سورة
اية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ

تفسير بن كثير

قد تقدم في أول التفسير، أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة، عند فواتح الأمور وخواتمها على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم، محمد صلوات اللّه وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها اللّه على أهل الأرض، إذا أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتاباً مستقيماً لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، واضحاً بيناً جلياً، نذيراً للكافرين بشيراً للمؤمنين، ولهذا قال: { ولم يجعل له عوجا} أي لم يجعل فيه اعوجاجاً ولا زيغاً ولا ميلاً، بل جعله معتدلاً مستقيماً، ولهذا قال: { قيما} أي مستقيماً، { لينذر بأسا شديدا من لدنه} أي لمن خالفه وكذبه، ولم يؤمن به، ينذره بأساً شديداً عقوبة عاجلة في الدنيا، وآجلة في الأخرى، { من لدنه} أي من عند اللّه، { ويبشر المؤمنين} أي بهذا القرآن، الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح { أن لهم أجرا حسنا} أي مثوبة عند اللّه جميلة، { ماكثين فيه} في ثوابهم عند اللّه، وهو الجنة، خالدين فيه { أبدا} دائماً، لا زوال له ولا انقضاء، وقوله: { وينذر الذين قالوا اتخذ اللّه ولدا} قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب، في قولهم نحن نعبد الملائكة، وهم بنات اللّه { ما لهم به من علم} ، أي بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه، { ولا لآبائهم} أي لأسلافهم، { كبرت كلمة} كبرت كلمتهم هذه، وفي هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم، ولهذا قال: { كبرت كلمة تخرج من أفواههم} أي ليس لها مستند سوى قولهم ولا دليل عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال: { إن يقولون إلا كذبا} . وقد ذكر محمد بن إسحاق في سبب نزول هذه السورة الكريمة عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث و عتبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة:، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووصفوا لهم أمره وبعض قوله وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال، فقالوا: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإنهم قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف، بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش، فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور؛ فأخبروهم بها، فجاءوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا: يا محمد! لأخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أخبركم غداً عما سألتم عنه)، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، ومكث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث اللّه له في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبريل عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غداً واليوم خمس عشرة، قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة. ثم جاءه جبرائيل عليه السلام من اللّه عزَّ وجلَّ بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من خبر الفتية والرجل والطواف، وقول اللّه عزَّ وجلَّ { يسألونك عن الروح؟ قل الروح} الآية.

تفسير الجلالين

{ الحمد } وهو الوصف بالجميل، ثابت { لله } تعالى وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به أو الثناء به أو هما؟ احتمالات، أفيدها الثالث { الذي أنزل على عبده } محمد { الكتاب } القرآن { ولم يجعل له } أي فيه { عوجا } اختلافا أو تناقضا، والجملة حال من الكتاب .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْده الْكِتَاب وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي خَصَّ بِرِسَالَتِهِ مُحَمَّدًا وَانْتَخَبَهُ لِبَلَاغِهَا عَنْهُ , فَابْتَعَثَهُ إِلَى خَلْقه نَبِيًّا مُرْسَلًا , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابه قَيِّمًا , وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْده الْكِتَاب وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي خَصَّ بِرِسَالَتِهِ مُحَمَّدًا وَانْتَخَبَهُ لِبَلَاغِهَا عَنْهُ , فَابْتَعَثَهُ إِلَى خَلْقه نَبِيًّا مُرْسَلًا , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابه قَيِّمًا , وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { الحمدلله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما} ذكر ابن إسحاق أن قريشا بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وصِفا لهم صفته وأخبراهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ليس عندنا من علم أنبياء؛ فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم : إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم؛ فإنه قد كان لهم حديث عجب. سلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه. وسلوه عن الروح، ما هي؛ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط قدما مكة على قريش فقالا : يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد - صلى الله عليه وسلم - قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبي، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، قد كانت لهم قصة عجب، وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أخبركم بما سألتم عنه غدا) ولم يستثن. فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة، وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه؛ وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف والروح. قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل : (لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا فقال له جبريل { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا} مريم : 64]. فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده، وذكر نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عليه من ذلك فقال { الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب} يعني محمدا، إنك رسول مني، أي تحقيق لما سألوا عنه من نبوتك. { ولم يجعل له عوجا قيما} أي معتدلا لا اختلاف فيه. { لينذر بأسا شديدا من لدنه} أي عاجل عقوبته في الدنيا، وعذابا أليما في الآخرة، أي من عند ربك الذي بعثك رسولا. { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات، أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا} أي دار الخلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال. { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} [الكهف : 4] يعني قريشا في قولهم : إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله. { ما لهم به من علم ولا لآبائهم} [الكهف : 5] الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم. { كبرت كلمة تخرج من أفواههم} [الكهف : 5] أي لقولهم إن الملائكة بنات الله. { إن يقولون إلا كذبا. فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف : 6] لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجوه منهم، أي لا تفعل. قال ابن هشام { باخع نفسك} مهلك نفسك؛ فيما حدثني أبو عبيدة. قال ذو الرمة : ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ** بشيء نحته عن يديه المقادر وجمعها باخعون وبخعه. وهذا البيت في قصيدة له. وقول العرب : قد بخعت له نصحي ونفسي، أي جهدت له. { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} [الكهف : 7] قال ابن إسحاق : أي أيهم اتبع لأمري وأعمل بطاعتي { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} [الكهف : 8] أي الأرض، وإن ما عليها لفان وزائل، وإن المرجع إلي فأجزي كلا بعمله؛ فلا تأس ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها. قال ابن هشام : الصعيد وجه الأرض، وجمعه صعد. قال ذو الرمة يصف ظبيا صغيرا : كأنه بالضحى ترمي الصعيد به ** دبابة في عظام الرأس خرطوم وهذا البيت في قصيدة له. والصعيد أيضا : الطريق، وقد جاء في الحديث : (إياكم والقعود على الصعدات) يريد الطرق. والجرز : الأرض التي لا تنبت شيئا، وجمعها أجراز. ويقال : سنة جرز وسنون أجراز؛ وهي التي لا يكون فيها مطر. وتكون فيها جدوبة ويبس وشدة. قال ذو الرمة يصف إبلا : طوى النحز والأجراز ما في بطونها ** فما بقيت إلا الضلوع الجراشع قال ابن إسحاق : ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية فقال { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} [الكهف : 9] أي قد كان من آياتي فيه وضعت على العباد من حجتي ما هو أعجب من ذلك. قال ابن هشام : والرقيم الكتاب الذي رقم بخبرهم، وجمعه رقم. قال العجاج : ومستقر المصحف المرقم وهذا البيت في أرجوزة له. قال ابن إسحاق : ثم قال { إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا. فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا. ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} [الكهف : 12]. ثم قال { نحن نقص عليك نبأهم بالحق} [الكهف : 13] أي بصدق الخبر { إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا} [الكهف : 14] أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم. قال ابن هشام : والشطط الغلو ومجاوزة الحق. قال أعشى بن قيس بن ثعلبة : أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط ** كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين} [الكهف : 15]. قال ابن إسحاق : أي بحجة بالغة. { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا. وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا. وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الحال وهم في فجوة منه} [الكهف : 17]. قال ابن هشام : تزاور تميل؛ وهو من الزور. وقال أبو الزحف الكليبي يصف بلدا : جدب المندي عن هوانا أزور ** ينضي المطايا خمسه العشنزر وهذان البيتان في أرجوزة له. و { تقرضهم ذات الشمال} تجاوزهم وتتركهم عن شمالها. قال ذو الرمة : إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف ** شمالا وعن أيمانهن الفوارس وهذا البيت في قصيدة له. والفجوة : السعة، وجمعها الفجاء. قال الشاعر : ألبست قومك مخزاة ومنقصة ** حتى أبيحوا وحلوا فجوة الدار { ذلك من آيات الله} أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم. { من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} [الكهف : ] قال ابن هشام : الوصيد الباب. قال العبسي واسمه عبد بن وهب : بأرض فلاة لا يسد وصيلاها ** علي ومعروفي بها غير منكر وهذا البيت في أبيات له. والوصيد أيضا الفناء، وجمعه وصائد ووصد وصدان. { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا - إلى قوله - الذين غلبوا على أمرهم} الكهف : ] أهل السلطان والملك منهم. { لنتخذن عليهم مسجدا. سيقولون} [الكهف : 21] يعني أحبار اليهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم. { ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم} أي لا تكابرهم. { إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا} [الكهف : 22] فإنهم لا علم لهم بهم. { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا. إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا} [الكهف : 24] أي لا تقولن لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا إني مخبركم غدا، واستثن مشيئة الله، واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لخبر ما سألتموني عنه رشدا، فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك. { ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا} [الكهف : ] أي سيقولون ذلك. { قل الله اعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا} [الكهف : 26] أي لم يخف عليه شيء ما سألوك عنه. قلت : هذا ما وقع في السيرة من خبر أصحاب الكهف ذكرناه على نسقه. ويأتي خبر ذي القرنين، ثم نعود إلى أول السورة فنقول : قد تقدم معنى الحمد لله. وزعم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيد وجمهور المتأولين أن في أول هذه السورة تقديما وتأخيرا، وأن المعنى : الحمد لله الزي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا. و { قيما} نصب على الحال. وقال قتادة : الكلام على سياقه من غير تقديم ولا تأخير، ومعناه : ولم يجعل له عوجا ولكن جعلناه قيما. وقول الضحاك فيه حسن، وأن المعنى : مستقيم، أي مستقيم الحكمة لا خطأ فيه ولا فساد ولا تناقض. وقيل { قيما} على الكتب السابقة يصدقها. وقيل { قيما} بالحجج أبدا. { عوجا} مفعول به؛ والعوج (بكسر العين) في الدين والرأي والأمر والطريق. وبفتحها في الأجسام كالخشب والجدار؛ وقد تقدم. وليس في القرآن عوج، أي عيب، أي ليس متناقضا مختلقا؛ كما قال تعالى { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء : 82] وقيل : أي لم يجعله مخلوقا؛ كما روي عن ابن عباس في قوله تعالى { قرآنا عربيا غير ذي عوج} [الزمر : 28] قال : غير مخلوق. وقال مقاتل { عوجا} اختلافا. قال الشاعر : أدوم بودي للصديق تكرما ** ولا خير فيمن كان في الود أعوجا { لينذر بأسا شديدا} أي لينذر محمد أو القرآن. وفيه إضمار، أي لينذر الكافرين عقاب الله. وهذا العذاب الشديد قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة. { من لدنه} أي من عنده وقرأ أبو بكر عن عاصم { من لدنه} بإسكان الدال وإشمامها الضم وكسر النون، والهاء موصولة بياء. والباقون { لدنه} بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء. قال الجوهري : وفي { لدن} ثلاث لغات : لدن، ولدي، ولد. وقال : من لد لحييه إلى منحوره المنحور لغة المنحر. قوله تعالى { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم} أي بأن لهم { أجرا حسنا} وهي الجنة. { ماكثين} دائمين. { فيه أبدا} لا إلى غاية. وإن حملت التبشير على البيان لم يحتج إلى الباء في { بأن} . والأجر الحسن : الثواب العظيم الذي يؤدي إلى الجنة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 1 - 5

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ختم الحق سبحانه سورة الإسراء بالحمد، وبدأ سورة الكهف بالحمد، والحمد لله دائماً هو الشعار الذي أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير الكلمات: " سبحان الله والحمد لله " سبحان الله بُدئتْ بها سورة الإسراء، والحمد لله بُدئت بها سورة الكهف. سبحان الله تنزيه لذاته سبحانه أن يكون له شريك، لا في الذات، ولا في الأفعال، ولا في الصفات، والحمد لله كذلك تكبرة للذات، وبعد ذلك جاء العطاء من الذات فقُلْنا: الحمد لله، فسبحان الله تنزيه، والحمد لله شكر على العطاء.

والحمد يشترك معه في المعنى العام: ثناء وشُكْر ومدح، إلا أن هذه الألفاظ وإنْ تقاربت في المعنى العام فلكُلٍّ منها معناه الخاص، وكل هذه الألفاظ فيها ثناء، إلا أن الشكر يكون من مُنعَم عليه بنعمة خاصة به، كأن يُسدي لك إنسان جميلاً لك وحدك، فتشكره عليه.

أما الحمد فيكون على نعمة عامة لك ولغيرك، فرُقْعة الحمد أوسع من رُقْعة الشكر، أما المدح فقد تمدح ما لا يعطيك شيئاً، كأن تمدح مثلاً الشكل الجميل لمجرد أنه أعجبك.

فقَوْلُ الحق: { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } بالألف واللام الدالة على الحصر، فالمراد الحمد المطلق الكامل لله، الحمد المستوعب لكل شيء، حتى إنَّ حمدك لأيِّ إنسان قدَّم لك جميلاً فهو ـ إذا سَلْسَلْتَهُ ـ حَمْدٌ لله تعالى الذي أعان هذا الإنسان على أن يحسن إليك، فالجميل جاء من حركته، وحركته موهوبة له من خالقه، والنعمة التي أمدّك بها موهوبة من خالقه تعالى، وهكذا إذا سلسلتَ الحمد لأيِّ إنسان في الدنيا تجده يصل إلى المنعِم الأول سبحانه وتعالى.

وكلمة { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } هذه هي الصيغة التي علمنا الله أنْ نحمدَهُ بها، وإلا فلو ترك لنا حرية التعبير عن الحمد ولم يُحدِّد لنا صيغة نحمده ونشكره بها لاختلف الخَلْق في الحمد حَسْب قدراتهم وتمكّنهم من الأداء وحَسْب قدرتهم على استيعاب النعم، ولوجدنا البليغ صاحب القدرة الأدائية أفصح من العيي والأُمّي. فتحمّل الله عنا جميعاً هذه الصيغة، وجعلها متساوية للجميع، الكل يقول { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } البليغ يقولها، والعيي يقولها، والأُمّي يقولها.

لذلك يقول صلى الله عليه وسلم وهو يحمد الله ويُثنِي عليه: " سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك ".

فإنْ أردنا أنْ نُحصي الثناء عليك فلن نستطيع؛ لأن الثناء عليك لا يعرف مداه إلا أنت، ولا يُحصيه غيرك، ولا نملك إلا أنْ نقولَ ما علَّمتنا من حمدك: الحمد لله.

إذن: فاستواء الناس جميعاً في الحمد لله نعمة كبرى في ذاتها تستحق الحمد، فنقول: الحمد لله على ما عَلِمنا من الحمد لله، والحمْد الأول أيضاً نعمة، وبذلك نقول: الحمد لله على ما عَلِمنا من الحمد لله بالحمد لله.وهكذا، لو تتبعتَ الحمدَ لوجدته سلسلةً لا تنتهي، حَمْد على حَمْد على حَمْد على حَمْد، فيظل الله محموداً دائماً، يظل العبد حامداً إلى ما لا نهاية.

والحمد لله استهل بها الحق سبحانه خَمْس سور من القرآن:


{  ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }
[الفاتحة: 2]
{  ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ }
[الأنعام: 1]

{ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ.. } [الكهف: 1]
{  ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ }
[سبأ: 1]
{  ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ.. }
[فاطر: 1]

ولكن، لكُلِّ حَمْد في كل سورة حيثية خاصة، فالحمد في الأولى لأن الله ربُّ العالمين، وربٌّ يعني الخالق والمتولي للتربية، خلق من عدم، وأمدَّ من عُدم، وتولّى تربية عباده، فهو رَبٌّ لكل العالمين؛ لذلك يجب أنْ نحمدَ الله على أنه هو الربُّ الذي خلق العالمين، وأمدَّهم بفضله.

وفي الثانية: نحمده سبحانه الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وهذه آيات من آيات الله ونِعَم من نِعَمه، فالسماوات والأرض فيها قيام البشر كله بما يمدُّ حياتهم بالقوت، ويستبقي نوعهم بالتكاثر.

والظلمات والنور مِنَ نعم الله، وهما متكاملان لا متضادان، فَلِلْظُّلمة مهمة، كما أن للنور مهمة، الظلمة للسكون والراحة، والنور للسعي والحركة، ولا يمكن لسَاعٍ أنْ يسعى ويجدّ في عمل، إلا إذا ارتاح وسكن وجدَّد نشاطه، فتقابُل الظلمة والنور للتكامل، فالحياة لا تستقيم في ظلام دائم، كما أنها لا تستقيم في نور دائم.

وفي السورة الثالثة من السور التي افتتحها الحق سبحانه بـ { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } ـ والتي نحن بصددها ـ أراد الحق سبحانه أنْ يُوضّح أنه لم يُربِّ الخلْق تربية مادية فقط، بل هناك تربية أعلى من المادة تربية روحية قيمية، فذكر هنا الحيثية الحقيقية لخَلْق الإنسان، فهو لم يُخلق لمادته فحسْب، ولكن لرسالة أسمى، خلق ليعرف القيم والرب والدين، وأنْ يعملَ لحياة أخرى غير هذه الحياة المادية، فقال تعالى: { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ.. } [الكهف: 1]

فحيثية الحمد هنا إنزالُ الكتاب الذي يجمع كل القيم. وقلنا: إن الحق سبحانه محمود برحمانيته قبل أنْ يخلق الخَلْق وضع له النماذج التي تُصلِح حركة الحياة، كما قال تعالى:
{  ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ }
[الرحمن: 1-4]

فتعليم القرآن جاء قبل خَلْق الإنسان، إذن: وضع الحق سبحانه لعباده المنهج المنظِّم لحياتهم قبل أن يخلقَهم، لعِلْمه سبحانه بطبيعة خَلْقه، وبما يصلحهم، كالمخترع للآلة الذي يعلم مهمتها ويُحدد قانون صيانتها، فالكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو المهمة الأساسية، فيجب أنْ تُوطّن عليها نفسك، وتعلَم أنه المنظِّم لحياتك، وبه قانون صيانتك.وقوله: { عَلَىٰ عَبْدِهِ.. } [الكهف: 1] كما قلنا: في سورة الإسراء: إن العبودية كانت حيثية الرِّفْعة في الإسراء والمعراج، فقال سبحانه:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. }
[الإسراء: 1]

فالعبودية رفعتْه إلى حضرته تعالى؛ لأنه كان عبداً بحقّ، وهذا يعني إنزال الكتاب عليه، فكان عبداً بحق قبل أن يُسرَى به، وحمل منهج الله أولاً فالتفتَ لربه لَفْتةً أراد أنْ يلفتَ بها سواه، فأخلص هو أولاً في العبودية، وتحمَّل ما تحمّل، فكان من جزائه أن يرتفع إلى مقام الحضرة فَعُرِج به، وهناك أعطاه الله الصلاة لينزلَ بها إلى الخَلْق ليرفع بها صوته إلى المقام الذي سعى إليه بالمعراج.

إذن: فالنبي تناول ليناوِل، وتناول لأنه أخلصَ العبودية، فصعد إلى حضرة ربه، وأخذ فريضة الصلاة وبلَّغها لقومه، وكأنه يقول لهم: مَنْ أراد أن يلتقي بالله، فليدخل في الصلاة.

و { ٱلْكِتَابَ.. } [الكهف: 1] هو القرآن الكريم، لكن سورة الكهف ترتيبها الثامنة عشرة بين سور المصحف من المائة والأربعة عشرة سورة، أي: أن القرآن لم يكتمل بعد، فلماذا قال تعالى { ٱلْكِتَابَ } وهو لم يكتمل بعد؟

نقول: الكتاب يُطلَق ويُرَادُ به بعضه، كما في قوله تعالى:
{  فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ }
[القيامة: 18]

فالآية الواحدة تُسمَّى قرآناً، والسورة تُسمَّى قرآناً، والكل نُسمِّيه قرآناً.

أو: يكون المراد أَنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ، ثم نزَّله بعد ذلك مُنَجَّماً حَسْب الوقائع، فالمراد هنا الإنزال لا التنزيل.

وقوله تعالى: { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } [الكهف: 1] أي: جعله مستقيماً، لا عِوجَ فيه، كما قال في آية أخرى: { قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ.. } [الزمر: 28] والاعوجاج، أن يأخذ الشيءُ امتداداً مُنْحنياً ملتوياً، أما الاستقامة فهي الامتداد في نفس الاتجاه، لا يميل يميناً أو شمالاً، ومعلوم أن الخطَّ المستقيم يمثل أقرب مسافة بين نقطتين، ولا تستقيم حياة الناس في الدنيا إلا إذا ساروا جميعاً على منهج مستقيم يعصمهم من التصادم في حركة الحياة.

فالحق سبحانه وتعالى خلق الخَلْق متكاملين، فكُلٌّ منهم لديه موهبة يحتاجها الآخرين، فهذا طبيب، وهذا مهندس، وهذا نجار، وهذا خياط، ولا يستطيع أحد أن يقومَ بذاته أو يستغني عن مواهب غيره، فلا بُدَّ أن يتواجه الناس في الحياة، وأنْ يتكاملوا.

هذا التواجه إنْ لم يُنظِّم وتوضع له قوانين مرور دقيقة لتصادمت حركات الناس، كما يحدث على الطريق الملتوي كثير المنحنيات، فالقادم من هنا لا يرى القادم من هناك، فيحدث التصادم. إذن: لا بُدَّ من استقامة الطريق ليرى كلٌّ مِنّا الآخر، فلا يصطدم به. والمنهج الإلهي هو الطريق المستقيم الذي يضمن الحركة في الحياة.

وقد ذُكر الاعوجاج أيضاً في قوله تعالى:
{  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً }
[طه: 105-107]

أي: أرضاً مستوية خالية من أي شيء
{  لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً }
[طه: 107] أي: مستقيمة
{  وَلاۤ أَمْتاً }
[طه: 107].

أي: مُسْتوية لا يُوجد بها مرتفعات ومنخفضات تعوق الرؤية أيضاً وتسبب التصادم، وهذا ما يُسمِّيه رجال المرور (العقبة).

ثم يقول الحق سبحانه واصفاً القرآن الكريم: { قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ... }.


www.alro7.net