سورة
اية:

مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس وسعيد بن جبير في قوله تعالى: { أحل لكم صيد البحر} يعني ما يصطاد منه طريا { وطعامه} ما يتزود منه مليحاً يابساً، وقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه حياً { وطعامه} ما لفظه ميتاً وهكذا روي عن أبي بكر وزيد بن ثابت وإبراهيم النخعي والحسن البصري قال سفيان بن عيينة عن أبي بكر الصديق أنه قال: { طعامه} كل ما فيه. وقال ابن جرير خطب أبو بكر الناس فقال: { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم} وطعامه ما قذف. وقال عكرمة عن ابن عباس قال: طعامه ما لفظ من ميتة. وقال ابن جرير إن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر فقال: إن البحر قد قذف حيتاناً كثيرة ميتة أفنأكلها كلها؟ فقال : لا تأكلوها، فلما رجع عبد اللّه إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة، فأتى هذه الآية: { وطعامه متاعاً لكم وللسيارة} فقال: اذهب، فقل له فليأكله فإنه طعامه، وهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه. وقوله: { متاعاً لكم وللسيارة} أي منفعة وقوتاً لكم أيها المخاطبون، { وللسيارة} وهم جمع سيار، قال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر والسفر. وقال غيره. الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، وطعامه ما مات فيه أو اصطيد منه وملح، وقد يكون زاداً للمسافرين والنائين عن البحر. وقد استدل الجمهور على حل ميتته بهذه الآية الكريمة، وبما رواه الإمام مالك عن جابر بن عبد اللّه قال: بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعثاً قِبَل الساحل، فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلثمائة، وأنا فيهم، قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقال: فقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظَّرِب "" الجبل الصغير"" فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة، فرحلت ومرت تحتهما فلم تصبهما. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله طرق عن جابر. وفي صحيح مسلم عن جابر: فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتينها فإذا بدابة يقال لها العنبر، قال، قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلثمائة حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ويقتطع منه القدر كالثور، قال: ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً، فاقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها، ثم رحّل أعظم بعير معنا فمر من تحته، وتزودنا من لحمه وشائق "" شرائح ""فلما قدمنا المدينة أتينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: (هو رزق أخرجه اللّه لكم، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟) قال: فأرسلنا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منه فأكله. وقال مالك سأل رجل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ""رواه مالك وأصحاب السنن وصححه البخاري والترمذي"" وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر، ولم يستثن من ذلك شيئاً، وقد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما فيه، وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع، وللنسائي عن عبد اللّه بن عمرو قال: نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال: نقيقها تسبح وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك، ولا يؤكل الضفدع، واختلفوا فيما سواهما فقيل: يؤكل سائر ذلك، وقيل: لا يؤكل، وقيل: ما أكل شبهه من البر أكل مثله في البحر، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه اللّه تعالى: وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر، لعموم قوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة} وقد ورد حديث بنحو ذلك فقال ابن مردويه عن جابر قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه وما ألقى البحر ميتاً طافياً فلا تأكلوه) وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وقد تقدم أيضاً. وروى الإمام الشافعي عن ابن عمر قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (أحلت لنا متتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال) ""ورواه أحمد وابن ماجة والدار قطني والبيهقي وله شواهد""وقوله: { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} أي في حال إحرامكم يحرم عليكم الإصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك، فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمداً أثم وغرم، أو مخطئاً غرم وحرم عليه أكله لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي في أحد قوليه. فإن أكله أو شيئاً منه فهل يلزمه جزاء ثان؟ فيه قولان للعلماء أحدهما : نعم وإليه ذهب طائفة والثاني : لا جزاء عليه في أكله، نص عليه مالك بن أنس. قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل وأما إذا صاد حلال صيداً فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقاً، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا، وبه قال الكوفيون، قال ابن جرير عن أبي هريرة: أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك وقال آخرون: لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقاً لعموم هذه الآية الكريمة. روي عن ابن عباس: أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال: هي مبهمة، يعني قوله: { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} وعن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال وبهذا قال طاووس وجابر بن زيد وإليه ذهب الثوري وقد روي أن علياً كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال. وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله، لحديث الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، وهو بالأبواء أو بودّان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: (إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حُرُم) ""الحديث مروي في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة""قالوا: فوجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم ظن أن هذا إنما صاده من أجله فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالإصطاد، فإنه يجوز له الأكل منه، لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش وكان حلالاً لم يحرم وكان أصحابه محرمين، فتوقفوا في أكله، ثم سألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: (هل كان منكم أحد أشار إليه أو أعان في قتلها)؟ قالوا: لا، قال: (فكلوا)، وأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه القصة ثابتة أيضاً في الصحيحين بألفاظ كثيرة.

تفسير الجلالين

{ ما على الرسول إلا البلاغ } لكم { والله يعلم ما تبدون } تظهرون من العمل { وما تكتمون } تخفون منه فيجازيكم به .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا عَلَى الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ } وَهَذَا مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره تَهْدِيد لِعِبَادِهِ وَوَعِيد , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَيْسَ عَلَى رَسُولنَا الَّذِي أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس بِإِنْذَارِكُمْ عِقَابنَا بَيْن يَدَيْ عَذَاب شَدِيد وَإِعْذَارنَا إِلَيْكُمْ بِمَا فِيهِ قَطْع حُجَجكُمْ , إِلَّا أَنْ يُؤَدِّي إِلَيْكُمْ رِسَالَتنَا , ثُمَّ إِلَيْنَا الثَّوَاب عَلَى الطَّاعَة , وَعَلَيْنَا الْعِقَاب عَلَى الْمَعْصِيَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا عَلَى الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ } وَهَذَا مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره تَهْدِيد لِعِبَادِهِ وَوَعِيد , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَيْسَ عَلَى رَسُولنَا الَّذِي أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس بِإِنْذَارِكُمْ عِقَابنَا بَيْن يَدَيْ عَذَاب شَدِيد وَإِعْذَارنَا إِلَيْكُمْ بِمَا فِيهِ قَطْع حُجَجكُمْ , إِلَّا أَنْ يُؤَدِّي إِلَيْكُمْ رِسَالَتنَا , ثُمَّ إِلَيْنَا الثَّوَاب عَلَى الطَّاعَة , وَعَلَيْنَا الْعِقَاب عَلَى الْمَعْصِيَة .' يَقُول : وَغَيْر خَفِيّ عَلَيْنَا الْمُطِيع مِنْكُمْ الْقَابِل رِسَالَتنَا الْعَامِل بِمَا أَمَرْته بِالْعَمَلِ بِهِ مِنْ الْعَاصِي التَّارِك الْعَمَل بِمَا أَمَرْته بِالْعَمَلِ بِهِ ; لِأَنَّا نَعْلَم مَا عَمِلَهُ الْعَامِل مِنْكُمْ فَأَظْهَرَهُ بِجَوَارِحِهِ وَنَطَقَ بِهِ لِسَانه . { وَمَا تَكْتُمُونَ } يَعْنِي : مَا تُخْفُونَهُ فِي أَنْفُسكُمْ مِنْ إِيمَان وَكُفْر أَوْ يَقِين وَشَكّ وَنِفَاق . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ضَمَائِر الصُّدُور وَظَوَاهِر أَعْمَال النُّفُوس , مِمَّا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض . وَبِيَدِهِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب , فَحَقِيق أَنْ يُتَّقَى وَأَنْ يُطَاع فَلَا يُعْصَى .يَقُول : وَغَيْر خَفِيّ عَلَيْنَا الْمُطِيع مِنْكُمْ الْقَابِل رِسَالَتنَا الْعَامِل بِمَا أَمَرْته بِالْعَمَلِ بِهِ مِنْ الْعَاصِي التَّارِك الْعَمَل بِمَا أَمَرْته بِالْعَمَلِ بِهِ ; لِأَنَّا نَعْلَم مَا عَمِلَهُ الْعَامِل مِنْكُمْ فَأَظْهَرَهُ بِجَوَارِحِهِ وَنَطَقَ بِهِ لِسَانه . { وَمَا تَكْتُمُونَ } يَعْنِي : مَا تُخْفُونَهُ فِي أَنْفُسكُمْ مِنْ إِيمَان وَكُفْر أَوْ يَقِين وَشَكّ وَنِفَاق . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ضَمَائِر الصُّدُور وَظَوَاهِر أَعْمَال النُّفُوس , مِمَّا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض . وَبِيَدِهِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب , فَحَقِيق أَنْ يُتَّقَى وَأَنْ يُطَاع فَلَا يُعْصَى .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ما على الرسول إلا البلاغ} أي ليس له الهداية والتوفيق ولا الثواب، وإنما عليه البلاغ وفي هذا رد على القدرية كما تقدم. وأصله البلاغ البلوغ، وهو الوصول. بلغ يبلغ بلوغا، وأبلغه إبلاغا، وتبلغ تبلغا، وبالغه مبالغة، وبلغه تبليغا، ومنه البلاغة، لأنها إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ وتبالغ الرجل إذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغ أي كفاية؛ لأنه يبلغ مقدار الحاجة. { والله يعلم ما تبدون} أي تظهرونه، يقال : بدا السر وأبداه صاحبه يبديه. { وما تكتمون} أي ما تسرونه وتخفونه في قلوبكم من الكفر والنفاق.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 97 - 103

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الرسول هو المبعوث من المرسِل الحق سبحانه إلينا نحن العباد. والحق سبحانه هو الفاعل الأول، المطلق الذي لا فاعل يزاحمه، والمفعول الأول بالرسالة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والمفعول الثاني هو نحن. وهناك في النحو المفعول معه، وهناك أيضاً المفعول له، والمفعول فيه، والمفعول به، وأيضاً يوجد المفعول إليه والمثال على المفعول إليه قوله تعالى:
{  تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ }
[النحل: 63].

وفيه أيضا المفعول منه. والمثال على المفعول منه هو قوله الحق:
{  وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا }
[الأعراف: 155].

و " قومه " هي مفعول منه. لأنه اختار من قومه سبعين رجلا ممن لم يعبدوا العجل ليعتذروا عمن عبد العجل ويسألوا الله أن يكشف عنهم البلاء.

إن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي البلاغ (ما على الرسول إلا البلاغ)، أما تنفيذ البلاغ فهو دور المؤمنين برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أدوْها فلهم الجنة، وإن لم يؤدُّوها فعليهم العقاب. وأراد الحق أن يكون البلاغ من رسوله مصحوبا بالأسوة السلوكية منه صلى الله عليه وسلم، فالرسول يبلغ وينفذ أمامنا ما بلغ به حتى نتبعه، ولذلك قال الحق:
{  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }
[الأحزاب: 21].

وهذا ما ينقض ادعاء الألوهية لبشر. فلو كان هناك إله رسول لقال الناس: كيف نتبع هذا الرسول وله من الصفات والخصائص ما يختلف عنا نحن البشر؟ إن الرسول لا يستقيم ولا يصح أن يكون إلها لأنه هو الأسوة والقدوة للمرسل إليهم. إنه يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويفعل غير ذلك من الأفعال، ويأمر من أرسل إليهم أن يتبعوه فيما يفعل، فلو كان إلها فإن المرسَل إليهم - وهم البشر - لا يقدرون على أن يفعلوا مثل ما يفعل؛ لأنه إله وطبيعته تختلف عن طبيعتم ولذلك لا يستطيعون التأسي والاقتداء به، فالأسوة لا تتأتي إلا إذا كان الرسول من جنس المرسل إليهم.. أي يكون بشراً بكل أغيار البشر.

والحق سبحانه قال:
{  وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً }
[الإسراء: 94].

أي أن البشر تساءلوا - جهلاً - عما يمنع الله - سبحانه - أن يرسل لهم رسولاً من غير جنس البشر، ولماذا أرسل لهم رسولاً من جنسهم البشري؟ وهنا يأتي الأمر من الله سبحانه:
{  قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً }
[الإسراء: 95].

وبهذا يبلغ الحق رسله ضرورة إبلاغ الناس أن الرسول لهم لا بد من أن يكون من جنس البشر؛ لأن الملائكة لا يمشون مطمئنين في الأرض، ولو جاء الرسل من الملائكة لقال البشر: لن نستطيع اتباع ما جاء به الملائكة لأنهم لا يصلحون أسوة لنا؛ لأنهم من جنس آخر غير جنس البشر، ثم إن الملائكة من خلق الغيب، فكيف يبعث الله للبشر هذا الغيب ليكون رسولاً؟ ولو حدث ذلك فلا بد أن يجعله الحق في صورة بشرية.ففي آية أخرى يقول الحق:
{  وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ }
[الأنعام: 9].

إنهم طلبوا أن ينزل الله عليهم ملكاً، ولو استجاب الله لهم وأرسل رسوله ملكاً لتجسد المَلَك في صورة بشرية، وهم من بعد ذلك قد يستمرون على الكفر ويعاندون ولا يؤمنون، عندئذ يحق عليهم عذاب الله ويهلكهم. إذن فمهمة الرسول هي البلاغ ولنا فيه الأسوة.

وتتابع الآية: { وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } كأنه سبحانه وتعالى يحذرنا من أن نأخذ شكل الإيمان دون أن نؤمن حقيقة؛ لأن الأمر الشكلي قد يجوز على أجناس البشر أن ينخدعوا فيه، ولكن الله ينظر إلينا بقيوميته، فسبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم. وفي هذا القول تحدّ للمنافقين من أنه سبحانه سيحاسبهم، فإن كتم الإنسان الكفر في قلبه وأظهر الإيمان الشكلي، فسوف ينال عقاب الله، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة المؤمنين أن يحكموا على ظاهر الأمر وأن يتركوا السرائر لله.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا عن أن يحكم بكفر إنسان أعلن الإيمان ولو نفاقاً. وقد أبلغنا صلى الله عليه وسلم أنه بشر، وعرف أن البشرية محدودة القدرة. ولذلك قال: " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ليأخذها أو ليتركها ".

هكذا يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نظن فيه قدرة فوق قدرة البشر " وعندما قتل صحابي رجلاً أعلن الإيمان قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه " إذن فنحن لنا الظاهر، أما السرائر فأمرها موكول إلى الله. ولذلك يقول الله: { وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ }. ونعلم أن ظاهرة النفاق تعطي للمنافق حقوق المسلم الظاهرة الموقوتة بحياته وزمنه، ولكن الباقي في الحياة الأخرى طويل ينال فيه جزاء ما أبطن من كفر. والكتمان غير الإخفاء. فكتم الشيء يعني أن الشيء ظاهر الوضوح ولكن صاحبه يكتمه، أما الإخفاء فهو ما يدور بالخواطر، ويمكن أن يخفيه الإنسان، ولكنه مع مرور الوقت لا يستطيع ذلك، فالشاعر العربي يقول:
ومهْما تكُنْ عندَ امرىء من خليقةٍ   وإن خالها، تخْفى على الناس تُعْلَم
ويقال: يكاد المريب أن يقول خذوني.

ومادام الحق يعلم كُلّ ما يبدي البشر وكل ما يكتمون، وهو شديد العقاب، وغفور ورحيم، ويجازي على الحسنة بعشر أمثالها، ويجازي على السيئة بمثلها، فماذا علينا أن نفعل؟ يأتينا القول الفصل في أمر الله لرسوله أن يخبرنا: { قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ... }


www.alro7.net