سورة
اية:

لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا

تفسير بن كثير

قال البخاري عن البراء قال: لما نزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين} دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زيداً فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته، فأنزل اللّه { غير أولي الضرر} وقال البخاري أيضاً عن سهل بن سعد الساعدي: أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد قال: فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أملي عليَّ: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللّه} ، فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليَّ قال: يا رسول اللّه : والله لو استطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى، فأنزل اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم وكان فخذه على فخذي فثقلت عليَّ حتى خفت أن تُرضَّ فخذي ثم سري عنه فأنزل اللّه : { غير أولي الضرر} وعن ابن عباس قال: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} عن بدر والخارجون إلى بدر، ولما نزلت غزوة بدر قال عبد اللّه بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول اللّه فهل لنا رخصة؟ فنزلت: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} وفضل اللّه المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر { وفضل اللّه المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه} على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر. فقوله { لا يستوي القاعدون من المؤمنين} كان مطلقاً فلما نزل بوحي سريع { غير أولي الضرر} صار ذلك مخرجاً لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد من العمى والعرج والمرض عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم. ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين قال ابن عباس: { غير أولي الضرر} وكذا ينبغي أن يكون كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير وقال قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه قالوا: وهم بالمدينة يا رسول اللّه ؟ قال: نعم حبسهم العذر) وفي رواية عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه) قالوا: وكيف يكونون معنا فيه يا رسول اللّه ؟ قال: (نعم حبسهم العذر) قال الشاعر في هذا المعنى: يا راحلين إلى البيت العتيق لقد ** سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وعن قدر ** ومن أقام على عذر فقد راحا وقوله تعالى: { وكلاً وعد اللّه الحسنى} أي الجنة والجزاء الجزيل، وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على الكفاية، قال تعالى: { وفضل اللّه المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً} ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجنات العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وأحوال الرحمة والبركات، إحساناً منه وتكريماً ولهذا قال: { درجات منه ومغفرة ورحمة وكان اللّه غفوراً رحيماً} . وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها اللّه للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والارض)

تفسير الجلالين

{ لا يستوي القاعدون من المؤمنين } عن الجهاد { غير أولي الضرر } بالرفع صفة والنصب استثناء من زمانة أو عمى ونحوه { والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين } لضرر { درجة } فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهدين بالمباشرة { وكلاٌ } من الفريقين { وعد الله الحسنى } الجنة { وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين } لغير ضرر { أجرا عظيما } ويبدل منه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ } لَا يَعْتَدِل الْمُتَخَلِّفُونَ عَنْ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , الْمُؤْثِرُونَ الدَّعَة وَالْخَفْض وَالْقُعُود فِي مَنَازِلهمْ عَلَى مُقَاسَاة حُزُونَة الْأَسْفَار وَالسَّيْر فِي الْأَرْض وَمَشَقَّة مُلَاقَاة أَعْدَاء اللَّه بِجِهَادِهِمْ فِي ذَات اللَّه وَقِتَالهمْ فِي طَاعَة اللَّه , إِلَّا أَهْل الْعُذْر مِنْهُمْ بِذَهَابِ أَبْصَارهمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْعِلَل الَّتِي لَا سَبِيل لِأَهْلِهَا لِلضَّرَرِ الَّذِي بِهِمْ إِلَى قِتَالهمْ وَجِهَادهمْ فِي سَبِيل اللَّه وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه , وَمِنْهَاج دِينه , لِتَكُونَ كَلِمَة اللَّه هِيَ الْعُلْيَا , الْمُسْتَفْرِغُونَ طَاقَتهمْ فِي قِتَال أَعْدَاء اللَّه وَأَعْدَاء دِينهمْ بِأَمْوَالِهِمْ , إِنْفَاقًا لَهَا فِيمَا أَوْهَنَ كَيْد أَعْدَاء أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِأَنْفُسِهِمْ , مُبَاشِرَة بِهَا قِتَالهمْ , بِمَا تَكُون بِهِ كَلِمَة اللَّه الْعَالِيَة , وَكَلِمَة الَّذِينَ كَفَرُوا السَّافِلَة. وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { غَيْرُ أُولِي الضَّرَر } ; فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَمَكَّة وَالشَّام : " وَغَيْرَ أُولِي الضَّرَر " نَصْبًا , بِمَعْنَى : إِلَّا أُولِي الضَّرَر . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْعِرَاق وَالْكُوفَة وَالْبَصْرَة : { غَيْرُ أُولِي الضَّرَر } بِرَفْعِ " غَيْر " عَلَى مَذْهَب النَّعْت لِلْقَاعِدِينَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا : " غَيْر أُولِي الضَّرَر " بِنَصْبِ غَيْر , لِأَنَّ الْأَخْبَار مُتَظَاهِرَة بِأَنَّ قَوْله : " غَيْر أُولِي الضَّرَر " نَزَلَ بَعْد قَوْله : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ } اِسْتِثْنَاء مِنْ قَوْله : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ } . ذِكْر بَعْض الْأَخْبَار الْوَارِدَة بِذَلِكَ : 8092 - حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اِئْتُونِي بِالْكَتِفِ وَاللَّوْح " ! فَكَتَبَ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ } وَعَمْرو اِبْن أُمّ مَكْتُوم خَلْف ظَهْره , فَقَالَ : هَلْ لِي مِنْ رُخْصَة يَا رَسُول اللَّه ؟ فَنَزَلَتْ . : " غَيْر أُولِي الضَّرَر " . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } جَاءَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَكَانَ أَعْمَى , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه كَيْفَ وَأَنَا أَعْمَى ؟ فَمَا بَرِحَ حَتَّى نَزَلَتْ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب فِي قَوْله : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر } قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ جَاءَ عَمْرو اِبْن أُمّ مَكْتُوم إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ ضَرِير الْبَصَر , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا تَأْمُرنِي , فَإِنِّي ضَرِير الْبَصَر ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ : " اِئْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاة , أَوْ اللَّوْح وَالدَّوَاة " . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن إِسْرَائِيل الدَّلَّال الرَّمْلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الْمُغِيرَة , قَالَ : ثنا مِسْعَر , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } كَلَّمَهُ اِبْن أُمّ مَكْتُوم , فَأُنْزِلَتْ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاء يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } قَالَ : فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا , فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا , قَالَ : فَشَكَا إِلَيْهِ اِبْن أُمّ مَكْتُوم ضَرَارَته , فَنَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر } قَالَ شُعْبَة : وَأَخْبَرَنِي سَعْد بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ رَجُل , عَنْ زَيْد فِي هَذِهِ الْآيَة : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ } مِثْل حَدِيث الْبَرَاء . 8093 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِي سِنَان الشَّيْبَانِيّ , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } جَاءَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا لِي رُخْصَة ؟ قَالَ : لَا قَالَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم : اللَّهُمَّ إِنِّي ضَرِير فَرَخِّصْ ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } وَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَتَبَهَا , يَعْنِي الْكَاتِب . 8094 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بُزَيْع وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَا : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ سَهْل بْن سَعْد , قَالَ : رَأَيْت مَرْوَان بْن الْحَكَم جَالِسًا , فَجِئْت حَتَّى جَلَسْت إِلَيْهِ , فَحَدَّثَنَا عَنْ زَيْد بْن ثَابِت : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } قَالَ : فَجَاءَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَهُوَ يُمْلِيهَا عَلَيَّ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه لَوْ أَسْتَطِيع الْجِهَاد لَجَاهَدْت ! قَالَ : فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ وَفَخِذه عَلَى فَخِذِي , فَثَقُلَتْ , فَظَنَنْت أَنْ تَرُضّ فَخِذِي , ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ , فَقَالَ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } 8095 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب , عَنْ زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : كُنْت أَكْتُب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " اُكْتُبْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } " ! فَجَاءَ عَبْد اللَّه بْن أُمّ مَكْتُوم , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أُحِبّ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَلَكِنْ بِي مِنْ الزَّمَانَة مَا قَدْ تَرَى , قَدْ ذَهَبَ بَصَرِي. قَالَ زَيْد : فَثَقُلَتْ فَخِذ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي حَتَّى خَشِيت أَنْ يَرُضّهَا , ثُمَّ قَالَ : " اُكْتُبْ : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه ". 8096 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد الْكَرِيم : أَنَّ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث أَخْبَرَهُ أَنَّ اِبْن عَبَّاس أَخْبَرَهُ , قَالَ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } عَنْ بَدْر وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْر . 8097 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا حُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد الْكَرِيم أَنَّهُ سَمِعَ مِقْسَمًا يُحَدِّث عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } عَنْ بَدْر وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْر. لَمَّا نَزَلَتْ غَزْوَة بَدْر , قَالَ عَبْد اللَّه اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَأَبُو أَحْمَد بْن جَحْش بْن قَيْس الْأَسَدِيّ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّنَا أَعْمَيَانِ , فَهَلْ لَنَا رُخْصَة ؟ فَنَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة } 8098 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ } فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْد اللَّه اِبْن أُمّ مَكْتُوم الْأَعْمَى , فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , قَدْ أَنْزَلَ اللَّه فِي الْجِهَاد مَا قَدْ عَلِمْت وَأَنَا رَجُل ضَرِير الْبَصَر لَا أَسْتَطِيع الْجِهَاد , فَهَلْ لِي مِنْ رُخْصَة عِنْد اللَّه إِنْ قَعَدْت ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَمَا أُمِرْت فِي شَأْنك بِشَيْءٍ وَمَا أَدْرِي هَلْ يَكُون لَك وَلِأَصْحَابِك مِنْ رُخْصَة ! " فَقَالَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم : اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدك بَصَرِي ! فَأَنْزَلَ اللَّه بَعْد ذَلِكَ عَلَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } . .. إِلَى قَوْله : { عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة } . 8099 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد , قَالَ : نَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } فَقَالَ رَجُل أَعْمَى : يَا نَبِيّ اللَّه فَأَنَا أُحِبّ الْجِهَاد وَلَا أَسْتَطِيع أَنْ أُجَاهِد ! فَنَزَلَتْ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } . 8100 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْجِهَاد : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ عَبْد اللَّه اِبْن أُمّ مَكْتُوم : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي ضَرِير كَمَا تَرَى ! فَنَزَلَتْ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } 8101 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر } عَذَرَ اللَّه أَهْل الْعُذْر مِنْ النَّاس , فَقَالَ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } كَانَ مِنْهُمْ اِبْن أُمّ مَكْتُوم , { وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ } . 8102 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } ... إِلَى قَوْله : { وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى } لَمَّا ذُكِرَ فَضْل الْجِهَاد , قَالَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَعْمَى وَلَا أُطِيق الْجِهَاد ! فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } 8103 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه النُّفَيْلِيّ , قَالَ : ثنا زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة , قَالَ : ثنا أَبُو إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : كُنْت عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " اُدْعُ لِي زَيْدًا وَقُلْ لَهُ يَأْتِي - أَوْ يَجِيء - بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاة - أَوْ اللَّوْح وَالدَّوَاة , الشَّكّ مِنْ زُهَيْر - اُكْتُبْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } فَقَالَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ بِعَيْنِي ضَرَرًا ! فَنَزَلَتْ قَبْل أَنْ يَبْرَح { غَيْر أُولِي الضَّرَر } * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن رَجَاء الْبَصْرِيّ , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اُدْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْنِي مَعَهُ بِكَتِفٍ وَدَوَاة , أَوْ لَوْح وَدَوَاة " . 8104 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ زِيَاد بْن فَيَّاض , عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ } قَالَ عَمْرو ابْن أُمّ مَكْتُوم : يَا رَبّ اِبْتَلَيْتنِي فَكَيْفَ أَصْنَع ؟ فَنَزَلَتْ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي مَعْنَى : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } نَحْوًا مِمَّا قُلْنَا . 8105 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } قَالَ : أَهْل الضَّرَر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ } لَا يَعْتَدِل الْمُتَخَلِّفُونَ عَنْ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , الْمُؤْثِرُونَ الدَّعَة وَالْخَفْض وَالْقُعُود فِي مَنَازِلهمْ عَلَى مُقَاسَاة حُزُونَة الْأَسْفَار وَالسَّيْر فِي الْأَرْض وَمَشَقَّة مُلَاقَاة أَعْدَاء اللَّه بِجِهَادِهِمْ فِي ذَات اللَّه وَقِتَالهمْ فِي طَاعَة اللَّه , إِلَّا أَهْل الْعُذْر مِنْهُمْ بِذَهَابِ أَبْصَارهمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْعِلَل الَّتِي لَا سَبِيل لِأَهْلِهَا لِلضَّرَرِ الَّذِي بِهِمْ إِلَى قِتَالهمْ وَجِهَادهمْ فِي سَبِيل اللَّه وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه , وَمِنْهَاج دِينه , لِتَكُونَ كَلِمَة اللَّه هِيَ الْعُلْيَا , الْمُسْتَفْرِغُونَ طَاقَتهمْ فِي قِتَال أَعْدَاء اللَّه وَأَعْدَاء دِينهمْ بِأَمْوَالِهِمْ , إِنْفَاقًا لَهَا فِيمَا أَوْهَنَ كَيْد أَعْدَاء أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِأَنْفُسِهِمْ , مُبَاشِرَة بِهَا قِتَالهمْ , بِمَا تَكُون بِهِ كَلِمَة اللَّه الْعَالِيَة , وَكَلِمَة الَّذِينَ كَفَرُوا السَّافِلَة. وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { غَيْرُ أُولِي الضَّرَر } ; فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَمَكَّة وَالشَّام : " وَغَيْرَ أُولِي الضَّرَر " نَصْبًا , بِمَعْنَى : إِلَّا أُولِي الضَّرَر . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْعِرَاق وَالْكُوفَة وَالْبَصْرَة : { غَيْرُ أُولِي الضَّرَر } بِرَفْعِ " غَيْر " عَلَى مَذْهَب النَّعْت لِلْقَاعِدِينَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا : " غَيْر أُولِي الضَّرَر " بِنَصْبِ غَيْر , لِأَنَّ الْأَخْبَار مُتَظَاهِرَة بِأَنَّ قَوْله : " غَيْر أُولِي الضَّرَر " نَزَلَ بَعْد قَوْله : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ } اِسْتِثْنَاء مِنْ قَوْله : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ } . ذِكْر بَعْض الْأَخْبَار الْوَارِدَة بِذَلِكَ : 8092 - حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اِئْتُونِي بِالْكَتِفِ وَاللَّوْح " ! فَكَتَبَ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ } وَعَمْرو اِبْن أُمّ مَكْتُوم خَلْف ظَهْره , فَقَالَ : هَلْ لِي مِنْ رُخْصَة يَا رَسُول اللَّه ؟ فَنَزَلَتْ . : " غَيْر أُولِي الضَّرَر " . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } جَاءَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَكَانَ أَعْمَى , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه كَيْفَ وَأَنَا أَعْمَى ؟ فَمَا بَرِحَ حَتَّى نَزَلَتْ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب فِي قَوْله : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر } قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ جَاءَ عَمْرو اِبْن أُمّ مَكْتُوم إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ ضَرِير الْبَصَر , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا تَأْمُرنِي , فَإِنِّي ضَرِير الْبَصَر ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ : " اِئْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاة , أَوْ اللَّوْح وَالدَّوَاة " . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن إِسْرَائِيل الدَّلَّال الرَّمْلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الْمُغِيرَة , قَالَ : ثنا مِسْعَر , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } كَلَّمَهُ اِبْن أُمّ مَكْتُوم , فَأُنْزِلَتْ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاء يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } قَالَ : فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا , فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا , قَالَ : فَشَكَا إِلَيْهِ اِبْن أُمّ مَكْتُوم ضَرَارَته , فَنَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر } قَالَ شُعْبَة : وَأَخْبَرَنِي سَعْد بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ رَجُل , عَنْ زَيْد فِي هَذِهِ الْآيَة : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ } مِثْل حَدِيث الْبَرَاء . 8093 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِي سِنَان الشَّيْبَانِيّ , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } جَاءَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا لِي رُخْصَة ؟ قَالَ : لَا قَالَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم : اللَّهُمَّ إِنِّي ضَرِير فَرَخِّصْ ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } وَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَتَبَهَا , يَعْنِي الْكَاتِب . 8094 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بُزَيْع وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَا : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ سَهْل بْن سَعْد , قَالَ : رَأَيْت مَرْوَان بْن الْحَكَم جَالِسًا , فَجِئْت حَتَّى جَلَسْت إِلَيْهِ , فَحَدَّثَنَا عَنْ زَيْد بْن ثَابِت : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } قَالَ : فَجَاءَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَهُوَ يُمْلِيهَا عَلَيَّ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه لَوْ أَسْتَطِيع الْجِهَاد لَجَاهَدْت ! قَالَ : فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ وَفَخِذه عَلَى فَخِذِي , فَثَقُلَتْ , فَظَنَنْت أَنْ تَرُضّ فَخِذِي , ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ , فَقَالَ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } 8095 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب , عَنْ زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : كُنْت أَكْتُب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " اُكْتُبْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } " ! فَجَاءَ عَبْد اللَّه بْن أُمّ مَكْتُوم , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أُحِبّ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَلَكِنْ بِي مِنْ الزَّمَانَة مَا قَدْ تَرَى , قَدْ ذَهَبَ بَصَرِي. قَالَ زَيْد : فَثَقُلَتْ فَخِذ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي حَتَّى خَشِيت أَنْ يَرُضّهَا , ثُمَّ قَالَ : " اُكْتُبْ : لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه ". 8096 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد الْكَرِيم : أَنَّ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث أَخْبَرَهُ أَنَّ اِبْن عَبَّاس أَخْبَرَهُ , قَالَ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } عَنْ بَدْر وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْر . 8097 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا حُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد الْكَرِيم أَنَّهُ سَمِعَ مِقْسَمًا يُحَدِّث عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } عَنْ بَدْر وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْر. لَمَّا نَزَلَتْ غَزْوَة بَدْر , قَالَ عَبْد اللَّه اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَأَبُو أَحْمَد بْن جَحْش بْن قَيْس الْأَسَدِيّ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّنَا أَعْمَيَانِ , فَهَلْ لَنَا رُخْصَة ؟ فَنَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة } 8098 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ } فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْد اللَّه اِبْن أُمّ مَكْتُوم الْأَعْمَى , فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , قَدْ أَنْزَلَ اللَّه فِي الْجِهَاد مَا قَدْ عَلِمْت وَأَنَا رَجُل ضَرِير الْبَصَر لَا أَسْتَطِيع الْجِهَاد , فَهَلْ لِي مِنْ رُخْصَة عِنْد اللَّه إِنْ قَعَدْت ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَمَا أُمِرْت فِي شَأْنك بِشَيْءٍ وَمَا أَدْرِي هَلْ يَكُون لَك وَلِأَصْحَابِك مِنْ رُخْصَة ! " فَقَالَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم : اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدك بَصَرِي ! فَأَنْزَلَ اللَّه بَعْد ذَلِكَ عَلَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } . .. إِلَى قَوْله : { عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة } . 8099 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد , قَالَ : نَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } فَقَالَ رَجُل أَعْمَى : يَا نَبِيّ اللَّه فَأَنَا أُحِبّ الْجِهَاد وَلَا أَسْتَطِيع أَنْ أُجَاهِد ! فَنَزَلَتْ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } . 8100 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْجِهَاد : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ عَبْد اللَّه اِبْن أُمّ مَكْتُوم : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي ضَرِير كَمَا تَرَى ! فَنَزَلَتْ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } 8101 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر } عَذَرَ اللَّه أَهْل الْعُذْر مِنْ النَّاس , فَقَالَ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } كَانَ مِنْهُمْ اِبْن أُمّ مَكْتُوم , { وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ } . 8102 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } ... إِلَى قَوْله : { وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى } لَمَّا ذُكِرَ فَضْل الْجِهَاد , قَالَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَعْمَى وَلَا أُطِيق الْجِهَاد ! فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } 8103 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه النُّفَيْلِيّ , قَالَ : ثنا زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة , قَالَ : ثنا أَبُو إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : كُنْت عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " اُدْعُ لِي زَيْدًا وَقُلْ لَهُ يَأْتِي - أَوْ يَجِيء - بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاة - أَوْ اللَّوْح وَالدَّوَاة , الشَّكّ مِنْ زُهَيْر - اُكْتُبْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه } فَقَالَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ بِعَيْنِي ضَرَرًا ! فَنَزَلَتْ قَبْل أَنْ يَبْرَح { غَيْر أُولِي الضَّرَر } * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن رَجَاء الْبَصْرِيّ , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اُدْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْنِي مَعَهُ بِكَتِفٍ وَدَوَاة , أَوْ لَوْح وَدَوَاة " . 8104 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ زِيَاد بْن فَيَّاض , عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ } قَالَ عَمْرو ابْن أُمّ مَكْتُوم : يَا رَبّ اِبْتَلَيْتنِي فَكَيْفَ أَصْنَع ؟ فَنَزَلَتْ : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي مَعْنَى : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } نَحْوًا مِمَّا قُلْنَا . 8105 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { غَيْر أُولِي الضَّرَر } قَالَ : أَهْل الضَّرَر . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة } فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ أُولِي الضَّرَر دَرَجَة وَاحِدَة , يَعْنِي فَضِيلَة وَاحِدَة , وَذَلِكَ بِفَضْلِ جِهَاد بِنَفْسِهِ , فَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ . كَمَا : 8106 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك أَنَّهُ سَمِعَ اِبْن جُرَيْج يَقُول فِي : { فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة } قَالَ : عَلَى أَهْل الضَّرَر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة } فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ أُولِي الضَّرَر دَرَجَة وَاحِدَة , يَعْنِي فَضِيلَة وَاحِدَة , وَذَلِكَ بِفَضْلِ جِهَاد بِنَفْسِهِ , فَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ . كَمَا : 8106 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك أَنَّهُ سَمِعَ اِبْن جُرَيْج يَقُول فِي : { فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة } قَالَ : عَلَى أَهْل الضَّرَر . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى } . يَعْنِي [ بِقَوْلِهِ ] جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى } وَعَدَ اللَّه الْكُلّ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ , وَالْقَاعِدِينَ مِنْ أَهْل الضَّرَر الْحُسْنَى . وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْحُسْنَى : الْجَنَّة ; كَمَا : 8107 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى } وَهِيَ الْجَنَّة , وَاَللَّه يُؤْتِي كُلّ ذِي فَضْل فَضْله . 8108 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : قَالَ : الْحُسْنَى : الْجَنَّة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى } . يَعْنِي [ بِقَوْلِهِ ] جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى } وَعَدَ اللَّه الْكُلّ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ , وَالْقَاعِدِينَ مِنْ أَهْل الضَّرَر الْحُسْنَى . وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْحُسْنَى : الْجَنَّة ; كَمَا : 8107 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى } وَهِيَ الْجَنَّة , وَاَللَّه يُؤْتِي كُلّ ذِي فَضْل فَضْله . 8108 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : قَالَ : الْحُسْنَى : الْجَنَّة . ' وَأَمَّا قَوْله : { وَفَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَفَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْر أُولِي الضَّرَر أَجْرًا عَظِيمًا . كَمَا : 8109 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي جُرَيْج : { وَفَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَات مِنْهُ وَمَغْفِرَة } قَالَ : عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر . وَأَمَّا قَوْله : { وَفَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَفَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْر أُولِي الضَّرَر أَجْرًا عَظِيمًا . كَمَا : 8109 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي جُرَيْج : { وَفَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَات مِنْهُ وَمَغْفِرَة } قَالَ : عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْر أُولِي الضَّرَر . '

تفسير القرطبي

فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين} قال ابن عباس : لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها. ثم قال: { غير أولي الضرر} والضرر الزمانة. روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن زيد بن ثابت قال : كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سري عنه فقال : (اكتب ) فكتبت في كتف { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} إلى آخر الآية؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال : يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين ؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (اقرأ يا زيد ) فقرأت } لا يستوي القاعدون من المؤمنين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { غير أولي الضرر} الآية كلها. قال زيد : فأنزلها الله وحدها فألحقتها؛ والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف. وفي البخاري عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث أنه سمع ابن عباس يقول: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين} عن بدر والخارجون إلى بدر. قال العلماء : أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد. وصح وثبت في الخبر أنه عليه السلام قال - وقد قفل من بعض غزواته : (إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر ). فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي؛ فقيل : يحتمل أن يكون أجره مساويا وفي فضل الله متسع، وثوابه فضل لا استحقاق؛ فيثيب على النية الصادقة مالا يثيب على الفعل. وقيل : يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة. والله أعلم. قلت : والقول الأول أصح - إن شاء الله - للحديث الصحيح في ذلك (إن بالمدينة رجالا ) ولحديث أبي كبشة الأنماري قوله عليه السلام (إنما الدنيا لأربعة نفر ) الحديث وقد تقدم في سورة "آل عمران". ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر (إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي ). الثانية: وقد تمسك بعض العلماء بهذه الآية بأن أهل الديوان أعظم أجرا من أهل التطوع؛ لأن أهل الديوان لما كانوا متملكين بالعطاء، ويصرفون في الشدائد، وتروعهم البعوث والأوامر، كانوا أعظم من المتطوع؛ لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف الكبار ونحوها. قال ابن محيريز : أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يروعون. قال مكحول : روعات البعوث تنفي روعات القيامة. الثالثة: وتعلق بها أيضا من قال : إن الغنى أفضل من الفقر؛ لذكر الله تعالى المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال. وقد اختلف الناس في هذه المسألة مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم؛ فذهب قوم إلى تفضيل الغني، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز، والقدرة أفضل من العجز. قال الماوردي : وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر، لأن الفقير تارك والغني ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها. قال الماوردي : وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة. وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حد الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، وليسلم من مذمة الحالين. قال الماوردي : وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن (خير الأمور أوسطها ). ولقد أحسن الشاعر الحكيم حيث قال : ألا عائذا بالله من عدم الغنى ** ومن رغبة يوما إلى غير مرغب الرابعة: قوله تعالى: { غير أولي الضرر} قراءة أهل الكوفة وأبو عمرو "غير" بالرفع؛ قال الأخفش : هو نعت للقاعدين؛ لأنهم لم يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير؛ والمعنى لا يستوي القاعدون غير أولي الضرر؛ أي لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر. والمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء؛ قال الزجاج. وقرأ أبو حيوة "غير" جعله نعتا للمؤمنين؛ أي من المؤمنين الذين هم غير أولي الضرر من المؤمنين الأصحاء. وقرأ أهل الحرمين "غير" بالنصب على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين؛ أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين. وإن شئت على الحال من القاعدين؛ أي لا يستوي القاعدون من الأصحاء أي في حال صحتهم؛ وجازت الحال منهم؛ لأن لفظهم لفظ المعرفة، وهو كما تقول : جاءني زيد غير مريض. وما ذكرناه من سبب النزول يدل على معنى النصب، والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: { فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} وقد قال بعد هذا { درجات منه ومغفرة ورحمة } فقال قوم : التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. وقيل : فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات؛ قال ابن جريج والسدي وغيرهما. وقيل : إن معنى درجة علو، أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح والتقريظ. فهذا معنى درجة، ودرجات يعني في الجنة. قال ابن محيريز : سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس الجواد سبعين سنة. و"درجات" بدل من أجر وتفسير له، ويجوز نصبه أيضا على تقدير الظرف؛ أي فضلهم بدرجات، ويجوز أن يكون توكيدا لقول { أجرا عظيما} لأن الأجر العظيم هو الدرجات والمغفرة والرحمة، ويجوز الرفع؛ أي ذلك درجات. و"أجرا" نصب بـ "فضل" وإن شئت كان مصدرا وهو أحسن، ولا ينتصب بـ "فضل" لأنه قد استوفى مفعوليه وهما قوله: "المجاهدين" و "على القاعدين" ؛ وكذا "درجة". فالدرجات منازل بعضها أعلى من بعض. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ). { وكلا وعد الله الحسنى } "كلا" منصوب بـ "وعد" و "الحسنى" الجنة؛ أي وعد الله كلا الحسنى. ثم قيل : المراد (بكل ) المجاهدون خاصة. وقيل : المجاهدون وأولو الضرر. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 94 - 99

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ولهذه الآية قصة.. واقتناص الخواطر من هذه القصة يتطلب يقظة تعلمنا كيف يخاطب الحق خلقه. فقد حدثنا سيدنا زيد بن ثابت وهو المأمون على كتابه وحي رسول الله. وهو المأمون على جمع كتاب الله من اللخاف ومن العظام ومن صدور الصحابة، حدثنا فقال:

- كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغشيته السكينة - وهذه كانت دائماً تسبق نزول الوحي على رسول الله - فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن تَرُضَّها.

أي أن فخذ رسول الله كانت ثقيلة.

والوحي ساعة كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّما كان يصنع في كيماوية رسول الله تأثيرا مادياً بحيث إذا كان على دابة عرف الناس أنه يوحي إليه؛ لأن الدابة كانت تئط تحته فإذا كانت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذ زيد بن ثابت، فلا بد أن يشعر سيدنا زيد بثقل فخذ رسول الله وقد جاءه الوحي. قال زيد: خشيت أن ترضّ فخذه فخذي - أي تصيبها بالدّق الشديد أو الكسر. فلما سُري عنه قال اكتب: " لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُجَاهِدُونَ " ، فقال سيدنا ابن أم مكتوم، وكان - كما نعلم - ضريراً مكفوف البصر قال: فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين يا رسول الله؟

إنها اليقظة الإيمانية من ابن أم مكتوم، لأنه فهم موقفه من هذا القول، ومن أنه لا يستطيع الجهاد، وعلم أنه إن كانت الآية ستظل على هذا فلن يكون مستوياً مع من جاهد، ولهذا قال قولته اليقظة: فكيف بمن لا يستطيع ذلك يا رسول الله؟

فأخذت رسول الله السكينة ثانيةً، ثم سرى عنه، فقال لزيد بن ثابت: اكتب:

{ لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }.

فكأنها نزلت جواباً مطمئناً لمن لا يستطيع القتال مثل ابن أم مكتوم،. ولقائل أن يقول: وهل كانت الآية تنتظر أن يستدرك ابن أم مكتوم ليقول هذا؟.

ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى أراد أن ينبه كل مؤمن أنه حين يتلقى كلمة من الله أن يتدبر ويتبيّن موقعه من هذه الكلمة؛ فإذا كان ذلك حال سيدنا ابن أم مكتوم فيما سمع رسول الله عن ربه فهو يعلمنا كيف نستحضر دورنا من أية قضية نسمعها. وحينما سمع ابن أم مكتوم الآية رأي موقفه من هذه الآية، وهذا ما يريده الحق من خلقه.

وقال زيد بن ثابت: فكتبتها.

إنها الدقة في أداء زيد بن ثابت لتدلنا على صدق الرواية، فحين يكتب أولاً { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ } ألا تلتصق كلمة " والمجاهدون " بكلمة " المؤمنين " فإذا زاد الحق سبحانه وتعالى { غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ } فأين تكتب؟

كأن زيد بن ثابت كان عليه أن يقوم بتصغير الكتابة ليكتب { غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ } بين كلمة { مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وكلمة { وَٱلْمُجَاهِدُونَ }.قال سيدنا زيد بن ثابت: لقد نزلت { غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ } وحدها وكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع الكتف - فقد كانوا يكتبون على أكتاف العظم - والكتف التي كتب عليها سيدنا زيد بن ثابت كانت مشروخة وكانت هذه علامة بها.

ويريد الحق بذلك أن ينبه المؤمنين إلى أنهم حين يتلقون كتاب الله يجب أن يتلقوه بيقظة إيمانية بحيث لا تسمع آذانهم إلا ما يمر على عقولهم أولاً ليفهم كل مؤمن موقفه منها، وتمر الآية على قلوبهم ثانية لتستقر في ذاتهم عقيدة.

كذلك كانت قصة زيد بن ثابت وابن أم مكتوم والوحي في هذه الآية:

{ لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ }.

وهناك حالات يأتي الفعل فلا يصلح له فاعل واحد بل لا بد له من اثنين.. مثال ذلك عندما نقول: تشارك زيد وعمرو. وعندما نصف لاعبي الكرة، نجد من يتلقف الكرة واحداً بعد الآخر، فنقول: تلقف اللاعبون الكرة رجلاً بعد رجل.

وعندما يقول الحق: { لاَّ يَسْتَوِي } فهذا يدل على أن هناك شيئين لا يتساويان، فأيهما غير المساوي للآخر؟. كلاهما لا يتساوى مع الآخر، ولذلك يكون الاثنان في الإعراب " فاعلا " ، فلا يساوي المجاهدون القاعدين ولا يساوي القاعدون المجاهدين؛ لأن كلا منهما فاعل ومفعول.

وعندما يقول: { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فما هو مقابل " القاعدين " في الآية الكريمة؟ إنه " المجاهدون " ، لكن المقابل في الحياة العادية للـ " القاعدين " هو " القائمون " ، ومقابل " المجاهدين " هو " غير المجاهدين ". وبذلك كان من الممكن القول. لا يستوي القاعدون والقائمون، أو أن يقال: لا يستوي المجاهدون وغير المجاهدون. فما الحكمة في مجيء القاعدين والمجاهدين؟

إن الحق يريد أن يبين أنه في بداية الإسلام كان كلمؤمن حين يدخل الإسلام يعتبر نفسه جندياً في حالة تأهب، وكانوا دائماً على درجة استعداد قصوى ليلبوا النداء فوراً؛ فالمسلم لم يكن في حالة استرخاء، بل في تأهب وكأنه واقف دائماً ليلبي النداء، وكأن القاعد هو الذي ليس من صفوف المؤمنين ويبين لنا ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: " من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هَيْعَةً أو فزعه طار إليها يبتغي القتل والموت مَظَانَّه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأوْدية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير ".

فإن لم يكن المؤمن متأهباً فهو قاعد، والقاعد - كما نعرف - هو ضد القائم.

والحق يقول:
{  فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً }
[النساء: 103].

من هذا القول نعرف أن المقابل للقيام هو القعود.

وعلينا أن نعرف أن لكل لفظ معنىً محدداً، فبعضنا يتصور أن القعود كالجلوس، ولكن الدقة تقتضي أن نعرف أن القعود يكون عن قيام، وأن الجلوس يكون عن الاضطجاع، فيقال: كان مضطجعاً فجلس، وكان قائماً فقعد.

وعندما يقول الحق هنا: { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ } فالقعود مقابل القيام، فكأن المجاهد حالته القيام دائما، وهو لا ينتظر إلى أن يقوم، لكنه في انتباه واستعداد. ويوسع الحديث الشريف الدائرة في مسئوليات المجاهد فيرسم صورة للمقاتل أنه على أتم استعداد وعلى صهوة الفرس وممسك باللجام حتى لا تدهمه أية مفاجأة.

وهل كانت هناك مظنة أن يستوي القاعد والمجاهد؟. لا، ولكن يريد الله أن يبين قضية إيمانية مستورة، فيظهرها بشكل واضح لكل الأفهام.

ونحن نقول للطالب: " إن من يستذكر ينجح ومن لا يستذكر يرسب " وهذه مسألة بديهية، لكننا نقولها حتى نجعلها واضحة في بؤرة شعور التلميذ فيلتفت لمسئولياته.

وعندما يقول الحق: { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } هل معنى ذلك أن عقلاً واحداً في زمن رسول الله كان يظن المساواة بين القاعد والمجاهد؟ لا، ولكن الحق يريدها قضية إيمانية في بلاغ إيماني من الله. وبعد ذلك يلفت الأنظار إلى صفة القاعدين الذين لا يستوون مع المجاهدين فيقول: { غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ }. والضرر هو الذي يفسد الشيء مثل المرض، وهذا ما يوضحه قوله الحق:
{  لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ }
[التوبة: 91-92].

فالضعف ضرر أخرج الإنسان عن مقومات الصحة والعافية، والمرض ضرر، والذين لا يجدون مالاً ينفقون منه، ولا الذين يجيئون لرسول الله فلا يكون بحوزة الرسول دواب تحملهم، فينصرفون وأعينهم تفيض من الدمع حزناً لأنهم لا يجدون ما ينفقون. وكان المؤمن من هؤلاء يحزن لأن رسول الله لم يجد له فرساً أو دابة تنقله إلى موقع القتال:
{  وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ }
[التوبة: 92].

لقد تولوا وأعينهم تفيض من الدمع. وكلمة " تولوا " هنا لها معنى كبير، فلم يقل الحق: إن أعينهم تفيض من الدمع من غير التولي، هم لا يدمعون أمام النبي، ولكنهم يدمعون في حالة توليهم، وهذا انفعال نفسي من فرط التأثر؛ لأنهم لا يشتركون في القتال.وكلمة " تفيض " تدل على أن الدمع قد غلب على العين كلها، فهم لا يصطنعون ذلك، لكن الانفعال يغمرهم؛ لأن الذي يتصنع ذلك يقوم بتعصير عينيه ويبذل جهداً للمُراءاة، ولكن انفعال المؤمنين الذين لا يقاتلون يغلبهم فتفيض أعينهم من الدمع.

وهناك آية أخرى حدد فيها الحق الحالات التي لا يطالب فيها المؤمن بالقتال:
{  لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }
[الفتح: 17].

هؤلاء - إذن - هم أولو الضرر.

{ لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } وما داموا لا يستوون فمن الذي فيهم يكون هو الأفضل؟.

ذلك ما توضحه بقية الآية التي تحمل المقولة الإيمانية الواضحة: { فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ }. وسبحانه وعد الاثنين بالحسنى الإيمانية؛ لأن كُلاًّ منهما مؤمن، ولكن للمجاهد درجة على القاعد. وإن تساءل أحد: ولماذا وعد الله القاعد من أولى الضرر بالحسنى؟ وهنا أقول: علينا أن ننتبه وأن نحسن الفهم والتدبر عندما نقرأ القرآن؛ لأن الذي أصابته آفة فناله منها ضرر، فصبر لحكم الله في نفسه، ألا يأخذ ثواباً على هذه؟.

لقد أخذ الثواب ولا بد - إذن - أن يعطي الحق من لم يأخذ ثوابا مثله فرصة ليأخذ ثواباً آخر حتى يكون الجميع في الاستطراق الإيماني سواء. لذلك يقول سبحانه:

{ وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ }.

والحسنى في أولى الضرر أنه أخذ جزاء الصبر على المصيبة التي أصابته، والذي لم يصب بضرر سيأخذ ثواب الجهاد، وبذلك يكون الجميع قد نالوا الحسنى من الله.

{ وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً }.

وسبحانه يضع أجراً جديداً للقائم مجاهداً على القاعد، ففي صدر الآية جاء بـ " درجة " أعلى للقائم مجاهداً، وهنا { أَجْراً عَظِيماً }. ما تفسير هذا الأجر العظيم؟. التفسير يجيء في قوله: { دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً... }.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...} الآية. [95].
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد العدل، قال: أخبرنا جدي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق السّراج، قال: حدَّثنا محمد بن حميد الرّازِي، قال: حدَّثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهْري، عن سهل بن سعد، عن مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت، قال:
كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه: { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ... وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ولم يذكر أُولي الضَّرَر، فقال ابن أَم مكتوم؛ كيف وأنا أَعمى لا أبصر؟ قال زيد: فَتَغَشّى النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه الوحي، فاتكأ على فخذي، فوالذي نفسي بيده لقد ثقل على فخذي حتى خشيت أن يَرُضَّها، ثم سُرِّيَ عنه فقال: اكتب { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} فكتبتها.
رواه البخاري عن إسماعيل بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن الزهري.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر، قال: حدَّثنا أبو خليفة، قال: حدَّثنا أبو الوليد، قال: حدَّثنا شعبة، قال: أنبأنا أبو إسحاق: سمعت البَرَاء يقول:
لما نزلت هذه الآية: { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً فجاء بِكَتِفٍ وكتبها، فشكا ابن أم مَكْتُوم ضَرَارَتُه، فنزلت: { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} . رواه البخاري عن أبي الوليد، ورواه مسلم عن بُنْدَار عن غندر؛ [كلاهما] عن شُعْبة.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النَّصْرَابَاذِي، قال: أخبرنا إسماعيل بن نجيد، قال: أخبرنا محمد بن عبدوس، قال: حدَّثنا علي بن الجعد، قال: حدَّثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:
ادع لي زيداً وقل له: يجيء بالكَتِفِ والدَّواة أو اللوح، وقال: اكتب لي: { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أحسبه قال: وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} فقال ابن أُمّ مَكْتُوم: يا رسول الله بعينيّ ضرر، قال: فنزلت قبل أن يَبْرَح { غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} . رواه البخاري عن محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق.


www.alro7.net