سورة
اية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ

تفسير بن كثير

{ ق} حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور، كقوله تعالى: { ص - ون - والم} ونحو ذلك قاله مجاهد وغيره، وقد أسلفنا الكلام عليها في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقوله تعالى: { والقرآن المجيد} ، أي الكريم العظيم الذي { لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} ، واختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله تعالى: { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ} وفي هذا نظر، بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم وهو إثبات النبوة وإثبات المعاد وتقريره وتحقيقه، وإن لم يكن القسم يتلقى لفظاً، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله: { ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق} ، وهكذا قال ههنا { ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب} أي تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، كقوله جلَّ جلاله: { أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} أي وليس هذا بعجيب، فإن اللّه يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، ثم قال عزَّ وجلَّ مخبراً عنهم في تعجبهم أيضاً من المعاد واستبعادهم لوقوعه { أئذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد} أي يقولون أئذا متنا وبلينا وتقطعت الأوصال منا وصرنا تراباً، كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب؟ { ذلك رجع بعيد} أي بعيد الوقوع، والمعنى أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه، قال اللّه تعالى راداً عليهم { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي ما تأكل من أجسادهم في البلى، نعلم ذلك ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان، وأين ذهبت وإلى أين صارت { وعندنا كتاب حفيظ} أي حافظ لذلك، فالعلم شامل والكتاب أيضاً فيه كل الأشياء مضبوطة، قال ابن عباس { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي ما تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم؛ ثم بين تبارك وتعالى سبب كفرهم وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد، فقال: { بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} أي وهذا حال كل من خرج عن الحق مهما قال بعد ذلك فهو باطل، و(المريج) المختلف المضطرب المنكر، كقوله تعالى: { إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك} .

تفسير الجلالين

{ ق } الله أعلم بمراده به { والقرآن المجيد } الكريم ما آمن كفار مكة بمحمد صلى الله عليه وسلم .

تفسير الطبري

اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَوْله : { ق } , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى أُقْسِمَ بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24625 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { ق - وَ - ن } وَأَشْبَاه هَذَا , فَإِنَّهُ قَسَم أَقْسَمَهُ اللَّه , وَهُوَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24626 -حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { ق } قَالَ : اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن . وَقَالَ آخَرُونَ : { ق } اِسْم الْجَبَل الْمُحِيط بِالْأَرْضِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا فِي تَأْوِيل حُرُوف الْمُعْجَم الَّتِي فِي أَوَائِل سُوَر الْقُرْآن بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَوْله : { ق } , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى أُقْسِمَ بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24625 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { ق - وَ - ن } وَأَشْبَاه هَذَا , فَإِنَّهُ قَسَم أَقْسَمَهُ اللَّه , وَهُوَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24626 -حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { ق } قَالَ : اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن . وَقَالَ آخَرُونَ : { ق } اِسْم الْجَبَل الْمُحِيط بِالْأَرْضِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا فِي تَأْوِيل حُرُوف الْمُعْجَم الَّتِي فِي أَوَائِل سُوَر الْقُرْآن بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .' وَقَوْله : { وَالْقُرْآن الْمَجِيد } يَقُول : وَالْقُرْآن الْكَرِيم . كَمَا : 24627 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث بْن إِسْحَاق , عَنْ جَعْفَر ابْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { ق وَالْقُرْآن الْمَجِيد } قَالَ : الْكَرِيم. وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَوْضِع جَوَاب هَذَا الْقَسَم , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة { ق وَالْقُرْآن الْمَجِيد } قَسَم عَلَى قَوْله : { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُص الْأَرْض مِنْهُمْ } 50 4 وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْكُوفَة : فِيهَا الْمَعْنَى الَّذِي أَقْسَمَ بِهِ , وَقَالَ : ذُكِرَ أَنَّهَا قَضَى وَاَللَّه , وَقَالَ : يُقَال : إِنَّ قَاف جَبَل مُحِيط بِالْأَرْضِ , فَإِنْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَكَأَنَّهُ فِي مَوْضِع رَفْع : أَيْ هُوَ قَاف وَاَللَّه ; قَالَ : وَكَانَ يَنْبَغِي لِرَفْعِهِ أَنْ يَظْهَر لِأَنَّهُ اِسْم وَلَيْسَ بِهِجَاءٍ ; قَالَ : وَلَعَلَّ الْقَاف وَحْدهَا ذُكِرَتْ مِنْ اِسْمه , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : قُلْت لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَاف ذُكِرَتْ الْقَاف إِرَادَة الْقَاف مِنْ الْوَقْف : أَيْ إِنِّي وَاقِفَة . وَهَذَا الْقَوْل الثَّانِي عِنْدنَا أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْرَف فِي أَجْوِبَة الْأَيْمَان قَدْ , وَإِنَّمَا تُجَاب الْأَيْمَان إِذَا أُجِيبَتْ بِأَحَدِ الْحُرُوف الْأَرْبَعَة : اللَّام , وَإِنَّ , وَمَا , وَلَا , أَوْ بِتَرْكِ جَوَابهَا فَيَكُون سَاقِطًا .وَقَوْله : { وَالْقُرْآن الْمَجِيد } يَقُول : وَالْقُرْآن الْكَرِيم . كَمَا : 24627 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث بْن إِسْحَاق , عَنْ جَعْفَر ابْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر { ق وَالْقُرْآن الْمَجِيد } قَالَ : الْكَرِيم. وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَوْضِع جَوَاب هَذَا الْقَسَم , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة { ق وَالْقُرْآن الْمَجِيد } قَسَم عَلَى قَوْله : { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُص الْأَرْض مِنْهُمْ } 50 4 وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْكُوفَة : فِيهَا الْمَعْنَى الَّذِي أَقْسَمَ بِهِ , وَقَالَ : ذُكِرَ أَنَّهَا قَضَى وَاَللَّه , وَقَالَ : يُقَال : إِنَّ قَاف جَبَل مُحِيط بِالْأَرْضِ , فَإِنْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَكَأَنَّهُ فِي مَوْضِع رَفْع : أَيْ هُوَ قَاف وَاَللَّه ; قَالَ : وَكَانَ يَنْبَغِي لِرَفْعِهِ أَنْ يَظْهَر لِأَنَّهُ اِسْم وَلَيْسَ بِهِجَاءٍ ; قَالَ : وَلَعَلَّ الْقَاف وَحْدهَا ذُكِرَتْ مِنْ اِسْمه , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : قُلْت لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَاف ذُكِرَتْ الْقَاف إِرَادَة الْقَاف مِنْ الْوَقْف : أَيْ إِنِّي وَاقِفَة . وَهَذَا الْقَوْل الثَّانِي عِنْدنَا أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْرَف فِي أَجْوِبَة الْأَيْمَان قَدْ , وَإِنَّمَا تُجَاب الْأَيْمَان إِذَا أُجِيبَتْ بِأَحَدِ الْحُرُوف الْأَرْبَعَة : اللَّام , وَإِنَّ , وَمَا , وَلَا , أَوْ بِتَرْكِ جَوَابهَا فَيَكُون سَاقِطًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ق والقرآن المجيد} قرأ العامة [قاف] بالجزم. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم [قاف] بكسر الفاء؛ لأن الكسر أخو الجزم، فلما سكن آخره حركوه بحركة الخفض. وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء حركه إلى أخف الحركات. وقرأ هارون ومحمد بن السميقع [قاف] بالضم؛ لأنه في غالب الأمر حركة البناء نحو منذ وقد وقبل وبعد. واختلف في معنى [قاف] ما هو؟ فقال ابن زيد وعكرمة والضحاك : هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء أخضرت السماء منه، وعليه طرفا السماء والسماء عليه مقبية، وما أصاب الناس من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل. ورواه أبو الجوزاء عن عبدالله بن عباس. قال الفراء : كان يجب على هذا أن يظهر الإعراب في { ق} لأنه اسم وليس بهجاء. قال : ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه؛ كقوله القائل : قلت لها قفي فقالت قاف أي أنا واقفة. وهذا وجه حسن وقد تقدم أول [البقرة]. وقال وهب : أشرف ذو القرنين على جبل قاف فرأى تحته جبالا صغارا، فقال له : ما أنت؟ قال : أنا قاف، قال : فما هذه الجبال حولك ؟ قال : هي عروقي وما من مدينة إلا وفيها عرق من عروقي، فإذا أراد الله أن يزلزل مدينة أمرني فحركت عرقي ذلك فتزلزلت تلك الأرض؛ فقال له : يا قاف أخبرني بشيء من عظمة الله؛ قال : إن شأن ربنا لعظيم، وإن ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم به بعضها بعضا، لولا هي لاحترقت من حر جهنم. فهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض والله أعلم بموضعها؛ وأين هي من الأرض. قال : زدني، قال : إن جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله ترعد فرائصه، يخلق الله من كل رعدة مائة ألف ملك، فأولئك الملائكة وقوف بين يدي الله تعالى منكسو رءوسهم، فاذا أذن الله لهم في الكلام قالوا : لا إله إلا الله؛ وهو قوله تعالى { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ : 38] يعني قوله : لا إله إلا الله. وقال الزجاج : قوله { ق} أي قضي الأمر، كما قيل في { حم} أي حم الأمر. وقال ابن عباس { ق} اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وعنه أيضا : أنه اسم من أسماء القرآن. وهو قول قتادة. وقال القرظي : افتتاح أسماء الله تعالى قدير وقاهر وقريب وقاض وقابض. وقال الشعبي : فاتحة السورة. وقال أبوبكر الوراق : معناه قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما. وقال محمد بن عاصم الأنطاكي : هو قرب الله من عباده، بيانه { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق : 16] وقال ابن عطاء : أقسم الله بقوة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، حيث حمل الخطاب ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله. قوله تعالى { والقرآن المجيد} أي الرفيع القدر. وقيل : الكريم؛ قاله الحسن. وقيل : الكثير؛ مأخوذ من كثرة القدر والمنزلة لا من كثرة العدد، من قولهم : كثير فلان في النفوس؛ ومنه قول العرب في المثل السائر [كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار} أي استكثر هذان النوعان من النار فزادا على سائر الشجر؛ قال ابن بحر. وجواب القسم قيل هو { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} على إرادة اللام؛ أي لقد علمنا. وقيل : هو { إن في ذلك لذكرى} وهو اختيار الترمذي محمد بن علي قال { ق} قسم باسم هو أعظم الأسماء التي خرجت إلى العباد وهو القدرة، وأقسم أيضا بالقرآن المجيد، ثم اقتص ما خرج من القدرة من خلق السموات والأرضين وأرزاق العباد، وخلق الآدميين، وصفة يوم القيامة والجنة والنار، ثم قال { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} [ق : 37] فوقع القسم على هذه الكلمة كأنه قال { ق} أي بالقدرة والقرآن المجيد أقسمت أن فيما اقتصصت في هذه السورة { لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق : 37]. وقال ابن كيسان : جوابه { ما يلفظ من قول} . وقال أهل الكوفة : جواب هذا القسم { بل عجبوا} . وقال الأخفش : جوابه محذوف كأنه قال { ق والقرآن المجيد} لتبعثن؛ يدل عليه { أئذا متنا وكنا ترابا } . قوله تعالى { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} { أن} في موضع نصب على تقدير لأن جاءهم منذر منهم، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم والضمير للكفار. وقيل : للمؤمنين والكفار جميعا. ثم ميز بينهم { فقال الكافرون} ولم يقل فقالوا، بل قبح حالهم وفعلهم ووصفهم بالكفر، كما تقول : جاءني فلان فأسمعني المكروه، وقال لي الفاسق أنت كذا وكذا. { هذا شيء عجيب} العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب بالضم، والعجاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة. وقال قتادة : عجبهم أن دعوا إلى إله واحد. وقيل : من إنذارهم بالبعث والنشور. والذي نص عليه القرآن أولى. قوله تعالى { أئذا متنا وكنا ترابا} نبعث؛ ففيه إضمار. { ذلك رجع بعيد} الرجع الرد أي هو رد بعيد أي محال. يقال : رجعته أرجعه رجعا، ورجع هو يرجع رجوعا، وفيه إضمار آخر؛ أي وقالوا أنبعث إذا متنا. وذكر البعث وإن لم يجرها هنا فقد جرى في مواضع، والقرآن كالسورة الواحدة. وأيضا ذكر البعث منطو تحت قوله { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} لأنه إنما ينذر بالعقاب والحساب في الآخرة. { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي ما تأكل من أجسادهم فلا يضل عنا شيء حتى تتعذر علينا الإعادة. وفي التنزيل { قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} [طه : 51].""وفي الصحيح : ""(كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب) وقد تقدم. وثبت أن الأنبياء والأولياء والشهداء لا تأكل الأرض أجسادهم؛ حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم. وقد بينا هذا في كتاب [التذكرة] وتقدم أيضا في هذا الكتاب. وقال السدي : النقص هنا الموت يقول قد علمنا منهم من يموت ومن يبقى؛ لأن من مات دفن فكأن الأرض تنقص من الناس. وعن ابن عباس : هو من يدخل في الإسلام من المشركين. { وعندنا كتاب حفيظ} أي بعدتهم وأسمائهم فهو فعيل بمعنى فاعل. وقيل : اللوح المحفوظ أي محفوظ من الشياطين أو محفوظ فيه كل شيء. وقيل : الكتاب عبارة عن العلم والإحصاء؛ كما تقول : كتبت عليك هذا أي حفظته؛ وهذا ترك الظاهر من غير ضرورة. وقيل : أي وعندنا كتاب حفيظ لأعمال بني آدم لنحاسبهم عليها. قوله تعالى { بل كذبوا بالحق} أي القرآن في قول الجميع؛ حكاه الماوردي. وقال الثعلبي : بالحق القرآن. وقيل : الإسلام. وقيل : محمد صلى الله عليه وسلم. { فهم في أمر مريج} أي مختلط. يقولون مرة ساحر ومرة شاعر ومرة كاهن؛ قاله الضحاك وابن زيد. وقال قتادة : مختلف. الحسن : ملتبس؛ والمعنى متقارب. وقال أبو هريرة : فاسد، ومنه مرجت أمانات الناس أي فسدت؛ ومرج الدين والأمر اختلط؛ قال أبو دواد : مرج الدين فأعددت له ** مشرف الحارك محبوك الكتد وقال ابن عباس : المريج الأمر المنكر. وقال عنه عمران بن أبي عطاء { مريج} مختلط. وأنشد : فجالت فالتمست به حشاها ** فخر كأنه خوط مريج الخوط الغصن. وقال عنه العوفي : في أمر ضلالة وهو قولهم ساحر شاعر مجنون كاهن. وقيل : متغير. وأصل المرج الاضطراب والقلق؛ يقال : مرج أمر الناس ومرج أمر الدين ومرج الخاتم في إصبعي إذا قلق من الهزال. وفي الحديث : (كيف بك يا عبدالله إذا كنت في قوم قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا وهكذا) وشبك بين أصابعه. أخرجه أبو داود وقد ذكرناه في كتاب [التذكرة]. { ق‏} ‏ حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور، كقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏ص - ون - والم‏} ‏ ونحو ذلك قاله مجاهد وغيره، وقد أسلفنا الكلام عليها في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏والقرآن المجيد‏} ‏، أي الكريم العظيم الذي ‏ { ‏لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد‏} ‏، واختلفوا في جواب القسم ما هو‏؟‏ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ‏} ‏ وفي هذا نظر، بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم وهو إثبات النبوة وإثبات المعاد وتقريره وتحقيقه، وإن لم يكن القسم يتلقى لفظاً، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله‏:‏ ‏ { ‏ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق‏} ‏، وهكذا قال ههنا ‏ { ‏ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب‏} ‏ أي تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، كقوله جلَّ جلاله‏:‏ ‏ { ‏أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس‏} ‏ أي وليس هذا بعجيب، فإن اللّه يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، ثم قال عزَّ وجلَّ مخبراً عنهم في تعجبهم أيضاً من المعاد واستبعادهم لوقوعه ‏ { ‏أئذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد‏} ‏ أي يقولون أئذا متنا وبلينا وتقطعت الأوصال منا وصرنا تراباً، كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب‏؟‏ ‏ { ‏ذلك رجع بعيد‏} ‏ أي بعيد الوقوع، والمعنى أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه، قال اللّه تعالى رادا عليهم ‏ { ‏قد علمنا ما تنقص الأرض منهم‏} ‏ أي ما تأكل من أجسادهم في البلى، نعلم ذلك ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان، وأين ذهبت وإلى أين صارت ‏ { ‏وعندنا كتاب حفيظ‏} ‏ أي حافظ لذلك، فالعلم شامل والكتاب أيضاً فيه كل الأشياء مضبوطة، قال ابن عباس ‏ { ‏قد علمنا ما تنقص الأرض منهم‏} ‏ أي ما تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم؛ ثم بين تبارك وتعالى سبب كفرهم وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد، فقال‏:‏ ‏ { ‏بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج‏} ‏ أي وهذا حال كل من خرج عن الحق مهما قال بعد ذلك فهو باطل، و‏(‏المريج‏)‏ المختلف المضطرب المنكر، كقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك‏} ‏‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ق الايات 1 - 2

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

سبق أنْ تحدثنا عن الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن، وهنا نكتفي بالإشارة إلى أن هذه الحروف المقطعة مثل (ق) تمثل جانبَ الغيب في القرآن، والغيب هو محكّ الإيمان كما بيَّنا.

فالفلاح الأمي مثلاً يستخدم التليفزيون ويتنقل بين قنواته دون أنْ يعرف كيف يعمل وكيف ينتقل من قناة إلى أخرى، فهو يستفيد به دون معرفة بكيفية عمله، كذلك يستخدم رافعة المياة (الطلمبة)، وهو لا يعرف (ميكانيكية) عملها.

كذلك نحن مع الحروف المقطعة هذه نؤمن بها وندع معانيها لقائلها سبحانه. والدين ينقسم إلى عناصر ثلاثة: عقائد تعمر القلوب، وعبادات وتكاليف هي عمل الجوارح، ثم الكلام الذي ينقل هذه الأمور كلها وهو مهمة اللسان أي التعبير.

وكل من العقائد والتكاليف والتعبير فيه غيب ومشهد، فالله غيبب، لكن آثار قدرته في الكون مشهد، والصلاة من حيث ترددك على المسجد خمس مرات وما فيها من ركوع وسجود وحركات مشهد، لكن عدد ركعاتها غيب.

فكأن الحق سبحانه يعطينا الغيب في هذه الأشياء ليختبر فينا حقيقة الإيمان، فما علمته دليل على صدق ما لم تعلمه.

كذلك الحال في حروف القرآن الكريم وآياته، فآيات القرآن على وجه العموم نفهمها ونعرف معانيها، لكن الحروف المقطعة هي الغيب الذي يجب علينا أنْ نؤمن به حتى ولو لم نعرف معناه، وتبقى هذه الحروف دليلَ إجاز القرآن.

فقوله تعالى: { قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } [ق: 1] جمعتْ بين الاثنين، الغيب في (ق) والمشهد في { وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } [ق: 1] وهما المكوِّنان للقرآن الكريم (ق) دليل الإعجاز { وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } [ق: 1] إذن: أتى بالدليل والمستدل عليه.

و(ق) تحمل معنى القسَم، وهي حرف واحد كما أقسم الله بالشيء الواحد، فقال:
{  وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ }
[العصر: 1-2] وقال:
{  وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ }
[النجم: 1-2].

كما يقسم بالحرفين مثل (يس)، (طه)، (حم)، وكذلك يقسم بشيئين من مخلوقاته مثل:
{  وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ }
[الضحى: 1-2] ويقسم بثلاثة أحرف مثل (الم)، وبثلاثة أشياء مثل:
{  وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً }
[الصافات: 1-3].

ويقسم بأربعة في
{  الۤمۤصۤ }
[الأعراف: 1] وفي
{  وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ }
[التين: 1-3] كما يقسم بخمسة أحرف في
{  كۤهيعۤصۤ }
[مريم: 1] وفي قوله سبحانه
{  وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ * وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ * وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ * وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ }
[الطور: 1-6].

إذن: جاء هذا القسم على خمسة أضرب من الواحد إلى خمسة، ولم يزد على ذلك حتى لا يكون القسمُ ثقيلاً على اللسان، ولأن أقصى ما يمكن في الكلمة المجردة خمسة أحرف، لكن في القسَم بآياته الكونية زاد على ذلك.

اقرأ:
{  وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا * وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا * وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا }
[الشمس: 1-7].

ولو فعل مثل ذلك في القسم بالحروف لخرج عن بنية الكلمة في اللغة.

ونلاحظ أيضاً أن القسم بالحروف المقطعة لم يأتِ إلا في أوائل السور، أما القسم بالآيات الكونية فيأتي في أولها كما رأينا، وياتي في خلالها كما في قوله تعالى:
{  كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ }
[المدثر: 32-34].

ثم إن القسم بالحروف المقطعة لا يأتي بالواو، إنما تأتي واو القسم مع الآيات الأخرى التي تفهم معناها، وهنا يقول: { قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } [ق: 1] ولم يقل و(ق) لأن الواو حرف، و(ق) حرف، فيحدث بينهما لَبْسٌ، هذه من إعجازات القرآن التي ينبغي أنْ نقف عندها وفقة تأمل.

والتصديق بهذه الغيبيات هو الذي يثبت صدق الإيمان، وإلا فما الميزة في أنْ تكون كلُّ آيات القرآن مفهومة معلومة المعنى والمراد؟ ما الميزة في أن تكونَ كل أمور الدين معلومة لنا خاضعة للقياس العقلي وعليها دليل؟

وسبق أنْ أوضحنا أن المشهد والإيمان بالمشهد أمر عادي الكل يؤمن به، المهم أنْ تؤمنَ بما غاب عنك ثقةً منك فيمَنْ أبلغك به.

هَبْ أنك ذهبتَ إلى الطبيب وبعد أنْ فحص حالتك كتب لك الدواء، بالله هل تناقشه لِم كتبتَ كذا؟ ولم كتبتَ كذا؟ إنك لا تناقشه لأنك ذهبتَ إليه مختاراً، ذهبتَ إليه وأنت تثق به ومستعد لأن تنفذ تعلمياته وتتناول الدواء الذي وصفه لك وأنت لا تعرف شيئاً عنه.

فإذا كنتَ تثق بالطبيب وهو إنسان مثلي ومثلك وعُرْضةٌ للخطأ، فما بالك بالله؟ ألاَ تثق في كلامه؟

ولأهمية الإيمان بالغيب مدح الله المؤمنين به، فقال:
{  ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ... }
[البقرة: 3] فكما نؤمن بالآيات واضحة المعنى نؤمن بالحروف غير واضحة المعنى، فهذا قرآن مشهد، وهذا قرآن غيب، وكما نؤمن بالآيات الكونية المشاهدة نؤمن بالله خالقها ومبدعها، وهو سبحانه غيب.

وقوله تعالى: { وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } [ق: 1] القرآن اسم لما نزل من عند الله على قلب سيدنا رسول الله، ودلّ على صدقه في البلاغ عنه. وسُمِّي قرآناً ليدل على أنه مقروء، وسُمِّي الكتاب ليدل على أنه مكتوب، فهو مُسجَّل في السطور محفوظ في الصدور.

وللقرآن مزية خاصة به لم تُعْطَ لكتاب قبله، هي أن القرآن يحمل المنهج ويحمل المعجزة معاً، أما الرسالات السابقة عليه فكان المنهج في الكتاب، والمعجزة منفصلة عنه.

فسيدنا عيسى مثلاً كان كتابه الإنجيل، ومعجزته أنْ يبرئ الأكمه والأبرص ويُحيي الموتى بإذن الله، وسيدنا موسى كان كتابه ومنهجه في التوراة، أما معجزته فكانت في العصا، أما سيدنا رسول الله فكانت معجزته هي عين منهجه، لماذا؟

لأن رسالته دائمة باقية في الزمان كله إلى قيام الساعة وباقية في المكان كله، فلها عمومية الزمان وعمومية المكان، ونحن الآن نقول: هذا محمد رسول الله وهذه معجزته، في حين لا نستطيع أنْ نقول ذلك مع سيدنا موسى مثلاً أو سيدنا عيسى، لأن معجزاتهما انتهت بانتهاء زمانيهما.ومعنى { ٱلْمَجِيدِ } [ق: 1] أي: العظيم صاحب الشرف والمجد والعلو، ومجيد على وزن فعيل، وهي من أوزان المبالغة مثل رحيم، وفعيل وتأتي مرة بمعنى فاعل مثل رحيم أي: راحم، وتأتي بمعنى مفعول مثل قتيل أي: مقتول.

فمعنى { ٱلْمَجِيدِ } [ق: 1] أي: ماجد في ذاته وممجَّد في ذاته فهي تحمل المعنيين، فهو ماجد وممجد، لأنه أعلى وأرفع كلام وأغلى الكتب وأشرفها، فهو في ذاته مجيد.

ثم لأنه جاء من مجيد أعلى هو الحق سبحانه، وبلَّغه مَلَك مجيد إلى رسول مجيد، ويبقى بعد ذلك أنه أُنزل على أمة مجيدة.

لكن إذا كانت: { قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } [ق: 1] قسم فأين جوابه؟ قالوا: قسم على أن البعث حَقّ، أي: ق والقرآن المجيد لتبعثن، والأقرب من ذلك أنْ نأخذ الجواب من الكلام بعد القسم، وهو قوله تعالى: { بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ... } [ق: 2].


www.alro7.net