سورة
اية:

جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس وسعيد بن جبير في قوله تعالى: { أحل لكم صيد البحر} يعني ما يصطاد منه طريا { وطعامه} ما يتزود منه مليحاً يابساً، وقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه حياً { وطعامه} ما لفظه ميتاً وهكذا روي عن أبي بكر وزيد بن ثابت وإبراهيم النخعي والحسن البصري قال سفيان بن عيينة عن أبي بكر الصديق أنه قال: { طعامه} كل ما فيه. وقال ابن جرير خطب أبو بكر الناس فقال: { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم} وطعامه ما قذف. وقال عكرمة عن ابن عباس قال: طعامه ما لفظ من ميتة. وقال ابن جرير إن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر فقال: إن البحر قد قذف حيتاناً كثيرة ميتة أفنأكلها كلها؟ فقال : لا تأكلوها، فلما رجع عبد اللّه إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة، فأتى هذه الآية: { وطعامه متاعاً لكم وللسيارة} فقال: اذهب، فقل له فليأكله فإنه طعامه، وهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه. وقوله: { متاعاً لكم وللسيارة} أي منفعة وقوتاً لكم أيها المخاطبون، { وللسيارة} وهم جمع سيار، قال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر والسفر. وقال غيره. الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، وطعامه ما مات فيه أو اصطيد منه وملح، وقد يكون زاداً للمسافرين والنائين عن البحر. وقد استدل الجمهور على حل ميتته بهذه الآية الكريمة، وبما رواه الإمام مالك عن جابر بن عبد اللّه قال: بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعثاً قِبَل الساحل، فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلثمائة، وأنا فيهم، قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقال: فقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظَّرِب "" الجبل الصغير"" فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة، فرحلت ومرت تحتهما فلم تصبهما. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله طرق عن جابر. وفي صحيح مسلم عن جابر: فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتينها فإذا بدابة يقال لها العنبر، قال، قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلثمائة حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ويقتطع منه القدر كالثور، قال: ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً، فاقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها، ثم رحّل أعظم بعير معنا فمر من تحته، وتزودنا من لحمه وشائق "" شرائح ""فلما قدمنا المدينة أتينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: (هو رزق أخرجه اللّه لكم، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟) قال: فأرسلنا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منه فأكله. وقال مالك سأل رجل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ""رواه مالك وأصحاب السنن وصححه البخاري والترمذي"" وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر، ولم يستثن من ذلك شيئاً، وقد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما فيه، وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع، وللنسائي عن عبد اللّه بن عمرو قال: نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال: نقيقها تسبح وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك، ولا يؤكل الضفدع، واختلفوا فيما سواهما فقيل: يؤكل سائر ذلك، وقيل: لا يؤكل، وقيل: ما أكل شبهه من البر أكل مثله في البحر، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه اللّه تعالى: وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر، لعموم قوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة} وقد ورد حديث بنحو ذلك فقال ابن مردويه عن جابر قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه وما ألقى البحر ميتاً طافياً فلا تأكلوه) وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وقد تقدم أيضاً. وروى الإمام الشافعي عن ابن عمر قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (أحلت لنا متتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال) ""ورواه أحمد وابن ماجة والدار قطني والبيهقي وله شواهد""وقوله: { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} أي في حال إحرامكم يحرم عليكم الإصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك، فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمداً أثم وغرم، أو مخطئاً غرم وحرم عليه أكله لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي في أحد قوليه. فإن أكله أو شيئاً منه فهل يلزمه جزاء ثان؟ فيه قولان للعلماء أحدهما : نعم وإليه ذهب طائفة والثاني : لا جزاء عليه في أكله، نص عليه مالك بن أنس. قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل وأما إذا صاد حلال صيداً فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقاً، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا، وبه قال الكوفيون، قال ابن جرير عن أبي هريرة: أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك وقال آخرون: لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقاً لعموم هذه الآية الكريمة. روي عن ابن عباس: أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال: هي مبهمة، يعني قوله: { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} وعن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال وبهذا قال طاووس وجابر بن زيد وإليه ذهب الثوري وقد روي أن علياً كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال. وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله، لحديث الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، وهو بالأبواء أو بودّان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: (إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حُرُم) ""الحديث مروي في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة""قالوا: فوجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم ظن أن هذا إنما صاده من أجله فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالإصطاد، فإنه يجوز له الأكل منه، لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش وكان حلالاً لم يحرم وكان أصحابه محرمين، فتوقفوا في أكله، ثم سألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: (هل كان منكم أحد أشار إليه أو أعان في قتلها)؟ قالوا: لا، قال: (فكلوا)، وأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه القصة ثابتة أيضاً في الصحيحين بألفاظ كثيرة.

تفسير الجلالين

{ جعل الله الكعبة البيت الحرام } المحرم { قياما للناس } يقوم به أمر دينهم بالحج إليه ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرض له وجبي ثمرات كل شيء إليه، وفي قراءة قيما بلا ألف مصدر قام غير معل { والشهر الحرام } بمعنى الأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب قياما لهم بأمنهم من القتال فيها { والهدي والقلائد } قياما لهم بأمن صاحبهما من التعرض له { ذلك } الجعل المذكور { لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم } فإن جعله ذلك لجلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل وقوعها دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : صَيَّرَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِوَامًا لِلنَّاسِ الَّذِينَ لَا قِوَام لَهُمْ , مِنْ رَئِيس يَحْجِز قَوِيّهمْ عَنْ ضَعِيفهمْ وَمُسِيئهُمْ عَنْ مُحْسِنهمْ وَظَالِمهمْ عَنْ مَظْلُومهمْ { وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } فَحَجَزَ بِكُلِّ وَاحِد مِنْ ذَلِكَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض , إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قِيَام غَيْره , وَجَعَلَهَا مَعَالِم لِدِينِهِمْ وَمَصَالِح أُمُورهمْ . وَالْكَعْبَة سُمِّيَتْ فِيمَا قِيلَ كَعْبَة لِتَرْبِيعِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9959 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ الْكَعْبَة لِأَنَّهَا مُرَبَّعَة . 9960 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا هَاشِم بْن الْقَاسِم , عَنْ أَبِي سَعِيد الْمُؤَدِّب , عَنْ النَّضْر بْن عَرَبِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ الْكَعْبَة لِتَرْبِيعِهَا . وَقِيلَ { قِيَامًا لِلنَّاسِ } بِالْيَاءِ , وَهُوَ مِنْ ذَوَات الْوَاو , لِكَسْرَةِ الْقَاف وَهِيَ فَاء الْفِعْل , فَجُعِلَتْ الْعَيْن مِنْهُ بِالْكَسْرَةِ يَاء , كَمَا قِيلَ فِي مَصْدَر : " قُمْت " قِيَامًا , وَ " صُمْت " صِيَامًا , فَحُوِّلَتْ الْعَيْن مِنْ الْفِعْل وَهِيَ وَاو يَاء لِكَسْرَةِ فَائِهِ , وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْل : قُمْت قِوَامًا , وَصُمْت صِوَامًا . وَكَذَلِكَ قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } فَحُوِّلَتْ وَاوهَا يَاء , إِذْ هِيَ " قِوَام " . وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامهمْ مَقُولًا عَلَى أَصْله الَّذِي هُوَ أَصْله , قَالَ الرَّاجِز : قِوَام دُنْيَا وَقِوَام دِين فَجَاءَ بِهِ بِالْوَاوِ عَلَى أَصْله . وَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْره الْكَعْبَة وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد قِوَامًا لِمَنْ كَانَ يَحْتَرِم ذَلِكَ مِنْ الْعَرَب وَيُعَظِّمهُ , بِمَنْزِلَةِ الرَّئِيس الَّذِي يَقُوم بِهِ أَمْر أَتْبَاعه . وَأَمَّا الْكَعْبَة فَالْحَرَم كُلّه , وَسَمَّاهَا اللَّه تَعَالَى حَرَامًا لِتَحْرِيمِهِ إِيَّاهَا أَنْ يُصَاد صَيْدهَا أَوْ يُخْتَلَى خَلَاهَا أَوْ يُعْضَد شَجَرهَا . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : صَيَّرَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِوَامًا لِلنَّاسِ الَّذِينَ لَا قِوَام لَهُمْ , مِنْ رَئِيس يَحْجِز قَوِيّهمْ عَنْ ضَعِيفهمْ وَمُسِيئهُمْ عَنْ مُحْسِنهمْ وَظَالِمهمْ عَنْ مَظْلُومهمْ { وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } فَحَجَزَ بِكُلِّ وَاحِد مِنْ ذَلِكَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض , إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قِيَام غَيْره , وَجَعَلَهَا مَعَالِم لِدِينِهِمْ وَمَصَالِح أُمُورهمْ . وَالْكَعْبَة سُمِّيَتْ فِيمَا قِيلَ كَعْبَة لِتَرْبِيعِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9959 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ الْكَعْبَة لِأَنَّهَا مُرَبَّعَة . 9960 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا هَاشِم بْن الْقَاسِم , عَنْ أَبِي سَعِيد الْمُؤَدِّب , عَنْ النَّضْر بْن عَرَبِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ الْكَعْبَة لِتَرْبِيعِهَا . وَقِيلَ { قِيَامًا لِلنَّاسِ } بِالْيَاءِ , وَهُوَ مِنْ ذَوَات الْوَاو , لِكَسْرَةِ الْقَاف وَهِيَ فَاء الْفِعْل , فَجُعِلَتْ الْعَيْن مِنْهُ بِالْكَسْرَةِ يَاء , كَمَا قِيلَ فِي مَصْدَر : " قُمْت " قِيَامًا , وَ " صُمْت " صِيَامًا , فَحُوِّلَتْ الْعَيْن مِنْ الْفِعْل وَهِيَ وَاو يَاء لِكَسْرَةِ فَائِهِ , وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْل : قُمْت قِوَامًا , وَصُمْت صِوَامًا . وَكَذَلِكَ قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } فَحُوِّلَتْ وَاوهَا يَاء , إِذْ هِيَ " قِوَام " . وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامهمْ مَقُولًا عَلَى أَصْله الَّذِي هُوَ أَصْله , قَالَ الرَّاجِز : قِوَام دُنْيَا وَقِوَام دِين فَجَاءَ بِهِ بِالْوَاوِ عَلَى أَصْله . وَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْره الْكَعْبَة وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد قِوَامًا لِمَنْ كَانَ يَحْتَرِم ذَلِكَ مِنْ الْعَرَب وَيُعَظِّمهُ , بِمَنْزِلَةِ الرَّئِيس الَّذِي يَقُوم بِهِ أَمْر أَتْبَاعه . وَأَمَّا الْكَعْبَة فَالْحَرَم كُلّه , وَسَمَّاهَا اللَّه تَعَالَى حَرَامًا لِتَحْرِيمِهِ إِيَّاهَا أَنْ يُصَاد صَيْدهَا أَوْ يُخْتَلَى خَلَاهَا أَوْ يُعْضَد شَجَرهَا . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْل .' وَقَوْله : { وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَعَلَ الشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد أَيْضًا قِيَامًا لِلنَّاسِ , كَمَا جَعَلَ الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام لَهُمْ قِيَامًا . وَالنَّاس الَّذِينَ جَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ قِيَامًا مُخْتَلَف فِيهِمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : جَعَلَ اللَّه ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة قِيَامًا لِلنَّاسِ كُلّهمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ عَنَى بِهِ الْعَرَب خَاصَّة . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل الْقِوَام قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ : عَنَى اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } الْقِوَام عَلَى نَحْو مَا قُلْنَا : 9961 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَنْ سَمِعَ خُصَيْفًا يُحَدِّث عَنْ مُجَاهِد فِي : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } قَالَ : قِوَامًا لِلنَّاسِ . 9962 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ خُصَيْف , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { قِيَامًا لِلنَّاسِ } قَالَ : صَلَاحًا لِدِينِهِمْ . 9963 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُد , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد فِي : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } قَالَ : حِين لَا يَرْجُونَ جَنَّة وَلَا يَخَافُونَ نَارًا , فَشَدَّدَ اللَّه ذَلِكَ بِالْإِسْلَامِ . * - حَدَّثَنِي هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } قَالَ : شِدَّة لِدِينِهِمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْله . 9964 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } قَالَ : قِيَامهَا أَنْ يَأْمَن مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا . 9965 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } يَعْنِي قِيَامًا لِدِينِهِمْ , وَمَعَالِم لِحَجِّهِمْ . 9966 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } جَعَلَ اللَّه هَذِهِ الْأَرْبَعَة قِيَامًا لِلنَّاسِ , هُوَ قِوَام أَمْرهمْ . وَهَذِهِ الْأَقْوَال وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ مِنْ قَائِلهَا أَلْفَاظهَا , فَإِنَّ مَعَانِيهَا آيِلَة إِلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الْقِوَام لِلشَّيْءِ هُوَ الَّذِي بِهِ صَلَاحه , كَالْمَلِكِ الْأَعْظَم قِوَام رَعِيَّته وَمَنْ فِي سُلْطَانه ; لِأَنَّهُ مُدَبِّر أَمْرهمْ وَحَاجِز ظَالِمهمْ عَنْ مَظْلُومهمْ وَالدَّافِع عَنْهُمْ مَكْرُوه مَنْ بَغَاهُمْ وَعَادَاهُمْ . وَكَذَلِكَ كَانَتْ الْكَعْبَة وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد قِوَام أَمْر الْعَرَب الَّذِي كَانَ بِهِ صَلَاحهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَهِيَ فِي الْإِسْلَام لِأَهْلِهِ مَعَالِم حَجّهمْ وَمَنَاسِكهمْ وَمُتَوَجِّههمْ لِصَلَاتِهِمْ وَقِبْلَتهمْ الَّتِي بِاسْتِقْبَالِهَا يَتِمّ فَرْضهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَتْ جَمَاعَة أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9967 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا جَامِع بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } حَوَاجِز أَبْقَاهَا اللَّه بَيْن النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة ; فَكَانَ الرَّجُل لَوْ جَرّ كُلّ جَرِيرَة ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الْحَرَم لَمْ يُتَنَاوَل وَلَمْ يُقْرَب . وَكَانَ الرَّجُل لَوْ لَقِيَ قَاتِل أَبِيهِ فِي الشَّهْر الْحَرَام لَمْ يَعْرِض لَهُ وَلَمْ يَقْرَبهُ . وَكَانَ الرَّجُل إِذَا أَرَادَ الْبَيْت تَقَلَّدَ قِلَادَة مِنْ شَعْر فَأَحْمَتْهُ وَمَنَعَتْهُ مِنْ النَّاس , وَكَانَ إِذَا نَفَرَ تَقَلَّدَ قِلَادَة مِنْ الْإِذْخِر أَوْ مِنْ لِحَاء السَّمُر , فَمَنَعَتْهُ مِنْ النَّاس حَتَّى يَأْتِي أَهْله ; حَوَاجِز أَبْقَاهَا اللَّه بَيْن النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة . 9968 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } قَالَ . كَانَ النَّاس كُلّهمْ فِيهِمْ مُلُوك تَدْفَع بَعْضهمْ عَنْ بَعْض . قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَب مُلُوك تَدْفَع بَعْضهمْ عَنْ بَعْض , فَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا يَدْفَع بَعْضهمْ عَنْ بَعْض بِهِ , وَالشَّهْر الْحَرَام كَذَلِكَ يَدْفَع اللَّه بَعْضهمْ عَنْ بَعْض بِالْأَشْهُرِ الْحُرُم وَالْقَلَائِد . قَالَ : وَيَلْقَى الرَّجُل قَاتِل أَخِيهِ أَوْ اِبْن عَمّه فَلَا يَعْرِض لَهُ . وَهَذَا كُلّه قَدْ نُسِخَ . 9969 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْقَلَائِد } كَانَ نَاس يَتَقَلَّدُونَ لِحَاء الشَّجَر فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا أَرَادُوا الْحَجّ , فَيَعْرِفُونَ بِذَلِكَ . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَان عَنْ ذِكْر الشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد فِيمَا مَضَى . بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .وَقَوْله : { وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَعَلَ الشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد أَيْضًا قِيَامًا لِلنَّاسِ , كَمَا جَعَلَ الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام لَهُمْ قِيَامًا . وَالنَّاس الَّذِينَ جَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ قِيَامًا مُخْتَلَف فِيهِمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : جَعَلَ اللَّه ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة قِيَامًا لِلنَّاسِ كُلّهمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ عَنَى بِهِ الْعَرَب خَاصَّة . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل الْقِوَام قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ : عَنَى اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } الْقِوَام عَلَى نَحْو مَا قُلْنَا : 9961 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَنْ سَمِعَ خُصَيْفًا يُحَدِّث عَنْ مُجَاهِد فِي : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } قَالَ : قِوَامًا لِلنَّاسِ . 9962 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ خُصَيْف , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { قِيَامًا لِلنَّاسِ } قَالَ : صَلَاحًا لِدِينِهِمْ . 9963 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُد , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد فِي : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } قَالَ : حِين لَا يَرْجُونَ جَنَّة وَلَا يَخَافُونَ نَارًا , فَشَدَّدَ اللَّه ذَلِكَ بِالْإِسْلَامِ . * - حَدَّثَنِي هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } قَالَ : شِدَّة لِدِينِهِمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْله . 9964 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ } قَالَ : قِيَامهَا أَنْ يَأْمَن مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا . 9965 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } يَعْنِي قِيَامًا لِدِينِهِمْ , وَمَعَالِم لِحَجِّهِمْ . 9966 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } جَعَلَ اللَّه هَذِهِ الْأَرْبَعَة قِيَامًا لِلنَّاسِ , هُوَ قِوَام أَمْرهمْ . وَهَذِهِ الْأَقْوَال وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ مِنْ قَائِلهَا أَلْفَاظهَا , فَإِنَّ مَعَانِيهَا آيِلَة إِلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الْقِوَام لِلشَّيْءِ هُوَ الَّذِي بِهِ صَلَاحه , كَالْمَلِكِ الْأَعْظَم قِوَام رَعِيَّته وَمَنْ فِي سُلْطَانه ; لِأَنَّهُ مُدَبِّر أَمْرهمْ وَحَاجِز ظَالِمهمْ عَنْ مَظْلُومهمْ وَالدَّافِع عَنْهُمْ مَكْرُوه مَنْ بَغَاهُمْ وَعَادَاهُمْ . وَكَذَلِكَ كَانَتْ الْكَعْبَة وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد قِوَام أَمْر الْعَرَب الَّذِي كَانَ بِهِ صَلَاحهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَهِيَ فِي الْإِسْلَام لِأَهْلِهِ مَعَالِم حَجّهمْ وَمَنَاسِكهمْ وَمُتَوَجِّههمْ لِصَلَاتِهِمْ وَقِبْلَتهمْ الَّتِي بِاسْتِقْبَالِهَا يَتِمّ فَرْضهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَتْ جَمَاعَة أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9967 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا جَامِع بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } حَوَاجِز أَبْقَاهَا اللَّه بَيْن النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة ; فَكَانَ الرَّجُل لَوْ جَرّ كُلّ جَرِيرَة ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الْحَرَم لَمْ يُتَنَاوَل وَلَمْ يُقْرَب . وَكَانَ الرَّجُل لَوْ لَقِيَ قَاتِل أَبِيهِ فِي الشَّهْر الْحَرَام لَمْ يَعْرِض لَهُ وَلَمْ يَقْرَبهُ . وَكَانَ الرَّجُل إِذَا أَرَادَ الْبَيْت تَقَلَّدَ قِلَادَة مِنْ شَعْر فَأَحْمَتْهُ وَمَنَعَتْهُ مِنْ النَّاس , وَكَانَ إِذَا نَفَرَ تَقَلَّدَ قِلَادَة مِنْ الْإِذْخِر أَوْ مِنْ لِحَاء السَّمُر , فَمَنَعَتْهُ مِنْ النَّاس حَتَّى يَأْتِي أَهْله ; حَوَاجِز أَبْقَاهَا اللَّه بَيْن النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة . 9968 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { جَعَلَ اللَّه الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد } قَالَ . كَانَ النَّاس كُلّهمْ فِيهِمْ مُلُوك تَدْفَع بَعْضهمْ عَنْ بَعْض . قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَب مُلُوك تَدْفَع بَعْضهمْ عَنْ بَعْض , فَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا يَدْفَع بَعْضهمْ عَنْ بَعْض بِهِ , وَالشَّهْر الْحَرَام كَذَلِكَ يَدْفَع اللَّه بَعْضهمْ عَنْ بَعْض بِالْأَشْهُرِ الْحُرُم وَالْقَلَائِد . قَالَ : وَيَلْقَى الرَّجُل قَاتِل أَخِيهِ أَوْ اِبْن عَمّه فَلَا يَعْرِض لَهُ . وَهَذَا كُلّه قَدْ نُسِخَ . 9969 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْقَلَائِد } كَانَ نَاس يَتَقَلَّدُونَ لِحَاء الشَّجَر فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا أَرَادُوا الْحَجّ , فَيَعْرِفُونَ بِذَلِكَ . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَان عَنْ ذِكْر الشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد فِيمَا مَضَى . بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَأَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ } تَصْيِيره الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : صَيَّرْت لَكُمْ أَيّهَا النَّاس ذَلِكَ قِيَامًا كَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ لَكُمْ لِمَصَالِح دُنْيَاكُمْ مَا أَحْدَثَ مِمَّا بِهِ قِوَامكُمْ , عِلْمًا مِنْهُ بِمَنَافِعِكُمْ وَمَضَارّكُمْ أَنَّهُ كَذَلِكَ يَعْلَم جَمِيع مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض مِمَّا فِيهِ صَلَاح عَاجِلكُمْ وَآجِلكُمْ , وَلِتَعْلَمُوا أَنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أُمُوركُمْ وَأَعْمَالكُمْ , وَهُوَ مُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِي الْمُحْسِن مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيء مِنْكُمْ بِإِسَاءَتِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَأَنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْء عَلِيم } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ } تَصْيِيره الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْر الْحَرَام وَالْهَدْي وَالْقَلَائِد . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : صَيَّرْت لَكُمْ أَيّهَا النَّاس ذَلِكَ قِيَامًا كَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ لَكُمْ لِمَصَالِح دُنْيَاكُمْ مَا أَحْدَثَ مِمَّا بِهِ قِوَامكُمْ , عِلْمًا مِنْهُ بِمَنَافِعِكُمْ وَمَضَارّكُمْ أَنَّهُ كَذَلِكَ يَعْلَم جَمِيع مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض مِمَّا فِيهِ صَلَاح عَاجِلكُمْ وَآجِلكُمْ , وَلِتَعْلَمُوا أَنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أُمُوركُمْ وَأَعْمَالكُمْ , وَهُوَ مُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِي الْمُحْسِن مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيء مِنْكُمْ بِإِسَاءَتِهِ .'

تفسير القرطبي

فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى { جعل الله الكعبة} جعل هنا بمعنى خلق وقد تقدم. وقد سميت الكعبة كعبة لأنها مربعة وأكثر بيوت العرب مدورة وقيل : إنما سميت كعبة لنتوئها وبروزها، فكل ناتئ بارز كعب، مستديرا كان أو غير مستدير. ومنه كعب القدم وكعوب القناة. وكعب ثدي المرأة إذا ظهر في صدرها. والبيت سمي بذلك لأنها ذات سقف وجدار، وهي حقيقة البيتية وإن لم يكن بها ساكن. وسماه سبحانه حراما بتحريمه إياه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن مكة حرمها الله ولم بحرمها الناس) وقد تقدم أكثر هذا مستوفى والحمد لله. الثانية: قوله تعالى { قياما للناس} أي صلاحا ومعاشا، لأمن الناس بها؛ وعلى هذا يكون { قياما} بمعنى يقومون بها. وقيل { قياما} أي يقومون بشرائعها. وقرأ ابن عامر وعاصم { قيما} وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وقد قيل { قوام} . قال العلماء : والحكمة في جعل الله تعالى هذه الأشياء قياما للناس، أن الله سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتنافس والتقاطع والتدابر، والسلب والغارة والقتل والثأر، فلم يكن بد في الحكمة الإلهية، والمشيئة الأولية من كاف يدوم معه الحال ووازع يحمد معه المآل. قال الله تعالى { إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة : 30] فأمرهم الله سبحانه بالخلافة، وجعله أمورهم إلى واحد يزعهم عن التنازع، ويحملهم على التآلف من التقاطع، ويرد الظالم عن المظلوم، ويقرر كل يد على ما تستولي عليه. روى ابن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول : ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن؛ ذكره أبو عمر رحمه الله. وجور السلطان عاما واحدا أقل إذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة؛ فأنشأ الله سبحانه الخليفة لهذه الفائدة، لتجري على رأيه الأمور، ويكف الله به عادية الجمهور؛ فعظم الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام، وأوقع في نفوسهم هيبته، وعظم بينهم حرمته، فكان من لجأ إليه معصوما به، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه. قال الله تعالى { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت : 67]. قال العلماء : فلما كان موضعا مخصوصا لا يدركه كل مظلوم، ولا يناله كل خائف جعله الله الشهر الحرام ملجأ آخر الثالثة: الشهر الحرام هو اسم جنس، والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب، فقرر الله في قلوبهم حرمتها، فكانوا لا يروعون فيها سربا أي نفسا ولا يطلبون فيها دما ولا يتوقعون فيها ثأرا، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه. واقتطعوا فيها ثلث الزمان. ووصلوا منها ثلاثة متوالية، فسحة وراحة ومجالا للسياحة في الأمن والاستراحة، وجعلوا منها واحدا منفردا في نصف العام دركا للاحترام، وهو شهر رجب الأصم ويسمى مضر، وإنما قيل له : رجب الأصم؛ لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد، ويسمى منصل الأسنة؛ لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسنة من الرماح، وهو شهر قريش، وله يقول عوف بن الأحوص : وشهر بني أمية والهدايا ** إذا سيقت مضرجها الدماء وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله؛ أي شهر آل الله، وكان يقال لأهله الحرم : آل الله. ويحتمل أن يريد شهر الله؛ لأن الله متنه وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه. وسيأتي في [براءة] أسماء الشهور إن شاء الله. ثم يسر لهم الإلهام، وشرع على ألسنة الرسل الكرام الهدي والقلائد،وهي: الرابعة: فكانوا إذا أخذوا بعيرا أشعروه دما، أو علقوا عليه نعلا، أو فعله ذلك الرجل بنفسه من التقليد على ما تقدم بيانه أول السورة لم يروعه أحد حيث لقيه، وكان الفيصل بينه وبين من طلبه أو ظلمه حتى جاء الله بالإسلام وبين الحق بمحمد عليه السلام، فانتظم الدين في سلكه، وعاد الحق إلى نصابه، فأسندت الإمامة إليه، وانبنى وجوبها على الخلق عليه وهو قوله سبحانه { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} [النور : 55] الآية. وقد مضى في [البقرة] أحكام الإمامة فلا معنى لإعادتها. الخامسة:قوله تعالى { ذلك لتعلموا} { ذلك} إشارة إلى جعل الله هذه الأمور قياما؛ والمعنى فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 94 - 97


سورة المائدة الايات 97 - 103

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

" جعل " تعني بَيَّن ووضَّح، فقال: إن الكعبة محرمة ولها كرامة تستحق من المؤمن أن يأمن فيها. أو " جعل " تعني إيجاد صفات للأشياء بعد أن تكون ذات المادة موجودة، مثل قوله الحق سبحانه:
{  وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
[النحل: 7].

أي أنه سبحانه خصص جزءا من خلايا الإنسان ليكون عيناً، وجزءا آخر ليكون أذنا، وجزءا ثالثاً ليكون لساناً. والحق هنا يقول: { جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ }. ونعرف أن كل الأسماء للمعنويات مأخوذة من المُحسات.

والكعب هو الشيء الناتيء الخارج عن حد المتساوي. ومثال ذلك الكعب في القدم يكون مرتفعاً. وكذلك الفتاة نطلق عليها: " طفلة " وهي دون البلوغ، وعند البلوغ وظهور الثديين نقول إنها " كَعَاب وكاعب " ، أي أن ثدييها قد صارا مرتفعين، والكعبة نتوء، والنتوء ارتفاع، وهذا الارتفاع هو علامة البيت، فالبيت هو مساحة من الأرض، أما الارتفاع فهو يحدد الحجم.

ومثال ذلك عندما نريد حساب مساحة الأرض؛ نقيس الطول والعرض؛ ونضرب الطول في العرض حتى نحسب المساحة. أما إذا كان هناك ارتفاع فهذا يعني الانتقال من المساحة إلى الحجم. والحق سبحانه يقول:
{  وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ }
[البقرة: 127].

أي أن سيدنا إبراهيم بعمله إنما أراد أن يصنع للبيت ارتفاعاً وحجماً، وهذا البناء يدل على صناعة حجم لمساحة من الأرض. إذن فالكعبة هي البيت بعد أن صار له ارتفاع. وكلمة " بيت " تعني المكان الذي أعد للبيتوتة، فالإنسان يضرب في الأرض طيلة نهاره وعندما يحب أن يستريح يذهب إلى البيت.

فالله جعل الكعبة بيتاً للناس حتى يستريحوا فيه من عناء حياتهم ومشقة كدحهم لأنه بيت ربهم باختيار ربهم، لا باختيارهم، فكل مسجد هو بيت الله ولكن باختيار خلق الله، أما الكعبة فهي بيت الله باختيار الله، وهي قبلة لبيوت الله التي قامت باختيار خلق الله.

{ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ } وكلمة { ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ } تدل على أن له حرمات كثيرة. وجعل الله الكعبة بيتاً حراماً لكل المسلمين قياماً. والقيام هو الوقوف، والوقوف هو القيام على الأمر. والقائم على أمرٍ ما يحفظ له قوام حياته ووجوده.

وهكذا نفهم أنه سبحانه أراد أن تكون الكعبة هي البيت الحرام ليحفظ على الناس قوام حياتهم، بالطعام والشراب واستبقاء النسل ودفع الأذى، وفوق ذلك له سيطرة وسيادة وجاه وتمكين، ولذلك يعطي الإيمان الحياة الراقية، فالحياة مسألة يشترك فيها المؤمن والكافر، وتبدأ بوجود الروح في المادة فتنتقل المادة إلى الحالة الحس والحركة، والمؤمن هو من يرتقي بحياته فيعطي لها بالإيمان منافع، ويسلب عنها المضار، فيأخذ السيادة، وبذلك تتصل حياته الدنيا بحياته في الآخرة، فلا تنتهي منه الحياة أبداً.لقد جعل الحق سبحانه وتعالى الكعبة البيت الحرام قياماً للناس.. أي قواماً لحياتهم سواءً الحياة الدنيا او حياة الآخرة، الحياة المادية التي تنتهي بالموت، والحياة التي تبدأ بالآخرة. والحق سبحانه يقول عن ذلك:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ }
[الأنفال: 24].

هكذا يكون الإيمان بالله وصلاً لحياتين: الحياة المادية في الدنيا، وحياة الآخرة. وأراد الحق بذلك دفع الأذى وجلب النفع والجاه والسيطرة للمؤمنين، ونعرف أن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس:
{  إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }
[آل عمران: 96].

كذلك نعرف أن إبراهيم عليه السلام هو الذي أقام القواعد من البيت، أما البيت نفسه فقد أقيم من قبل ذلك. وما دام الحق سبحانه قد قال:
{  وُضِعَ لِلنَّاسِ }
[آل عمران: 96].

فمعنى ذلك أن الله لم يحرم الناس من قبل إبراهيم أن يكون لهم بيت. فالناس معناها البشر من آدم إلى أن تقوم الساعة، وأقام إبراهيم خليل الرحمن البُعْد الثالث وهو رفع القواعد للبيت الحرام. والحق سبحانه وتعالى يقول:
{  وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ }
[الحج: 26].

أي أن الحق سبحانه وتعالى أظهر مكان البيت لإبراهيم عليه السلام، ونعرف أن إبراهيم أشرك ابنه إسماعيل في إقامة القواعد من البيت، ونعلم أن إسماعيل قد جاء إلى هذا المكان رضيعاً مع أمه، وقال إبراهيم بعد أن رفع القواعد متوجها إلى ربه بالدعاء:
{  رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ }
[إبراهيم: 37].

لقد عرف إبراهيم مكان البيت وأنه بوادٍ غير ذي زرع، لا ماء فيه ولا نبات. وجاء الحق بهذه الكنابة لنعرف أنه لا حياة بدون زرع، والماء لازم للزرع. وبذلك يكون إبراهيم عليه السلام قد لبى نداء الله بأن يأتي إلى مكان ليس به أي نعمة تقيم الحياة، ولا يوجد فيه إلا المنعم، ولذلك نرى سيدتنا هاجر عليها السلام عندما تتلقى الأمر من إبراهيم بالسكن مع ابنها في ذلك المكان تناديه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ فيقول لها: إلى الله تقول: رضيت بالله. هنا تركته سيدتنا هاجر ليمشي كما أراد، فالله لن يضيعها لا هي ولا ابنها؛ لأنها قالت: رضيت بالله.

وقص الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا قصتها، والسعي الذي قامت به بين الصفا والمروة، وكيف كانت ثقتها في أن الخالق الأكرم لن يضيعها لا هي ولا ابنها، بل سيرزقهما، فتسعى بين الصفا والمروة لعلها تجد طيراً يدلها على موقع للماء، وتعود إلى المروة لعلها تجد قافلة تسير. إنها تأخذ بالأسباب مع علمها أنها في صحبة المسبب الأعظم. وسعت سبعة أشواط. وهي الأنثى وفي تلك السن، وذلك من لهفتها على توفير شربة ماء لطفلها.السعي - كما نعرفه - عملية شاقة. ولو أن الله أعطاها الماء على الصفا أو على المروة لما أثبت كلمتها: " إن الله لا يضيعنا ". ولكن الحق يعطيها الماء عند قدمي طفلها الرضيع. وبذلك لها يكون سبحانه قد نبهنا وأرشدنا إلى قضيتين: أمّا الأولى فإن الإنسان يلزمه أن يسعى على قدر جهده، وأما الثانية فهي أن السعي لا يعطي بمفرده الثمرة، ولكن الثمرة يعطيها الله. وجعل الله من السعي بين الصفا والمروة تعليماً لنا بدرس عملي تطبيقي أن نأخذ بالأسباب ولا ننسى المسبب؛ لأن فتنة الناس تأتي من الغرور بالأسباب.
{  كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ }
[العلق: 6-7].

إنه لا يصح أبداً أن تعزلك الأسباب عن المسبب، ولا تقل سأبقى مع المسبب إلى أن تأتيني الأسباب؛ لا، كُنْ دائماً مع الأسباب، وتذكر دائماً المسبب. ولذلك نقول: إن الجوارح تعمل، ولكن القلوب تتوكل. وهذا هو المغزى من عطاء الحق سبحانه الماء لهاجر عند قدمي ابنها، وبذلك تستجاب دعوة إبراهيم التي دعا بها الله:
{  رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ }
[إبراهيم: 37].

لقد دعا إبراهيم عليه السلام بالرزق من الثمرات، لأن الوادي غير ذي زرع. ولذلك جعل الحق أفئدة الناس تهوي إلى الكعبة وإلى البيت الحرام. يقول - سبحانه -:
{  أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا }
[القصص: 57].

وكلمة " يُجبى " تدلنا على أن الناس لا تأتي بهذه الثمرات اختياراً إلى البيت الحرام الذي جعله الله قياماً لحياة من يوجد فيه، بل يأتون بالثمرات قهراً.

وهناك أناس لهم مزارع كبيرة وحدائق وفيرة الثمار في الطائف وفي غيرها من البلاد، وعندما يريد إنسان الشراء من نِتاج مزارعهم يقولون له: إنه مخصص لمكة فإن أردت شراءه فاذهب إلى مكة.

لقد استجاب الحق لدعاء إبراهيم: { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ }. و " تهوي " - بكسر الواو - تدل على السقوط من حالق.. أي من مكان مرتفع شاهق. وكأن الشوق إلى الكعبة يجعل الإنسان مقذوفاً إليها. ولذلك نجد الكَلِف بالحج - المحب له والمتعلق به - تشتاق روحه إلى الحج.

وعلينا أن نفرق بين " يَهْوَى ".. أي يحب الذهاب، و " يَهوى " بكسر الواو أي يذهب بالاندفاع، فالإنسان إن سقط من مكان عالٍ لا يستطيع أن يقول: سأتوقف عند نقطةٍ ما في منتصف مسافة السقوط؛ لأن الذي يقع من مكان لا يقدر على أن يمسك نفسه. ولذلك قال الحق:
{  فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ }
[إبراهيم: 37].

وهذا دليل على أن الهْوُي ليس من صنعة الجسم، ولكنه من صنعة الأفئدة.والأفئدة بيد الله - سبحانه - هو الذي جعلها تهوِي، والكعبة هي البيت الحرام وهي قوام لحياة الناس، وسبحانه القائل:
{  وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً }
[آل عمران: 97].

فالداخل إلى الكعبة آمن حتى ولو كان قاتلاً. وكان الرجل يلتقي بقاتل أبيه في الكعبة فلا يتعرض له، إذن فقد أعطى الحق لهم من مقومات الحياة الشيء النافع وحجب عن الموجود منهم الضر.

وأما السيادة والجاه فقد عرفنا ان قريشاً سادت العرب وكان رجالها سدنة وخدماً لبيت الله، والكل يأتي إليهم فلا أحد يتعرض لقوافلهم الذاهبة إلى الشام أو اليمن. وإلا فمن يتعرض لقوافل قريش فإن قريشاً تستطيع الانتقام منه عندما يأتي إليها. وكان ذلك قمة السيادة. إذن فمقوم الحياة إما أن يأتي بنافع كالرزق، وأما أن يمنع الضار؛ وذلك بالأمن الذي يصيب كل داخل إليها، وكذلك بالسيادة التي أخذتها قريش على العرب جميعاً. وأعطى الله المثل لقريش على حمايته للكعبة، عندما جاء أبرهة ليهدم الكعبة:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ }
[الفيل: 1].

ورد سبحانه كيد أصحاب الفيل؛ لأنهم لو هدموا الكعبة لضاعت السيادة من قريش، ولذلك قال الحق وصفاً لذلك:
{  فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ }
[الفيل: 5].
{  لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ }
[قريش: 1-2].

جعل الحق أصحاب الفيل كعصف مأكول أي كتبن أو نحوه أكلته الدواب وألقتهُ رَوْثا، فعل - سبحانه - ذلك حتى تألف قريش وتطمئن إلى أن الكعبة لن يمسها سوء، وإلى أن رحلات الشتاء والصيف مصونة بحكم حاجة كل القبائل إلى الحج. وقال سبحانه:
{  فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }
[قريش: 3-4].

أي أسبغ عليهم النعمة بالطعام وسلبهم المضرة بالخوف، وأبقى لهم السيادة والجاه بخدمة الكعبة التي جعلها الله للناس جميعاً قياما وامناً؛ لأن الذين يذهبون إلى حج البيت يُكفر عنهم سبحانه سيئاتهم ويخرجون من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم، وهذا قيام لحياتهم الأخروية أيضاً.

إذن جعل الله البيت الحرام قياماً لكل ألوان الحياة، والبيت الحرام مكان كما نعلم. وجعل الحق الشهر الحرام أيضاً قياماً للحياة، والشهر الحرام هو زمان كما نعلم. والشهر الحرام هو أحد الأشهر الحرم الأربعة: شهر منها فرد أي غير متصل بغيره من الأشهر الحرم وهو رجب - ولذلك يسمى رجب الفرد - وثلاثة سرد أي متتابعة يلي بعضها بعضاً وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. والمراد بالشهر الحرام هو الجنس لكل شهر من الأشهر الحرم.

ونعلم أن كل حدث من الأحداث يحتاج إلى فاعل. والفاعل يحتاج إلى زمن ليفعل فيه الفعل، وإلى مكان يفعل فيه، وإلى سبب يدعو إلى الفعل، وإلى قدرة تبرز هذا الفعل. ولذلك نذكر جميعاً قول الحق سبحانه:
{  وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ }
[الكهف: 23-24].

فإياك أن تقول: إني فاعل ذلك غداً إلا بعد أن تتبعها بقولك: " إن شاء الله ". ولا يمنعنا هذا أن نخطط لمستقبلنا. فمادمنا قد استعنا بالمشيئة، فلنا أن نخطط لحياتنا. ونقول: " إن شاء الله " لأن عناصر الفعل: فاعل، ومفعول يقع عليه الفعل، وزمان، ومكان، وسبب، وقدرة تبرز الفعل. ولا أحد منا يملك واحداً من هذه العناصر، فأنت أيها الإنسان لا تملك وجود ذاتك غداً، ولا تملك وجود المفعول غداً، ولا تملك الزمان، ولا تملك المكان، ولا تملك السبب؛ لأنه من الجائز أن يتغير، ولا تملك القدرة على العمل، فقد تسلب منك القدرة قبل أن تفعل الفعل.

إذن، فأنت لا تملك من عناصر الفعل شيئاً. فلا تجازف وتقول: أنا أفعل ذلك غداً. بل أسندها إلى من يملك كل العناصر، وقل: " إن شاء الله " ، وبذلك لا تكون كاذباً.

وهنا في هذه الآية يوجد عنصران: المكان، والزمان، المكان هو البيت الحرام، والزمان هو الشهر الحرام، والذي يحدث الفعل فيه نسميه: المفعول فيه، وهو إما ظرف مكان وإما ظرف زمان. وأراد الحق سبحانه بذلك أن يؤكد ما فيه قيام الناس زمانا ومكانا، فلو أنه سبحانه لم يفعل ذلك بالنسبة للزمان وهو الأشهر الحرم، والمكان وهو الحرم، لاستمرت الحرب بين قبائل العرب إلى ما لا نهاية. ولذلك أراد بالأشهر الحرم أن يعطي للعقل فرصة للتأمل في أسباب الحرب، ويعطي كل إنسان من العرب الراحة من القتال. وكان كل عربي في ذلك الزمن يهتم بالاستعداد للقتال اهتمامه بالطعام والشراب، فكل منهم تربى على الفروسية والقتال والضرب بالرمح والمبارزة بالسيف.

وحينما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لينساح بالدعوة في أرض الله صحب معه الكثير من الرجال الذين لم يكونوا في حاجة إلى التدريب على أعمال الحرب، فقد كان كل الناس تقريباً جاهزين للقتال. وكأن الله سبحانه أراد للإسلام أن ينهي الثأر بين القبائل، وأن يستفيد الإسلام من استعداد كل عربي للقتال. واستفاد الإسلام أيضاً من أن أمة العرب كانت - غالباً - متبدية؛ بيت كل إنسان منهم على ظهر البعير، يشد رحاله، وينصب خيمته وينام؛ لأن الناس إنما ارتبطوا بالأوطان عندما بنوا المنازل، فمن بنى لنفسه بيتاً في مكان ما فهو يشتاق إلى ما بناه.

وكأن الحق قد أعدهم للانسياح بكلمة الله في الأرض فلا يحزن لترك مكان إلى مكان آخر، بل إن الشخص منهم كان يذهب إلى البلاد ويتوطن فيها ليؤصل الوجود الإسلامي. فكان كل واحد منهم نواة الخير للأمم التي انساحوا إليها؛ فمن ذهب منهم إلى الشام توطن فيها ولم يصعب عليه فراق الجزيرة. وكذلك من ذهب إلى مصر وغيرها من البلدان.إذن فقد أراد الحق بحرمة الأشهر الحرم والبيت الحرام أن يرتاح العرب من القتال بدلاً من أن تهلك الحربُ الحرثَ والنسلَ، وأراد الحق ذلك قياماً للناس، واستبقاء للنوع.

وكذلك حرم الله: { وَٱلْهَدْيَ وَٱلْقَلاَئِدَ } والهدي هو الذي يُهْدَى للحرم فيأكله الناس هناك، ذلك لأن الحرم موجود بوادٍ غير ذي زرع. والهدي هو البهيمة التي يتطوع بها أي إنسان ويضع حول عنقها قلادة من لحِاء وقشر الشجر أو غير ذلك، وعندما يرى الناس القلادة يعرفون أن تلك البهيمة مهداة للحرم فلا يقربها أحد حتى صاحبها وإن قرصه وعضه الجوع، وفي ذلك قيام للناس.

وتتابع الآية: { ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي أنه مدبر لهم ما يحفظ حياتهم في كل حالٍ من أغيار الحياة؛ فقد رتب سبحانه لهم حفظ الأرواح، وحفظهم من الجوع، وآمنهم، وحفظ لهم السيادة، كل ذلك بتدبيره وهو الحكيم. لقد دبر كل شيء أزلاً، وأتت الأمور على وَفْق ما دبر من خير ومصلحة، فإذا كان كل ذلك قد فعله سبحانه وتعالى فلأنه الأعلم والأحكم.

وقد حدث كل ذلك بعلمه وحكمته، ونؤمن أن ما لا نعرفه قد فعله وصنعه - أيضاً - بهذه الحكمة المطلقة وذلك العلم المطلق. { ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } لقد رتب حياة الناس في الجزيرة وحول البيت الحرام على الرغم من انهم قبل الرسالة كانوا يعبدون الأصنام، ولكنه هداهم بالرسالة المحمدية. ولذلك قال: { ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فسبحانه جعل البيت أمنا وأماناً، وهذا إخبار شرعي لا إخبار كوني.

والفرق بين الإخبار الكوني والإخبار الشرعي أن الإخبار الكوني لا بد أن يحدث لأنه لا دخل للناس به، أما الإخبار الشرعي فهو أمر يجب أن يقوم الناس بتنفيذه، فإن أطاع الناس الخبر القادم من الله جعلوا البيت آمنا، وإن أساءوا جعلوه غير آمن.

وفي زماننا القريب عندما اعتدى شاب يدعى جهيمان على الحرم، تساءل الناس: كيف يعتدي إنسان على الحرم وقد أراده الله حرماً آمناً؟ وقلنا: إن أمر الله بجعل البيت حراماً آمنا هو أمر شرعي ينفذه المؤمنون إن أطاعوا، وإن لم ينفذوه فهم غير مؤمنين. والمثال على الأمر الشرعي والكوني قوله الحق:
{  وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ }
[النور: 26].

إنَّنَا نجد في الحياة خبيثاً يتزوج امرأة طيبة، ونجد طيباً يتزوج خبيثة. وهذا يثبت لنا أن قوله الحق: { وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ } هو أمر شرعي بأن نزوج الطيب طيبة مثله، وهو واجب التنفيذ إن كنا مؤمنين بالمنهج، أما إن خالفنا المنهج فإننا نزوج الطيب خبيثة والطيبة خبثاً، وبذلك يختل التكافؤ في الأسرة، وتصير حياة المجتمع جحيماً، ومن أجل أن نحفظ للمجتمع توازنه علينا أن نزوج الطيب للطيبة وأن نترك الخبيثة للخبيث، حتى لا تكون حياتنا في فتنة. وينبهنا سبحانه إلى ضرورة مراعاة أوامره الشرعية فيقول لنا سبحانه: { ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ... }


www.alro7.net