سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ

تفسير بن كثير

يبين تعالى متوعداً ومهدداً لمن كفر بعد إيمانه ثم ازداد كفراً أي استمر عليه إلى الممات، ومخبراً بأنهم لن تقبل لهم توبة عند الممات، كما قال تعالى: { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت} الآية. ولهذا قال ههنا: { لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} أي الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغي، قال الحافظ أبو بكر البزار عن عكرمة عن ابن عباس: أن قوماً أسلموا ثمَّ ارتدوا، ثم أسلموا، ثم ارتدوا فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية: { وإن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} ""أخرجه البزار، قال ابن كثير: إسناده جيد"" ثم قال تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فن يُقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به} ، أي من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبداً، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهباً فيما يراه قربة، كما سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن عبد اللّه بن جدعان - وكان يقري الضيف ويفك العاني ويطعم الطعام - هل ينفعه ذلك؟ فقال: (لا! إنه لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضاً ذهباً ما قبل منه كما قال تعالى: { ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة} ، وقال: { لا بيع فيه ولا خلال} ، وقال: { إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم} ، ولو افتدى نفسه من اللّه بملء الأرض ذهباً، بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها. عن أنَس بن مالك، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ قال، فيقول: نعم، فيقول اللّه: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك) ""رواه البخاري ومسلم"" (طريق آخر): وقال الإمام أحمد، عن أنَس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب خير منزل، فيقول: سل وتمن، فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار، لما يرى من فضل الشهادة، ويؤتي بالرجل من أهل النار فيقول له: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا رب شر منزل. فيقول له: أتفتدي مني بطلاع الأرض ذهباً؟ فيقول: أي رب نعم، فيقول: كذبت قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل فيرد إلى النار) ""رواه الإمام أحمد"" ولهذا قال: { أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين} أي وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب اللّه ولا يجيرهم من أليم عقابه.

تفسير الجلالين

{ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض } مقدار ما يملؤها { ذهبا ولو افتدى به } أدخل الفاء في خبر إن لشبه بالشرط وإيذانا بتسبب عدم القبول عن الموت على الكفر { أولئك لهم عذاب أليم } مؤلم { وما لهم من ناصرين } مانعين منه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب أَلِيم وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أَيْ جَحَدُوا نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ أَهْل كُلّ مِلَّة يَهُودِهَا وَنَصَارَاهَا وَمَجُوسهَا وَغَيْرهمْ . { وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار } يَعْنِي : وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ جُحُود نُبُوَّته , وَجُحُود مَا جَاءَ بِهِ . { فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ } يَقُول : فَلَنْ يُقْبَل مِمَّنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَة فِي الْآخِرَة جَزَاء وَلَا رِشْوَة عَلَى تَرْك عُقُوبَته عَلَى كُفْره , وَلَا جَعْل عَلَى الْعَفْو عَنْهُ , وَلَوْ كَانَ لَهُ مِنْ الذَّهَب قَدْر مَا يَمْلَأ الْأَرْض مِنْ مَشْرِقهَا إِلَى مَغْرِبهَا , فَرَشَا وَجَزَى عَلَى تَرْك عُقُوبَته وَفِي الْعَفْو عَنْهُ عَلَى كُفْره عِوَضًا مِمَّا اللَّه مُحِلّ بِهِ مِنْ عَذَابه , لِأَنَّ الرِّشَا إِنَّمَا يَقْبَلهَا مَنْ كَانَ ذَا حَاجَة إِلَى مَا رُشِيَ , فَأَمَّا مَنْ لَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , فَكَيْفَ يَقْبَل الْفِدْيَة , وَهُوَ خَلَّاق كُلّ فِدْيَة اِفْتَدَى بِهَا مُفْتَدٍ عَنْ نَفْسه أَوْ غَيْره ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى الْفِدْيَة ; الْعِوَض وَالْجَزَاء مِنْ الْمُفْتَدَى مِنْهُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . ثُمَّ أَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّا لَهُمْ عِنْده , فَقَالَ : { أُولَئِكَ } يَعْنِي : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار , { لَهُمْ عَذَاب أَلِيم } يَقُول : لَهُمْ عِنْد اللَّه فِي الْآخِرَة عَذَاب مُوجِع , { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } يَعْنِي : وَمَا لَهُمْ مِنْ قَرِيب وَلَا حَمِيم وَلَا صَدِيق يَنْصُرهُ , فَيَسْتَنْقِذهُ مِنْ اللَّه وَمِنْ عَذَابه , كَمَا كَانُوا يَنْصُرُونَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنْ حَاوَلَ أَذَاهُ وَمَكْرُوهه . وَقَدْ : 5833 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ثنا أَنَس بْن مَالِك , أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " يُجَاء بِالْكَافِرِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال لَهُ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا , أَكُنْت مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ فَيَقُول نَعَمْ , قَالَ : فَيُقَال لَقَدْ سُئِلْت مَا هُوَ أَيْسَر مِنْ ذَلِكَ " , فَذَلِكَ قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ } 5834 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا } قَالَ : هُوَ كُلّ كَافِر . وَنُصِبَ قَوْله " ذَهَبًا " عَلَى الْخُرُوج مِنْ الْمِقْدَار الَّذِي قَبْله وَالتَّفْسِير مِنْهُ , وَهُوَ قَوْله : " مِلْء الْأَرْض " , كَقَوْلِ الْقَائِل : عِنْدِي قَدْر زِقّ سَمْنًا وَقَدْر رِطْل عَسَلًا , فَالْعَسَل مُبَيَّن بِهِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمِقْدَار , وَهُوَ نَكِرَة مَنْصُوبَة عَلَى التَّفْسِير لِلْمِقْدَارِ وَالْخُرُوج مِنْهُ . وَأَمَّا نَحْوِيُّو الْبَصْرَة , فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ نُصِبَ الذَّهَب لِاشْتِغَالِ الْمِلْء بِالْأَرْضِ , وَمَجِيء الذَّهَب بَعْدهمَا , فَصَارَ نَصْبهَا نَظِير نَصْب الْحَال , وَذَلِكَ أَنَّ الْحَال يَجِيء بَعْد فِعْل قَدْ شُغِلَ بِفَاعِلِهِ فَيُنْصَب , كَمَا يُنْصَب الْمَفْعُول الَّذِي يَأْتِي بَعْد الْفِعْل الَّذِي قَدْ شُغِلَ بِفَاعِلِهِ , قَالُوا : وَنَظِير قَوْله : { مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا } فِي نَصْب الذَّهَب فِي الْكَلَام : لِي مِثْلك رَجُلًا , بِمَعْنَى : لِي مِثْلك مِنْ الرِّجَال . وَزَعَمُوا أَنَّ نَصْب الرَّجُل لِاشْتِغَالِ الْإِضَافَة بِالِاسْمِ , فَنُصِبَ كَمَا يُنْصَب الْمَفْعُول بِهِ لِاشْتِغَالِ الْفِعْل بِالْفَاعِلِ , وَأُدْخِلَتْ كَالْوَاوِ فِي قَوْله : { وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ } لِمَحْذُوفٍ مِنْ الْكَلَام بَعْده دَلَّ عَلَيْهِ دُخُول الْوَاو , كَالْوَاوِ فِي قَوْله : { وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } . 6 75 وَتَأْوِيل الْكَلَام : وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ , أَرَيْنَاهُ مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ } , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَام وَاو , لَكَانَ الْكَلَام صَحِيحًا , وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مَتْرُوك وَكَانَ : فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا لَوْ اِفْتَدَى بِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب أَلِيم وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أَيْ جَحَدُوا نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ أَهْل كُلّ مِلَّة يَهُودِهَا وَنَصَارَاهَا وَمَجُوسهَا وَغَيْرهمْ . { وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار } يَعْنِي : وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ جُحُود نُبُوَّته , وَجُحُود مَا جَاءَ بِهِ . { فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ } يَقُول : فَلَنْ يُقْبَل مِمَّنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَة فِي الْآخِرَة جَزَاء وَلَا رِشْوَة عَلَى تَرْك عُقُوبَته عَلَى كُفْره , وَلَا جَعْل عَلَى الْعَفْو عَنْهُ , وَلَوْ كَانَ لَهُ مِنْ الذَّهَب قَدْر مَا يَمْلَأ الْأَرْض مِنْ مَشْرِقهَا إِلَى مَغْرِبهَا , فَرَشَا وَجَزَى عَلَى تَرْك عُقُوبَته وَفِي الْعَفْو عَنْهُ عَلَى كُفْره عِوَضًا مِمَّا اللَّه مُحِلّ بِهِ مِنْ عَذَابه , لِأَنَّ الرِّشَا إِنَّمَا يَقْبَلهَا مَنْ كَانَ ذَا حَاجَة إِلَى مَا رُشِيَ , فَأَمَّا مَنْ لَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , فَكَيْفَ يَقْبَل الْفِدْيَة , وَهُوَ خَلَّاق كُلّ فِدْيَة اِفْتَدَى بِهَا مُفْتَدٍ عَنْ نَفْسه أَوْ غَيْره ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى الْفِدْيَة ; الْعِوَض وَالْجَزَاء مِنْ الْمُفْتَدَى مِنْهُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . ثُمَّ أَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّا لَهُمْ عِنْده , فَقَالَ : { أُولَئِكَ } يَعْنِي : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار , { لَهُمْ عَذَاب أَلِيم } يَقُول : لَهُمْ عِنْد اللَّه فِي الْآخِرَة عَذَاب مُوجِع , { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } يَعْنِي : وَمَا لَهُمْ مِنْ قَرِيب وَلَا حَمِيم وَلَا صَدِيق يَنْصُرهُ , فَيَسْتَنْقِذهُ مِنْ اللَّه وَمِنْ عَذَابه , كَمَا كَانُوا يَنْصُرُونَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنْ حَاوَلَ أَذَاهُ وَمَكْرُوهه . وَقَدْ : 5833 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ثنا أَنَس بْن مَالِك , أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " يُجَاء بِالْكَافِرِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال لَهُ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا , أَكُنْت مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ فَيَقُول نَعَمْ , قَالَ : فَيُقَال لَقَدْ سُئِلْت مَا هُوَ أَيْسَر مِنْ ذَلِكَ " , فَذَلِكَ قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ } 5834 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا } قَالَ : هُوَ كُلّ كَافِر . وَنُصِبَ قَوْله " ذَهَبًا " عَلَى الْخُرُوج مِنْ الْمِقْدَار الَّذِي قَبْله وَالتَّفْسِير مِنْهُ , وَهُوَ قَوْله : " مِلْء الْأَرْض " , كَقَوْلِ الْقَائِل : عِنْدِي قَدْر زِقّ سَمْنًا وَقَدْر رِطْل عَسَلًا , فَالْعَسَل مُبَيَّن بِهِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمِقْدَار , وَهُوَ نَكِرَة مَنْصُوبَة عَلَى التَّفْسِير لِلْمِقْدَارِ وَالْخُرُوج مِنْهُ . وَأَمَّا نَحْوِيُّو الْبَصْرَة , فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ نُصِبَ الذَّهَب لِاشْتِغَالِ الْمِلْء بِالْأَرْضِ , وَمَجِيء الذَّهَب بَعْدهمَا , فَصَارَ نَصْبهَا نَظِير نَصْب الْحَال , وَذَلِكَ أَنَّ الْحَال يَجِيء بَعْد فِعْل قَدْ شُغِلَ بِفَاعِلِهِ فَيُنْصَب , كَمَا يُنْصَب الْمَفْعُول الَّذِي يَأْتِي بَعْد الْفِعْل الَّذِي قَدْ شُغِلَ بِفَاعِلِهِ , قَالُوا : وَنَظِير قَوْله : { مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا } فِي نَصْب الذَّهَب فِي الْكَلَام : لِي مِثْلك رَجُلًا , بِمَعْنَى : لِي مِثْلك مِنْ الرِّجَال . وَزَعَمُوا أَنَّ نَصْب الرَّجُل لِاشْتِغَالِ الْإِضَافَة بِالِاسْمِ , فَنُصِبَ كَمَا يُنْصَب الْمَفْعُول بِهِ لِاشْتِغَالِ الْفِعْل بِالْفَاعِلِ , وَأُدْخِلَتْ كَالْوَاوِ فِي قَوْله : { وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ } لِمَحْذُوفٍ مِنْ الْكَلَام بَعْده دَلَّ عَلَيْهِ دُخُول الْوَاو , كَالْوَاوِ فِي قَوْله : { وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } . 6 75 وَتَأْوِيل الْكَلَام : وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ , أَرَيْنَاهُ مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ } , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَام وَاو , لَكَانَ الْكَلَام صَحِيحًا , وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مَتْرُوك وَكَانَ : فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا لَوْ اِفْتَدَى بِهِ .'

تفسير القرطبي

المِلء (بالكسر) مقدار ما يملأ الشيء، والملء (بالفتح) مصدر ملأت الشيء؛ ويقال : أعطني مِلأَه ومِلأيه وثلاثة أملائه. والواو في { لو افتدى به} قيل : هي مقحمة زائدة؛ المعنى : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو افتدى به. وقال أهل النظر من النحويين : لا يجوز أن تكون الواو مقحمة لأنها تدل على معنى. ومعنى الآية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا تبرعا ولو افتدى به. و { ذهبا} نصب على التفسير في قول الفراء. قال المفضل : شرط التفسير أن يكون الكلام تاما وهو مبهم؛ كقولك عندي عشرون؛ فالعدد معلوم والمعدود مبهم؛ فإذا قلت درهما فسرت. وإنما نصب التمييز لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، وكان النصب أخف الحركات فجعل لكل ما لا عامل فيه. وقال الكسائي : نصب على إضمار من، أي من ذهب؛ كقوله { أو عدل ذلك صياما} [المائدة : 95] أي من صيام. وفي البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك). لفظ البخاري. وقال مسلم بدل (قد كنت؛ كذبت، قد سئلت).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 82 - 96

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لقد كفروا، ولقد يقدر الله لهم أن يتوبوا، فماتوا على الكفر، ويريد الله أن يعطينا حكما خاصا بعملهم في الدنيا،وحكما خاصا بما يتلقونه من عذاب في الآخرة، والحكم الخاص بعملهم في الدنيا سببه أن لهم اختيارا، والحكم الخاص بما يتلقونه في الآخرة من عقاب لأنه لا خيار لهم، وهنا للعلماء وقفة، فهل ملء الأرض ذهبا أنهم أنفقوا في حياتهم ملء الأرض ذهبا؟ نقول له: لا ينفعك هذا الإنفاق في أعمال الخير لأن أعمالك حابطة.

هب أن كافرا مات على الكفر وقد أنفق في الخير ملء الأرض ذهبا، نقول له: هذا الإنفاق لا ينفع، مع الخيانة العظمى وهي الكفر، فما دام غير مؤمن بإله، فهو قد أنفق هذا المال من أجل الناس، وصار منفقا على من لا يقدر على أن يجازيه بالخير في الآخرة، لذلك فليس له عند الله شيء، فالذي يعمل عملا، عليه ان يطلب أجرا ممن عمل له، فهل كان الله في بال ذلك الكافر؟ لا؛ لأنه مات على الكفر، لذلك لو أنفق ملء الأرض ذهبا فلن يقبل منه. لقد صنع ذلك الخير وفي باله الناس، والناس يعطونه حقه من الثناء، سواء كان مخترعا أو محسنا أو غير ذلك، إنه ينال أجره من الإنسانية، وينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " وفعلت ليقال وقد قيل ".

كأن الله يقول له: لم أكن في بالك فلماذا تطلب مني أجرا في الآخرة، لم يكن في بالك أن الملك لي، قال سبحانه:
{  يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 16].

وبعض الناس يقول: كيف لا ينال ثواب الآخرة من ملئوا الدنيا بالاكتشافات والابتكارات وخففوا بها آلام الإنسانية؟ ونقول: لقد أعطتهم الإنسانية وخلدت ذكراهم، وأقامت لهم التماثيل والمؤلفات والأعياد والجوائز، لقد عملوا للناس فأعطاهم الناس، فلا بخس في حقوقهم، ذلك أنهم لم يعملوا وفي بالهم الله، وقد صور الحق موقفهم التصوير الرائع فيقول جل شأنه:
{  وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }
[النور: 39].

إنه سراب ناتج عن تخيل الماء في الصحراء يتوهمه السائر العطشان في الصحراء نتيجة انعكاسات الضوء، فيظل السائر متجها إلى وهم الماء، إنه يصنع الأمل لنفسه، فإذا جاءه لم يجده شيئا، ويفاجأ بوجود الله، فيندم ويتلقى العذاب، وكذلك لن يقبل منه ملء الأرض ذهبا لو أنفقه في أي خير في الدنيا، وبعد ذلك لن يقبل الله منه ملء الأرض ذهبا، لو افتدى به نفسه في الآخرة، إن كان سيجد ملء الأرض ذهباً وعلى فرض أنه قد وجد ملء الأرض ذهبا، فهل يجد من يقبل ذلك منه؟ لا، إنّه في الحقيقة لن يجد الذهب؛ لأنه في الآخرة لم يعد يملك شيئا: يقول الحق:
{  لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 16].

ويقول سبحانه:
{  وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ }
[الزمر: 47].

{ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أي إن لهؤلاء عذابا أليما؛ لأن كل حدث من الأحداث إنما يأخذ قوته من قوة فاعله، فإذا كان الحدث التعذيبي منسوبا إلى الله وله مطلق القوة والقدرة، لذلك فالعذاب لن يطاق. ولن يجد الظالم من يدرأ عنه هذا العذاب. لأنه لن يجد ناصرا له، ولن يجد شفيعا فلن يأتي أحد ويقول: إن فلانا يتعذب فهيا بنا ننصره، لا يأتي أحد لينصره.

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ... }


www.alro7.net