سورة
اية:

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

هذا تعنيف من اللّه تعالى للكفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات اللّه وصدهم عن سبيل اللّه مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من اللّه، وقد توعدهم اللّه على ذلك، وأخبر بأنه شهيد على صنيعهم بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومعاملتهم الرسول المبشر بالتكذيب والجحود والعناد، فأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي وسيجزيهم على ذلك: { يوم لا ينفع مال ولا بنون} .

تفسير الجلالين

{ قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } القرآن { والله شهيد على ما تعملون } فيجازيكم عليه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ يَا أَهْل الْكِتَاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَاَللَّه شَهِيد عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ : يَا مَعْشَر يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل وَغَيْرهمْ مِنْ سَائِر مَنْ يَنْتَحِل الدَّيَّانَة بِمَا أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كُتُبه , مِمَّنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَحَدَ نُبُوَّته ; لِمَ تَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّه ؟ يَقُول : لِمَ تَجْحَدُونَ حُجَج اللَّه الَّتِي آتَاهَا مُحَمَّدًا فِي كُتُبكُمْ وَغَيْرهَا , الَّتِي قَدْ ثَبَتَتْ عَلَيْكُمْ بِصِدْقِهِ وَنُبُوَّته وَحُجَّته . " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " , يَقُول : لِمَ تَجْحَدُونَ ذَلِكَ مِنْ أَمْره , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقه . فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مُتَعَمِّدُونَ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , عَلَى عِلْم مِنْهُمْ وَمَعْرِفَة مِنْ كُفْرهمْ . وَقَدْ : 5943 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَهْل الْكِتَاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه } أَمَّا آيَات اللَّه : فَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 5944 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر , قَالَ : ثنا عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { يَا أَهْل الْكِتَاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَاَللَّه شَهِيد عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } قَالَ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ يَا أَهْل الْكِتَاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَاَللَّه شَهِيد عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ : يَا مَعْشَر يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل وَغَيْرهمْ مِنْ سَائِر مَنْ يَنْتَحِل الدَّيَّانَة بِمَا أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كُتُبه , مِمَّنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَحَدَ نُبُوَّته ; لِمَ تَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّه ؟ يَقُول : لِمَ تَجْحَدُونَ حُجَج اللَّه الَّتِي آتَاهَا مُحَمَّدًا فِي كُتُبكُمْ وَغَيْرهَا , الَّتِي قَدْ ثَبَتَتْ عَلَيْكُمْ بِصِدْقِهِ وَنُبُوَّته وَحُجَّته . " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " , يَقُول : لِمَ تَجْحَدُونَ ذَلِكَ مِنْ أَمْره , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقه . فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مُتَعَمِّدُونَ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , عَلَى عِلْم مِنْهُمْ وَمَعْرِفَة مِنْ كُفْرهمْ . وَقَدْ : 5943 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَهْل الْكِتَاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه } أَمَّا آيَات اللَّه : فَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 5944 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر , قَالَ : ثنا عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { يَا أَهْل الْكِتَاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَاَللَّه شَهِيد عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } قَالَ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله} أي تصرفون عن دين الله { من آمن} . وقرأ الحسن "تُصِدون" بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان : صَدّ وأصَدّ؛ مثل صل اللحم وأصَلَّ إذا أنتن، وخم وأخم أيضا إذا تغير. { تبغونها عوجا} تطلبون لها، فحذف اللام؛ مثل { وإذا كالوهم} [المطففين : 3]. يقال : بغيت له كذا أي طلبته. وأبغيته كذا أي أعنته. والعوج : الميل والزيغ (بكسر العين) في الدِّين والقول والعمل وما خرج عن طريق الاستواء. و(بالفتح) في الحائط والجدار وكل شخص قائم؛ عن أبي عبيدة وغيره. ومعنى قوله تعالى { يتبعون الداعي لا عوج له} [طه : 108] أي لا يقدرون أن يعوجوا عن دعائه. وعاج بالمكان وعوج أقام ووقف. والعائج الواقف؛ قال الشاعر : هل أنتم عائجون بنا لَعَنّا ** نرى العَرَصاتِ أو أثر الخيام والرجل الأعوج : السيء الخلق، وهو بيِّن العَوَج. والعُوج من الخيل التي في أرجلها تحنيب. والأعوجية من الخيل تنسب إلى فرس كان في الجاهلية سابقا. ويقال : فرس محنب إذا كان بعيد ما بين الرجلين بغير فَحَج، وهو مدح. ويقال : الحَنَب اعوجاج في الساقين. قال الخليل التحنيب يوصف في الشدة، وليس ذلك باعوجاج. قوله تعالى { وأنتم شهداء} أي عقلاء. وقيل : شهداء أن في التوراة مكتوبا أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام، إذ فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 96 - 101

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وحين تسمع " قل " فهي أمر من الله لرسوله كما قلنا من قبل؛ إنك إذا كلفت إنسانا أن يقول جملة لمن ترسله إليه فهل هذا الإنسان يأتي بالأمر " قل " أو يؤدي الجملة؟ إنه يؤدي الجملة، ومثال ذلك حين تقول لابنك مثلا: " قل لعمك: إن أبي سيأتيك غدا " فابنك يذهب إلى عمه قائلا: " أبي يأتيك غدا ".

وقد يقول قائل: ألم يكن يكفي أن يقول الله للرسول: " قل يا محمد " فيبلغنا رسول الله يا أهل الكتاب لم تكفرون؟ كان ذلك يكفي، ولكن الرسول مبلغ الأمر نفسه من الله، فكأنه قال ما تلقاه من الله، والذي تلقاه الرسول من الله هو: { قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ } وهذا يدل على أن الرسول يبلغ حرفيا ما سمعه عن الله وهناك آيات كثيرة في القرآن تبدأ بقول الحق: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ } ولا يأتي فيها قول الحق: " قل ". وهناك آيات تأتي مسبوقة بـ " قل " " ما الفرق بين الاثنين "؟

نحن نجد أن الحق مرة يتلطف مع خلقه، فيجعلهم أهلا لخطابه، فيقول: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَاب } إنه خطاب من الله لهم مباشرة. ومرة يقول لرسوله: قل لهم يا محمد لأنهم لم يتساموا إلى مرتبة أن يُخاطبوا من الله مباشرة: فإذا ما وجدنا خطابا من الحق للخلق، مرة مسبوقا بـ " قل " ومرة أخرى غير مسبوق فلْتعلم أن الحق سبحانه حين يخاطب خلقه الذين خلقهم يتلطف معهم مرة، ويجعلهم أهلا لأن يخاطبهم، ومرة حين يجد منهم اللجاج فإنه يبلغ رسول صلى الله عليه وسلم: قل لهم.

والمثال على ذلك - ولله المثل الأعلى - في حياتنا، نجد الواحد منا يقول لمن بجانبه: قل لصاحب الصوت العالي أن يصمت. إن هذا القائل قد تَعَالَى عن أن يخاطب هذا الإنسان صاحب الصوت المرتفع فيطلب ممن يجلس بجانبه أن يأمر صاحب الصوت العالي بالسكوت. وحين يجيء الخطاب لأهل الكتاب فنحن نعرف أنهم اليهود أصحاب التوراة، والنصارى أصحاب الإنجيل، وهؤلاء هم من يقول عنهم الحق: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَاب }.

ولم يقل أحد لنا: " يا أهل القرآن " لماذا؟ لأن الحق حين يقول لهم: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَاب } فنحن نعرف أن الكتاب يُطلق على كل مكتوب، وكفرهم يعارض ما علم الله أنه موجود في الكتاب الذي أنزل عليهم؛ لأنه هو الذي أنزل الكتاب، ويعلم أن ما في الكتاب يدعو إلى الإيمان، ولا يدعو إلى الكفر. وما دام هو الحق الذي نَزَّل الكتاب، وهو الشاهد، فيصبح من الحمق من أهل الكتاب أن يوقعوا أنفسهم في فخ الكفر؛ لأنهم بذلك يكذبون على الله: والله - سبحانه - يسجل عليهم أنهم خالفوا ما هو مكتوب ومنزل عليهم في كتابهم.إنهم - أهل الكتاب - إن استطاعوا تعمية أهل الأرض فلن يستطيعوا ذلك بالنسبة لخالق الأرض والسماء.

والحق حين يقول: { لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ } فهل نفهم من ذلك أن كفرهم بآيات الله هو سترهم آيات الله سترا أوليا أو أنهم آمنوا بها، ثم كفروا بها؟ لنرى ماذا حدث منهم، لقد كانت البشارات به صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة، ومكتوبة في الإنجيل وهم قد آمنوا بها قبل أن يجيء سيدنا رسول الله، فلما جاء رسول الله بالفعل كفروا بها. وفي هذا جاء القول الحكيم:
{  وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ }
[البقرة: 89]

لماذا كفروا به صلى الله عليه وسلم؟ لأنه زحزح عنهم السلطة الزمنية، فلم تعد لهم السلطة الزمنية التي كانوا يبيعون فيها الجنة ويبيعون فيها رضوان الله ويعملون ما يحقق لهم مصالحهم دون التفات لأحكام الله. وسبق أن قلت: إن قريشا قد امتنعت عن قول: " لا إله إلا الله " وهذا الامتناع دليل على أنها فهمت المراد من " لا إله إلا الله " ، فلو كانت مجرد كلمة تقال لقالوها، لكنهم عرفوا وفهموا أنه لا معبود ولا مطاع ولا مشرع، ولا مكلف إلا الله.

إن الحق يقول لأهل الكتاب: { قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً... }


www.alro7.net