سورة
اية:

قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس: حضرت عصابة من اليهود نبيَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا: حدثنا عن خلالٍ نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، قال: (سلوني عما شئتم ولكن اجعلوا لي ذمة اللّه وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني على الإسلام)، قالوا: فذلك لك، قالوا: أخبرنا عن أربع خلال، أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى، وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه. فقال: (أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً وطال سقمه فنذر للّه نذراً لئن شفاه اللّه من سقمه ليحرمنَّ أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها)؟ فقالوا: اللهم نعم: فقال: (اللهم اشهد عليهم)، قال: (أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن اللّه، إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكراً بإذن اللّه، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن اللّه ( قالوا: نعم. قال: (اللهم اشهد عليهم) وقال: (وأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟) قالوا: اللهم نعم، قال: (اللهم اشهد) قال: (وإن وليي جبريل ولم يبعث اللّه نبياً قط إلا وهو وليه)، قالوا: فعند ذلك نفارقك ولو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال اللّه تعالى: { قل من كان عدواً لجبريل} ""رواه الإمام أحمد"" الآية. وقال ابن جريج، عن ابن عباس : كان إسرائيل عليه السلام - وهو يعقوب - يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم ويقلع الوجع عنه بالنهار، فنذر للّه لئن عافاه اللّه لا يأكل عرقاً، ولا يأكل ولد ما له عَرق، فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استناناً به واقتداء بطريقته، وقوله: { من قبل أن تنزل التوراة} أي حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} فإنها ناطقة بما قلناه، { فمن افترى على اللّه الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون} أي فمن كذب على اللّه وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائماً، وأنه لم يبعث نبياً آخر يدعو إلى اللّه تعالى بالبراهين والحجج، بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرنا { فأولئك هم الظالمون} ، ثم قال تعالى: { قل صدق اللّه} أي قل يا محمد صدق اللّه فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن، { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} أي اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها اللّه في القرآن على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} وقال تعالى: ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} .

تفسير الجلالين

{ قُل صدق الله } في هذا كجميع ما أخبر به { فاتبعوا ملة إبراهيم } التي أنا عليها { حنيفا } مائلا عن كل دين إلى الإسلام { وما كان من المشركين } به.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ صَدَقَ اللَّه فَاتَّبِعُوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد : صَدَقَ اللَّه فِيمَا أَخْبَرَنَا بِهِ مِنْ قَوْله : { كُلّ الطَّعَام كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيل } وَأَنَّ اللَّه لَمْ يُحَرِّم عَلَى إِسْرَائِيل وَلَا عَلَى وَلَده الْعُرُوق وَلَا لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا . وَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ شَيْئًا حَرَّمَهُ إِسْرَائِيل عَلَى نَفْسه وَوَلَده بِغَيْرِ تَحْرِيم اللَّه إِيَّاهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة , وَفِي كُلّ مَا أَخْبَرَ بِهِ عِبَاده مِنْ خَبَر دُونكُمْ وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود الْكَذَبَة فِي إِضَافَتكُمْ تَحْرِيم ذَلِكَ إِلَى اللَّه عَلَيْكُمْ فِي التَّوْرَاة , الْمُفْتَرِيَة عَلَى اللَّه الْبَاطِل فِي دَعْوَاكُمْ عَلَيْهِ غَيْر الْحَقّ { فَاتَّبِعُوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } يَقُول : فَإِنْ كُنْتُمْ أَيّهَا الْيَهُود مُحِقِّينَ فِي دَعْوَاكُمْ أَنَّكُمْ عَلَى الدِّين الَّذِي اِرْتَضَاهُ اللَّه لِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , فَاتَّبِعُوا مِلَّة إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه , فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقّ الَّذِي اِرْتَضَاهُ اللَّه مِنْ خَلْقه دِينًا , اِلْبَكْ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ , وَذَلِكَ الْحَنِيفِيَّة , يَعْنِي الِاسْتِقَامَة عَلَى الْإِسْلَام وَشَرَائِعه , دُون الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة وَالْمُشْرِكَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ صَدَقَ اللَّه فَاتَّبِعُوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد : صَدَقَ اللَّه فِيمَا أَخْبَرَنَا بِهِ مِنْ قَوْله : { كُلّ الطَّعَام كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيل } وَأَنَّ اللَّه لَمْ يُحَرِّم عَلَى إِسْرَائِيل وَلَا عَلَى وَلَده الْعُرُوق وَلَا لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا . وَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ شَيْئًا حَرَّمَهُ إِسْرَائِيل عَلَى نَفْسه وَوَلَده بِغَيْرِ تَحْرِيم اللَّه إِيَّاهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة , وَفِي كُلّ مَا أَخْبَرَ بِهِ عِبَاده مِنْ خَبَر دُونكُمْ وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود الْكَذَبَة فِي إِضَافَتكُمْ تَحْرِيم ذَلِكَ إِلَى اللَّه عَلَيْكُمْ فِي التَّوْرَاة , الْمُفْتَرِيَة عَلَى اللَّه الْبَاطِل فِي دَعْوَاكُمْ عَلَيْهِ غَيْر الْحَقّ { فَاتَّبِعُوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } يَقُول : فَإِنْ كُنْتُمْ أَيّهَا الْيَهُود مُحِقِّينَ فِي دَعْوَاكُمْ أَنَّكُمْ عَلَى الدِّين الَّذِي اِرْتَضَاهُ اللَّه لِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , فَاتَّبِعُوا مِلَّة إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه , فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقّ الَّذِي اِرْتَضَاهُ اللَّه مِنْ خَلْقه دِينًا , اِلْبَكْ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ , وَذَلِكَ الْحَنِيفِيَّة , يَعْنِي الِاسْتِقَامَة عَلَى الْإِسْلَام وَشَرَائِعه , دُون الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة وَالْمُشْرِكَة .' وَقَوْله : { وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } يَقُول : لَمْ يَكُنْ يُشْرِك فِي عِبَادَته أَحَدًا مِنْ خَلْقه , فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا أَيّهَا الْيَهُود , فَلَا يَتَّخِذ بَعْضكُمْ بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه , تُطِيعُونَهُمْ كَطَاعَةِ إِبْرَاهِيم رَبّه . وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَر عَبَدَة الْأَوْثَان , فَلَا تَتَّخِذُوا الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام أَرْبَابًا , وَلَا تَعْبُدُوا شَيْئًا مِنْ دُون اللَّه . فَإِنَّ إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن كَانَ دِينه إِخْلَاص الْعِبَادَة لِرَبِّهِ وَحْده , مِنْ غَيْر إِشْرَاك أَحَد مَعَهُ فِيهِ , فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا , فَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَة وَلَا تُشْرِكُوا مَعَهُ فِي الْعِبَادَة أَحَدًا , فَإِنَّ جَمِيعكُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ عَلَى حَقّ وَهُدًى مُسْتَقِيم , فَاتَّبِعُوا مَا قَدْ أَجْمَعَ جَمِيعكُمْ عَلَى تَصْوِيبه مِنْ مِلَّته الْحَنِيفِيَّة , وَدَعُوا مَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ سَائِر الْمِلَل غَيْرهَا أَيّهَا الْأَحْزَاب . فَإِنَّهَا بِدَع أَبْدَعْتُمُوهَا إِلَى مَا قَدْ أَجْمَعْتُمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَقّ , فَإِنَّ الَّذِي أَجْمَعْتُمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَوَاب وَحَقّ مِنْ مِلَّة إِبْرَاهِيم هُوَ الْحَقّ الَّذِي اِرْتَضَيْته وَابْتَعَثْتُ بِهِ أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي وَسَائِر ذَلِكَ هُوَ الْبَاطِل الَّذِي لَا أَقْبَلهُ مِنْ أَحَد مِنْ خَلْقِي جَاءَنِي بِهِ يَوْم الْقِيَامَة . وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } يَعْنِي بِهِ : وَمَا كَانَ مِنْ عَدَدهمْ وَأَوْلِيَائِهِمْ , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض فِي التَّظَاهُر عَلَى كُفْرهمْ , وَنُصْرَة بَعْضهمْ بَعْضًا , فَبَرَّأَ اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيله أَنْ يَكُون مِنْهُمْ أَوْ مِنْ نُصَرَائِهِمْ وَأَهْل وِلَايَتهمْ . وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْمُشْرِكِينَ : الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَسَائِر الْأَدْيَان غَيْر الْحَنِيفِيَّة , قَالَ : لَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيم مِنْ أَهْل هَذِهِ الْأَدْيَان الْمُشْرِكَة , وَلَكِنَّهُ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا .وَقَوْله : { وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } يَقُول : لَمْ يَكُنْ يُشْرِك فِي عِبَادَته أَحَدًا مِنْ خَلْقه , فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا أَيّهَا الْيَهُود , فَلَا يَتَّخِذ بَعْضكُمْ بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه , تُطِيعُونَهُمْ كَطَاعَةِ إِبْرَاهِيم رَبّه . وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَر عَبَدَة الْأَوْثَان , فَلَا تَتَّخِذُوا الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام أَرْبَابًا , وَلَا تَعْبُدُوا شَيْئًا مِنْ دُون اللَّه . فَإِنَّ إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن كَانَ دِينه إِخْلَاص الْعِبَادَة لِرَبِّهِ وَحْده , مِنْ غَيْر إِشْرَاك أَحَد مَعَهُ فِيهِ , فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا , فَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَة وَلَا تُشْرِكُوا مَعَهُ فِي الْعِبَادَة أَحَدًا , فَإِنَّ جَمِيعكُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ عَلَى حَقّ وَهُدًى مُسْتَقِيم , فَاتَّبِعُوا مَا قَدْ أَجْمَعَ جَمِيعكُمْ عَلَى تَصْوِيبه مِنْ مِلَّته الْحَنِيفِيَّة , وَدَعُوا مَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ سَائِر الْمِلَل غَيْرهَا أَيّهَا الْأَحْزَاب . فَإِنَّهَا بِدَع أَبْدَعْتُمُوهَا إِلَى مَا قَدْ أَجْمَعْتُمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَقّ , فَإِنَّ الَّذِي أَجْمَعْتُمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَوَاب وَحَقّ مِنْ مِلَّة إِبْرَاهِيم هُوَ الْحَقّ الَّذِي اِرْتَضَيْته وَابْتَعَثْتُ بِهِ أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي وَسَائِر ذَلِكَ هُوَ الْبَاطِل الَّذِي لَا أَقْبَلهُ مِنْ أَحَد مِنْ خَلْقِي جَاءَنِي بِهِ يَوْم الْقِيَامَة . وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } يَعْنِي بِهِ : وَمَا كَانَ مِنْ عَدَدهمْ وَأَوْلِيَائِهِمْ , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض فِي التَّظَاهُر عَلَى كُفْرهمْ , وَنُصْرَة بَعْضهمْ بَعْضًا , فَبَرَّأَ اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيله أَنْ يَكُون مِنْهُمْ أَوْ مِنْ نُصَرَائِهِمْ وَأَهْل وِلَايَتهمْ . وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْمُشْرِكِينَ : الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَسَائِر الْأَدْيَان غَيْر الْحَنِيفِيَّة , قَالَ : لَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيم مِنْ أَهْل هَذِهِ الْأَدْيَان الْمُشْرِكَة , وَلَكِنَّهُ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا .'

تفسير القرطبي

أي قل يا محمد صدق الله. إنه لم يكن ذلك في التوراة محرما. { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا} أمر باتباع دينه. { وما كان من المشركين} رد عليهم في دعواهم الباطل كما تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 82 - 96

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يأمر الحق رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: { قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً }.

ونعرف أن ملة إبراهيم هي التي سمّت كل المؤمنين بالله المسلمين، والدعوة إلى الإيمان بملة إبراهيم هي لإيضاح أن جوهر الإيمان لا يحتمل الخلاف، فركب الإيمان والرسل والأنبياء هو ركب واحد، وكلمة " اتبعوا " تعني أن هناك مقدما كما أن هناك تابعا. و " الملة " تشمل المعتقدات والتشريعات العامة، كما أن الشريعة تشمل الأحكام، والدين يكون لبيان العقائد.

وقد عرفنا من قبل أن كلمة { حَنِيفاً } تعني الذي يسير على خط مستقيم، ويتبع منهجا قويما ومستويا ونحن نسمى ملتنا " الحنيفية السمحاء " ومع ذلك فالحنف هل ميل في الساقين، اليمين مقوسة إلى اليمين، واليسار مقوسة إلى اليسار، فكيف إذن نقول عن الدين الحق الهادي لمنهج الله وشريعته: إنه حنيف؟

لقد قلنا: إن السماء لا تتدخل بإرسال الرسل إلا حين يعم الفساد، وما دام الفساد قد عم فإن الذي يميل منحرفا عن الفساد هو الذي اهتدى إلى الصراط المستقيم، فالحنيف معناه مائل عن الفساد، فالمائل عن المعوج معتدل، { قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِين }.

{ صَدَقَ ٱللَّهُ } نعم؛ لأن الصدق هو أن يطابق القول ما وقع فعلا، وحين يتكلم الحق وهو العليم أزلا فما الذي يحدث؟ لا بد أن يوافق الواقع ما يقوله سبحانه وتعالى فليس من المعقول أن يتكلم الله كلاما يأتي على لسان رسول، أو على لسان أتباع الرسول، وبعد ذلك يأتي واقع الحياة فينقض قول الحق ويخالفه، إن الحق العليم أزلا يُنزل من الكلام ما هو في صالح الدعوة إلى منهجه.

إذن فحين يطلق الله قضية من قضايا الإيمان فإنه - سبحانه - عليم أزلا أنها سوف تحدث على وفق ما قال، إن كان الظرف الذي قيلت فيه لا يشجع على استيعابها وفهمها. إن المؤمنين كانوا في أول الأمر مضطهدين، ومرهقين وإن لم يكن للواحد منهم عشيرة تحميه فإنه يهاجر عن البلاد، وإن لم يستطع الهجرة فإنه يُعَذب ويضطهد. وفي هذه الفترة الشديدة القاسية وفي قمة اضطهاد المؤمنين ينزل القول الحق:
{  سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }
[القمر: 45]

وعندما يسمع سيدنا عمر عليه رضوان الله هذا القول يتساءل: أي جمع هذا؟ إن الواقع لا يساعد على هذا، ثم جاءت بدر، وهزم المؤمنون الجمعَ وولوا الدبر, وهذا دليل على أن الله قد أطلق قضية وضمن أنها ستحدث كما قال وكما أخبر، وهذا مطلق الصدق. إن الإنسان يمكنه أن يستبعد الصدق لو أن الذي قال غير الذي خلق، لكن الذي قال ذلك هو الذي خلق ويخلق ويعلم، فمن أين يأتي التناقض؟ وهذا معنى القول الكريم:
{  أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً }
[النساء: 82]

إنه قول حق جاء من عند العليم أزلا، ومن العجيب أن أهل الكتاب من يهود ونصارى يتمسحون في سيدنا إبراهيم، فقال بعضهم: إن إبراهيم عليه السلام كان يهوديا، وبعضهم قال: إن إبراهيم كان نصرانيا. وكان يجب أن يفهموا أن اليهودية والنصرانية إنما جاءتا من بعد إبراهيم، فكيف يكون يهوديا أو نصرانيا وهذه الملل قد جاءت من بعده؟ لذلك جاء القرآن الكريم قائلا:
{  يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
[آل عمران: 65]

وقد أوضح الحق بعد ذلك دين إبراهيم عليه السلام:
{  مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }
[آل عمران: 67]

فكيف يمكن أن يختلقوا على إبراهيم أنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ إنه كلام لا يصدر إلا عن قلة فطنة وغفلة بالغة. وعندما يقول الحق عن إبراهيم: { وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِين } فهل أهل الكتاب مشركون؟ نعم؛ لأنهم حين يؤمنون بالبنوة لعزير، ويؤمنون بالنبوة لعيسى فهذا إشراك بالله، وأيضا كان العرب عبدة الأصنام يقولون: إنهم على ملة إبراهيم؛ لأن شعائر الحج جاء بها إبراهيم عليه السلام، ولهذا ينزه الحق سبحانه سيدنا إبراهيم عن ذلك، ويقول: { قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } وذلك يدل على أن ملة إبراهيم وما جاء به موافقة لملة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام. ثم يقول الحق سبحانه: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }


www.alro7.net