سورة
اية:

لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ...} الآية. [93].
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المُطَّوِّعي، قال: حدَّثنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحِيرِي، قال: أخبرنا أبو يَعْلى، قال: أخبرنا أبو الربيع سليمان بن داود العَتَكَي، عن حماد، عن ثابت، عن أنس، قال:
كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفَضِيخ والبُسْرُ والتمر، وإذا مناد ينادي [ألا] إن الخمر قد حرمت، قال: فَجَرَتْ في سكك المدينة. فقال أبو طلحة: اخرج فأرقها؛ قال: فأرقتها. فقال بعضهم: قُتِلٍ فلان وقُتِل فلان؛ وهي [في] بطونهم. قال: فأنزل الله تعالى: { لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية.
رواه مسلم عن أبي الربيع.
ورواه البخاري عن أبي نعمان، كلاهما عن حمّاد.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المزكيّ، قال: حدَّثنا أبو عمرو بن مطر، قال: حدَّثنا أبو خليفة، قال: حدَّثنا أبو الوليد، قال: حدَّثنا شُعْبة، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَرَاء بن عَازِب، قال:
مات [أناس] من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يشربون الخمر، فلما حرمت قال أناس: كيف لأصحابنا؟ ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت هذه الآية. { لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ...} الآية.

تفسير بن كثير

فيه تسع مسائل: الأولى: قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك إنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة : كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر؟ - ونحو هذا - فنزلت الآية. روى البخاري عن أنس قال : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديا ينادي، فقال أبو طلحة : اخرج فانظر ما هذا الصوت قال : فخرجت فقلت : هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت؛ فقال : اذهب فاهرقها - وكان الخمر من الفضيخ - قال : فجرت في سكك المدينة؛ فقال بعض القوم : قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله عز وجل { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. الثانية: هذه الآية وهذا الحديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت { وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة : 143] ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شيء؛ لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح؛ لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع؛ وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم؛ فرفع الله ذلك التوهم بقوله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. الثالثة: هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر؛ وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابة رحمهم الله هم أهل اللسان، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره؛ وقد قال الحكمي : لنا خمر وليست خمر كرم ** ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا ** وفات ثمارها أيدي الجناة ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي : أخبرنا القاسم بن زكريا، أخبرنا عبيدالله عن شيبان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الزبيب والتمر هو الخمر). وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه - وحسبك به عالما باللسان والشرع - خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس؛ ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة : من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير؛ والخمر ما خامر العقل. وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر؛ يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة، وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه. وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يسمى نبيذا؛ وقال الشاعر : تركت النبيذ لأهل النـبيذ ** وصرت حليفا لمن عابه شراب يدنس عرض الفتى ** ويفتح للشر أبوابه الرابعة: قال الإمام أبو عبدالله المازري : ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه، قليلا كان أو كثيرا، نيئا كان أو مطبوخا، ولا فرق بين المستخرج من العنب أو غيره، وأن من شرب شيئا من ذلك حُدّ؛ فأما المستخرج من العنب المسكر النيئ فهو الذي انعقد الإجماع على تحريم قليله وكثيره ولو نقطة منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه. وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر، وهو الذي لا يبلغ الإسكار؛ وفي المطبوخ المستخرج من العنب؛ فذهب قوم من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب، ونقيع الزبيب النيئ؛ فأما المطبوخ منهما، والنيئ والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار. وذهب أبو حنيفة إلى قصر التحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل؛ فيرى أن سلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها، وأما نقيع الزبيب والتمر فيحل مطبوخهما وإن مسته النار مسا قليلا من غير اعتبار بحد؛ وأما النيئ منه فحرام، ولكنه مع تحريمه إياه لا يوجب الحد فيه؛ وهذا كله ما لم يقع الإسكار، فإن وقع الإسكار استوى الجميع. قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد رضي الله عنه : العجب من المخالفين في هذه المسألة؛ فإنهم قالوا : إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره، وهو مجمع عليه؛ فإذا قيل لهم : فلم حرم القليل من الخمر وليس مذهبا للعقل؟ فلا بد أن يقال : لأنه داعية إلى الكثير، أو للتعبد؛ فحينئذ يقال لهم : كل ما قدرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ فيحرم أيضا، إذ لا فارق بينهما إلا مجرد الاسم إذا سلم ذلك. وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس؛ لأن الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه؛ وهذا كما يقول في قياس الأمة على العبد في سراية العتق. ثم العجب، من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله! فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسنة وإجماع صدور الأمة، لأحاديث لا يصح شيء منها على ما قد بين عللها المحدثون في كتبهم، وليس في الصحيح شيء منها. وسيأتي في سورة النحل تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى { طعموا} أصل هذه اللفظة في الأكل؛ يقال : طعم الطعام وشرب الشراب، لكن قد تجوز في ذلك فيقال : لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما؛ قال الشاعر : نعاما بوجرة صعر الخدود ** لا تطعم النوم إلا صياما وقد تقدم القول في البقرة في قوله تعالى { ومن لم يطعمه} [البقرة : 249] بما فيه الكفاية. السادسة: قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية تناول المباح والشهوات، والانتفاع بكل لذيذ من مطعم ومشرب ومنكح وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة : 87] ونظير قوله { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف : 32]. السابعة: قوله تعالى { إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} فيه أربعة أقوال : الأول : أنه ليس في ذكر التقوى تكرار؛ والمعنى اتقوا شربها، وآمنوا بتحريمها؛ والمعنى الثاني دام اتقاؤهم وإيمانهم؛ والثالث على معنى الإحسان إلى الاتقاء. والثاني : اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم، وأحسنوا العمل. الثالث : اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله، والمعنى الثاني ثم اتقوا الكبائر، وازدادوا إيمانا، ومعنى الثالث ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تنفلوا. وقال محمد بن جرير : الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول، والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني، الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث الاتقاء بالإحسان، والتقرب بالنوافل. الثامنة: قوله تعالى : { ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات؛ فضله بأجر الإحسان. التاسعة: قد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضى الله عنهم، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبدالله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وعُمِّر. وكان ختن عمر بن الخطاب، خال عبدالله وحفصة، وولاه عمر بن الخطاب على البحرين، ثم عزله بشهادة الجارود - سيد عبدالقيس - عليه بشرب الخمر. روى الدارقطني قال : حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثني سعيد بن عفير، حدثني يحيى بن فليح بن سليمان، قال : حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس : أن الشُرّاب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب فأمر به أن يجلد؛ قال : لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله! فقال عمر : وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ فقال له : إن الله تعالى يقول في كتابه { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها؛ فقال عمر : ألا تردون عليه ما يقول؛ فقال ابن عباس : إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا لمن غبر، وحجة على الناس؛ لأن الله تعالى يقول { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} الآية؛ ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى؛ فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، الآية؛ فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر؛ فقال عمر : صدقت ماذا ترون؟ فقال علي رضي الله عنه : إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة؛ فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة. وذكر الحميدي عن أبي بكر البرقاني عن ابن عباس قال : لما قدم الجارود من البحرين قال : يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرا، وإني إذا رأيت حقا من حقوق الله حق علي أن أرفعه إليك؛ فقال عمر : من يشهد على ما تقول؟ فقال : أبو هريرة؛ فدعا عمر أبا هريرة فقال : علام تشهد يا أبا هريرة؟ فقال : لم أره حين شرب، ورأيته سكران يقيء، فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة؛ ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر؛ فقال : أقم على هذا كتاب الله؛ فقال عمر للجارود : أشهيد أنت أم خصم؟ فقال الجارود : أنا شهيد؛ قال : قد كنت أديت الشهادة؛ ثم قال لعمر : إني أنشدك الله! فقال عمر : أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك؛ فقال الجارود : أما والله ما ذلك بالحق، أن يشرب ابن عمك وتسوءني! فأوعده عمر؛ فقال أبو هريرة وهو جالس : يا أمير المؤمنين إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله، فأقامت هند على زوجها الشهادة؛ فقال عمر : يا قدامة إني جالدك؛ فقال قدامة : والله لو شربت - كما يقولون - ما كان لك أن تجلدني يا عمر. قال : ولم يا قدامة؟ قال : لأن الله سبحانه يقول { ليس على آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية إلى { المحسنين} . فقال عمر : أخطأت التأويل يا قدامة؛ إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله، ثم أقبل عمر على القوم فقال : ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا؛ فسكت عمر عن جلده ثم أصبح يوما فقال لأصحابه : ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا، فقال عمر : إنه والله لأن يلقى الله تحت السوط، أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي! والله لأجلدنه؛ ائتوني بسوط، فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم : أخذتك دقرارة أهلك؛ ائتوني بسوط غير هذا. قال : فجاءه أسلم بسوط تام؛ فأمر عمر بقدامة فجلد؛ فغاضب قدامة عمر وهجره؛ فحجّا وقدامة مهاجر لعمر حتى قفلوا عن حجهم ونزل عمر بالسقيا ونام بها فلما استيقظ عمر قال : عجلوا علي بقدامة، انطلقوا فأتوني به، فوالله لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال : سالم قدامة فإنه أخوك، فلما جاءوا قدامة أبى أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة أن يجر إليه جرا حتى كلمه عمر واستغفر له، فكان أول صلحهما. قال أيوب بن أبي تميمة : لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره. قال ابن العربي : فهذا يدلك على تأويل الآية، وما ذكر فيه عن ابن عباس من حديث الدارقطني، وعمر في حديث البرقاني وهو صحيح؛ وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره ما حد على الخمر أحد، فكان هذا من أفسد تأويل؛ وقد خفي على قدامة؛ وعرفه من وفقه الله كعمر وابن عباس رضي الله عنهما؛ قال الشاعر : وإن حراما لا أرى الدهر باكيا ** على شجوه إلا بكيت على عمر وروي عن علي رضي الله عنه أن قوما شربوا بالشام وقالوا : هي لنا حلال وتأولوا هذه الآية، فأجمع علي وعمر على أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا؛ ذكره الكيا الطبري.

تفسير الجلالين

{ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } أكلوا من الخمر والميسر قبل التحريم { إذا ما اتقوا } المحرمات { وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا } ثبتوا على التقوى والإيمان { ثم اتقوا وأحسنوا } العمل { والله يحب المحسنين } بمعني أنه يثيبهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْقَوْمِ الَّذِينَ قَالُوا إِذْ أَنْزَلَ اللَّه تَحْرِيم الْخَمْر بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام رِجْس مِنْ عَمَل الشَّيْطَان فَاجْتَنِبُوهُ } - : كَيْفَ بِمَنْ هَلَكَ مِنْ إِخْوَاننَا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا وَبِنَا وَقَدْ كُنَّا نَشْرَبهَا : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } مِنْكُمْ حَرَج فِيمَا شَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَال الَّتِي لَمْ يَكُنْ اللَّه تَعَالَى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ , وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ , جَاءَتْ الْأَخْبَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9770 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ وَأَبُو كُرَيْب , قَالَا : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُوَ يَشْرَبُونَ الْخَمْر ؟ فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح } الْآيَة . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل بِإِسْنَادِهِ , نَحْوه . 9771 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثني عَبْد الْكَبِير بْن عَبْد الْمَجِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْن رَاشِد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , قَالَ : بَيْنَا أَنَا أُدِير الْكَأْس عَلَى أَبِي طَلْحَة وَأَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح وَمُعَاذ بْن جَبَل وَسُهَيْل بْن بَيْضَاء وَأَبِي دُجَانَة , حَتَّى مَالَتْ رُءُوسهمْ مِنْ خَلِيط بُسْر وَتَمْر , فَسَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي : أَلَا إِنَّ الْخَمْر قَدْ حُرِّمَتْ ! قَالَ : فَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِل وَلَا خَرَجَ مِنَّا خَارِج حَتَّى أَهْرَقْنَا الشَّرَاب وَكَسَرْنَا الْقِلَال . وَتَوَضَّأَ بَعْضنَا وَاغْتَسَلَ بَعْضنَا فَأَصَبْنَا مِنْ طِيب أُمّ سُلَيْم ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَسْجِد , وَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام رِجْس مِنْ عَمَل الشَّيْطَان فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } إِلَى قَوْله : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , فَمَا مَنْزِلَة مَنْ مَاتَ مِنَّا وَهُوَ يَشْرَبهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَة . فَقَالَ رَجُل لِقَتَادَةَ : سَمِعْته مِنْ أَنَس بْن مَالِك ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَقَالَ رَجُل لِأَنَسِ بْن مَالِك : أَنْتَ سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَحَدَّثَنِي مَنْ لَمْ يَكْذِب , وَاَللَّه مَا كُنَّا نَكْذِب وَلَا نَدْرِي مَا الْكَذِب . 9772 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : لَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْر قَالُوا : كَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْر ؟ فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ الْبَرَاء : مَاتَ نَاس مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْر , فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمهَا , قَالَ أُنَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } الْآيَة . 9773 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُد , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : نَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } فِيمَنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ وَأُحُد مَعَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9774 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا خَالِد بْن مَخْلَد , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن مُسْهِر , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ عَلْقَمَة , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قِيلَ لِي أَنْتَ مِنْهُمْ " . 9775 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا جَامِع بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } إِلَى قَوْله : { وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره تَحْرِيم الْخَمْر فِي سُورَة الْمَائِدَة بَعْد سُورَة الْأَحْزَاب , قَالَ فِي ذَلِكَ رِجَال مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُصِيبَ فُلَان يَوْم بَدْر وَفُلَان يَوْم أُحُد وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا , فَنَحْنُ نَشْهَد أَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْجَنَّة ! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } يَقُول : شَرِبَهَا الْقَوْم عَلَى تَقْوًى مِنْ اللَّه وَإِحْسَان وَهِيَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَلَال , ثُمَّ حُرِّمَتْ بَعْدهمْ , فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ . 9776 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , مَا نَقُول لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَضَوْا , كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْر وَيَأْكُلُونَ الْمَيْسِر ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } يَعْنِي قَبْل التَّحْرِيم إِذَا كَانُوا مُحْسِنِينَ مُتَّقِينَ . وَقَالَ مَرَّة أُخْرَى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا مِنْ الْحَرَام قَبْل أَنْ يُحَرَّم عَلَيْهِمْ إِذَا مَا اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا بَعْد مَا حُرِّمَ وَهُوَ قَوْله : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة مِنْ رَبّه فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } يَعْنِي بِذَلِكَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْر قَبْل أَنْ تُحَرَّم الْخَمْر , فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيهَا جُنَاح قَبْل أَنْ تُحَرَّم , فَلَمَّا حُرِّمَتْ قَالُوا : كَيْفَ تَكُون عَلَيْنَا حَرَامًا وَقَدْ مَاتَ إِخْوَاننَا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } يَقُول : لَيْسَ عَلَيْهِمْ حَرَج فِيمَا كَانُوا يَشْرَبُونَ قَبْل أَنْ أُحَرِّمهَا إِذَا كَانُوا مُحْسِنِينَ مُتَّقِينَ , وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ . 9777 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } لِمَنْ كَانَ يَشْرَب الْخَمْر مِمَّنْ قُتِلَ مَعَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ وَأُحُد . 9778 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , قَوْله : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح } الْآيَة : هَذَا فِي شَأْن الْخَمْر حِين حُرِّمَت , سَأَلُوا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : إِخْوَاننَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْقَوْمِ الَّذِينَ قَالُوا إِذْ أَنْزَلَ اللَّه تَحْرِيم الْخَمْر بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام رِجْس مِنْ عَمَل الشَّيْطَان فَاجْتَنِبُوهُ } - : كَيْفَ بِمَنْ هَلَكَ مِنْ إِخْوَاننَا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا وَبِنَا وَقَدْ كُنَّا نَشْرَبهَا : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } مِنْكُمْ حَرَج فِيمَا شَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَال الَّتِي لَمْ يَكُنْ اللَّه تَعَالَى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ , وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ , جَاءَتْ الْأَخْبَار عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9770 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ وَأَبُو كُرَيْب , قَالَا : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُوَ يَشْرَبُونَ الْخَمْر ؟ فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح } الْآيَة . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل بِإِسْنَادِهِ , نَحْوه . 9771 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثني عَبْد الْكَبِير بْن عَبْد الْمَجِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْن رَاشِد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , قَالَ : بَيْنَا أَنَا أُدِير الْكَأْس عَلَى أَبِي طَلْحَة وَأَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح وَمُعَاذ بْن جَبَل وَسُهَيْل بْن بَيْضَاء وَأَبِي دُجَانَة , حَتَّى مَالَتْ رُءُوسهمْ مِنْ خَلِيط بُسْر وَتَمْر , فَسَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي : أَلَا إِنَّ الْخَمْر قَدْ حُرِّمَتْ ! قَالَ : فَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِل وَلَا خَرَجَ مِنَّا خَارِج حَتَّى أَهْرَقْنَا الشَّرَاب وَكَسَرْنَا الْقِلَال . وَتَوَضَّأَ بَعْضنَا وَاغْتَسَلَ بَعْضنَا فَأَصَبْنَا مِنْ طِيب أُمّ سُلَيْم ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَسْجِد , وَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام رِجْس مِنْ عَمَل الشَّيْطَان فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } إِلَى قَوْله : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , فَمَا مَنْزِلَة مَنْ مَاتَ مِنَّا وَهُوَ يَشْرَبهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَة . فَقَالَ رَجُل لِقَتَادَةَ : سَمِعْته مِنْ أَنَس بْن مَالِك ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَقَالَ رَجُل لِأَنَسِ بْن مَالِك : أَنْتَ سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَحَدَّثَنِي مَنْ لَمْ يَكْذِب , وَاَللَّه مَا كُنَّا نَكْذِب وَلَا نَدْرِي مَا الْكَذِب . 9772 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء , قَالَ : لَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْر قَالُوا : كَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْر ؟ فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ الْبَرَاء : مَاتَ نَاس مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْر , فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمهَا , قَالَ أُنَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } الْآيَة . 9773 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُد , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : نَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } فِيمَنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ وَأُحُد مَعَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9774 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا خَالِد بْن مَخْلَد , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن مُسْهِر , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ عَلْقَمَة , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قِيلَ لِي أَنْتَ مِنْهُمْ " . 9775 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا جَامِع بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } إِلَى قَوْله : { وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره تَحْرِيم الْخَمْر فِي سُورَة الْمَائِدَة بَعْد سُورَة الْأَحْزَاب , قَالَ فِي ذَلِكَ رِجَال مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُصِيبَ فُلَان يَوْم بَدْر وَفُلَان يَوْم أُحُد وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا , فَنَحْنُ نَشْهَد أَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْجَنَّة ! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } يَقُول : شَرِبَهَا الْقَوْم عَلَى تَقْوًى مِنْ اللَّه وَإِحْسَان وَهِيَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَلَال , ثُمَّ حُرِّمَتْ بَعْدهمْ , فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ . 9776 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , مَا نَقُول لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَضَوْا , كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْر وَيَأْكُلُونَ الْمَيْسِر ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } يَعْنِي قَبْل التَّحْرِيم إِذَا كَانُوا مُحْسِنِينَ مُتَّقِينَ . وَقَالَ مَرَّة أُخْرَى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا مِنْ الْحَرَام قَبْل أَنْ يُحَرَّم عَلَيْهِمْ إِذَا مَا اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا بَعْد مَا حُرِّمَ وَهُوَ قَوْله : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة مِنْ رَبّه فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } يَعْنِي بِذَلِكَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْر قَبْل أَنْ تُحَرَّم الْخَمْر , فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيهَا جُنَاح قَبْل أَنْ تُحَرَّم , فَلَمَّا حُرِّمَتْ قَالُوا : كَيْفَ تَكُون عَلَيْنَا حَرَامًا وَقَدْ مَاتَ إِخْوَاننَا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } يَقُول : لَيْسَ عَلَيْهِمْ حَرَج فِيمَا كَانُوا يَشْرَبُونَ قَبْل أَنْ أُحَرِّمهَا إِذَا كَانُوا مُحْسِنِينَ مُتَّقِينَ , وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ . 9777 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح فِيمَا طَعِمُوا } لِمَنْ كَانَ يَشْرَب الْخَمْر مِمَّنْ قُتِلَ مَعَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ وَأُحُد . 9778 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , قَوْله : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جُنَاح } الْآيَة : هَذَا فِي شَأْن الْخَمْر حِين حُرِّمَت , سَأَلُوا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : إِخْوَاننَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . ' يَقُول : إِذَا مَا اِتَّقَى اللَّه الْأَحْيَاء مِنْهُمْ , فَخَافُوهُ وَرَاقَبُوهُ فِي اِجْتِنَابهمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ وَصَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ , فَأَطَاعُوهُمَا فِي ذَلِكَ كُلّه .يَقُول : إِذَا مَا اِتَّقَى اللَّه الْأَحْيَاء مِنْهُمْ , فَخَافُوهُ وَرَاقَبُوهُ فِي اِجْتِنَابهمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ وَصَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ , فَأَطَاعُوهُمَا فِي ذَلِكَ كُلّه .' يَقُول : وَاكْتَسَبُوا مِنْ الْأَعْمَال مَا يَرْضَاهُ اللَّه فِي ذَلِكَ مِمَّا كَلَّفَهُمْ بِذَلِكَ رَبّهمْ .يَقُول : وَاكْتَسَبُوا مِنْ الْأَعْمَال مَا يَرْضَاهُ اللَّه فِي ذَلِكَ مِمَّا كَلَّفَهُمْ بِذَلِكَ رَبّهمْ .' يَقُول : ثُمَّ خَافُوا اللَّه وَرَاقَبُوهُ بِاجْتِنَابِهِمْ مَحَارِمه بَعْد ذَلِكَ التَّكْلِيف أَيْضًا , فَثَبَتُوا عَلَى اِتِّقَاء اللَّه فِي ذَلِكَ وَالْإِيمَان بِهِ , وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَلَمْ يُبَدِّلُوا .يَقُول : ثُمَّ خَافُوا اللَّه وَرَاقَبُوهُ بِاجْتِنَابِهِمْ مَحَارِمه بَعْد ذَلِكَ التَّكْلِيف أَيْضًا , فَثَبَتُوا عَلَى اِتِّقَاء اللَّه فِي ذَلِكَ وَالْإِيمَان بِهِ , وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَلَمْ يُبَدِّلُوا .' يَقُول : ثُمَّ خَافُوا اللَّه , فَدَعَاهُمْ خَوْفهمْ اللَّه إِلَى الْإِحْسَان . وَذَلِكَ الْإِحْسَان هُوَ الْعَمَل بِمَا لَمْ يَفْرِضهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْأَعْمَال , وَلَكِنَّهُ نَوَافِل تَقَرَّبُوا بِهَا إِلَى رَبّهمْ طَلَب رِضَاهُ وَهَرَبًا مِنْ عِقَابه . فَالِاتِّقَاء الْأَوَّل : هُوَ الِاتِّقَاء بِتَلَقِّي أَمْر اللَّه بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيق وَالدَّيْنُونَة بِهِ وَالْعَمَل ; وَالِاتِّقَاء الثَّانِي : الِاتِّقَاء بِالثَّبَاتِ عَلَى التَّصْدِيق وَتَرْك التَّبْدِيل وَالتَّغْيِير ; وَالِاتِّقَاء الثَّالِث : هُوَ الِاتِّقَاء بِالْإِحْسَانِ وَالتَّقَرُّب بِنَوَافِل الْأَعْمَال . فَإِنْ قَالَ قَائِل : مَا الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الِاتِّقَاء الثَّالِث هُوَ الِاتِّقَاء بِالنَّوَافِلِ دُون أَنْ يَكُون ذَلِكَ بِالْفَرَائِضِ ؟ قِيلَ : إِنَّهُ تَعَالَى ذِكْره قَدْ أَخْبَرَ عَنْ وَضْعه الْجُنَاح عَنْ شَارِبِي الْخَمْر الَّتِي شَرِبُوهَا قَبْل تَحْرِيمه إِيَّاهَا إِذَا هُمْ اِتَّقَوْا اللَّه فِي شُرْبهَا بَعْد تَحْرِيمهَا وَصَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله فِي تَحْرِيمهَا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات مِنْ الْفَرَائِض . وَلَا وَجْه لِتَكْرِيرِ ذَلِكَ , وَقَدْ مَضَى ذِكْره فِي آيَة وَاحِدَة .يَقُول : ثُمَّ خَافُوا اللَّه , فَدَعَاهُمْ خَوْفهمْ اللَّه إِلَى الْإِحْسَان . وَذَلِكَ الْإِحْسَان هُوَ الْعَمَل بِمَا لَمْ يَفْرِضهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْأَعْمَال , وَلَكِنَّهُ نَوَافِل تَقَرَّبُوا بِهَا إِلَى رَبّهمْ طَلَب رِضَاهُ وَهَرَبًا مِنْ عِقَابه . فَالِاتِّقَاء الْأَوَّل : هُوَ الِاتِّقَاء بِتَلَقِّي أَمْر اللَّه بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيق وَالدَّيْنُونَة بِهِ وَالْعَمَل ; وَالِاتِّقَاء الثَّانِي : الِاتِّقَاء بِالثَّبَاتِ عَلَى التَّصْدِيق وَتَرْك التَّبْدِيل وَالتَّغْيِير ; وَالِاتِّقَاء الثَّالِث : هُوَ الِاتِّقَاء بِالْإِحْسَانِ وَالتَّقَرُّب بِنَوَافِل الْأَعْمَال . فَإِنْ قَالَ قَائِل : مَا الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الِاتِّقَاء الثَّالِث هُوَ الِاتِّقَاء بِالنَّوَافِلِ دُون أَنْ يَكُون ذَلِكَ بِالْفَرَائِضِ ؟ قِيلَ : إِنَّهُ تَعَالَى ذِكْره قَدْ أَخْبَرَ عَنْ وَضْعه الْجُنَاح عَنْ شَارِبِي الْخَمْر الَّتِي شَرِبُوهَا قَبْل تَحْرِيمه إِيَّاهَا إِذَا هُمْ اِتَّقَوْا اللَّه فِي شُرْبهَا بَعْد تَحْرِيمهَا وَصَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله فِي تَحْرِيمهَا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات مِنْ الْفَرَائِض . وَلَا وَجْه لِتَكْرِيرِ ذَلِكَ , وَقَدْ مَضَى ذِكْره فِي آيَة وَاحِدَة .' يَقُول : وَاَللَّه يُحِبّ الْمُتَقَرِّبِينَ إِلَيْهِ بِنَوَافِل الْأَعْمَال الَّتِي يَرْضَاهَا .يَقُول : وَاَللَّه يُحِبّ الْمُتَقَرِّبِينَ إِلَيْهِ بِنَوَافِل الْأَعْمَال الَّتِي يَرْضَاهَا .'

تفسير القرطبي

فيه تسع مسائل: الأولى: قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك إنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة : كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر؟ - ونحو هذا - فنزلت الآية. روى البخاري عن أنس قال : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديا ينادي، فقال أبو طلحة : اخرج فانظر ما هذا الصوت قال : فخرجت فقلت : هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت؛ فقال : اذهب فاهرقها - وكان الخمر من الفضيخ - قال : فجرت في سكك المدينة؛ فقال بعض القوم : قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله عز وجل { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. الثانية: هذه الآية وهذا الحديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت { وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة : 143] ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شيء؛ لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح؛ لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع؛ وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم؛ فرفع الله ذلك التوهم بقوله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. الثالثة: هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر؛ وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابة رحمهم الله هم أهل اللسان، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره؛ وقد قال الحكمي : لنا خمر وليست خمر كرم ** ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا ** وفات ثمارها أيدي الجناة ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي : أخبرنا القاسم بن زكريا، أخبرنا عبيدالله عن شيبان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الزبيب والتمر هو الخمر). وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه - وحسبك به عالما باللسان والشرع - خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس؛ ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة : من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير؛ والخمر ما خامر العقل. وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر؛ يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة، وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه. وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يسمى نبيذا؛ وقال الشاعر : تركت النبيذ لأهل النبيذ ** وصرت حليفا لمن عابه شراب يدنس عرض الفتى ** ويفتح للشر أبوابه الرابعة: قال الإمام أبو عبدالله المازري : ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه، قليلا كان أو كثيرا، نيئا كان أو مطبوخا، ولا فرق بين المستخرج من العنب أو غيره، وأن من شرب شيئا من ذلك حُدّ؛ فأما المستخرج من العنب المسكر النيئ فهو الذي انعقد الإجماع على تحريم قليله وكثيره ولو نقطة منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه. وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر، وهو الذي لا يبلغ الإسكار؛ وفي المطبوخ المستخرج من العنب؛ فذهب قوم من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب، ونقيع الزبيب النيئ؛ فأما المطبوخ منهما، والنيئ والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار. وذهب أبو حنيفة إلى قصر التحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل؛ فيرى أن سلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها، وأما نقيع الزبيب والتمر فيحل مطبوخهما وإن مسته النار مسا قليلا من غير اعتبار بحد؛ وأما النيئ منه فحرام، ولكنه مع تحريمه إياه لا يوجب الحد فيه؛ وهذا كله ما لم يقع الإسكار، فإن وقع الإسكار استوى الجميع. قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد رضي الله عنه : العجب من المخالفين في هذه المسألة؛ فإنهم قالوا : إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره، وهو مجمع عليه؛ فإذا قيل لهم : فلم حرم القليل من الخمر وليس مذهبا للعقل؟ فلا بد أن يقال : لأنه داعية إلى الكثير، أو للتعبد؛ فحينئذ يقال لهم : كل ما قدرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ فيحرم أيضا، إذ لا فارق بينهما إلا مجرد الاسم إذا سلم ذلك. وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس؛ لأن الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه؛ وهذا كما يقول في قياس الأمة على العبد في سراية العتق. ثم العجب، من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله! فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسنة وإجماع صدور الأمة، لأحاديث لا يصح شيء منها على ما قد بين عللها المحدثون في كتبهم، وليس في الصحيح شيء منها. وسيأتي في سورة النحل تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى { طعموا} أصل هذه اللفظة في الأكل؛ يقال : طعم الطعام وشرب الشراب، لكن قد تجوز في ذلك فيقال : لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما؛ قال الشاعر : نعاما بوجرة صعر الخدو ** د لا تطعم النوم إلا صياما وقد تقدم القول في البقرة في قوله تعالى { ومن لم يطعمه} [البقرة : 249] بما فيه الكفاية. السادسة: قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية تناول المباح والشهوات، والانتفاع بكل لذيذ من مطعم ومشرب ومنكح وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة : 87] ونظير قوله { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف : 32]. السابعة: قوله تعالى { إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} فيه أربعة أقوال : الأول : أنه ليس في ذكر التقوى تكرار؛ والمعنى اتقوا شربها وآمنوا بتحريمها؛ والمعنى الثاني دام اتقاؤهم وإيمانهم؛ والثالث على معنى الإحسان إلى الاتقاء. والثاني : اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم، وأحسنوا العمل. الثالث : اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله، والمعنى الثاني ثم اتقوا الكبائر، وازدادوا إيمانا، ومعنى الثالث ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تنفلوا. وقال محمد بن جرير : الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول، والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني، الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث الاتقاء بالإحسان، والتقرب بالنوافل. الثامنة: قوله تعالى : { ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات؛ فضله بأجر الإحسان. التاسعة: قد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضى الله عنهم، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبدالله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وعُمِّر. وكان ختن عمر بن الخطاب، خال عبدالله وحفصة، وولاه عمر بن الخطاب على البحرين، ثم عزله بشهادة الجارود - سيد عبدالقيس - عليه بشرب الخمر. روى الدارقطني قال : حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثني سعيد بن عفير، حدثني يحيى بن فليح بن سليمان، قال : حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس : أن الشُرّاب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب فأمر به أن يجلد؛ قال : لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله! فقال عمر : وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ فقال له : إن الله تعالى يقول في كتابه { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها؛ فقال عمر : ألا تردون عليه ما يقول؛ فقال ابن عباس : إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا لمن غبر وحجة على الناس؛ لأن الله تعالى يقول { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} الآية؛ ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى؛ فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، الآية؛ فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر؛ فقال عمر : صدقت ماذا ترون؟ فقال علي رضي الله عنه : إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة؛ فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة. وذكر الحميدي عن أبي بكر البرقاني عن ابن عباس قال : لما قدم الجارود من البحرين قال : يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرا، وإني إذا رأيت حقا من حقوق الله حق علي أن أرفعه إليك؛ فقال عمر : من يشهد على ما تقول؟ فقال : أبو هريرة؛ فدعا عمر أبا هريرة فقال : علام تشهد يا أبا هريرة؟ فقال : لم أره حين شرب، ورأيته سكران يقيء، فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة؛ ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر؛ فقال : أقم على هذا كتاب الله؛ فقال عمر للجارود : أشهيد أنت أم خصم؟ فقال الجارود : أنا شهيد؛ قال : قد كنت أديت الشهادة؛ ثم قال لعمر : إني أنشدك الله! فقال عمر : أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك؛ فقال الجارود : أما والله ما ذلك بالحق، أن يشرب ابن عمك وتسوءني! فأوعده عمر؛ فقال أبو هريرة وهو جالس : يا أمير المؤمنين إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله، فأقامت هند على زوجها الشهادة؛ فقال عمر : يا قدامة إني جالدك؛ فقال قدامة : والله لو شربت - كما يقولون - ما كان لك أن تجلدني يا عمر. قال : ولم يا قدامة؟ قال : لأن الله سبحانه يقول { ليس على آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية إلى { المحسنين} . فقال عمر : أخطأت التأويل يا قدامة؛ إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله، ثم أقبل عمر على القوم فقال : ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا؛ فسكت عمر عن جلده ثم أصبح يوما فقال لأصحابه : ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا، فقال عمر : إنه والله لأن يلقى الله تحت السوط، أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي! والله لأجلدنه؛ ائتوني بسوط، فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم : أخذتك دقرارة أهلك؛ ائتوني بسوط غير هذا. قال : فجاءه أسلم بسوط تام؛ فأمر عمر بقدامة فجلد؛ فغاضب قدامة عمر وهجره؛ فحجّا وقدامة مهاجر لعمر حتى قفلوا عن حجهم ونزل عمر بالسقيا ونام بها فلما استيقظ عمر قال : عجلوا علي بقدامة، انطلقوا فأتوني به، فوالله لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال : سالم قدامة فإنه أخوك، فلما جاءوا قدامة أبى أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة أن يجر إليه جرا حتى كلمه عمر واستغفر له، فكان أول صلحهما. قال أيوب بن أبي تميمة : لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره. قال ابن العربي : فهذا يدلك على تأويل الآية، وما ذكر فيه عن ابن عباس من حديث الدارقطني، وعمر في حديث البرقاني وهو صحيح؛ وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره ما حد على الخمر أحد، فكان هذا من أفسد تأويل؛ وقد خفي على قدامة؛ وعرفه من وفقه الله كعمر وابن عباس رضي الله عنهما؛ قال الشاعر : وإن حراما لا أرى الدهر باكيا ** على شجوه إلا بكيت على عمر وروي عن علي رضي الله عنه أن قوما شربوا بالشام وقالوا : هي لنا حلال وتأولوا هذه الآية، فأجمع علي وعمر على أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا؛ ذكره الكيا الطبري.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 92 - 94

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لقد أنزل الحق هذه الآية ليُطَمْئن المؤمنين السائلين عن الحكم في إخوانهم الذين ماتوا أو استشهدوا وكانوا يشربون الخمر قبل نزول الحكم بتحريمها. { لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ } و { طَعِمُوۤاْ } لا تخص الطعام فقط ولكن تشمل وتضم الشراب أيضاً، فالحق يقول:
{  إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ }
[البقرة: 249].

وعلى ذلك فالماء طعام، بمعنى أن طعمه يكون في الفم. وهكذا عرف المسلمون السائلون عن إخوانهم الذين ماتوا أو استشهدوا أن إسلامهم كان مقصوراً على الأحكام التي نزلت في أثناء حياتهم، فقد نفذوا المطلوب منهم بعدم عبادة الأصنام. وقد يكون منهم من مات قبل أن تفرض الصلاة، أو مات قبل أن تنزل أحكام الزكاة أو الصوم، ولذلك لم يفعلوها. وعلى ذلك يكون عملهم الصالح هو تنفيذ التعاليم التي نزلت إليهم. لقد اتقوا الله فنفذوا مطلوب الإيمان على قدر ما طلب منهم الحق، آمنوا بالإله المكلِّف وجعلوا بينهم وبين الله وقاية بأن نفذوا مطلوبه سبحانه امراً ونهياً.

والإيمان له قمة هي أن يؤمن الإنسان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبعد ذلك بالأحكام التي تنزل من السماء. واختلف العلماء فيما بينهم في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فمن العلماء من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إنما نظروا إلى الإيمان بالقمة العقدية وهي الإيمان بالله: والذين قالوا بأن الإيمان يزيد وينقص إنما نظروا إلى الإيمان بالأحكام التي ينزلها الله، وأخذوا ذلك من قوله الحق:
{  وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ }
[التوبة: 124].

فكل آية تنزل بأحكام جديدة فهي تزيد الإيمان. فعندما نزل الحكم بالزكاة أمن به المسلمون وطبقوه. ومنهم ممن لم يكن يملك المال فلم يطبق الحكم على الرغم من أنه آمن به.

فالمسلم يؤمن بالحكم، وإن كان مستطيعاً فهو يفعله، وإن كان غير مستطيع فهو لا يفعله. ولهذا كانوا يستبشرون بالأحكام التي تنزل بها الآيات. وعلى ذلك يكون خلاف العلماء خلافا على جهة منفكة، ونلحظ أن الحق يقول: { لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } [المائدة: 93].

إذن، فهنا ثلاث مراحل: هناك من أدرك حكماً فاتقى الله وآمن وعمل صالحاً، وبعد ذلك انتقل وأفضى إلى ربه فلا جناح عليه، وهناك من عاش ليعاصر أحكاماً أخرى فآمن بها وعمل بها، وهناك من عاش ليعاصر أحكاماً قد زادت فعمل بها أيضاً. والإيمان الأول ارتبط بالعمل الصالح، وكذلك الإيمان الثاني الذي جاء في الآية.ثم يأتي الإيمان الثالث مرتبطاً بالإحسان.

والإحسان كما نعلم له وجهان: الأول أن يعبد المؤمن الله كأنه يراه، وكلما جاء تكليف، يحسن المؤمن في أدائه، كأنه يرى الله، وإن لم يكن يراه فإنه يحس أنه سبحانه يراه. وإذا ما استوعب المسلم كل أحكام الله التي استوعبت بدورها كل أقضية الحياة، فهو يحسن أداء هذه الأحكام. والوجه الثاني للإحسان أن يزيد المؤمن في أداء هذه التكاليف فوق ما فرض الله، وهي النوافل. وبذلك لا يكتفي المؤمن بتصديق الأحكام التي نزلت، بل يزيد من جنسها. والحق يقول:
{  إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ }
[الذاريات: 15-16].

وجاء الحق بالتعليل وهو:
{  إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ }
[الذاريات: 16].

ووجه إحسانهم أن الواحد منهم لا يقف عند ما كلفه الله به، بل يزيد على ما كلفه الله من جنس ما كلفه سبحانه، فالحق قد فرض على المسلم خمسة فروض، والمحسن هو من يزيد ويتقرب إلى الله بالنوافل. وفرض سبحانه على المسلم صوم رمضان، والمحسن هو من يؤدي صيام رمضان بتمامه ويزيد بصوم أيام أخرى من العام. وفرض سبحانه على المسلم زكاة مال بقدر اثنين ونصف في المائة وهو ربع العشر، والمحسن قد يزيد الزكاة إلى أكثر من ذلك. وفرض سبحانه على المسلم حج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا، والمحسن هو الذي يزيد مرات الحج.

إذن، فالمحسن هو من عشق التكليف من الله، وعرف منزلة القرب من الله، فوجد أن الله قد كلفه دون ما يستحق - سبحانه - منا فزاد من العمل الذي يزيده قرباً من الله. ويضيف الحق في وصف المحسنين:
{  كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ }
[الذاريات: 17].

ولم يكلفنا سبحانه بألا نهجع إلا قليلاً من الليل. كلفنا فقط بأن نصلي العشاء، وبعد ذلك قد ننام لنصحو لنصلي الصبح، أما المحسن الذي عرف حلاوة الخلوة مع الله فهو لا يهجع إلا قليلاً من الليل. ويضيف الحق سبحانه في وصف المحسنين:
{  وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }
[الذاريات: 18].

ولم يكلف الله المسلم بالاستغفار في السحر، لكن المحسن يفعل ذلك ويضيف الحق سبحانه:
{  وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ }
[الذاريات: 19].

ولم يقل سبحانه: إنه حق معلوم، لأن الحق المعلوم هو الزكاة. وهذه المراحل الثلاث هي التي تُدخل المؤمن في مرتبة الإحسان. ولذلك نجد الحق في آخر مرحلة في الآية التي نحن بصددها يتحدث عن الإحسان: { ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ } أي أن يزيد الإنسانُ المؤمنُ من جنس ما فرض الله. ووقت أن كان التكليف في دور الاستكمال فكل حكم يأتي كان يستقبله المؤمن بإيمان وعمل. أما الذين أدركوا كل التكاليف خلال الثلاثة والعشرين عاماً - المدة التي مكثها وعاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى - فقد استوت عندهم التكاليف، وإذا ما أرادوا الإحسان فلا بد لهم من الزيادة من جنس التكليف.

ويقول الحق من بعد ذلك: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ... }


www.alro7.net