سورة
اية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { الذين كفروا} أي بآيات اللّه { وصدوا} غيرهم { عن سبيل اللّه أضل أعمالهم} أي أبطلها وأذهبها، ولم يجعل لها ثواباً ولا جزاء، كقوله تعالى: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} ، ثم قال جلَّ وعلا { والذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت لشرع اللّه جوارحهم وبواطنهم، { وآمنوا بما نزّل على محمد} عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلى اللّه عليه وسلم، وقوله تبارك وتعالى: { وهو الحق من ربهم} جملة معترضة حسنة، ولهذا قال جلَّ جلاله: { كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم} قال ابن عباس: أي أمرهم؛ وقال مجاهد: شأنهم، وقال قتادة: حالهم، والكل متقارب، وفي حديث تشميت العاطس (يهديكم اللّه ويصلح بالكم)، ثم قال عزَّ وجلَّ: { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل} أي إنما أبطلنا أعمال الكفّار، وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شؤونهم؛ لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، أي اختاروا الباطل على الحق، { وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب اللّه للناس أمثالهم} أي يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.

تفسير الجلالين

{ الذين كفروا } من أهل مكة { وصدُّوا } غيرهم { عن سبيل الله } أي الإيمان { أضل } أحبط { أعمالهم } كإطعام الطعام وصلة الأرحام، فلا يرون لها في الآخرة ثوابا ويجزون بها في الدنيا من فضله تعالى .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيل اللَّه أَضَلَّ أَعْمَالهمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيد اللَّه وَعَبَدُوا غَيْره وَصَدُّوا مَنْ أَرَادَ عِبَادَته وَالْإِقْرَار بِوَحْدَانِيِّتِهِ , وَتَصْدِيق نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الَّذِي أَرَادَ مِنْ الْإِسْلَام وَالْإِقْرَار وَالتَّصْدِيق { أَضَلَّ أَعْمَالهمْ } يَقُول : جَعَلَ اللَّه أَعْمَالهمْ ضَلَالًا عَلَى غَيْر هُدًى وَغَيْر رَشَاد , لِأَنَّهَا عُمِلَتْ فِي سَبِيل الشَّيْطَان وَهِيَ عَلَى غَيْر اِسْتِقَامَة الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيل اللَّه أَضَلَّ أَعْمَالهمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيد اللَّه وَعَبَدُوا غَيْره وَصَدُّوا مَنْ أَرَادَ عِبَادَته وَالْإِقْرَار بِوَحْدَانِيِّتِهِ , وَتَصْدِيق نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الَّذِي أَرَادَ مِنْ الْإِسْلَام وَالْإِقْرَار وَالتَّصْدِيق { أَضَلَّ أَعْمَالهمْ } يَقُول : جَعَلَ اللَّه أَعْمَالهمْ ضَلَالًا عَلَى غَيْر هُدًى وَغَيْر رَشَاد , لِأَنَّهَا عُمِلَتْ فِي سَبِيل الشَّيْطَان وَهِيَ عَلَى غَيْر اِسْتِقَامَة'

تفسير القرطبي

قال ابن عباس ومجاهد : هم أهل مكة كفروا بتوحيد الله، وصدوا أنفسهم والمؤمنين عن دين الله وهو الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه، وقال السدي. وقال الضحاك { عن سبيل الله} عن بيت الله بمنع قاصديه. ومعنى { أضل أعمالهم} : أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجعل الدائرة عليهم، قال الضحاك. وقيل : أبطل ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم، من صلة الأرحام وفك الأسارى وقرى الأضياف وحفظ الجوار. وقال ابن عباس : نزلت في المطعمين ببدر، وهم اثنا عشر رجلا : أبو جهل، والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبي وأمية ابنا خلف، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة محمد الايات 1 - 3

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

تأمل هنا ما أحسن التقاء وتناسب نهاية السورة مع بداية الأخرى، ففي نهاية الأحقاف:
{  فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ }
[الأحقاف: 35] وهنا { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ } [محمد: 1] فكأن الفاسقين هم الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله.

عرَّفنا الكفر أنه الستر سَتْر الحقيقة، أو ستر آثار الحقيقة، فكلمة (كفر) تقتضي بمدلولها وجود مستور، والكفر ماذا يستر؟ يستر نقيضه وهو الإيمان، إذن: وُجد الإيمان أولاً، ثم جاء الكفر ليَستره.

فكلمة الكفر أول دليل من أدلة الإيمان، لأن الإيمان أمر فطريّ، وغريزة في النفس البشرية وهي ما تزال في عالم الذر لما أخذ الله عليها العهد
{  أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ... }
[الأعراف: 172].

وقد لا يستر الكفر الشيء، إنما يستر آثاره، كما في قوله تعالى:
{  وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ... }
[النحل: 112].

إذن: كفرت بالله شيء، وكفرت بانعم الله شيء آخر.

والكفر بالنعمة يكون من عدة وجوه، فمن كُفر النعمة الغفلة عنها وعدم البحث عن أسبابها، وعدم استنباطها في الكون بما فيه من أسباب: الماء والهواء والأرض.

اقرأ مثلاً:
{  قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا... }
[فصلت: 9-10].

إذن: ربنا أعطانا الأسباب وأمرنا بالبحث فيها واستنباطها، وعدم التكاسل عن استخراج ما في الطبيعة من خيرات، فبعد أنْ أعطاك الله أسباب النعمة فلا تتهاون في شأنها وتعيش شحاذاً عالة على غيرك.

وقد يبحث الإنسان عن النعمة ويستنبطها لكن يسترها عن مستحقيها ويكنزها عنهم، وهؤلاء قال الله فيهم:


{  وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ }
[التوبة: 34-35].

إذن: الكفر إما كفر بالله بإنكار وجوده سبحانه، أو كفر بنعمه والآئه.

وقوله تعالى { وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ... } [محمد: 1] يعني: منعوا الناس إنْ يؤمنوا بالله، أو منعوا آذانهم أنْ تسمع إنذار الدعوة إلى الله، وصدُّوا أبصارهم ومنعوها أنْ ترى آيات الله في الكون وأنْ تتخذ منها دليلاً على الخالق سبحانه، وصدُّوا قلوبهم عن الإيمان بالله وقبول اليقين.

فهذه كلها مفعولات لصدُّوا، إذن: هؤلاء كفروا ولم يقتنعوا بكفر أنفسهم، بل حاولوا أنْ يجرُّوا غيرهم إلى ساحتهم.

لذلك وقف المستشرقون عند هذه المسألة يقولون: أنتم تقولون آيات محكمة، ثم بعد ذلك نجد فيها شبهة التناقض، مثق قوله تعالى:
{  وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ... }
[الزمر: 7].

ويقول في موضع آخر:
{  لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ... }
[النحل: 25] الواقع أنه لا تناقضَ بين الآيتين، لأن الحدث مختلف، لأنهم لما ضلوا في أنفسهم حملوا أوزارهم، ولما أضلوا غيرهم حملوا وزر ضلالهم، ووزر إضلالهم للغير.

ومعنى: { أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ } [محمد: 1] أبطلها وجعلها غير ذات فائدة، لأن معنى الضلال عدم الاهتداء إلى الطريق الموصّل للغاية وهؤلاء عملوا أعمالاً لا تعود عليهم بالنفع، وما النفع في الكفر وصدّ الناس عن الإيمان؟

حتى الذين يفعلون الخير وهم خارج ساحة الإيمان لا يُقبل منهم ولا يشفع لهم هذا الخير في الآخرة، لأنهم ما فعلوه من منطلق الإيمان، إنما فعلوه من منطلق الشهرة والسمعة والحضارة وخدمة البشرية إلى آخر هذه الشعارات.

لذلك يقول تعالى:
{  وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً }
[الفرقان: 23].

ويقول:
{  وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }
[النور: 39] فهؤلاء هم الذين يُقال لهم يوم القيامة:
{  أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا... }
[الأحقاف: 20].

وفى المقابل يقول سبحانه: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ... } [محمد: 2].


www.alro7.net