سورة
اية:

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ

تفسير بن كثير

فيه تسع مسائل: الأولى: قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك إنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة : كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر؟ - ونحو هذا - فنزلت الآية. روى البخاري عن أنس قال : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديا ينادي، فقال أبو طلحة : اخرج فانظر ما هذا الصوت قال : فخرجت فقلت : هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت؛ فقال : اذهب فاهرقها - وكان الخمر من الفضيخ - قال : فجرت في سكك المدينة؛ فقال بعض القوم : قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله عز وجل { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. الثانية: هذه الآية وهذا الحديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت { وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة : 143] ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شيء؛ لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح؛ لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع؛ وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم؛ فرفع الله ذلك التوهم بقوله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. الثالثة: هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر؛ وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابة رحمهم الله هم أهل اللسان، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره؛ وقد قال الحكمي : لنا خمر وليست خمر كرم ** ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا ** وفات ثمارها أيدي الجناة ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي : أخبرنا القاسم بن زكريا، أخبرنا عبيدالله عن شيبان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الزبيب والتمر هو الخمر). وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه - وحسبك به عالما باللسان والشرع - خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس؛ ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة : من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير؛ والخمر ما خامر العقل. وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر؛ يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة، وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه. وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يسمى نبيذا؛ وقال الشاعر : تركت النبيذ لأهل النـبيذ ** وصرت حليفا لمن عابه شراب يدنس عرض الفتى ** ويفتح للشر أبوابه الرابعة: قال الإمام أبو عبدالله المازري : ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه، قليلا كان أو كثيرا، نيئا كان أو مطبوخا، ولا فرق بين المستخرج من العنب أو غيره، وأن من شرب شيئا من ذلك حُدّ؛ فأما المستخرج من العنب المسكر النيئ فهو الذي انعقد الإجماع على تحريم قليله وكثيره ولو نقطة منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه. وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر، وهو الذي لا يبلغ الإسكار؛ وفي المطبوخ المستخرج من العنب؛ فذهب قوم من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب، ونقيع الزبيب النيئ؛ فأما المطبوخ منهما، والنيئ والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار. وذهب أبو حنيفة إلى قصر التحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل؛ فيرى أن سلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها، وأما نقيع الزبيب والتمر فيحل مطبوخهما وإن مسته النار مسا قليلا من غير اعتبار بحد؛ وأما النيئ منه فحرام، ولكنه مع تحريمه إياه لا يوجب الحد فيه؛ وهذا كله ما لم يقع الإسكار، فإن وقع الإسكار استوى الجميع. قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد رضي الله عنه : العجب من المخالفين في هذه المسألة؛ فإنهم قالوا : إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره، وهو مجمع عليه؛ فإذا قيل لهم : فلم حرم القليل من الخمر وليس مذهبا للعقل؟ فلا بد أن يقال : لأنه داعية إلى الكثير، أو للتعبد؛ فحينئذ يقال لهم : كل ما قدرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ فيحرم أيضا، إذ لا فارق بينهما إلا مجرد الاسم إذا سلم ذلك. وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس؛ لأن الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه؛ وهذا كما يقول في قياس الأمة على العبد في سراية العتق. ثم العجب، من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله! فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسنة وإجماع صدور الأمة، لأحاديث لا يصح شيء منها على ما قد بين عللها المحدثون في كتبهم، وليس في الصحيح شيء منها. وسيأتي في سورة النحل تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى { طعموا} أصل هذه اللفظة في الأكل؛ يقال : طعم الطعام وشرب الشراب، لكن قد تجوز في ذلك فيقال : لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما؛ قال الشاعر : نعاما بوجرة صعر الخدود ** لا تطعم النوم إلا صياما وقد تقدم القول في البقرة في قوله تعالى { ومن لم يطعمه} [البقرة : 249] بما فيه الكفاية. السادسة: قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية تناول المباح والشهوات، والانتفاع بكل لذيذ من مطعم ومشرب ومنكح وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة : 87] ونظير قوله { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف : 32]. السابعة: قوله تعالى { إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} فيه أربعة أقوال : الأول : أنه ليس في ذكر التقوى تكرار؛ والمعنى اتقوا شربها، وآمنوا بتحريمها؛ والمعنى الثاني دام اتقاؤهم وإيمانهم؛ والثالث على معنى الإحسان إلى الاتقاء. والثاني : اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم، وأحسنوا العمل. الثالث : اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله، والمعنى الثاني ثم اتقوا الكبائر، وازدادوا إيمانا، ومعنى الثالث ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تنفلوا. وقال محمد بن جرير : الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول، والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني، الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث الاتقاء بالإحسان، والتقرب بالنوافل. الثامنة: قوله تعالى : { ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات؛ فضله بأجر الإحسان. التاسعة: قد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضى الله عنهم، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبدالله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وعُمِّر. وكان ختن عمر بن الخطاب، خال عبدالله وحفصة، وولاه عمر بن الخطاب على البحرين، ثم عزله بشهادة الجارود - سيد عبدالقيس - عليه بشرب الخمر. روى الدارقطني قال : حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثني سعيد بن عفير، حدثني يحيى بن فليح بن سليمان، قال : حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس : أن الشُرّاب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب فأمر به أن يجلد؛ قال : لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله! فقال عمر : وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ فقال له : إن الله تعالى يقول في كتابه { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها؛ فقال عمر : ألا تردون عليه ما يقول؛ فقال ابن عباس : إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا لمن غبر، وحجة على الناس؛ لأن الله تعالى يقول { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} الآية؛ ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى؛ فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، الآية؛ فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر؛ فقال عمر : صدقت ماذا ترون؟ فقال علي رضي الله عنه : إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة؛ فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة. وذكر الحميدي عن أبي بكر البرقاني عن ابن عباس قال : لما قدم الجارود من البحرين قال : يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرا، وإني إذا رأيت حقا من حقوق الله حق علي أن أرفعه إليك؛ فقال عمر : من يشهد على ما تقول؟ فقال : أبو هريرة؛ فدعا عمر أبا هريرة فقال : علام تشهد يا أبا هريرة؟ فقال : لم أره حين شرب، ورأيته سكران يقيء، فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة؛ ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر؛ فقال : أقم على هذا كتاب الله؛ فقال عمر للجارود : أشهيد أنت أم خصم؟ فقال الجارود : أنا شهيد؛ قال : قد كنت أديت الشهادة؛ ثم قال لعمر : إني أنشدك الله! فقال عمر : أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك؛ فقال الجارود : أما والله ما ذلك بالحق، أن يشرب ابن عمك وتسوءني! فأوعده عمر؛ فقال أبو هريرة وهو جالس : يا أمير المؤمنين إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله، فأقامت هند على زوجها الشهادة؛ فقال عمر : يا قدامة إني جالدك؛ فقال قدامة : والله لو شربت - كما يقولون - ما كان لك أن تجلدني يا عمر. قال : ولم يا قدامة؟ قال : لأن الله سبحانه يقول { ليس على آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية إلى { المحسنين} . فقال عمر : أخطأت التأويل يا قدامة؛ إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله، ثم أقبل عمر على القوم فقال : ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا؛ فسكت عمر عن جلده ثم أصبح يوما فقال لأصحابه : ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا، فقال عمر : إنه والله لأن يلقى الله تحت السوط، أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي! والله لأجلدنه؛ ائتوني بسوط، فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم : أخذتك دقرارة أهلك؛ ائتوني بسوط غير هذا. قال : فجاءه أسلم بسوط تام؛ فأمر عمر بقدامة فجلد؛ فغاضب قدامة عمر وهجره؛ فحجّا وقدامة مهاجر لعمر حتى قفلوا عن حجهم ونزل عمر بالسقيا ونام بها فلما استيقظ عمر قال : عجلوا علي بقدامة، انطلقوا فأتوني به، فوالله لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال : سالم قدامة فإنه أخوك، فلما جاءوا قدامة أبى أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة أن يجر إليه جرا حتى كلمه عمر واستغفر له، فكان أول صلحهما. قال أيوب بن أبي تميمة : لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره. قال ابن العربي : فهذا يدلك على تأويل الآية، وما ذكر فيه عن ابن عباس من حديث الدارقطني، وعمر في حديث البرقاني وهو صحيح؛ وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره ما حد على الخمر أحد، فكان هذا من أفسد تأويل؛ وقد خفي على قدامة؛ وعرفه من وفقه الله كعمر وابن عباس رضي الله عنهما؛ قال الشاعر : وإن حراما لا أرى الدهر باكيا ** على شجوه إلا بكيت على عمر وروي عن علي رضي الله عنه أن قوما شربوا بالشام وقالوا : هي لنا حلال وتأولوا هذه الآية، فأجمع علي وعمر على أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا؛ ذكره الكيا الطبري.

تفسير الجلالين

{ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا } المعاصي { فإن تولَّيتم } عن الطاعة { فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } الإبلاغ البيِّن وجزاؤكم علينا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام رِجْس مِنْ عَمَل الشَّيْطَان فَاجْتَنِبُوهُ , وَأَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول فِي اِجْتِنَابكُمْ ذَلِكَ وَاتِّبَاعكُمْ أَمْره فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ الِانْزِجَار عَمَّا زَجَرَكُمْ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي بَيَّنَهَا لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا , وَخَالِفُوا الشَّيْطَان فِي أَمْره إِيَّاكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّه فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْره , فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَبْغِي لَكُمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء بَيْنكُمْ بِالْخَمْرِ وَالْمَيْسِر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام رِجْس مِنْ عَمَل الشَّيْطَان فَاجْتَنِبُوهُ , وَأَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول فِي اِجْتِنَابكُمْ ذَلِكَ وَاتِّبَاعكُمْ أَمْره فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ الِانْزِجَار عَمَّا زَجَرَكُمْ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي بَيَّنَهَا لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا , وَخَالِفُوا الشَّيْطَان فِي أَمْره إِيَّاكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّه فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْره , فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَبْغِي لَكُمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء بَيْنكُمْ بِالْخَمْرِ وَالْمَيْسِر .' يَقُول : وَاتَّقُوا اللَّه وَرَاقِبُوهُ أَنْ يَرَاكُمْ عِنْد مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُور الَّتِي حَرَّمَهَا عَلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا , أَوْ يَفْقِدكُمْ عِنْد مَا أَمَرَكُمْ بِهِ فَتُوبِقُوا أَنْفُسكُمْ وَتُهْلِكُوهَا .يَقُول : وَاتَّقُوا اللَّه وَرَاقِبُوهُ أَنْ يَرَاكُمْ عِنْد مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُور الَّتِي حَرَّمَهَا عَلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا , أَوْ يَفْقِدكُمْ عِنْد مَا أَمَرَكُمْ بِهِ فَتُوبِقُوا أَنْفُسكُمْ وَتُهْلِكُوهَا .' يَقُول : فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَعْمَلُوا بِمَا أَمَرْنَاكُمْ بِهِ وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْهُ وَرَجَعْتُمْ مُدْبِرِينَ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان وَالتَّصْدِيق بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَاتِّبَاع مَا جَاءَكُمْ بِهِ نَبِيّكُمْ .يَقُول : فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَعْمَلُوا بِمَا أَمَرْنَاكُمْ بِهِ وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْهُ وَرَجَعْتُمْ مُدْبِرِينَ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان وَالتَّصْدِيق بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَاتِّبَاع مَا جَاءَكُمْ بِهِ نَبِيّكُمْ .' يَقُول : فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْكُمْ بِالنِّذَارَةِ غَيْر إِبْلَاغكُمْ الرِّسَالَة الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا إِلَيْكُمْ , مُبَيَّنَة لَكُمْ بَيَانًا يُوَضِّح لَكُمْ سَبِيل الْحَقّ وَالطَّرِيق الَّذِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَسْلُكُوهُ ; وَأَمَّا الْعِقَاب عَلَى التَّوْلِيَة وَالِانْتِقَام بِالْمَعْصِيَةِ , فَعَلَى الْمُرْسَل إِلَيْهِ دُون الرُّسُل . وَهَذَا مِنْ اللَّه تَعَالَى وَعِيد لِمَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْره وَنَهْيه , يَقُول لَهُمْ تَعَالَى ذِكْره : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ أَمْرِي وَنَهْيِي , فَتَوَقَّعُوا عِقَابِي وَاحْذَرُوا سَخَطِي .يَقُول : فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْكُمْ بِالنِّذَارَةِ غَيْر إِبْلَاغكُمْ الرِّسَالَة الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا إِلَيْكُمْ , مُبَيَّنَة لَكُمْ بَيَانًا يُوَضِّح لَكُمْ سَبِيل الْحَقّ وَالطَّرِيق الَّذِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَسْلُكُوهُ ; وَأَمَّا الْعِقَاب عَلَى التَّوْلِيَة وَالِانْتِقَام بِالْمَعْصِيَةِ , فَعَلَى الْمُرْسَل إِلَيْهِ دُون الرُّسُل . وَهَذَا مِنْ اللَّه تَعَالَى وَعِيد لِمَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْره وَنَهْيه , يَقُول لَهُمْ تَعَالَى ذِكْره : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ أَمْرِي وَنَهْيِي , فَتَوَقَّعُوا عِقَابِي وَاحْذَرُوا سَخَطِي .'

تفسير القرطبي

فيه سبع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا} خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء؛ إذا كانت شهوات وعادات تلبسوا بها في الجاهلية وغلبت على النفوس، فكان نَفِيُّ منها في نفوس كثير من المؤمنين. قال ابن عطية : ومن هذا القبيل هوى الزجر بالطير، وأخذ الفأل في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم. وأما الخمر فكانت لم تحرم بعد، وإنما نزل تحريمها في سنة ثلاث بعد وقعة أحد، وكانت وقعة أحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة. وتقدم اشتقاقها. وأما { الميسر} فقد مضى في البقرة القول فيه. وأما الأنصاب فقيل : هي الأصنام. وقيل : هي النرد والشطرنج؛ ويأتي بيانهما في سورة يونس عند قوله تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس : 32]. وأما الأزلام فهي القداح، وقد مضى في أول السورة القول فيها. ويقال كانت في البيت عند سدنة البيت وخدام الأصنام؛ يأتي الرجل إذا أراد حاجة فيقبض منها شيئا؛ فإن كان عليه أمرني ربي خرج إلى حاجته على ما أحب أو كره. الثانية: تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة؛ فإنهم كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة : 219] أي في تجارتهم؛ فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا : نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء : 43] فتركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس} الآية - فصارت حراما عليهم حتى صار يقول بعضهم : ما حرم الله شيئا أشد من الخمر. وقال أبو ميسرة : نزلت بسبب عمر بن الخطاب؛ فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا الله في تحريمها وقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآيات، فقال عمر : انتهينا انتهينا. وقد مضى في البقرة والنساء. وروى أبو داود عن ابن عباس قال { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء : 43] ، و { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة : 219] نسختها التي في المائدة. { إنما الخمر والميسر والأنصاب} . وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : نزلت فيّ آيات من القرآن؛ وفيه قال : وأتيت على نفر من الأنصار؛ فقالوا : تعال نطعمك ونسقيك خمرا، وذلك قبل أن تحرم الخمر؛ قال : فأتيتهم في حش - والحش البستان - فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر؛ قال : فأكلت وشربت معهم؛ قال : فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت : المهاجرون خير من الأنصار؛ قال : فأخذ رجل لحيي جمل فضربني به فجرح أنفي - وفى رواية ففزره وكان أنف سعد مفزورا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته؛ فأنزل الله تعالى في - يعني نفسه شأن الخمر - { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} . الثالثة: هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحا معمولا به معروفا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه، وهذا ما لا خلاف فيه؛ يدل عليه آية النساء { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء : 43] على ما تقدم. وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؟ حديث حمزة ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي عليّ رضي الله عنهما وجبَّ أسنمتهما، فأخبر علي بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى حمزة فصدر عن حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعزيره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر؛ ولذلك قال الراوي : فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل؛ ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على حمزة ولا عنفه، لا في حال سكره ولا بعد ذلك، بل رجع لما قال حمزة : وهل أنتم إلا عبيد لأبي على عقبيه القهقري وخرج عنه. وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه فإنهم قالوا : إن السكر حرام في كل شريعة؛ لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه، إلا أنه يحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشربه السكر لكنه أسرع فيه فغلبه. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى { رجس} قال ابن عباس في هذه الآية : (رجس) سخط وقد يقال للنتن والعذرة والأقذار رجس. والرجز بالزاي العذاب لا غير، والركس العذرة لا غير. والرجس يقال للأمرين. ومعنى { من عمل الشيطان} أي بحمله عليه وتزيينه. وقيل : هو الذي كان عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه حتى اقتدى به فيها. الخامسة: قوله تعالى { فاجتنبوه} يريد أبعدوه واجعلوه ناحية؛ فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم؛ فبهذا حرمت الخمر. ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية من آخر ما نزل، وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى { قل لا أجد} وغيرها من الآي خبرا، وفي الخمر نهيا وزجرا، وهو أقوى التحريم وأوكده. روى ابن عباس قال : لما نزل تحريم الخمر، مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، وقالوا حرمت الخمر، وجعلت عدلا للشرك؛ يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شرك. ثم علق { لعلكم تفلحون} فعلق الفلاح بالأمر، وذلك يدل على تأكيد الوجوب. والله أعلم. السادسة: فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها. وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة؛ قال : ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق. والجواب؛ أن الصحابة فعلت ذلك؛ لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم. وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور. وأيضا فإنه يمكن التحرز منها؛ فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرا يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها - هذا - مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة، ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك. والله أعلم. فإن قيل : التنجيس حكم شرعي ولا نص فيه، ولا يلزم من كون الشيء محرما أن يكون نجسا؛ فكم من محرم في الشرع ليس بنجس؛ قلنا : قوله تعالى { رجس} يدل على نجاستها؛ فإن الرجس في اللسان النجاسة، ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم حتى نجد فيه نصا لتعطلت الشريعة؛ فإن النصوص فيها قليلة؛ فأي نص يوجد على تنجيس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك؟ وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة. وسيأتي في سورة الحج ما يوضح هذا المعنى إن شاء الله تعالى. السابعة: قوله { فاجتنبوه} يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه؛ لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك. وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب. وروى مسلم عن ابن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هل علمت أن الله حرمها) قال : لا، قال : فسار رجلا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بم ساررته) ؟ قال : أمرته ببيعها؛ فقال : (إن الذي حرم شربها حرم بيعها) ، قال : ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها؛ فهذا حديث يدل على ما ذكرناه؛ إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال في الشاة الميتة (هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به) الحديث. الثامنة: أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم، وفي ذلك دليل على تحريم بيع العذرات وسائر النجاسات وما لا يحل أكله؛ ولذلك - والله أعلم - كره مالك بيع زبل الدواب، ورخص فيه ابن القاسم لما فيه من المنفعة؛ والقياس ما قاله مالك، وهو مذهب الشافعي، وهذا الحديث شاهد بصحة ذلك. التاسعة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد، ولو جاز تخليلها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح المزادة حتى يذهب ما فيها؛ لأن الخل مال وقد نهى عن إضاعة المال، ولا يقول أحد فيمن أراق خمرا على مسلم أنه أتلف له مالا. وقد أراق عثمان بن أبي العاص خمرا ليتيم، واستؤذن صلى الله عليه وسلم في تخليلها فقال : (لا) ونهى عن ذلك. ذهب إلى هذا طائفة من العلماء من أهل الحديث والرأي، وإليه مال سحنون بن سعيد. وقال آخرون : لا بأس بتخليل الخمر ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي أو غيرها؛ وهو قول الثوري والأوزاعي والليث بن مسعد والكوفيين. وقال أبو حنيفة : إن طرح فيها المسك والملح فصارت مربى وتحولت عن حال الخمر جاز. وخالفه محمد بن الحسن في المربى وقال : لا تعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخل وحده. قال أبو عمر : احتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء؛ وهو يروي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقوي أنه كان يأكل المربى منه، ويقول : دبغته الشمس والملح. وخالفه عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر؛ وليس في رأي أحد حجة مع السنة. وبالله التوفيق. وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الإسلام عند نزول تحريمها؛ لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها، إرادة لقطع العادة في ذلك. وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذ، والأمر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خللت. وروى أشهب عن مالك قال : إذا خلل النصراني خمرا فلا بأس بأكله، وكذلك إن خللها مسلم واستغفر الله؛ وهذه الرواية ذكرها ابن عبدالحكم في كتابه. والصحيح ما قاله مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خلا ولا يبيعها، ولكن ليهريقها. العاشرة: لم يختلف قول مالك وأصحابه أن الخمر إذا تخللت بذاتها أن أكل ذلك الخل حلال. وهو قول عمر بن الخطاب وقبيصة وابن شهاب، وربيعة وأحد قولي الشافعي، وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه. الحادية عشرة: ذكر ابن خويز منداد أنها تملك، ونزع إلى ذلك بأنه يمكن أن يزال بها الغصص، ويطفأ بها حريق؛ وهذا نقل لا يعرف لمالك، بل يخرج هذا على قول من يرى أنها طاهرة. ولو جاز ملكها لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها. وأيضا فإن الملك نوع نفع وقد بطل بإراقتها. والحمد لله. الثانية عشرة: هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارا أو غير قمار؛ لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} الآية. ثم قال { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء} الآية. فكل لهو دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراما مثله. فإن قيل : إن شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى؛ قيل له : قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما جميعا بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة؛ ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم لأجل ما اشتركا فيه من المعاني. وأيضا فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر، ثم كان حراما مثل الكثير، فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراما مثل الخمر وإن كان لا يسكر. وأيضا فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة، فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مكان السكر؛ فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر فتصد بالإسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنرد والشطرنج لأنه يغفل ويلهي فيصد بذلك عن الصلاة. والله أعلم. الثالثة عشرة: مُهدي الراوية يدل على أنه كان لم يبلغه الناسخ، وكان متمسكا بالإباحة المتقدمة، فكان ذلك دليلا على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ - كما يقول بعض الأصوليين - بل ببلوغه كما دل عليه هذا الحديث، وهو الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه، بل بين له الحكم؛ ولأنه مخاطب بالعمل بالأول بحيث لو تركه عصى بلا خلاف، وإن كان الناسخ قد حصل في الوجود، وذلك كما وقع لأهل قباء؛ إذ كانوا يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة. وقد تقدم في سورة البقرة والحمد لله؛ وتقدم فيها ذكر الخمر واشتقاقها والميسر. وقد مضى في صدر هذه السورة القول، في الأنصاب والأزلام. والحمد لله. الرابعة عشرة: قوله تعالى { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} الآية. أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا بسبب الخمر وغيره، فحذرنا منها، ونهانا عنها. روي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم يقول : لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا، فحدثت بينهم الضغائن؛ فأنزل الله { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء} الآية. الخامسة عشرة: قوله تعالى { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} يقول : إذا سكرتم لم تذكروا الله ولم تصلوا، وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعلي، وروي : بعبدالرحمن كما تقدم في النساء. وقال عبيدالله بن عمر : سئل القاسم بن محمد عن الشطرنج أهي ميسر؟ وعن النرد أهو ميسر؟ فقال : كل ما صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. قال أبو عبيد : تأول قوله تعالى { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} . السادسة عشرة: قوله تعالى { فهل أنتم منتهون} لما علم عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى انتهوا قال : انتهينا. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي في سكك المدينة، ألا إن الخمر قد حرمت؛ فكسرت الدنان، وأريقت الخمر حتى جرت في سكاك المدينة. السابعة عشرة: قوله تعالى { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، وامتثال للأمر، وكف عن المنهي عنه، وحسن عطف { وأطيعوا الله} لما كان في الكلام المتقدم معنى انتهوا. وكرر { وأطيعوا} في ذكر الرسول تأكيدا. ثم حذر في مخالفة الأمر، وتوعد من تولى بعذاب الآخرة؛ فقال { فإن توليتم} أي خالفتم { فإنما على رسولنا البلاغ المبين} في تحريم ما أمر بتحريمه وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يُعصى أو يُطاع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 90 - 92


سورة المائدة الايات 92 - 94

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لقد نقل الله الحكم بعدما انتهى من هذه الجزئية إلى حكم عام هو طاعة الله وطاعة الرسول. وأنت ساعة تستقرئ أمر الله بالطاعة فأنت تجدها في صور متعددة. فمرة يقول: { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } [المائدة: 92].

فقد كرر الأمر بالطاعة لله وللرسول، فالإطاعة لله في الحكم العام، وإطاعة الرسول في تفصيله، ومرة يقول سبحانه:
{  قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ }
[آل عمران: 32].

إنه هنا لا يكرر أمر الطاعة، فهناك أمر للطاعة، وهناك مطاع، وهناك مطيع والمطيع، هم المخاطبون، فهو هنا يوجد أمر الطاعة، والمطاع هنا هو الله، والرسول يأتي معطوفا على لفظة الجلالة.

ومرة يقول الحق سبحانه:
{  وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ }
[النور: 56].

نحن إذن أمام حالات للطاعة: الأولى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، والثانية: أطيعوا الله والرسول، والثالثة: أطيعوا الرسول، ومرة واحدة فقط يعطف على ذلك " أولي الأمر " فيقول جل وعلا:
{  أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ }
[النساء: 59].

وحين قال الحق: { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } [المائدة: 92].

فهو يكرر الأمر بالطاعة عند الله وعند الرسول، لكن عند أولي الأمر لم يأت سبحانه بأمر: " وأطيعوا "؛ ذلك أن طاعة أولي الأمر تكون من باطن الطاعتين: طاعة الله، وطاعة الرسول؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وإذا قال الحق: { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } تكون طاعة الله في الحكم العام، وطاعة الرسول في تفصيل الحكم. والمثال قوله الحق:
{  وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ }
[آل عمران: 97].

هنا نطيع الله في الحكم العام، ونطيع الرسول في تفصيل الحج. لأن التفصيل لم يأت في القرآن، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: " خذوا عني مناسككم " وعندما يتوحد الأمران: " وأطيعوا الله والرسول " فهذا يعني أن هناك أمراً واحداً قد صدر من الله، وصدور وحصول الفعل من الرسول يكون للقدوة والأسوة وتوكيدا للحكم.

وإذا كان لله أمر بالإجمال وللرسول أمر بالتفصيل فسبحانه يقول: { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ }. وإذا كان الأمر للرسول فقط ولم يرد فيه شيء من الله فهو أمر صدر بتفويض من الله بناء على قوله الحق:
{  وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ }
[الحشر: 7].

وهكذا نجد أنه لا تلتبس طاعة بطاعة ولا تتناقض طاعة مع طاعة. والحق هنا يقول: { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ }. لماذا هذا التحذير؟ يأتي هذا التحذير ليعلمنا الله أن الشيطان لن يدعنا ندخل في مجال طاعة الله وطاعة الرسول، وسيحاول جاهداً أن يُلبَّس علينا الأمر. فعندما يعرف الشيطان ميلاً في نفس إنسان إلى لون من الشهوات، يدخل إليه من باب المعاصي. وإن كان الإنسان قد أوصد بعض السبل أمام الشيطان فلا يستطيع مثلا إغراءه بالسرقة أو شرب الخمر، لا يتركه بل يدخل إليه من باب الطاعة، فيأتي الشيطان إلى الإنسان لحظة الوضوء وينسيه هل غسل هذه اليد أو تلك، وهل أسبغ الوضوء أم لا؟ أو يأتي الشيطان إلى المؤمن لحظة الصلاة فينسيه عدد الركعات أو عدد السجدات، وهكذا يدخل الشيطان للمؤمن من ناحية الطاعة.ومعنى قوله سبحانه: { وَٱحْذَرُواْ } أي احذروا أن يحتال الشيطان عليكم؛ لأنه سيحاول أن يدخل لكم من كل مدخل، يدخل على المسرف على نفسه بالمعصية، وأشد أعمال الشيطان على المؤمنين هي أن يدخل عليهم من باب الطاعة. ولذلك قال الحق: { وَٱحْذَرُواْ } وكثيراً ما نجد الإنسان منا ينسى موضوعاً ما، وحين يأتي إلى الصلاة فهو يتذكر هذا الموضوع. والشيطان لا يترك الإنسان في مثل هذه الحالة، فقد أقسم الشيطان فقال:
{  فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }
[ص: 82].

وقال الحق سبحانه:
{  لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }
[الأعراف: 16].

إنه أقسم أن يقف على الطريق المستقيم لا على الطريق المعوج. ومثال ذلك عندما يتصدق إنسان بصدقة قد يعلنها ويقول: لقد تصدقت أكثر من فلان. وهكذا يضيع منه الأجر. الشيطان يحاول - إذن - أن يدخل علينا من باب لا تفطن إليه وهو باب الطاعة. وأروي لكم هذه القصة حتى تعرفوا مدى تَدَخُّل الشيطان، وقد حدثت مع الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه. فقد جاء إليه من يسأله الفتوى في أمر غريب؛ قال السائل: ضاعت مني نقودي، فقد دفنتها في مكان من الأرض، ونزل السيل فطمس مكان النقود وأزال الحجر الذي وضعته علامة على مكانها. فقال الإمام أبو حنيفة: اذهب الليلة بعد صلاة العشاء وقف أمام ربك إلى أن يطلع الفجر، وقل لي ماذا سوف يحدث. وعندما جاءت صلاة الفجر جاء الرجل متهللاً إلى أبي حنيفة وقال: وجدت مالي.

فسأله أبو حنيفة " كيف؟ قال الرجل: بينما أنا أقف للصلاة تصورت مكان وضع النقود، ومتى نزل السيل، وكيف سار، وهكذا قست المسافة وقدرتها إلى أن عرفت موقع النقود. فضحك الإمام وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لن يدعك تتم ليلتك مع ربك. هكذا ترى كيف يدخل الشيطان من باب الطاعة. ولذلك قال الحق: { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ } [المائدة: 92].

أي فإن أعرضتم عمّا كلفتكم به فاعلموا أنكم بتوليكم وإعراضكم لن تضروا الرسول؛ لأن الرسول ما كلف إلاّ أن يقوم بالبلاغ المبين، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم به. إن الحق يعلم أزلاً أن بعضاً من عباده قد يقول: إن هذا الحكم لم يَرِد في القرآن؛ لذلك جاء بالأمر بطاعة الرسول. وهكذا صارت للرسول طاعة مستقلة، وأرادها الله حتى يَرُدّ مقدماً على الذين يسألون عن نص فيه كل تفصيل. بينما نجد هذه التفاصيل في السنة النبوية الشريفة.ومثال ذلك عدد ركعات كل صلاة، إنها لم تَرِدْ في القرآن، ولكننا عرفناها تفصيلاً من الرسول. وفَوَّض الحق رسوله في التشريع:
{  وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ }
[الحشر: 7].

فسبحانه قد علم أزلاً أن هناك من سيدَّعي أنه لن يطيع إلا القرآن. ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله عزوجل، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله "

أي أن الرسول هو المبلغ عن ربه، وأن علينا أن نحذر الشيطان إذا أراد أن يدخل علينا من باب الطاعة. ولكن لماذا قال الحق: { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ }؟ وعن أي شيء يكون التولي؟

قال الحق ذلك ليوضح لنا أن الإنسان له الاختيار في أن يذهب إلى الطاعة، وله الاختيار في أن يذهب إلى المعصية، وإن تولى الإنسان عن الطاعة إلى المعصية، وعن الإيمان الذي جاء به الرسول الذي بلغ عن الله إلى البقاء في الكفر، فليعلم ذلك الإنسان أن الرسول قد أوفى مهمته وأداها. فالمطلوب من الرسول أن يبلغ المنهج، وقد بلغ صلى الله عليه وسلم بلاغاً مبيناً، محيطاً، واضحاً ومستوعباً لكل أقضية الحياة.

لقد أبلغنا صلى الله عليه وسلم مطلوب الله منا أن نؤمن بإله واحد، قادر، حكيم، له كل صفات الكمال، ذلك هو الأمر الأول في العقيدة. وأبلغنا صلى الله عليه وسلم أن نبتعد عما كان عليه العرب من الأنصاب، ومن الأوثان، ومن الأصنام. وبلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منا إيماناً، وعملاً، والعمل ينقسم إلى قسمين: عمل إيجابي، وعمل سلبي. ويتركز العمل الإيجابي في " افعل كذا " ، إذا لم تكن تفعله، أما العمل السلبي فهو أن تكف عما نهاك عنه الله، ونهاك عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.

إذن أول مطلوب الإيمان هو الاعتقاد في الإله الواحد، وأن نكف عن عبادة الأوثان والأصنام، والطلب - كما نعرف - هو أن تنشيء كلاماً تطلب به من مخاطبك أن يفعل شيئاً لم يكن مفعولاً وقت طلبه. فإذا أوضح الحق: لا تعبد الأوثان، فهذا طلب الفعل، وهو أن نكف عن عبادة الأوثان. وحين يأمرنا الحق بالصلاة والصوم والزكاة وحج البيت، فهذا طلب لأفعال. وطلب الفعل يقال له: " أمر ". وطلب الكف عن فعل يقال له: " نَهْي ".

وأنت إذا نظرت إلى كل التكاليف في الإسلام، تجدها لم تأت مرة واحدة، وإنما جاءت على مدار ثلاثة وعشرين عاماً. فعندما جاء الإسلام آمن به أناس، ولم يكن قد صدر إليهم تنفيذ أي من الأحكام التي وردت على مدار سنوات الرسالة، وإنما كان المطلوب منهم بعضاً يسيراً منها، وكانوا يؤدونها، منهم من بلغه فقط ضرورة الإيمان بالإله الواحد، وآمن بذلك ثم وافاه الأجل وكانت له الجنة.ومنهم من امتدت حياته، فزادت عليه أحكام جديدة فنفذها، وكان إسلامه بذلك إسلاماً تاماً.

إذن، فالتمام في الإسلام هو تنفيذ كل عمل جاء في الأحكام التي أدركها المسلم. فإن لم يكن المسلم قد أدرك إلا حكماً واحداً ونفذه فله كل ما وعد الحق به. ومثال ذلك " مخيريق اليهودي " الذي أسلم وأوصى بماله للنبي صلى الله عليه وسلم. فلما كان يوم أُحُد، وقف في قومه قائلاً: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لَحَقُّ. فلم يجيبوه، فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أُصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء. ثم خرج إلى القتال فقاتل حتى استشهد. ولم يكن قد نفذ أي حكم من أحكام الإسلام، لكنه قاتل فنال شرف الشهادة، وقال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مُخَيْريق خير يهود "

ولا بد لنا أن نفرق دائماً بين " أركان الإسلام " والمطلوب من المسلم. ونعلم جميعاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " بني الإسلام على خمس: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان "

هذه هي أركان الإسلام. أما المسلم فقد يختلف المطلوب منه، فالمطلوب من المسلم أن يشهد مرة واحدة في حياته أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ومطلوب منه دائماً أن يقيم الصلاة مهما تكن حالته. لكن فرض الزكاة قد يسقط عنه إن كان لا يملك مالاً. وقد يسقط عنه الصوم إن كان مريضاً مرضا لا يرجى شفاؤه أو كان كبير السن لا يقدر على الصوم وعليه فدية طعام مسكين، أما المريض الذي يرجى شفاؤه وكذلك المسافر فيقضيان الصوم بعد زوال العذر ومثلهما الحائض والنفساء. وقد يسقط عنه الحج لأنه لا يملك المال الكافي. هكذا تختلف أركان الإسلام من مسلم لآخر، وهكذا نعرف أن من عاش في بدايات الإسلام ونفذ القليل من الأحكام التي نزلت حتى مات أو استشهد، فقد أدى مطلوب الإسلام منه.

وعندما نزلت مسألة النهي عن الخمر، والميسر، ذهب أناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن مصير زملائهم وإخوتهم في الإيمان الذين ماتوا أو استشهدوا قبل أن ينزل تحريم الخمر والميسر. ومجرد السؤال هو دليل على اليقظة الإيمانية، فالإنسان لا يكون مؤمناً حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وهنا أنزل الحق سبحانه وتعالى القول الكريم: { لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ... }


www.alro7.net