سورة
اية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا

تفسير بن كثير

مقدمة روى النسائي، عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات. قال ابن مسعود رضي اللّه عنه { والصافات صفاً} ، { فالزاجرات زجراً} ، { فالتاليات ذكراً} : هي الملائكة "وهو قول ابن عباس ومسروق وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وقتادة وغيرهم"؛ وقال قتادة: الملائكة صفوف في السماء، روى مسلم عن جابر بن سمرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ألا تصفّون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصّون في الصف" "وفي صحيح مسلم أيضاً (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة..." الحديث، وقال السدي معنى قوله تعالى: { فالزاجرات زجراً} : أنها تزجر السحاب، وقال الربيع بن أنَس { فالزاجرات زجراً} : ما زجر اللّه تعالى عنه في القرآن، { فالتاليات ذكراً} قال السدي: الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند اللّه إلى الناس، كقوله تعالى: { فالملقيات ذكراً عذراً أو نذراً} ، وقوله عزَّ وجلَّ: { إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض} ، هذا هو المقسم عليه أنه تعالى لا إله إلا هو رب السماوات والأرض { وما بينهما} أي من المخلوقات، { ورب المشارق} أي هو المالك المتصرف في الخلق، بتسخيره بما فيه من كواكب تبدو من المشرق وتغرب من المغرب، واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليها، وقد صرح بذلك في قوله عزَّ وجلَّ: { فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون} ، وقال تعالى { رب المشرقين ورب المغربين} يعني في الشتاء والصيف، للشمس والقمر.

تفسير الجلالين

{ والصافات صفّا } الملائكة تصف نفوسها في العبادة أو أجنحتها في الهواء تنتظر ما تؤمر به.

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { والصافات صفا، فالزاجرات زجرا، فالتاليات ذكرا} هذه قراءة أكثر القراء. وقرأ حمزة بالإدغام فيهن. وهذه القراءة التي نفر منها أحمد بن حنبل لما سمعها. النحاس : وهي بعيدة في العربية من ثلاث جهات : إحداهن أن التاء ليست من مخرج الصاد، ولا من مخرج الزاي، ولا من مخرج الذال، ولا من أخواتهن، وإنما أختاها الطاء والدال، وأخت الزاي الصاد والسين، وأخت الذال الظاء والثاء. والجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى. والجهة الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة؛ نحو دابة وشابة. ومجاز قراءة حمزة أن التاء قريبة المخرج من هذه الحروف. { والصافات} قسم؛ الواو بدل من الباء. والمعنى برب الصافات و { الزاجرات} عطف عليه. { إن إلهكم لواحد} جواب القسم. وأجاز الكسائي فتح إن في القسم. والمراد بـ { الصافات} وما بعدها إلى قوله: { فالتاليات ذكرا} الملائكة في قول ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. تصف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة. وقيل : تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. وهذا كما تقوم العبيد بين أيدي ملوكهم صفوفا. وقال الحسن: { صفا} لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم. وقيل : هي الطير؛ دليله قوله تعالى: { أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات} [الملك : 19]. والصف ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة. { والصافات} جمع الجمع؛ يقال : جماعة صافة ثم يجمع صافات. وقيل : الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة أو في الجهاد؛ ذكره القشيري. { فالزاجرات} الملائكة في قول ابن عباس وابن مسعود ومسروق وغيرهم على ما ذكرناه إما لأنها تزجر السحاب وتسوقه في قول السدي. وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح. وقال قتادة : هي زواجر القرآن. { فالتاليات ذكرا} الملائكة تقرأ كتاب الله تعالى؛ قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير والسدي. وقيل : المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع؛ لأنه كبير الملائكة فلا يخلو من جنود وأتباع. وقال قتادة : المراد كل من تلا ذكر الله تعالى وكتبه. وقيل : هي آيات القرآن وصفها بالتلاوة كما قال تعالى: { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل} [النمل : 76]. ويجوز أن يقال لآيات القرآن تاليات؛ لأن بعض الحروف يتبع بعضا؛ ذكره القشيري. وذكر الماوردي : أن المراد بالتاليات الأنبياء يتلون الذكر على أممهم. فإن قيل : ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قيل له : إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود؛ كقوله : يا لهف زيابة للحارث الصـ ** ـابح فالغانم فالآيب كأنه قال : الذي صبح فغنم فآب. وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك : خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل. وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله : (رحم الله المحلقين فالمقصرين). فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات؛ قاله الزمخشري. { إن إلهكم لواحد} جواب القسم. قال مقاتل : وذلك أن الكفار بمكة قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا، وكيف يسع هذا الخلق فرد إله! فأقسم الله بهؤلاء تشريفا. ونزلت الآية. قال ابن الأنباري : وهو وقف حسن، ثم تبتدئ { رب السماوات والأرض} على معنى هو رب السموات. النحاس : ويجوز أن يكون { رب السموات والأرض} خبرا بعد خبر، ويجوز أن يكون بدلا من { واحد} . قلت : وعلى هذين الوجهين لا يوقف على { لواحد} . وحكى الأخفش: { رب السموات - ورب المشارق} بالنصب على النعت لاسم إن. بين سبحانه معنى وحدانيته وألوهيته وكمال قدرته بأنه { رب السموات والأرض} أي خالقهما ومالكهما { ورب المشارق} أي مالك مطالع الشمس. ابن عباس : للشمس كل يوم مشرق ومغرب؛ وذلك أن الله تعالى خلق للشمس ثلاثمائة وخمسة وستين كوة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع في كل يوم في كوة منها، وتغيب في كوة، لا تطلع في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل. ولا تطلع إلا وهي كارهة فتقول : رب لا تطلعني على عبادك فإني أراهم يعصونك. ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد، وابن الأنباري في كتاب الرد عن عكرمة؛ قال : قلت لابن عباس أرأيت ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمية بن أبي الصلت (آمن شعره وكفر قلبه) قال : هو حق فما أنكرتم من ذلك؟ قلت : أنكرنا قوله : والشمس تطلع كل آخر ليلة ** حمراء يصبح لونها يتورد ليست بطالعة لهم في رسلها ** إلا معذبة وإلا تُجْـــلُدُ ما بال الشمس تجلد؟ فقال : والذي نفسي بيده ما طلعت شمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك، فيقولون لها اطلعي اطلعي، فتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملك فيستقل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطل بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها، فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما طلعت إلا بين قرني شيطان ولا غربت إلا بين قرني شيطان وما غربت قط إلا خرت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها) لفظ ابن الأنباري. وذكر عن عكرمة عن ابن عباس قال : صدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم أمية بن أبي الصلت في هذا الشعر : زحل وثور تحت رجل يمينه ** والنسر للأخرى وليث مرصد والشمس تطلع كل آخر ليلة ** حمـراء يصبح لونها يتورد ليست بطالعة لهم في رسلها ** إلا معذبة وإلا تجــــلد قال عكرمة : فقلت لابن عباس : يا مولاي أتجلد الشمس؟ فقال : إنما اضطره الروي إلى الجلد لكنها تخاف العقاب. ودل بذكر المطالع على المغارب؛ فلهذا لم يذكر المغارب، وهو كقوله: { سرابيل تقيكم الحر} [النحل : 81]. وخص المشارق بالذكر؛ لأن الشروق قبل الغروب. وقال في سورة [الرحمن] { رب المشرقين ورب المغربين} [الرحمن : 17] أراد بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال، وأقصر يوم في الأيام القصار على ما تقدم في { يس} والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الصّافات الايات 1 - 7

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا الأسلوب يُسمَّى أسلوب القسم، الله تعالى هو المقْسِم يُقسِم على { إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } [الصافات: 4] وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بمراده تعالى في القسم، فالله يريد منَّا إنْ أقسمنا أَلاَّ نُقسِم إلا به سبحانه، لكن بالاستقراء رأينا أنَّ الحق سبحانه يقسم بخَلْق من خَلْقه، فيُقسِم بالملائكة، ويُقسِم بالحيوان، ويُقسِم بالجبال، ويُقسِم بالفجر.. الخ.

قالوا: لأن الله تعالى يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، أمَّا أنت فلا تقسم إلا بالله، لأن القَسَم تعظيمٌ للمقْسَم به، وينبغي ألاَّ يكون مُعظّماً عند المؤمن إلا الله، ولا يصح أنْ تقول (وحياة فلان، ورأس علان) فإنْ كنتَ حالفاً فلتحلف بالله، كما جاء في الحديث الشريف: " مَنْ كان حالفاً فليحلف بالله ".

فإذا ظهر ما يكون ظاهره قَسَماً بغير الله، فاعلم أنه لا يُعَدُّ قَسَماً، وخصوصاً إنْ جاء من عالم أو يقيني كأنْ يقول: (وحياة أبوك يا فلان تعمل كذا وكذا)، هذا ليس قَسَماً، إنما هو مساءلة. القسَم: أنْ تُقسم على شيء، حدث أو لم يحدث، إنما طَلَبُ الشيء يسمى مساءلة، كذلك يقول الحق تعالى:
{  ..ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ }
[النساء: 1] أي: وبالأرحام في قراءة من جر الأرحام.

والحق سبحانه يقسم بما يشاء على مَنْ يشاء، وأنت لا تقسم إلا بالله؛ لأن الشيء قد يكون تافهاً في نظرك، ولكنه عند خالقه عظيم، وله مهمة تغفل أنت عنها، وحين يحلف الله به إنما يُلفِت نظرك إلى أهميته ودوره، فمثلاً لما فَتَر الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت الكفار إلى الحكمة من ذلك.

والحكمة أن الوحي كان يَثْقُل على رسول الله، حتى يبلغ منه الجهد، وحتى أن جبينه ليتفصَّد عرقاً، وإن نزل الوحي عليه وهو على دابة فإنها تئِنُّ وتنخُّ به؛ ذلك لأن الوحي ثقيل.

كما قال سبحانه:
{  إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً }
[المزمل: 5].

فجاءت فترة انقطاع الوحي رحمةً برسول الله، وتسريةً عنه، وتخفيفاً من معاناته، ثم ليشتاق هو إلى الوحي يعاوده من جديد، لم يلتفت الكفار إلى ذلك، وقالوا: إن رب محمد قَلاَه يعني: تركه وهجره وجفاه، وواضح ما في هذا القول من تناقض، فعند الإيمان يُكذِّبون بمحمد ورب محمد، وعند الجفوة يقولون: إن رب محمد قلاه، ويعترفون أن له رباً!!

لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يوضح لهم هذه المسألة، وأنْ يُظهر غباءهم بهذا المقَسَم الذي جاء مناسباً للموقف، يحمل إشارة لطيفة إلى العلاقة بين المُقْسَم به، والمقْسَم عليه، فقال سبحانه:
{  وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ }
[الضحى: 1-5].والمعنى: أنك يا محمد أُجهدتَ بالوحي، وكان لا بُدَّ أنْ تستريح لتشتاق نفسك إليه وتطلبه، وحين ترتاح سيُخفِّف ذلك من معاناتك في استقباله، وسوف تذوق حلاوته من جديد، ويكون عليك أيْسَرَ وأسهل، وأتى الحق سبحانه بهذا القسم بشيء موجود مُشَاهد، لا يختلف عليه اثنان.

فهم يعرفون { ٱلضُّحَىٰ } [الضحى: 1] حين تشرق الشمس، وتنير الكون، ويعرفون
{  وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ }
[الضحى: 2] يعني: سَكَن وهدأ، والإشارة هنا في أن الضحى إذا جاء ثم تلاه الليلُ بسكونه، هل يعني هذا أن الضحى لن يعود مرة أخرى؟

لا، بل سيأتي الضحى من جديد بعد أن تكونَ قد ارتحْتَ من تعب النهار والسعي فيه، واستعدْتَ نشاطك ليوم جديد، ومعنى
{  وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ }
[الضحى: 4] أي: أن عودة الوحي ثانية ستكون أحلى من الأولى، وأخفّ وأيسر.

إذن: الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ليُعلمنا أن هذه الأشياء عظيمة عند خالقها، لكن غفلنا نحن عن وجه العظمة فيها، ويُقسِم بما يشاء من مخلوقاته لِيُقرِّب لنا بواسطة المعلوم شيئاً مجهولاً.

هنا يقول تعالى: { وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا } [الصافات: 1] الواو تسمى واو القسم مثل: التاء والباء. نقول: والله وبالله وتالله، وقد يُستغنى عن حروف القسم، ويستدل عليه باللام في جواب القسم، كما في:
{  إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }
[يس: 3] وأنت لا تقسم على الشيء بداية، وإنما تقسم إنْ أنكر المخاطب لتؤكد له الخبر، ويأتي القسم والتأكيد على قَدْر الإنكار.

فإذا قال الحق سبحانه مثلاً:
{  لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ }
[القيامة: 1] أو:
{  لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }
[البلد: 1-4] وفي:
{  فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ }
[الواقعة: 75-76].

وفي هذه الآيات. قَسَم بدليل أن له جواباً، لكن لماذا نَفَاهُ القرآن، فقال (لاَ أُقْسِمُ) قالوا: لأن نَفْى القسم هنا أشدُّ من القسم المثبت؛ لأن القَسَم إنما جاء لتأكيد المقسَم عليه، ومعنى (لا أقسم) أن هذا أمر واضح لا يحتاج إلى قَسَم، القَسَم يأتي لتأكيد أمر منكر أو مشكوك فيه، أمَّا هذا الأمر فواضح بيِّن، ومع ذلك سأقسم لك.

ومعنى { وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً } [الصافات: 1-3] قالوا: الصافات صَفَّاً هي الملائكة تُصَفُّ، والصَّفُّ انسجام مجموعة بحيث لا يشِذّ فيها فرد عن فرد، فالصَّفُّ لا يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط، " لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان في استعراض الجنود في المعركة يُسوِّي الصفوف، فلما رأى رجلاً شَذَّ عن الصف وخرج عنه فشكَّه في بطنه ليستقيم في مكانه من الصَّف، وكان الرجل محباً لرسول الله، فقال: أوجعتني يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذه بطني اقتصّ منها " فأقبل الرجل يُقبِّل رسول الله ويقول: والله يا رسول الله لقد أمَّلْتُ أن أستشهد، فأحببتُ أن يكون آخر عهدي بالحياة أنْ يمسَّ جسدي جسدك الشريف ".

والصَّف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقِّي الأوامر، وهكذا تُصَفُّ الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره.

وإذا استعرضتَ مادة (ص ف ف) في القرآن الكريم تجدها تدور حول هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى:
{  فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً }
[طه: 64] يعني: مجتمعين مُتحدين، وقال:
{  وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }
[الفجر: 22].

وقال:
{  أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ }
[الملك: 19].

صحيح، ترى الطائر في السماء باسطاً أجنحته هكذا لا يحركها، ومع ذلك لا يقع، كذلك تراه يقبض أجنحته، ويظل أيضاً ثابتاً في مكانه، فما الذي أمسكه لا يقع؟ أمسكه الرحمن وكأن في إمساك الطير الذي نراه ونشاهده دليلاً على صِدْق الحق في قوله تعالى:
{  إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ }
[فاطر: 41].

إذن: إمساك الطير نموذج لإمساك السماء، إلا أن هذا إمساك مؤقت، وذاك إمساك دائم.

ويقول عن الملائكة عموماً:
{  وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ }
[الصافات: 165] يعني: نقف في انضباط منتظرين الأوامر، والصف هنا يدل على الانسجام، وأنه لا يتعالى أحد على أحد، ويدل على الرهبة ممَّنْ أنت أمامه مصفوفاً.

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في نعيم الجنة:
{  وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ }
[الغاشية: 15].

بعض العلماء يرى أن الصافات لها معنى أوسع، ويراد بها مجال نشر الدعوة والإعلام بها، والدفاع عنها، وحماية الاختيار في الإسلام، وفي القتال، قال تعالى:
{  إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ }
[الصف: 4] معنى
{  فِي سَبِيلِهِ }
[الصف: 4] أي: من أجل الإعلام بدينه والدفاع عنه أمام أعدائه، فالإعلام بالدين مهمة العلماء، والدفاع عنه مهمة الجنود في ساحة القتال، وينبغي أن يكون هؤلاء وهؤلاء صفاً واحداً كأنه البنيان المرصوص؛ لذلك قال تعالى:
{  فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ }
[التوبة: 122].

فالعالِم لا يقاتل؛ لأن مهمته حَمْل الدعوة، والمقاتل يموت في سبيلها ويضحي بحياته من أجلها، وهذه التضحية هي التي تثبت صِدْق الدعوة؛ لأن الدعوة لو لم تكُنْ صادقة في نفس صاحبها لَمَا ضَحَّى من أجلها، ثم تضحيته بروحه دليل على ثقته أنه ذاهب إلى خير مما هو فيه.

وتعرفون قصة الصحابي الذي سمع كلام رسول الله عن أجر الشهيد، وكان في فمه تمرة يمضغها، فقال لرسول الله: أوليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ قال: بلى. فألقى التمرة واستبطأ أن يمضغها وأسرع إلى ساحة القتال.

إذن: القتال في سبيل الله، إما باللسان وإما بالسِّنان، ولابد أنْ يُعلَم أن المقاتل الذي يحمل السيف لا يحمله ليُكرِه غير المؤمن على الإيمان؛ لأنه لا إكراه في الدين، إنما يحمله ليحمي حريته واختياره هو لهذا الدين، بدليل أن الإسلام فتح بلاداً كثيرة، وظلَّتْ على دينها.والصف الواحد ليس فقط للمقاتلين في ساحة القتال، إنما أيضاً لحاملي الدعوة، فيجب على هؤلاء العلماء أن يكونوا في دعواهم صفاً واحداً لا يشقه خلاف، فما كان في كلام الله مُحْكماً التزموا به، وما كان متشابهاً لا يُكفِّر بعضهم بعضاً بسببه.

{ فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً } [الصافات: 2] قالوا: هذه هي مهمة الملائكة أنْ تزجر الشياطين الذين يسترقون السمع، كما قال تعالى:
{  وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً }
[الجن: 9].

وكانت الشياطين قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تصعد في السماء، وتتسمّع الأخبار، ويُمكِّنهم الله من بعض الأخبار والأوامر فيسمعونها ويُلْقونها إلى أوليائهم من البشر، فيزيدون عليها أشياء باطلة، ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، فلما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من استراق السمع، وسلَّط الله عليهم الشُهُب تنقضّ عليهم فتحرقهم.

فإنْ قلتَ: كيف، ونحن نرى النجوم على كثرتها، هي هي لا تنقص، نقول: لأن النجوم منها نجوم في السماء للزينة، ومنها نجوم للرجم، بدليل قوله تعالى:
{  إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ }
[الصافات: 6-9].

أما { فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً } [الصافات: 3] قالوا: هي المُنْزِلات الوحي على الرسل؛ لأنهم يتلُونه عليهم، بعد أنْ نزلوا به من عند الله.

آخرون فهموا { وَٱلصَّافَّاتِ } [الصافات: 1] على معنى آخر يتفرع عنه معَان أخرى للزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، قالوا: معنى { وَٱلصَّافَّاتِ } [الصافات: 1] أي: المؤمنين يُصَفُّون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية.

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " سَوُّوا صفوفكم، فإنَّ تسوية الصفوف من إقامة الصلاة " وقال: " إن الله لا ينظر إلى الصّف الأعوج " والصفوف في الصلاة دليل على الانضباط، وأنه لا يشذ أحد عن الآخر، ودليل على الخضوع والوقوف في أدب بين يدي الله. إذن: فكما تُصَفُّ الملائكة تُصَفُّون أنتم، ولكلٍّ صلاته وعبادته.

فإذا ما سَويْنَا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زَجْر للشيطان؛ لذلك قال: { وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً } [الصافات:1-2] ومعنى { فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْراً } [الصافات: 3] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله:
{  ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ*ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ *مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }
[الفاتحة: 2-4].

هذا هو القَسَم، فما المُقسَم عليه؟ المقْسَم عليه قوله سبحانه: { إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } [الصافات: 4] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكَّدها أولاً بـ (إن) ثم أكَّدهَا باللام في (لَوَاحِدٌ)، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثَانٍ مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.


www.alro7.net