْطَان كَانَ طَلَبَهُمْ بِسَبَبِ دَعْوَى جِنَايَة اُدُّعِيَ عَلَى صَاحِب لَهُمْ أَنَّهُ جَنَاهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17273 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيل بْن شروس , أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : جَاءَ حَوَارِيّ عِيسَى اِبْن مَرْيَم إِلَى مَدِينَة أَصْحَاب الْكَهْف , فَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلهَا , فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ عَلَى بَابهَا صَنَمًا لَا يَدْخُلهَا أَحَد إِلَّا سَجَدَ لَهُ . فَكَرِهَ أَنْ يَدْخُلهَا , فَأَتَى حَمَّامًا , فَكَانَ فِيهِ قَرِيبًا مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَة , فَكَانَ يَعْمَل فِيهِ يُؤَاجِر نَفْسه مِنْ صَاحِب الْحَمَّام . وَرَأَى صَاحِب الْحَمَّام فِي حَمَّامه الْبَرَكَة وَدُرَّ عَلَيْهِ الرِّزْق , فَجَعَلَ يَعْرِض عَلَيْهِ الْإِسْلَام , وَجَعَلَ يَسْتَرْسِل إِلَيْهِ , وَعَلَّقَهُ فِتْيَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , وَجَعَلَ يُخْبِرهُمْ خَبَر السَّمَاء وَالْأَرْض وَخَبَر الْآخِرَة , حَتَّى آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ , وَكَانُوا عَلَى مِثْل حَاله فِي حُسْن الْهَيْئَة . وَكَانَ يَشْتَرِط عَلَى صَاحِب الْحَمَّام أَنَّ اللَّيْل لِي لَا تَحُول بَيْنِي وَبَيْن الصَّلَاة إِذَا حَضَرَتْ ; فَكَانَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ اِبْن الْمَلِك بِامْرَأَةٍ , فَدَخَلَ بِهَا الْحَمَّام , فَعَيَّرَهُ الْحَوَارِيّ , فَقَالَ : أَنْتَ اِبْن الْمَلِك , وَتُدْخِل مَعَك هَذِهِ النَّكْدَاء ؟ ! فَاسْتَحْيَا , فَذَهَبَ فَرَجَعَ مَرَّة أُخْرَى , فَقَالَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ , فَسَبَّهُ وَانْتَهَرَهُ وَلَمْ يَلْتَفِت حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلَتْ مَعَهُ الْمَرْأَة , فَمَاتَا فِي الْحَمَّام جَمِيعًا . فَأُتِيَ الْمَلِك , فَقِيلَ لَهُ : قَتَلَ صَاحِب الْحَمَّام اِبْنك ! فَالْتُمِسَ , فَلَمْ يَقْدِر عَلَيْهِ هَرَبًا , قَالَ : مَنْ كَانَ يَصْحَبهُ ؟ فَسَمَّوْا الْفِتْيَة , فَالْتُمِسُوا , فَخَرَجُوا مِنْ الْمَدِينَة , فَمَرُّوا بِصَاحِبٍ لَهُمْ فِي زَرْع لَهُ , وَهُوَ عَلَى مِثْل أَمْرهمْ , فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ اُلْتُمِسُوا , فَانْطَلَقَ مَعَهُمْ الْكَلْب , حَتَّى أَوَاهُمْ اللَّيْل إِلَى الْكَهْف , فَدَخَلُوهُ , فَقَالُوا : نَبِيت هَهُنَا اللَّيْلَة , ثُمَّ نُصْبِح إِنْ شَاءَ اللَّه فَتَرَوْنَ رَأْيكُمْ , فَضُرِبَ عَلَى آذَانهمْ . فَخَرَجَ الْمَلِك فِي أَصْحَابه يَتَّبِعُونَهُمْ حَتَّى وَجَدُوهُمْ قَدْ دَخَلُوا الْكَهْف ; فَكُلَّمَا أَرَادَ رَجُل أَنْ يَدْخُل أُرْعِبَ , فَلَمْ يُطِقْ أَحَد أَنْ يَدْخُلهُ , فَقَالَ قَائِل : أَلَيْسَ لَوْ كُنْت قَدَرْت عَلَيْهِمْ قَتَلْتهمْ ؟ قَالَ : بَلَى ! قَالَ : فَابْن عَلَيْهِمْ بَاب الْكَهْف , وَدَعْهُمْ فِيهِ يَمُوتُوا عَطَشًا وَجُوعًا , فَفَعَلَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِذْ أَوَى الْفِتْيَة إِلَى الْكَهْف فَقَالُوا رَبّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْك رَحْمَة وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرنَا رَشَدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم كَانُوا مِنْ آيَاتنَا عَجَبًا } حِين أَوَى الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف إِلَى كَهْف الْجَبَل , هَرَبًا بِدِينِهِمْ إِلَى اللَّه , فَقَالُوا إِذْ أَوَوْهُ : { رَبّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْك رَحْمَة } رَغْبَة مِنْهُمْ إِلَى رَبّهمْ , فِي أَنْ يَرْزُقهُمْ مِنْ عِنْده رَحْمَة . وَقَوْله : { وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرنَا رَشَدًا } يَقُول : وَقَالُوا : يَسِّرْ لَنَا بِمَا نَبْتَغِي وَمَا نَلْتَمِس مِنْ رِضَاك وَالْهَرَب مِنْ الْكُفْر بِك , وَمِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان الَّتِي يَدْعُونَا إِلَيْهَا قَوْمنَا , { رَشَدًا } يَقُول : سَدَادًا إِلَى الْعَمَل بِاَلَّذِي تُحِبّ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي سَبَب مَصِير هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة إِلَى الْكَهْف الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي كِتَابه , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ سَبَب ذَلِكَ , أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عَلَى دِين عِيسَى , وَكَانَ لَهُمْ مَلِك عَابِد وَثَن , دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَة الْأَصْنَام فَهَرَبُوا بِدِينِهِمْ مِنْهُ خَشْيَة أَنْ يَفْتِنهُمْ عَنْ دِينهمْ , أَوْ يَقْتُلهُمْ , فَاسْتَخْفَوْا مِنْهُ فِي الْكَهْف . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17268 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا الْحَكَم بْن بَشِير , قَالَ : ثنا عَمْرو فِي قَوْله : { أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم } كَانَتْ الْفِتْيَة عَلَى دِين عِيسَى عَلَى الْإِسْلَام , وَكَانَ مَلِكهمْ كَافِرًا , وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُمْ صَنَمًا , فَأَبَوْا , وَقَالُوا : { رَبّنَا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونه إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } 18 14 قَالَ : فَاعْتَزَلُوا عَنْ قَوْمهمْ لِعِبَادَةِ اللَّه , فَقَالَ أَحَدهمْ : إِنَّهُ كَانَ لِأَبِي كَهْف يَأْوِي فِيهِ غَنَمه , فَانْطَلِقُوا بِنَا نَكُنْ فِيهِ , فَدَخَلُوهُ , وَفُقِدُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَان فَطُلِبُوا , فَقِيلَ : دَخَلُوا هَذَا الْكَهْف , فَقَالَ قَوْمهمْ : لَا نُرِيد لَهُمْ عُقُوبَة وَلَا عَذَابًا أَشَدّ مِنْ أَنْ نَرْدِم عَلَيْهِمْ هَذَا الْكَهْف , فَبَنَوْهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَدَمُوهُ . ثُمَّ إِنَّ اللَّه بَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا عَلَى دِين عِيسَى , وَرَفَعَ ذَلِكَ الْبِنَاء الَّذِي كَانَ رُدِمَ عَلَيْهِمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { كَمْ لَبِثْتُمْ } ؟ ف { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم } حَتَّى بَلَغَ { فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَة } 18 19 وَكَانَ وَرِق ذَلِكَ الزَّمَان كِبَارًا , فَأَرْسَلُوا أَحَدهمْ يَأْتِيهِمْ بِطَعَامٍ وَشَرَاب ; فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَخْرُج , رَأَى عَلَى بَاب الْكَهْف شَيْئًا أَنْكَرَهُ ; فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِع , ثُمَّ مَضَى حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَة , فَأَنْكَرَ مَا رَأَى , ثُمَّ أَخْرَجَ دِرْهَمًا , فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَأَنْكَرُوهُ , وَأَنْكَرُوا الدِّرْهَم , وَقَالُوا : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا ؟ هَذَا مِنْ وَرِق غَيْر هَذَا الزَّمَان , وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ , فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى اِنْطَلَقُوا بِهِ إِلَى مَلِكهمْ , وَكَانَ لِقَوْمِهِمْ لَوْح يَكْتُبُونَ فِيهِ مَا يَكُون , فَنَظَرُوا فِي ذَلِكَ اللَّوْح , وَسَأَلَهُ الْمَلِك , فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ , وَنَظَرُوا فِي الْكِتَاب مَتَى فُقِدَ , فَاسْتَبْشَرُوا بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ , وَقِيلَ لَهُ : اِنْطَلِقْ بِنَا فَأَرِنَا أَصْحَابك , فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقُوا مَعَهُ , لِيُرِيَهُمْ , فَدَخَلَ قَبْل الْقَوْم , فَضُرِبَ عَلَى آذَانهمْ , فَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرهمْ : { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } 18 21 17269 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : مَرِجَ أَمْر أَهْل الْإِنْجِيل وَعَظُمَتْ فِيهِمْ الْخَطَايَا وَطَغَتْ فِيهِمْ الْمُلُوك , حَتَّى عَبَدُوا الْأَصْنَام وَذَبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ , وَفِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ بَقَايَا عَلَى أَمْر عِيسَى اِبْن مَرْيَم , مُتَمَسِّكُونَ بِعِبَادَةِ اللَّه وَتَوْحِيده , فَكَانَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ مُلُوكهمْ , مَلِك مِنْ الرُّوم يُقَال لَهُ : دقينوس , كَانَ قَدْ عَبَدَ الْأَصْنَام , وَذَبَحَ لِلطَّوَاغِيتِ , وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ أَقَامَ عَلَى دِين عِيسَى اِبْن مَرْيَم . كَانَ يَنْزِل فِي قُرَى الرُّوم , فَلَا يَتْرُك فِي قَرْيَة يَنْزِلهَا أَحَدًا مِمَّنْ يَدِين بِدِينِ عِيسَى اِبْن مَرْيَم إِلَّا قَتَلَهُ , حَتَّى يَعْبُد الْأَصْنَام , وَيَذْبَح لِلطَّوَاغِيتِ , حَتَّى نَزَلَ دقينوس مَدِينَة الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف ; فَلَمَّا نَزَلَهَا دقينوس كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى أَهْل الْإِيمَان , فَاسْتَخْفَوْا مِنْهُ وَهَرَبُوا فِي كُلّ وَجْه . وَكَانَ دقينوس قَدْ أَمَرَ حِين قَدِمَهَا أَنْ يُتَّبَع أَهْل الْإِيمَان فَيُجْمَعُوا لَهُ , وَاِتَّخَذَ شَرْطًا مِنْ الْكُفَّار مِنْ أَهْلهَا , فَجَعَلُوا يَتْبَعُونَ أَهْل الْإِيمَان فِي أَمَاكِنهمْ الَّتِي يَسْتَخْفُونَ فِيهَا , فَيَسْتَخْرِجُونَهُمْ إِلَى دقينوس , فَقَدَّمَهُمْ إِلَى الْمَجَامِع الَّتِي يُذْبَح فِيهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَيُخَيِّرهُمْ بَيْن الْقَتْل , وَبَيْن عِبَادَة الْأَوْثَان وَالذَّبْح لِلطَّوَاغِيتِ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْغَب فِي الْحَيَاة وَيُفَظَّع بِالْقَتْلِ فَيُفْتَتَن , وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْبَى أَنْ يَعْبُد غَيْر اللَّه فَيُقْتَل ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْل الصَّلَابَة مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ , جَعَلُوا يُسَلِّمُونَ أَنْفُسهمْ لِلْعَذَابِ وَالْقَتْل , فَيُقَتَّلُونَ وَيُقَطَّعُونَ , ثُمَّ يُرْبَط مَا قُطِعَ مِنْ أَجْسَادهمْ , فَيُعَلَّق عَلَى سُور الْمَدِينَة مِنْ نَوَاحِيهَا كُلّهَا , وَعَلَى كُلّ بَاب مِنْ أَبْوَابهَا , حَتَّى عَظُمَتْ الْفِتْنَة عَلَى أَهْل الْإِيمَان , فَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ فَتُرِكَ , وَمِنْهُمْ مَنْ صُلِبَ عَلَى دِينه فَقُتِلَ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف , حَزَنُوا حُزْنًا شَدِيدًا , حَتَّى تَغَيَّرَتْ أَلْوَانهمْ , وَنَحَلَتْ أَجْسَامهمْ , وَاسْتَعَانُوا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالصَّدَقَة , وَالتَّحْمِيد , وَالتَّسْبِيح , وَالتَّهْلِيل , وَالتَّكْبِير , وَالْبُكَاء , وَالتَّضَرُّع إِلَى اللَّه , وَكَانُوا فِتْيَة أَحْدَاثًا أَحْرَارًا مِنْ أَبْنَاء أَشْرَاف الرُّوم . 17270 - فَحَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : لَقَدْ حُدِّثْت أَنَّهُ كَانَ عَلَى بَعْضهمْ مِنْ حَدَاثَة أَسْنَانه وَضَح الْوَرِق . قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَكَانُوا كَذَلِكَ فِي عِبَادَة اللَّه لَيْلهمْ وَنَهَارهمْ , يَبْكُونَ إِلَى اللَّه , وَيَسْتَغِيثُونَهُ , وَكَانُوا ثَمَانِيَة نَفَر ; مكسلمينا , وَكَانَ أَكْبَرهمْ , وَهُوَ الَّذِي كَلَّمَ الْمَلِك عَنْهُمْ , ومحسيميلنينا , ويمليخا , ومرطوس , وكشوطوش , وبيرونس , ودينموس , ويطونس قالوس فَلَمَّا أَجْمَعَ دقينوس أَنْ يَجْمَع أَهْل الْقَرْيَة لِعِبَادَةِ الْأَصْنَام , وَالذَّبْح لِلطَّوَاغِيتِ , بَكَوْا إِلَى اللَّه وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ , وَجَعَلُوا يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونك إِلَهًا { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } اِكْشِفْ عَنْ عِبَادك الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْفِتْنَة وَادْفَعْ عَنْهُمْ الْبَلَاء وَأَنْعِمْ عَلَى عِبَادك الَّذِينَ آمَنُوا بِك , وَمَنَعُوا عِبَادَتك إِلَّا سِرًّا , مُسْتَخْفِينَ بِذَلِكَ , حَتَّى يَعْبُدُوك عَلَانِيَة . فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ , عَرَفَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ مِنْ الْكُفَّار , مِمَّنْ كَانَ يَجْمَع أَهْل الْمَدِينَة لِعِبَادَةِ الْأَصْنَام , وَالذَّبْح لِلطَّوَاغِيتِ , وَذَكَرُوا أَمْرهمْ , وَكَانُوا قَدْ خَلَوْا فِي مُصَلًّى لَهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّه فِيهِ , وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ , وَيَتَوَقَّعُونَ أَنْ يُذْكَرُوا لدقينوس , فَانْطَلَقَ أُولَئِكَ الْكَفَرَة حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِمْ مُصَلَّاهُمْ , فَوَجَدُوهُمْ سُجُودًا عَلَى وُجُوههمْ يَتَضَرَّعُونَ , وَيَبْكُونَ , وَيَرْغَبُونَ إِلَى اللَّه أَنْ يُنَجِّيهِمْ مِنْ دقينوس وَفِتْنَته ; فَلَمَّا رَآهُمْ أُولَئِكَ الْكَفَرَة مِنْ عُرَفَائِهِمْ قَالُوا لَهُمْ : مَا خَلَّفَكُمْ عَنْ أَمْر الْمَلِك ؟ اِنْطَلِقُوا إِلَيْهِ ! ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ عِنْدهمْ , فَرَفَعُوا أَمْرهمْ إِلَى دقينوس , وَقَالُوا : تَجْمَع النَّاس لِلذَّبْحِ لِآلِهَتِك , وَهَؤُلَاءِ فِتْيَة مِنْ أَهْل بَيْتك , يَسْخَرُونَ مِنْك , وَيَسْتَهْزِئُونَ بِك , وَيَعْصُونَ أَمْرك , وَيَتْرُكُونَ آلِهَتك , يَعْمِدُونَ إِلَى مُصَلًّى لَهُمْ وَلِأَصْحَابِ عِيسَى اِبْن مَرْيَم يُصَلُّونَ فِيهِ , وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى إِلَههمْ وَإِلَه عِيسَى وَأَصْحَاب عِيسَى , فَلَمْ تَتْرُكهُمْ يَصْنَعُونَ هَذَا وَهُمْ بَيْن ظَهْرَانِيّ سُلْطَانك وَمُلْكك , وَهُمْ ثَمَانِيَة نَفَر : رَئِيسهمْ مكسلمينا , وَهُمْ أَبْنَاء عُظَمَاء الْمَدِينَة ؟ فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لدقينوس , بَعَثَ إِلَيْهِمْ , فَأُتِيَ بِهِمْ مِنْ الْمُصَلَّى الَّذِي كَانُوا فِيهِ تَفِيض أَعْيُنهمْ مِنْ الدُّمُوع مُعَفَّرَة وُجُوههمْ فِي التُّرَاب , فَقَالَ لَهُمْ : مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَشْهَدُوا الذَّبْح لِآلِهَتِنَا الَّتِي تُعْبَد فِي الْأَرْض , وَأَنْ تَجْعَلُوا أَنْفُسكُمْ أُسْوَة لِسَرَاةِ أَهْل مَدِينَتكُمْ , وَلِمَنْ حَضَرَ مِنَّا مِنْ النَّاس ؟ اِخْتَارُوا مِنِّي : إِمَّا أَنْ تَذْبَحُوا لِآلِهَتِنَا كَمَا ذَبَحَ النَّاس , وَإِمَّا أَنْ أَقْتُلكُمْ ! فَقَالَ مكسلمينا : إِنَّ لَنَا إِلَهًا نَعْبُدهُ مَلَأَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض عَظَمَته , لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونه إِلَهًا أَبَدًا , وَلَنْ نُقِرّ بِهَذَا الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ أَبَدًا , وَلَكِنَّا نَعْبُد اللَّه رَبّنَا , لَهُ الْحَمْد وَالتَّكْبِير وَالتَّسْبِيح مِنْ أَنْفُسنَا خَالِصًا أَبَدًا , إِيَّاهُ نَعْبُد , وَإِيَّاهُ نَسْأَل النَّجَاة وَالْخَيْر , فَأَمَّا الطَّوَاغِيت وَعِبَادَتهَا , فَلَنْ نُقِرّ بِهَا أَبَدًا , وَلَسْنَا بِكَائِنِينَ عِبَادًا لِلشَّيَاطِينِ , وَلَا جَاعِلِي أَنْفُسنَا وَأَجْسَادنَا عِبَادًا لَهَا , بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه لَهُ رَهْبَتك , أَوْ فَرَقًا مِنْ عُبُودَتك , اِصْنَعْ بِنَا مَا بَدَا لَك ; ثُمَّ قَالَ أَصْحَاب مكسلمينا لدقينوس مِثْل مَا قَالَ . قَالَ : فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لَهُ , أَمَرَ بِهِمْ فَنُزِعَ عَنْهُمْ لُبُوس كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ لُبُوس عُظَمَائِهِمْ , ثُمَّ قَالَ : أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَإِنِّي سَأُؤَخِّرُكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَهْل مَمْلَكَتِي وَبِطَانَتِي , وَأَهْل بِلَادِي , وَسَأَفْرُغُ لَكُمْ , فَأُنْجِز لَكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ مِنْ الْعُقُوبَة , وَمَا يَمْنَعنِي أَنْ أُعَجِّل ذَلِكَ لَكُمْ إِلَّا أَنِّي أَرَاكُمْ فِتْيَانًا حَدِيثَة أَسْنَانكُمْ , وَلَا أُحِبّ أَنْ أُهْلِككُمْ حَتَّى أَسْتَأْنِي بِكُمْ , وَأَنَا جَاعِل لَكُمْ أَجَلًا تَذْكُرُونَ فِيهِ , وَتُرَاجِعُونَ عُقُولكُمْ . ثُمَّ أَمَرَ بِحِلْيَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَهَب وَفِضَّة , فَنُزِعَتْ عَنْهُمْ ; ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَأُخْرِجُوا مِنْ عِنْده . وَانْطَلَقَ دقينوس مَكَانه إِلَى مَدِينَة سِوَى مَدِينَتهمْ الَّتِي هُمْ بِهَا قَرِيبًا مِنْهَا لِبَعْضِ مَا يُرِيد مِنْ أَمْره . فَلَمَّا رَأَى الْفِتْيَة دقينوس قَدْ خَرَجَ مِنْ مَدِينَتهمْ بَادَرُوا قُدُومه , وَخَافُوا إِذَا قَدِمَ مَدِينَتهمْ أَنْ يَذْكُر بِهِمْ , فَائْتَمَرُوا بَيْنهمْ أَنْ يَأْخُذ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ نَفَقَة مِنْ بَيْت أَبِيهِ , فَيَتَصَدَّقُوا مِنْهَا , وَيَتَزَوَّدُوا بِمَا بَقِيَ , ثُمَّ يَنْطَلِقُوا إِلَى كَهْف قَرِيب مِنْ الْمَدِينَة فِي جَبَل يُقَال لَهُ : بنجلوس فَيَمْكُثُوا فِيهِ , وَيَعْبُدُوا اللَّه حَتَّى إِذَا رَجَعَ دقينوس أَتَوْهُ فَقَامُوا بَيْن يَدَيْهِ , فَيَصْنَع بِهِمْ مَا شَاءَ . فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , عَمَدَ كُلّ فَتًى مِنْهُمْ , فَأَخَذَ مِنْ بَيْت أَبِيهِ نَفَقَة , فَتَصَدَّقَ مِنْهَا , وَانْطَلَقُوا بِمَا بَقِيَ مَعَهُمْ مِنْ نَفَقَتهمْ , وَاتَّبَعَهُمْ كَلْب لَهُمْ , حَتَّى أَتَوْا ذَلِكَ الْكَهْف الَّذِي فِي ذَلِكَ الْجَبَل , فَلَبِثُوا فِيهِ لَيْسَ لَهُمْ عَمَل إِلَّا الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالتَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَالتَّحْمِيد , اِبْتِغَاء وَجْه اللَّه تَعَالَى , وَالْحَيَاة الَّتِي لَا تَنْقَطِع , وَجَعَلُوا نَفَقَتهمْ إِلَى فَتًى مِنْهُمْ يُقَال لَهُ يمليخا , فَكَانَ عَلَى طَعَامهمْ , يَبْتَاع لَهُمْ أَرْزَاقهمْ مِنْ الْمَدِينَة سِرًّا مِنْ أَهْلهَا ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَجْمَلهمْ وَأَجْلَدهمْ , فَكَانَ يمليخا يَصْنَع ذَلِكَ , فَإِذَا دَخَلَ الْمَدِينَة يَضَع ثِيَابًا كَانَتْ عَلَيْهِ حِسَانًا , وَيَأْخُذ ثِيَابًا كَثِيَابِ الْمَسَاكِين الَّذِينَ يَسْتَطْعِمُونَ فِيهَا , ثُمَّ يَأْخُذ وَرِقه , فَيَنْطَلِق إِلَى الْمَدِينَة فَيَشْتَرِي لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا , وَيَتَسَمَّع وَيَتَجَسَّس لَهُمْ الْخَبَر , هَلْ ذُكِرَ هُوَ وَأَصْحَابه بِشَيْءٍ فِي مَلَإِ الْمَدِينَة , ثُمَّ يَرْجِع إِلَى أَصْحَابه بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابهمْ , وَيُخْبِرهُمْ بِمَا سَمِعَ مِنْ أَخْبَار النَّاس , فَلَبِثُوا بِذَلِكَ مَا لَبِثُوا . ثُمَّ قَدِمَ دقينوس الْجَبَّار الْمَدِينَة الَّتِي مِنْهَا خَرَجَ إِلَى مَدِينَته , وَهِيَ مَدِينَة أفسوس ; فَأَمَرَ عُظَمَاء أَهْلهَا , فَذَبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ , فَفَزِعَ فِي ذَلِكَ أَهْل الْإِيمَان , فَتَخَبَّئُوا مِنْ كُلّ مَخْبَأ ; وَكَانَ يمليخا بِالْمَدِينَةِ يَشْتَرِي لِأَصْحَابِهِ طَعَامهمْ وَشَرَابهمْ بِبَعْضِ نَفَقَتهمْ , فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابه وَهُوَ يَبْكِي وَمَعَهُ طَعَام قَلِيل , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْجَبَّار دقينوس قَدْ دَخَلَ الْمَدِينَة , وَأَنَّهُمْ قَدْ ذُكِرُوا وَافْتُقِدُوا وَالْتُمِسُوا مَعَ عُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة لِيَذْبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ ; فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ , فَزِعُوا فَزَعًا شَدِيدًا , وَوَقَعُوا سُجُودًا عَلَى وُجُوههمْ يَدْعُونَ اللَّه , وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ , وَيَتَعَوَّذُونَ بِهِ مِنْ الْفِتْنَة ; ثُمَّ إِنَّ يمليخا قَالَ لَهُمْ : يَا إِخْوَتاه , اِرْفَعُوا رُءُوسكُمْ , فَاطْعَمُوا مِنْ هَذَا الطَّعَام الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ , وَتَوَكَّلُوا عَلَى رَبّكُمْ ; فَرَفَعُوا رُءُوسهمْ , وَأَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع حَذَرًا وَتَخَوُّفًا عَلَى أَنْفُسهمْ , فَطَعِمُوا مِنْهُ , وَذَلِكَ مَعَ غُرُوب الشَّمْس , ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وَيَتَدَارَسُونَ , وَيَذْكُر بَعْضهمْ بَعْضًا عَلَى حُزْن مِنْهُمْ , مُشْفِقِينَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ صَاحِبهمْ مِنْ الْخَبَر . فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ , إِذْ ضَرَبَ اللَّه عَلَى آذَانهمْ فِي الْكَهْف سِنِينَ عَدَدًا , وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِبَابِ الْكَهْف , فَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ مُوقِنُونَ , مُصَدِّقُونَ بِالْوَعْدِ , وَنَفَقَتهمْ مَوْضُوعَة عِنْدهمْ ; فَلَمَّا كَانَ الْغَد فَقَدَهُمْ دقينوس , فَالْتَمَسَهُمْ فَلَمْ يَجِدهُمْ , فَقَالَ لِعُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة : لَقَدْ سَاءَنِي شَأْن هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الَّذِينَ ذَهَبُوا . لَقَدْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ بِي غَضَبًا عَلَيْهِمْ فِيمَا صَنَعُوا فِي أَوَّل شَأْنهمْ , لِجَهْلِهِمْ مَا جَهِلُوا مِنْ أَمْرِي , مَا كُنْت لِأَجْهَل عَلَيْهِمْ فِي نَفْسِي , وَلَا أُؤَاخِذ أَحَدًا مِنْهُمْ بِشَيْءٍ إِنْ هُمْ تَابُوا وَعَبَدُوا آلِهَتِي , وَلَوْ فَعَلُوا لَتَرَكْتهمْ , وَمَا عَاقَبْتهمْ بِشَيْءٍ سَلَفَ مِنْهُمْ . فَقَالَ لَهُ عُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة : مَا أَنْتَ بِحَقِيقٍ أَنْ تَرْحَم قَوْمًا فَجَرَة مَرَدَة عُصَاة , مُقِيمِينَ عَلَى ظُلْمهمْ وَمَعْصِيَتهمْ , وَقَدْ كُنْت أَجَّلْتهمْ أَجَلًا , وَأَخَّرْتهمْ عَنْ الْعُقُوبَة الَّتِي أَصَبْت بِهَا غَيْرهمْ , وَلَوْ شَاءُوا لَرَجَعُوا فِي ذَلِكَ الْأَجَل , وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتُوبُوا وَلَمْ يَنْزِعُوا وَلَمْ يَنْدَمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا , وَكَانُوا مُنْذُ اِنْطَلَقْت يُبَذِّرُونَ أَمْوَالهمْ بِالْمَدِينَةِ ; فَلَمَّا عَلِمُوا بِقُدُومِك فَرُّوا فَلَمْ يُرَوْا بَعْد . فَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ تُؤْتَى بِهِمْ , فَأَرْسِلْ إِلَى آبَائِهِمْ فَامْتَحِنْهُمْ , وَاشْدُدْ عَلَيْهِمْ يَدُلُّوك عَلَيْهِمْ , فَإِنَّهُمْ مُخْتَبِئُونَ مِنْك . فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لدقينوس الْجَبَّار , غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا , ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى آبَائِهِمْ , فَأُتِيَ بِهِمْ فَسَأَلَهُمْ عَنْهُمْ وَقَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ أَبْنَائِكُمْ الْمَرَدَة الَّذِينَ عَصَوْا أَمْرِي , وَتَرَكُوا آلِهَتِي ; اِئْتُونِي بِهِمْ , وَأَنْبِئُونِي بِمَكَانِهِمْ ! فَقَالَ لَهُ آبَاؤُهُمْ : أَمَّا نَحْنُ فَلَمْ نَعْصِ أَمْرك وَلَمْ نُخَالِفك . قَدْ عَبَدْنَا آلِهَتك وَذَبَحْنَا لَهُمْ , فَلَمْ تَقْتُلنَا فِي قَوْم مَرَدَة , قَدْ ذَهَبُوا بِأَمْوَالِنَا فَبَذَّرُوهَا وَأَهْلَكُوهَا فِي أَسْوَاق الْمَدِينَة , ثُمَّ اِنْطَلَقُوا , فَارْتَقَوْا فِي جَبَل يُدْعَى بنجلوس , وَبَيْنه وَبَيْن الْمَدِينَة أَرْض بَعِيدَة هَرَبًا مِنْك ؟ ! فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ خَلَّى سَبِيلهمْ , وَجَعَلَ يَأْتَمِر مَاذَا يَصْنَع بِالْفِتْيَةِ , فَأَلْقَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي نَفْسه أَنْ يَأْمُر بِالْكَهْفِ فَيُسَدّ عَلَيْهِمْ كَرَامَة مِنْ اللَّه , أَرَادَ أَنْ يُكْرِمهُمْ , وَيُكْرِم أَجْسَاد الْفِتْيَة , فَلَا يَجُول , وَلَا يَطُوف بِهَا شَيْء , وَأَرَادَ أَنْ يُحْيِيهِمْ , وَيَجْعَلهُمْ آيَة لِأُمَّةٍ تُسْتَخْلَف مِنْ بَعْدهمْ , وَأَنْ يُبَيِّن لَهُمْ أَنَّ السَّاعَة آتِيَة لَا رَيْب فِيهَا , وَأَنَّ اللَّه يَبْعَث مَنْ فِي الْقُبُور . فَأَمَرَ دقينوس بِالْكَهْفِ أَنْ يُسَدّ عَلَيْهِمْ , وَقَالَ : دَعُوا هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة الْمَرَدَة الَّذِينَ تَرَكُوا آلِهَتِي فَلْيَمُوتُوا كَمَا هُمْ فِي الْكَهْف عَطَشًا وَجُوعًا , وَلْيَكُنْ كَهْفهمْ الَّذِي اِخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ قَبْرًا لَهُمْ ; فَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ عَدُوّ اللَّه , وَهُوَ يَظُنّ أَنَّهُمْ أَيْقَاظ يَعْلَمُونَ مَا يَصْنَع بِهِمْ , وَقَدْ تَوَفَّى اللَّه أَرْوَاحهمْ وَفَاة النَّوْم , وَكَلْبهمْ بَاسِط ذِرَاعَيْهِ بِبَابِ الْكَهْف , قَدْ غَشَّاهُ اللَّه مَا غَشَّاهُمْ , يُقَلَّبُونَ ذَات الْيَمِين وَذَات الشِّمَال . ثُمَّ إِنَّ رَجُلَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ كَانَا فِي بَيْت الْمَلِك دقينوس يَكْتُمَانِ إِيمَانهمَا : اِسْم أَحَدهمَا بيدروس , وَاسْم الْآخَر : روناس , فَائْتَمَرَا أَنْ يَكْتُبَا شَأْن الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف , أَنْسَابهمْ وَأَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ , وَقِصَّة خَبَرهمْ فِي لَوْحَيْنِ مِنْ رَصَاص , ثُمَّ يَصْنَعَا لَهُ تَابُوتًا مِنْ نُحَاس , ثُمَّ يَجْعَلَا اللَّوْحَيْنِ فِيهِ , ثُمَّ يَكْتُبَا عَلَيْهِ فِي فَم الْكَهْف بَيْن ظَهْرَانِيّ الْبُنْيَان , وَيَخْتِمَا عَلَى التَّابُوت بِخَاتَمِهِمَا , وَقَالَا : لَعَلَّ اللَّه أَنْ يُظْهِر عَلَى هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة قَوْمًا مُؤْمِنِينَ قَبْل يَوْم الْقِيَامَة , فَيَعْلَم مَنْ فَتَحَ عَلَيْهِمْ حِين يَقْرَأ هَذَا الْكِتَاب خَبَرهمْ , فَفَعَلَا ثُمَّ بَنَيَا عَلَيْهِ فِي الْبُنْيَان , فَبَقِيَ دقينوس وَقَرْنه الَّذِينَ كَانُوا مِنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَبْقَوْا , ثُمَّ هَلَكَ دقينوس وَالْقَرْن الَّذِي كَانُوا مَعَهُ , وَقُرُون بَعْده كَثِيرَة , وَخَلَفَتْ الْخُلُوف بَعْد الْخُلُوف . 17271 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ أَصْحَاب الْكَهْف أَبْنَاء عُظَمَاء مَدِينَتهمْ , وَأَهْل شَرَفهمْ , فَخَرَجُوا فَاجْتَمَعُوا وَرَاء الْمَدِينَة عَلَى غَيْر مِيعَاد , فَقَالَ رَجُل مِنْهُمْ هُوَ أَسَنّهمْ : إِنِّي لَأَجِد فِي نَفْسِي شَيْئًا مَا أَظُنّ أَنَّ أَحَدًا يَجِدهُ , قَالُوا : مَاذَا تَجِد ؟ قَالَ : أَجِد فِي نَفْسِي أَنَّ رَبِّي رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَقَالُوا : نَحْنُ نَجِد . فَقَامُوا جَمِيعًا , فَقَالُوا : { رَبّنَا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونه إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } 18 14 فَاجْتَمَعُوا أَنْ يَدْخُلُوا الْكَهْف , وَعَلَى مَدِينَتهمْ إِذْ ذَاكَ جَبَّار يُقَال لَهُ دقينوس , فَلَبِثُوا فِي الْكَهْف ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا رَقْدًا . 17272 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ : كَانَ أَصْحَاب الْكَهْف فِتْيَانًا مُلُوكًا مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ ذَوِي ذَوَائِب , وَكَانَ مَعَهُمْ كَلْب صَيْدهمْ , فَخَرَجُوا فِي عِيد لَهُمْ عَظِيم فِي زِيّ وَمَوْكِب , وَأَخْرَجُوا مَعَهُمْ آلِهَتهمْ الَّتِي يَعْبُدُونَ . وَقَذَفَ اللَّه فِي قُلُوب الْفِتْيَة الْإِيمَان فَآمَنُوا , وَأَخْفَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ الْإِيمَان عَنْ صَاحِبه , فَقَالُوا فِي أَنْفُسهمْ مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر إِيمَان بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : نَخْرُج مِنْ بَيْن أَظْهُر هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يُصِيبنَا عِقَاب بِجُرْمِهِمْ . فَخَرَجَ شَابّ مِنْهُمْ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى ظِلّ شَجَرَة , فَجَلَسَ فِيهِ , ثُمَّ خَرَجَ آخَر فَرَآهُ جَالِسًا وَحْده , فَرَجَا أَنْ يَكُون عَلَى مِثْل أَمْره مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر مِنْهُ , فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ , ثُمَّ خَرَجَ الْآخَرُونَ , فَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا , فَاجْتَمَعُوا , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَا جَمَعَكُمْ ؟ وَقَالَ آخَر : بَلْ مَا جَمَعَكُمْ ؟ وَكُلّ يَكْتُم إِيمَانه مِنْ صَاحِبه مَخَافَة عَلَى نَفْسه , ثُمَّ قَالُوا : لِيَخْرُج مِنْكُمْ فِتْيَان , فَيَخْلُوا , فَيَتَوَاثَقَا أَنْ لَا يُفْشِي وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه , ثُمَّ يُفْشِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَمْره , فَإِنَّا نَرْجُو أَنْ نَكُون عَلَى أَمْر وَاحِد . فَخَرَجَ فِتْيَان مِنْهُمْ فَتَوَاثَقَا , ثُمَّ تَكَلَّمَا , فَذَكَرَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَمْره لِصَاحِبِهِ , فَأَقْبَلَا مُسْتَبْشِرِينَ إِلَى أَصْحَابهمَا قَدْ اِتَّفَقَا عَلَى أَمْر وَاحِد , فَإِذَا هُمْ جَمِيعًا عَلَى الْإِيمَان , وَإِذَا كَهْف فِي الْجَبَل قَرِيب مِنْهُمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : اِئْتُوا إِلَى الْكَهْف { يَنْشُر لَكُمْ رَبّكُمْ مِنْ رَحْمَته وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ مِرْفَقًا } 18 16 فَدَخَلُوا الْكَهْف وَمَعَهُمْ كَلْب صَيْدهمْ فَنَامُوا , فَجَعَلَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ رَقْدَة وَاحِدَة , فَنَامُوا ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا . قَالَ : وَفَقَدَهُمْ قَوْمهمْ فَطَلَبُوهُمْ وَبَعَثُوا الْبُرُد , فَعَمَى اللَّه عَلَيْهِمْ آثَارهمْ وَكَهْفهمْ . فَلَمَّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ كَتَبُوا أَسْمَاءَهُمْ وَأَنْسَابهمْ فِي لَوْح : فُلَان اِبْن فُلَان , وَفُلَان اِبْن فُلَان أَبْنَاء مُلُوكنَا , فَقَدْنَاهُمْ فِي عِيد كَذَا وَكَذَا فِي شَهْر كَذَا وَكَذَا فِي سَنَة كَذَا وَكَذَا , فِي مَمْلَكَة فُلَان اِبْن فُلَان ; وَرَفَعُوا اللَّوْح فِي الْخِزَانَة . فَمَاتَ ذَلِكَ الْمَلِك وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ مَلِك مُسْلِم مَعَ الْمُسْلِمِينَ , وَجَاءَ قَرْن بَعْد قَرْن , فَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاث مِائَة سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ مَصِيرهمْ إِلَى الْكَهْف هَرَبًا مِنْ طَلَب سُلْطَان كَانَ طَلَبَهُمْ بِسَبَبِ دَعْوَى جِنَايَة اُدُّعِيَ عَلَى صَاحِب لَهُمْ أَنَّهُ جَنَاهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17273 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيل بْن شروس , أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : جَاءَ حَوَارِيّ عِيسَى اِبْن مَرْيَم إِلَى مَدِينَة أَصْحَاب الْكَهْف , فَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلهَا , فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ عَلَى بَابهَا صَنَمًا لَا يَدْخُلهَا أَحَد إِلَّا سَجَدَ لَهُ . فَكَرِهَ أَنْ يَدْخُلهَا , فَأَتَى حَمَّامًا , فَكَانَ فِيهِ قَرِيبًا مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَة , فَكَانَ يَعْمَل فِيهِ يُؤَاجِر نَفْسه مِنْ صَاحِب الْحَمَّام . وَرَأَى صَاحِب الْحَمَّام فِي حَمَّامه الْبَرَكَة وَدُرَّ عَلَيْهِ الرِّزْق , فَجَعَلَ يَعْرِض عَلَيْهِ الْإِسْلَام , وَجَعَلَ يَسْتَرْسِل إِلَيْهِ , وَعَلَّقَهُ فِتْيَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , وَجَعَلَ يُخْبِرهُمْ خَبَر السَّمَاء وَالْأَرْض وَخَبَر الْآخِرَة , حَتَّى آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ , وَكَانُوا عَلَى مِثْل حَاله فِي حُسْن الْهَيْئَة . وَكَانَ يَشْتَرِط عَلَى صَاحِب الْحَمَّام أَنَّ اللَّيْل لِي لَا تَحُول بَيْنِي وَبَيْن الصَّلَاة إِذَا حَضَرَتْ ; فَكَانَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ اِبْن الْمَلِك بِامْرَأَةٍ , فَدَخَلَ بِهَا الْحَمَّام , فَعَيَّرَهُ الْحَوَارِيّ , فَقَالَ : أَنْتَ اِبْن الْمَلِك , وَتُدْخِل مَعَك هَذِهِ النَّكْدَاء ؟ ! فَاسْتَحْيَا , فَذَهَبَ فَرَجَعَ مَرَّة أُخْرَى , فَقَالَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ , فَسَبَّهُ وَانْتَهَرَهُ وَلَمْ يَلْتَفِت حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلَتْ مَعَهُ الْمَرْأَة , فَمَاتَا فِي الْحَمَّام جَمِيعًا . فَأُتِيَ الْمَلِك , فَقِيلَ لَهُ : قَتَلَ صَاحِب الْحَمَّام اِبْنك ! فَالْتُمِسَ , فَلَمْ يَقْدِر عَلَيْهِ هَرَبًا , قَالَ : مَنْ كَانَ يَصْحَبهُ ؟ فَسَمَّوْا الْفِتْيَة , فَالْتُمِسُوا , فَخَرَجُوا مِنْ الْمَدِينَة , فَمَرُّوا بِصَاحِبٍ لَهُمْ فِي زَرْع لَهُ , وَهُوَ عَلَى مِثْل أَمْرهمْ , فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ اُلْتُمِسُوا , فَانْطَلَقَ مَعَهُمْ الْكَلْب , حَتَّى أَوَاهُمْ اللَّيْل إِلَى الْكَهْف , فَدَخَلُوهُ , فَقَالُوا : نَبِيت هَهُنَا اللَّيْلَة , ثُمَّ نُصْبِح إِنْ شَاءَ اللَّه فَتَرَوْنَ رَأْيكُمْ , فَضُرِبَ عَلَى آذَانهمْ . فَخَرَجَ الْمَلِك فِي أَصْحَابه يَتَّبِعُونَهُمْ حَتَّى وَجَدُوهُمْ قَدْ دَخَلُوا الْكَهْف ; فَكُلَّمَا أَرَادَ رَجُل أَنْ يَدْخُل أُرْعِبَ , فَلَمْ يُطِقْ أَحَد أَنْ يَدْخُلهُ , فَقَالَ قَائِل : أَلَيْسَ لَوْ كُنْت قَدَرْت عَلَيْهِمْ قَتَلْتهمْ ؟ قَالَ : بَلَى ! قَالَ : فَابْن عَلَيْهِمْ بَاب الْكَهْف , وَدَعْهُمْ فِيهِ يَمُوتُوا عَطَشًا وَجُوعًا , فَفَعَلَ . '

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى:قوله تعالى { إذ أوى الفتية إلى الكهف} روي أنهم قوم من أبناء أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر، ويقال فيه دقينوس. وروي أنهم كانوا مطوقين مسورين بالذهب ذوي ذوائب، وهم من الروم واتبعوا دين عيسى. وقيل : كانوا قبل عيسى، والله أعلم. وقال ابن عباس : إن ملكا من الملوك يقال له دقيانوس ظهر على مدينة من مدائن الروم يقال لها أفسوس. وقيل هي طرسوس وكان بعد زمن عيسى عليه السلام فأمر بعبادة الأصنام فدعا أهلها إلى عبادة الأصنام، وكان بها سبعة أحداث يعبدون سرا، فرفع خبرهم إلى الملك وخافوه فهربوا ليلا، ومروا براع معه كلب فتبعهم فآووا إلى الكهف فتبعهم الملك إلى فم الغار، فوجد أثر دخولهم ولم يجد أثر خروجهم، فدخلوا فأعمى الله أبصارهم فلم يروا شيئا؛ فقال الملك : سدوا عليهم باب الغار حتى يموتوا فيه جوعا وعطشا. وروى مجاهد عن ابن عباس أيضا أن هؤلاء الفتية كانوا في دين ملك يعبد الأصنام ويذبح لها ويكفر بالله، وقد تابعه على ذلك أهل المدينة، فوقع للفتية علم من بعض الحواريين - حسبما ذكر النقاش أو من مؤمني الأمم قبلهم - فآمنوا بالله ورأوا ببصائرهم قبيح فعل الناس، فأخذوا نفوسهم بالتزام الدين وعبادة الله؛ فرفع أمرهم إلى الملك وقيل لي : إنهم قد فارقوا دينك واستخفوا آلهتك وكفروا بها، فاستحضرهم الملك إلى مجلسه وأمرهم باتباع دينه والذبح لآلهته، وتوعدهم على فراق ذلك بالقتل؛ فقالوا له فيما روي { ربنا رب السماوات والأرض - إلى قوله - وإذا اعتزلتموهم} [الكهف:16] وروي أنهم قالوا نحو هذا الكلام وليس به، فقال لهم الملك : إنكم شبان أغمار لا عقول لكم، وأنا لا أعجل بكم بل استأني فاذهبوا إلى منازلكم ودبروا رأيكم وارجعوا إلى أمري، وضرب لهم في ذلك أجلا، ثم إنه خلال الأجل فتشاور الفتية في الهروب بأديانهم، فقال لهم أحدهم : إني أعرف كهفا في جبل كذا، وكان أبي يدخل فيه غنمه فلنذهب فلنختف فيه حتى يفتح الله لنا؛ فخرجوا فيما روي يلعبون بالصولجان والكرة، وهم يدحرجونها إلى نحو طريقهم لئلا يشعر الناس بهم. وروي أنهم كانوا مثقفين فحضر عيد خرجوا إليه فركبوا في جملة الناس، ثم أخذوا باللعب بالصولجان حتى خلصوا بذلك. وروى وهب بن منبه أن أول أمرهم إنما كان حواري لعيسى بن مريم جاء إلى مدينة أصحاب الكهف يريد دخولها، فأجر نفسه من صاحب الحمام وكان يعمل فيه، فرأى صاحب الحمام في أعماله بركة. عظيمة، فألقى إليه بكل أمره، وعرف ذلك الرجل فتيان من المدينة فعرفهم الله تعالى فآمنوا به واتبعوه على دينه، واشتهرت خلطتهم به؛ فأتى يوما إلى ذلك الحمام ولد الملك بامرأة أراد الخلوة بها، فنهاه ذلك الحواري فانتهى، ثم جاء مرة أخرى فنهاه فشتمه، وأمضى عزمه في دخول الحمام مع البغي، فدخل فماتا فيه جميعا؛ فاتهم ذلك الحواري وأصحابه بقتلهما؛ ففروا جميعا حتى دخلوا الكهف. وقيل في خروجهم غير هذا. وأما الكلب فروي أنه كان كلب صيد لهم، وروي أنهم وجدوا في طريقهم راعيا له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلب معهم؛ قال ابن عباس. واسم الكلب حمران وقيل قطمير. وأما أسماء أهل الكهف فأعجمية، والسند في معرفتها واه. والذي ذكره الطبري هي هذه : مكسلمينا وهو أكبرهم والمتكلم عنهم، ومحسيميلنينا ويمليخا، وهو الذي مضى بالورق إلى المدينة عند بعثهم من رقدتهم، ومرطوس وكشوطوش ودينموس ويطونس وبيرونس. قال مقاتل : وكان الكلب لمكسلمينا، وكان أسنهم وصاحب غنم. الثانية: هذه الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء والأوطان والأموال خوف الفتنة وما يلقاه الإنسان من المحنة. وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم فارا بدينه، وكذلك أصحابه، وجلس في الغار حسبما تقدم في سورة [النحل]. وقد نص الله تعالى على ذلك في [براءة] وقد تقدم. وهجروا أوطانهم وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم وإخوانهم، رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين. فسكنى الجبال ودخول الغيران، والعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق، وجواز الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء. وقد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم العزلة، وفضلها جماعة العلماء لا سيما عند ظهور الفتن وفساد الناس، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال { فأووا إلى الكهف} . وقال العلماء الاعتزال عن الناس يكون مرة في الجبال والشعاب، ومرة في السواحل والرباط، ومرة في البيوت؛ وقد جاء في الخبر : (إذا كانت الفتنة فأخف مكانك وكف لسانك). ولم يخص موضعا من موضع. وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك، إن كنت بين أظهرهم. وقال ابن المبارك في تفسير العزلة : أن تكون مع القوم فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت. وروى البغوي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (نعم صوامع المؤمنين بيوتهم) من مراسل الحسن وغيره. وقال عقبة بن عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما النجاة يا رسول الله؟ فقال : (يا عقبة أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك). وقال صلى الله عليه وسلم : (يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن). خرجه البخاري. وذكر علي بن سعد عن الحسن بن واقد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد حلت لأمتي العزبة والعزلة والترهب في رءوس الجبال). وذكر أيضا علي بن سعد عن عبدالله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق إلى شاهق أو حجر إلى حجر فإذا كان ذلك لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله فإذا كان ذلك حلت العزبة). قالوا : يا رسول الله، كيف تحل العزبة وأنت تأمرنا بالتزويج؟ قال : (إذا كان ذلك كان فساد الرجل على يدي أبويه فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدي زوجته فإن لم تكن له زوجة كان هلاكه على يدي ولده فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدي القرابات والجيران). قالوا وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال : (يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها). قلت : أحوال الناس في هذا الباب تختلف، فرب رجل تكون له قوة على سكنى الكهوف والغيران في الجبال، وهي أرفع الأحوال لأنها الحالة التي اختارها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في بداية أمره، ونص عليها في كتابه مخبرا عن الفتية، فقال { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف} [الكهف : 16]. ورب رجل تكون العزلة له في بيته أخف عليه وأسهل؛ وقد اعتزل رجال من أهل بدر فلزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم. ورب رجل متوسط بينهما فيكون له من القوة ما يصبر بها على مخالطة الناس وأذاهم، فهو معهم في الظاهر ومخالف لهم في الباطن. وذكر ابن المبارك حدثنا وهيب بن الورد قال : جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال : إن الناس وقعوا فيما وقعوا وقد حدثت نفسي ألا أخالطهم. فقال : لا تفعل إنه لا بد لك من الناس، ولا بد لهم منك، ولك إليهم حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصم سميعا، أعمى بصيرا، سكوتا نطوقا. وقد قيل : إن كل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معنى الجبال والشعاب؛ مثل الاعتكاف في المساجد، ولزوم السواحل للرباط والذكر، ولزوم البيوت فرارا عن شرور الناس. وإنما جاءت الأحاديث بذكر الشعاب والجبال واتباع الغنم - والله أعلم - لأن ذلك هو الأغلب في المواضع التي يعتزل فيها؛ فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معناه، كما ذكرنا، والله الموفق وبه العصمة. وروى عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية الجبل يؤذن بالصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة). خرجه النسائي. الثالثة: قوله تعالى { وهيئ لنا من أمرنا رشدا} لما فروا ممن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء ولجؤوا إلى الله تعالى فقالوا { ربنا آتنا من لدنك رحمة} أي مغفرة ورزقا. { وهيئ لنا من أمرنا رشدا} توفيقا للرشاد. وقال ابن عباس : مخرجا من الغار في سلامة. وقيل صوابا. ومن هذا المعنى أنه عليه السلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 5 - 11

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ أَوَى } من المأوى، وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ويلجأ إليه { ٱلْفِتْيَةُ } جمع فتى، وهو الشاب في مُقْتبل العمر، والشباب هم مَعْقِد الآمال في حَمْل الأعباء والنهوض بكل أمر صعب، وهؤلاء شباب مؤمن وقفوا يحملون راية عقيدتهم وإيمانهم أمام جبروت الكفر وطغيان الشرك، فالفتاء فيهم فتاء إيمان وعقيدة.

لذلك لجأوا إلى الكهف مُخلِّفين وراءهم أموالهم وأهلهم وكل ما يملكون، وفرُّوا بدينهم إلى هذا المكان الضيق الخالي من أيِّ مُقوِّم من مُقوِّمات الحياة؛ لأنهم لا يشغلون أنفسهم بهذه المقوّمات، بل يعلمون أن لهم رباً سيتولى أمرهم؛ لذلك ضَرَعُوا إليه قائلين:

{ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً.. } [الكهف: 10] أي: رحمة من عندك، أنت ترحم بها ما نحن فيه من انقطاع عن كل مُقوِّمات الحياة، فالرحمة في فجوة الجبل لن تكون من البشر، الرحمن هنا لا تكون إلا من الله: { وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً } [الكهف: 10] أي: يَسِّر لنا طريقاً سديداً للخير وللحق.

إن هؤلاء الفتية المؤمنين حينما ألجأهم الكفر إلى ضيق الكهف تضرَّعوا واتجهوا إلى ربهم، فهو وحده القادر على أن يُوسّع عليهم هذا الضيق، كما قال تعالى:
{  فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ.. }
[الأنعام: 43]

ثم يقول الحق سبحانه: { فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءَاذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً }.


www.alro7.net