سورة
اية:

وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا

تفسير بن كثير

قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئاً فأنزل اللّه : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الآية. أي الجميع فيه سواء في حكم اللّه تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض اللّه لكل منهم، بما يدلى به إلى الميت من قرابة، أو زوجيه، أو ولاء، فإنه لحمة كلحمة النسب. وروى ابن مردويه عن جابر قال: { أتت أم كحة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالت: يا رسول اللّه إن لي ابنتين قد مات أبوهما وليس لهما شيء. فأنزل اللّه تعالى { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الآية. وقوله: { وإذا حضر القسمة} الآية. قيل: المراد: وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث، { واليتامى والمساكين} فليرضخ لهم من التركة نصيب، وإن ذلك كان واجباً في ابتداء الإسلام، وقيل: يستحب، واختلفوا هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين، فقال البخاري عن ابن عباس: هي محكمة وليست بمنسوخة، وقال عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية: { وإذا حضر القسمة أولو القربى} نسختها الآية التي بعدها { يوصيكم اللّه في أولادكم} وروى العوفي عن ابن عباس: كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فأنزل اللّه بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سمَّى المتوفى، وقال ابن أبي حاتم عن عطاء عن ابن عباس في قوله: { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين} نسختها آية الميراث، فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر. وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم، والمعنى: أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه، وإذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ وهم يائسون لا شيء يُعطَونه، فأمر اللّه تعالى وهو الرؤوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون براً بهم وصدقة عليهم، وإحساناً إليهم وجبراً لكسرهم، كما قال اللّه تعالى: { كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} وذم الذين ينقلون المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة كما أخبر به عن أصحاب الجنة: { إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين} أي بليل، وقال: { فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين} ف { دمر اللّه عليهم وللكافرين أمثالها} فمن جحد حق اللّه عليه عاقبه في أعز ما يملكه. وقوله تعالى: { وليخش الذي لو تركوا من خلفهم} الآية، قال ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر اللّه تعالى الذي يسمعه أن يتقي اللّه ويوفقه ويسدده للصواب، فينظر لورثته كما كان يجب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة؛ وهكذا قال مجاهد وغير واحد، وثبت في الصحيحين: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده، قال: يا رسول اللّه إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي، قال: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث قال: (الثلث، والثلث كثير) ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) وفي الصحيح عن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (الثلث، والثلث كثير) قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء استحب للميت أن يستوفي في وصيته الثلث، وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث؛ وقيل: المراد بالآية فليتقوا اللّه في مباشرة أموال اليتامى { ولا يأكلوها إسرافاً وبداراً} حكاه ابن جرير عن ابن عباس، وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلماً، أي كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذراريهم إذا وليتهم، ثم أعلمهم أن من أكل أموال اليتامى ظلماً فإنما يأكل في بطنه ناراً ولهذا قال: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً} أي إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب فإنما يأكلون ناراً تتأجج في بطونهم يوم القيامة - وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات: قيل يا رسول اللّه وما هن؟ قال: الشرك باللّه، والسحر؛ وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق؛ وأكل الربا، وأكل مال اليتيم؛ والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه بأكل مال اليتيم، وقال ابن مردويه عن أبي برزة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً) قيل يا رسول اللّه من هم؟ قال: ألم تر أن اللّه قال: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} الآية. وعن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أُحَرِّج مال الضعيفين: المرأة، واليتيم) ""رواه ابن مردويه من حديث أبي هريرة""أي أوصيكم باجتناب مالهما

تفسير الجلالين

{ ولْيخش } أي ليخف على اليتامى { الذين لو تركوا } أي قاربوا أن يتركوا { من خلفهم } أي بعد موتهم { ذرية ضعافا } أولاد صغارا { خافوا عليهم } الضياع { فليتقوا الله } في أمر اليتامى وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم { ولْيقولوا } للميت { قولا سديدا } صوابا بأن يأمروه أن يتصدق بدون ثلثه ويدع الباقي لورثته ولا يتركهم عالة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّه } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : { وَلْيَخْشَ } لِيَخَفْ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مُوصِيًا يُوصِي فِي مَاله أَنْ يَأْمُرهُ بِتَفْرِيقِ مَاله وَصِيَّة بِهِ فِيمَنْ لَا يَرِثهُ , وَلَكِنْ لِيَأْمُرهُ أَنْ يُبْقِيَ مَاله لِوَلَدِهِ , كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمُوصِي , يَسُرّهُ أَنْ يَحُثّهُ مَنْ يَحْضُرهُ عَلَى حِفْظ مَاله لِوَلَدِهِ , وَأَنْ لَا يَدَعهُمْ عَالَة مَعَ ضَعْفهمْ وَعَجْزهمْ عَنْ التَّصَرُّف وَالِاحْتِيَال . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6926 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . فَهَذَا فِي الرَّجُل يَحْضُرهُ الْمَوْت فَيَسْمَعهُ يُوصِي بِوَصِيَّةٍ تَضُرّ بِوَرَثَتِهِ , فَأَمَرَ اللَّه سُبْحَانه الَّذِي يَسْمَعهُ أَنْ يَتَّقِي اللَّه وَيُوَفِّقهُ وَيُسَدِّدهُ لِلصَّوَابِ , وَلْيَنْظُرْ لِوَرَثَتِهِ كَمَا كَانَ يُحِبّ أَنْ يَصْنَع لِوَرَثَتِهِ إِذَا خَشِيَ عَلَيْهِمْ الضَّيْعَة . 6927 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } يَعْنِي : الَّذِي يَحْضُرهُ الْمَوْت , فَيُقَال لَهُ : تَصَدَّقْ مِنْ مَالك , وَأَعْتَقَ , وَأَعْطِ مِنْهُ فِي سَبِيل اللَّه , فَنُهُوا أَنْ يَأْمُرُوهُ بِذَلِكَ . يَعْنِي : أَنَّ مَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ مَرِيضًا عِنْد الْمَوْت , فَلَا يَأْمُرهُ أَنْ يُنْفِق مَاله فِي الْعِتْق أَوْ الصَّدَقَة أَوْ فِي سَبِيل اللَّه , وَلَكِنْ يَأْمُرهُ أَنْ يُبَيِّن مَاله , وَمَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْن , وَيُوصِي فِي مَاله لِذَوِي قَرَابَته الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ , وَيُوصِي لَهُمْ بِالْخُمُسِ أَوْ الرُّبُع . يَقُول : أَلَيْسَ يَكْرَه أَحَدكُمْ إِذَا مَاتَ وَلَهُ وَلَد ضِعَاف - يَعْنِي صِغَارًا - أَنْ يَتْرُكهُمْ بِغَيْرِ مَال , فَيَكُونُوا عِيَالًا عَلَى النَّاس ؟ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَأْمُرُوهُ بِمَا لَا تَرْضَوْنَ بِهِ لِأَنْفُسِكُمْ وَلَا أَوْلَادكُمْ وَلَكِنْ قُولُوا الْحَقّ مِنْ ذَلِكَ . 6928 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } قَالَ : يَقُول : مَنْ حَضَرَ مَيِّتًا فَلْيَأْمُرْهُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان , وَلِيَنْهَهُ عَنْ الْحَيْف وَالْجَوْر فِي وَصِيَّته , وَلْيَخْشَ عَلَى عِيَاله مَا كَانَ خَائِفًا عَلَى عِيَاله لَوْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْت. * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } قَالَ : إِذَا حَضَرَتْ وَصِيَّة مَيِّت , فَمُرْهُ بِمَا كُنْت آمِرًا نَفْسك بِمَا تَتَقَرَّب بِهِ إِلَى اللَّه , وَخَفْ فِي ذَلِكَ مَا كُنْت خَائِفًا عَلَى ضَعَفَتك لَوْ تَرَكْتهمْ بَعْدك . يَقُول : فَاتَّقِ اللَّه وَقُلْ قَوْلًا سَدِيدًا , إِنْ هُوَ زَاغَ . 6929 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّه وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } الرَّجُل يَحْضُرهُ الْمَوْت , فَيَحْضُرهُ الْقَوْم عِنْد الْوَصِيَّة , فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ : أَوْصِ بِمَالِكَ كُلّه وَقَدِّمْ لِنَفْسِك , فَإِنَّ اللَّه سَيَرْزُقُ عِيَالك , وَلَا يَتْرُكُوهُ يُوصِي بِمَالِهِ كُلّه , يَقُول لِلَّذِينَ حَضَرُوا : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } فَيَقُول كَمَا يَخَاف أَحَدكُمْ عَلَى عِيَاله لَوْ مَاتَ - إِذْ يَتْرُكهُمْ صِغَارًا ضِعَافًا لَا شَيْء لَهُمْ - الضَّيْعَة بَعْده , فَلْيَخَفْ ذَلِكَ عَلَى عِيَال أَخِيهِ الْمُسْلِم , فَيَقُول لَهُ الْقَوْل السَّدِيد . 6930 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب , قَالَ : ذَهَبْت أَنَا وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة إِلَى سَعِيد بْن جُبَيْر , فَسَأَلْنَاهُ عَنْ قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } . .. الْآيَة , قَالَ : قَالَ الرَّجُل يَحْضُرهُ الْمَوْت , فَيَقُول لَهُ مَنْ يَحْضُرهُ : اِتَّقِ اللَّه , صِلْهُمْ , أَعْطِهِمْ , بِرّهمْ , وَلَوْ كَانُوا : هُمْ الَّذِينَ يَأْمُرهُمْ بِالْوَصِيَّةِ لَأَحَبُّوا أَنْ يَبْقَوْا لِأَوْلَادِهِمْ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } قَالَ : يَحْضُرهُمْ الْيَتَامَى فَيَقُولُونَ : اِتَّقِ اللَّه وَصِلْهُمْ وَأَعْطِهِمْ , فَلَوْ كَانُوا هُمْ لَأَحَبُّوا أَنْ يُبْقُوا لِأَوْلَادِهِمْ . 6931 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } . .. الْآيَة , يَقُول : إِذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْت عِنْد وَصِيَّته , فَلَا يَقُلْ : أَعْتِقْ مِنْ مَالك وَتَصَدَّقْ , فَيُفَرِّق مَاله وَيَدَع أَهْله عَيْلًا , وَلَكِنْ مُرُوهُ فَلْيَكْتُبْ مَاله مِنْ دَيْن وَمَا عَلَيْهِ , وَيَجْعَل مِنْ مَاله لِذَوِي قَرَابَته خُمُس مَاله , وَيَدَع سَائِرَهُ لِوَرَثَتِهِ . 6932 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } . .. الْآيَة . قَالَ : هَذَا يُفَرِّق الْمَال حِين يُقَسَّم , فَيَقُول الَّذِينَ يَحْضُرُونَ : أَقْلَلْت زِدْ فُلَانًا ! فَيَقُول اللَّه تَعَالَى : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ } فَلْيَخْشَ أُولَئِكَ وَلْيَقُولُوا فِيهِمْ مِثْل مَا يُحِبّ أَحَدهمْ أَنْ يُقَال فِي وَلَده بِالْعَدْلِ إِذَا أَكْثَرَ : أَبْقِ عَلَى وَلَدك . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الْمُوصِي وَهُوَ يُوصِي , الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا فَخَافُوا عَلَيْهِمْ الضَّيْعَة مِنْ ضَعْفهمْ وَطُفُولَتهمْ , أَنْ يُنْهُوهُ عَنْ الْوَصِيَّة لِأَقْرِبَائِهِ , وَأَنْ يَأْمُرهُ بِإِمْسَاكِ مَاله وَالتَّحَفُّظ بِهِ لِوَلَدِهِ , وَهُمْ لَوْ كَانُوا مِنْ أَقْرِبَاء الْمُوصِي لَسَرَّهُمْ أَنْ يُوصِيَ لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6933 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب , قَالَ : ذَهَبْت أَنَا وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة , فَأَتَيْنَا مِقْسَمًا , فَسَأَلْنَاهُ , يَعْنِي عَنْ قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } . .. الْآيَة , فَقَالَ : مَا قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر ؟ فَقُلْنَا : كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ : وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يَحْضُرهُ الْمَوْت , فَيَقُول لَهُ مَنْ يَحْضُرهُ : اِتَّقِ اللَّه وَأَمْسِكْ عَلَيْك مَالك , فَلَيْسَ أَحَد أَحَقّ بِمَالِكَ مِنْ وَلَدك ! وَلَوْ كَانَ الَّذِي يُوصِي ذَا قَرَابَة لَهُمْ , لَأَحَبُّوا أَنْ يُوصِي لَهُمْ . 6934 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت قَالَ : قَالَ مِقْسَم : هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ : اِتَّقِ اللَّه وَأَمْسِك عَلَيْك مَالك , فَلَوْ كَانَ ذَا قَرَابَة لَهُمْ لَأَحَبُّوا أَنْ يُوصِي لَهُمْ . 6935 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : زَعَمَ حَضْرَمِيّ , وَقَرَأَ : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } قَالَ : قَالُوا حَقِيق أَنْ يَأْمُر صَاحِب الْوَصِيَّة بِالْوَصِيَّةِ لِأَهْلِهَا , كَمَا أَنْ لَوْ كَانَتْ ذُرِّيَّة نَفْسه بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة لَأَحَبَّ أَنْ يُوصِي لَهُمْ , وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَارِث فَلَا يَمْنَعهُ ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرهُ بِاَلَّذِي يَحِقّ عَلَيْهِ , فَإِنَّ وَلَده لَوْ كَانُوا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة أَحَبَّ أَنْ يَحُثّ عَلَيْهِ , فَلْيَتَّقِ اللَّه هُوَ , فَلْيَأْمُرْهُ بِالْوَصِيَّةِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَارِث , أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَمْر مِنْ اللَّه وُلَاة الْيَتَامَى أَنْ يَلُوهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِي أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ , وَلَا يَأْكُلُوا أَمْوَالهمْ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا , وَأَنْ يَكُونُوا لَهُمْ كَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يَكُون وُلَاة وَلَده الصِّغَار بَعْدهمْ لَهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لَوْ كَانُوا هُمْ الَّذِينَ مَاتُوا وَتَرَكُوا أَوْلَادهمْ يَتَامَى صِغَارًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6936 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ : الرَّجُل يَمُوت وَلَهُ أَوْلَاد صِغَار ضِعَاف يَخَاف عَلَيْهِمْ الْعَيْلَة وَالضَّيْعَة , وَيَخَاف بَعْده أَنْ لَا يُحْسِن إِلَيْهِمْ مَنْ يَلِيهِمْ , يَقُول : فَإِنْ وَلِيَ مِثْل ذُرِّيَّته ضِعَافًا يَتَامَى , فَلْيُحْسِنْ إِلَيْهِمْ , وَلَا يَأْكُل أَمْوَالهمْ إِسْرَافًا وَبِدَارًا خَشْيَة أَنْ يَكْبَرُوا , فَلْيَتَّقُوا اللَّه , وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ , فَلْيَتَّقُوا اللَّه وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا , يَكْفِيهِمْ اللَّه أَمْر ذُرِّيَّتهمْ بَعْدهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6937 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَطِيَّة بْن دُرَيْج بْن عَطِيَّة , قَالَ : ثني عَمِّي مُحَمَّد بْن دُرَيْج , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الشَّيْبَانِيّ , قَالَ : كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَيَّام مَسْلَمَة بْن عَبْد الْمَلِك , وَفِينَا اِبْن مُحَيْرِيز وَابْن الدَّيْلَمِيّ وَهَانِئ بْن كُلْثُوم , قَالَ : فَجَعَلْنَا نَتَذَاكَر مَا يَكُون فِي آخِر الزَّمَان , قَالَ : فَضِقْت ذَرْعًا بِمَا سَمِعْت , قَالَ : فَقُلْت لِابْنِ الدَّيْلَمِيّ : يَا أَبَا بِشْر بِوُدِّي أَنَّهُ لَا يُولَد لِي وَلَد أَبَدًا ! قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي وَقَالَ : يَا اِبْن أَخِي لَا تَفْعَل , فَإِنَّهُ لَيْسَتْ مِنْ نَسَمَة كَتَبَ اللَّه لَهَا أَنْ تَخْرُج مِنْ صُلْب رَجُل , إِلَّا وَهِيَ خَارِجَة إِنْ شَاءَ وَإِنْ أَبَى . قَالَ : أَلَا أَدُلّك عَلَى أَمْر إِنْ أَنْتَ أَدْرَكْته نَجَّاك اللَّه مِنْهُ , وَإِنْ تَرَكْت وَلَدك مِنْ بَعْدك حَفِظَهُمْ اللَّه فِيك ؟ قَالَ : قُلْت بَلَى , قَالَ : فَتَلَا عِنْد ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَة : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّه وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ قَوْل مَنْ قَالَ : تَأْوِيل ذَلِكَ : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ الْعَيْلَة لَوْ كَانُوا فَرَّقُوا أَمْوَالهمْ فِي حَيَاتهمْ , أَوْ قَسَّمُوهَا وَصِيَّة مِنْهُمْ بِهَا لِأُولِي قَرَابَتهمْ وَأَهْل الْيُتْم وَالْمَسْكَنَة , فَأَبْقَوْا أَمْوَالهمْ لِوَلَدِهِمْ خَشْيَة الْعَيْلَة عَلَيْهِمْ بَعْدهمْ مَعَ ضَعْفهمْ وَعَجْزهمْ عَنْ الْمَطَالِب , فَلْيَأْمُرُوا مَنْ حَضَرُوهُ , وَهُوَ يُوصِي لِذَوِي قَرَابَته - وَفِي الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَفِي غَيْر ذَلِكَ - بِمَالِهِ بِالْعَدْلِ , وَلْيَتَّقُوا اللَّه , وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا , وَهُوَ أَنْ يُعَرِّفُوهُ مَا أَبَاحَ اللَّه لَهُ مِنْ الْوَصِيَّة وَمَا اِخْتَارَهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَسُنَّته. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَة أَوْلَى مِنْ غَيْره مِنْ التَّأْوِيلَات لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل , مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَة أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَة أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين فَأَوْصُوا لَهُمْ , بِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَدِلَّة . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيل قَوْله : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَة أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين } . .. الْآيَة , فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون قَوْله تَعَالَى ذِكْره : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ } تَأْدِيبًا مِنْهُ عِبَاده فِي أَمْر الْوَصِيَّة بِمَا أَذِنَهُمْ فِيهِ , إِذْ كَانَ ذَلِكَ عَقِيب الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا فِي حُكْم الْوَصِيَّة , وَكَانَ أَظْهَر مَعَانِيه مَا قُلْنَا , فَإِلْحَاق حُكْمه بِحُكْمِ مَا قَبْله أَوْلَى مَعَ اِشْتِبَاه مَعَانِيهمَا مِنْ صَرْف حُكْمه إِلَى غَيْره بِمَا هُوَ لَهُ غَيْر مُشَبَّه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّه } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : { وَلْيَخْشَ } لِيَخَفْ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مُوصِيًا يُوصِي فِي مَاله أَنْ يَأْمُرهُ بِتَفْرِيقِ مَاله وَصِيَّة بِهِ فِيمَنْ لَا يَرِثهُ , وَلَكِنْ لِيَأْمُرهُ أَنْ يُبْقِيَ مَاله لِوَلَدِهِ , كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمُوصِي , يَسُرّهُ أَنْ يَحُثّهُ مَنْ يَحْضُرهُ عَلَى حِفْظ مَاله لِوَلَدِهِ , وَأَنْ لَا يَدَعهُمْ عَالَة مَعَ ضَعْفهمْ وَعَجْزهمْ عَنْ التَّصَرُّف وَالِاحْتِيَال . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6926 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . فَهَذَا فِي الرَّجُل يَحْضُرهُ الْمَوْت فَيَسْمَعهُ يُوصِي بِوَصِيَّةٍ تَضُرّ بِوَرَثَتِهِ , فَأَمَرَ اللَّه سُبْحَانه الَّذِي يَسْمَعهُ أَنْ يَتَّقِي اللَّه وَيُوَفِّقهُ وَيُسَدِّدهُ لِلصَّوَابِ , وَلْيَنْظُرْ لِوَرَثَتِهِ كَمَا كَانَ يُحِبّ أَنْ يَصْنَع لِوَرَثَتِهِ إِذَا خَشِيَ عَلَيْهِمْ الضَّيْعَة . 6927 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } يَعْنِي : الَّذِي يَحْضُرهُ الْمَوْت , فَيُقَال لَهُ : تَصَدَّقْ مِنْ مَالك , وَأَعْتَقَ , وَأَعْطِ مِنْهُ فِي سَبِيل اللَّه , فَنُهُوا أَنْ يَأْمُرُوهُ بِذَلِكَ . يَعْنِي : أَنَّ مَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ مَرِيضًا عِنْد الْمَوْت , فَلَا يَأْمُرهُ أَنْ يُنْفِق مَاله فِي الْعِتْق أَوْ الصَّدَقَة أَوْ فِي سَبِيل اللَّه , وَلَكِنْ يَأْمُرهُ أَنْ يُبَيِّن مَاله , وَمَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْن , وَيُوصِي فِي مَاله لِذَوِي قَرَابَته الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ , وَيُوصِي لَهُمْ بِالْخُمُسِ أَوْ الرُّبُع . يَقُول : أَلَيْسَ يَكْرَه أَحَدكُمْ إِذَا مَاتَ وَلَهُ وَلَد ضِعَاف - يَعْنِي صِغَارًا - أَنْ يَتْرُكهُمْ بِغَيْرِ مَال , فَيَكُونُوا عِيَالًا عَلَى النَّاس ؟ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَأْمُرُوهُ بِمَا لَا تَرْضَوْنَ بِهِ لِأَنْفُسِكُمْ وَلَا أَوْلَادكُمْ وَلَكِنْ قُولُوا الْحَقّ مِنْ ذَلِكَ . 6928 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } قَالَ : يَقُول : مَنْ حَضَرَ مَيِّتًا فَلْيَأْمُرْهُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان , وَلِيَنْهَهُ عَنْ الْحَيْف وَالْجَوْر فِي وَصِيَّته , وَلْيَخْشَ عَلَى عِيَاله مَا كَانَ خَائِفًا عَلَى عِيَاله لَوْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْت. * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } قَالَ : إِذَا حَضَرَتْ وَصِيَّة مَيِّت , فَمُرْهُ بِمَا كُنْت آمِرًا نَفْسك بِمَا تَتَقَرَّب بِهِ إِلَى اللَّه , وَخَفْ فِي ذَلِكَ مَا كُنْت خَائِفًا عَلَى ضَعَفَتك لَوْ تَرَكْتهمْ بَعْدك . يَقُول : فَاتَّقِ اللَّه وَقُلْ قَوْلًا سَدِيدًا , إِنْ هُوَ زَاغَ . 6929 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّه وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } الرَّجُل يَحْضُرهُ الْمَوْت , فَيَحْضُرهُ الْقَوْم عِنْد الْوَصِيَّة , فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ : أَوْصِ بِمَالِكَ كُلّه وَقَدِّمْ لِنَفْسِك , فَإِنَّ اللَّه سَيَرْزُقُ عِيَالك , وَلَا يَتْرُكُوهُ يُوصِي بِمَالِهِ كُلّه , يَقُول لِلَّذِينَ حَضَرُوا : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } فَيَقُول كَمَا يَخَاف أَحَدكُمْ عَلَى عِيَاله لَوْ مَاتَ - إِذْ يَتْرُكهُمْ صِغَارًا ضِعَافًا لَا شَيْء لَهُمْ - الضَّيْعَة بَعْده , فَلْيَخَفْ ذَلِكَ عَلَى عِيَال أَخِيهِ الْمُسْلِم , فَيَقُول لَهُ الْقَوْل السَّدِيد . 6930 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب , قَالَ : ذَهَبْت أَنَا وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة إِلَى سَعِيد بْن جُبَيْر , فَسَأَلْنَاهُ عَنْ قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } . .. الْآيَة , قَالَ : قَالَ الرَّجُل يَحْضُرهُ الْمَوْت , فَيَقُول لَهُ مَنْ يَحْضُرهُ : اِتَّقِ اللَّه , صِلْهُمْ , أَعْطِهِمْ , بِرّهمْ , وَلَوْ كَانُوا : هُمْ الَّذِينَ يَأْمُرهُمْ بِالْوَصِيَّةِ لَأَحَبُّوا أَنْ يَبْقَوْا لِأَوْلَادِهِمْ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } قَالَ : يَحْضُرهُمْ الْيَتَامَى فَيَقُولُونَ : اِتَّقِ اللَّه وَصِلْهُمْ وَأَعْطِهِمْ , فَلَوْ كَانُوا هُمْ لَأَحَبُّوا أَنْ يُبْقُوا لِأَوْلَادِهِمْ . 6931 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } . .. الْآيَة , يَقُول : إِذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْت عِنْد وَصِيَّته , فَلَا يَقُلْ : أَعْتِقْ مِنْ مَالك وَتَصَدَّقْ , فَيُفَرِّق مَاله وَيَدَع أَهْله عَيْلًا , وَلَكِنْ مُرُوهُ فَلْيَكْتُبْ مَاله مِنْ دَيْن وَمَا عَلَيْهِ , وَيَجْعَل مِنْ مَاله لِذَوِي قَرَابَته خُمُس مَاله , وَيَدَع سَائِرَهُ لِوَرَثَتِهِ . 6932 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } . .. الْآيَة . قَالَ : هَذَا يُفَرِّق الْمَال حِين يُقَسَّم , فَيَقُول الَّذِينَ يَحْضُرُونَ : أَقْلَلْت زِدْ فُلَانًا ! فَيَقُول اللَّه تَعَالَى : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ } فَلْيَخْشَ أُولَئِكَ وَلْيَقُولُوا فِيهِمْ مِثْل مَا يُحِبّ أَحَدهمْ أَنْ يُقَال فِي وَلَده بِالْعَدْلِ إِذَا أَكْثَرَ : أَبْقِ عَلَى وَلَدك . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الْمُوصِي وَهُوَ يُوصِي , الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا فَخَافُوا عَلَيْهِمْ الضَّيْعَة مِنْ ضَعْفهمْ وَطُفُولَتهمْ , أَنْ يُنْهُوهُ عَنْ الْوَصِيَّة لِأَقْرِبَائِهِ , وَأَنْ يَأْمُرهُ بِإِمْسَاكِ مَاله وَالتَّحَفُّظ بِهِ لِوَلَدِهِ , وَهُمْ لَوْ كَانُوا مِنْ أَقْرِبَاء الْمُوصِي لَسَرَّهُمْ أَنْ يُوصِيَ لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6933 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب , قَالَ : ذَهَبْت أَنَا وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة , فَأَتَيْنَا مِقْسَمًا , فَسَأَلْنَاهُ , يَعْنِي عَنْ قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } . .. الْآيَة , فَقَالَ : مَا قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر ؟ فَقُلْنَا : كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ : وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يَحْضُرهُ الْمَوْت , فَيَقُول لَهُ مَنْ يَحْضُرهُ : اِتَّقِ اللَّه وَأَمْسِكْ عَلَيْك مَالك , فَلَيْسَ أَحَد أَحَقّ بِمَالِكَ مِنْ وَلَدك ! وَلَوْ كَانَ الَّذِي يُوصِي ذَا قَرَابَة لَهُمْ , لَأَحَبُّوا أَنْ يُوصِي لَهُمْ . 6934 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت قَالَ : قَالَ مِقْسَم : هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ : اِتَّقِ اللَّه وَأَمْسِك عَلَيْك مَالك , فَلَوْ كَانَ ذَا قَرَابَة لَهُمْ لَأَحَبُّوا أَنْ يُوصِي لَهُمْ . 6935 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : زَعَمَ حَضْرَمِيّ , وَقَرَأَ : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا } قَالَ : قَالُوا حَقِيق أَنْ يَأْمُر صَاحِب الْوَصِيَّة بِالْوَصِيَّةِ لِأَهْلِهَا , كَمَا أَنْ لَوْ كَانَتْ ذُرِّيَّة نَفْسه بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة لَأَحَبَّ أَنْ يُوصِي لَهُمْ , وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَارِث فَلَا يَمْنَعهُ ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرهُ بِاَلَّذِي يَحِقّ عَلَيْهِ , فَإِنَّ وَلَده لَوْ كَانُوا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة أَحَبَّ أَنْ يَحُثّ عَلَيْهِ , فَلْيَتَّقِ اللَّه هُوَ , فَلْيَأْمُرْهُ بِالْوَصِيَّةِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَارِث , أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَمْر مِنْ اللَّه وُلَاة الْيَتَامَى أَنْ يَلُوهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِي أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ , وَلَا يَأْكُلُوا أَمْوَالهمْ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا , وَأَنْ يَكُونُوا لَهُمْ كَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يَكُون وُلَاة وَلَده الصِّغَار بَعْدهمْ لَهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لَوْ كَانُوا هُمْ الَّذِينَ مَاتُوا وَتَرَكُوا أَوْلَادهمْ يَتَامَى صِغَارًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6936 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ : الرَّجُل يَمُوت وَلَهُ أَوْلَاد صِغَار ضِعَاف يَخَاف عَلَيْهِمْ الْعَيْلَة وَالضَّيْعَة , وَيَخَاف بَعْده أَنْ لَا يُحْسِن إِلَيْهِمْ مَنْ يَلِيهِمْ , يَقُول : فَإِنْ وَلِيَ مِثْل ذُرِّيَّته ضِعَافًا يَتَامَى , فَلْيُحْسِنْ إِلَيْهِمْ , وَلَا يَأْكُل أَمْوَالهمْ إِسْرَافًا وَبِدَارًا خَشْيَة أَنْ يَكْبَرُوا , فَلْيَتَّقُوا اللَّه , وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ , فَلْيَتَّقُوا اللَّه وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا , يَكْفِيهِمْ اللَّه أَمْر ذُرِّيَّتهمْ بَعْدهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6937 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَطِيَّة بْن دُرَيْج بْن عَطِيَّة , قَالَ : ثني عَمِّي مُحَمَّد بْن دُرَيْج , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الشَّيْبَانِيّ , قَالَ : كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَيَّام مَسْلَمَة بْن عَبْد الْمَلِك , وَفِينَا اِبْن مُحَيْرِيز وَابْن الدَّيْلَمِيّ وَهَانِئ بْن كُلْثُوم , قَالَ : فَجَعَلْنَا نَتَذَاكَر مَا يَكُون فِي آخِر الزَّمَان , قَالَ : فَضِقْت ذَرْعًا بِمَا سَمِعْت , قَالَ : فَقُلْت لِابْنِ الدَّيْلَمِيّ : يَا أَبَا بِشْر بِوُدِّي أَنَّهُ لَا يُولَد لِي وَلَد أَبَدًا ! قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي وَقَالَ : يَا اِبْن أَخِي لَا تَفْعَل , فَإِنَّهُ لَيْسَتْ مِنْ نَسَمَة كَتَبَ اللَّه لَهَا أَنْ تَخْرُج مِنْ صُلْب رَجُل , إِلَّا وَهِيَ خَارِجَة إِنْ شَاءَ وَإِنْ أَبَى . قَالَ : أَلَا أَدُلّك عَلَى أَمْر إِنْ أَنْتَ أَدْرَكْته نَجَّاك اللَّه مِنْهُ , وَإِنْ تَرَكْت وَلَدك مِنْ بَعْدك حَفِظَهُمْ اللَّه فِيك ؟ قَالَ : قُلْت بَلَى , قَالَ : فَتَلَا عِنْد ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَة : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّه وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ قَوْل مَنْ قَالَ : تَأْوِيل ذَلِكَ : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ الْعَيْلَة لَوْ كَانُوا فَرَّقُوا أَمْوَالهمْ فِي حَيَاتهمْ , أَوْ قَسَّمُوهَا وَصِيَّة مِنْهُمْ بِهَا لِأُولِي قَرَابَتهمْ وَأَهْل الْيُتْم وَالْمَسْكَنَة , فَأَبْقَوْا أَمْوَالهمْ لِوَلَدِهِمْ خَشْيَة الْعَيْلَة عَلَيْهِمْ بَعْدهمْ مَعَ ضَعْفهمْ وَعَجْزهمْ عَنْ الْمَطَالِب , فَلْيَأْمُرُوا مَنْ حَضَرُوهُ , وَهُوَ يُوصِي لِذَوِي قَرَابَته - وَفِي الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَفِي غَيْر ذَلِكَ - بِمَالِهِ بِالْعَدْلِ , وَلْيَتَّقُوا اللَّه , وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا , وَهُوَ أَنْ يُعَرِّفُوهُ مَا أَبَاحَ اللَّه لَهُ مِنْ الْوَصِيَّة وَمَا اِخْتَارَهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَسُنَّته. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَة أَوْلَى مِنْ غَيْره مِنْ التَّأْوِيلَات لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل , مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَة أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَة أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين فَأَوْصُوا لَهُمْ , بِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَدِلَّة . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيل قَوْله : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَة أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين } . .. الْآيَة , فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون قَوْله تَعَالَى ذِكْره : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ } تَأْدِيبًا مِنْهُ عِبَاده فِي أَمْر الْوَصِيَّة بِمَا أَذِنَهُمْ فِيهِ , إِذْ كَانَ ذَلِكَ عَقِيب الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا فِي حُكْم الْوَصِيَّة , وَكَانَ أَظْهَر مَعَانِيه مَا قُلْنَا , فَإِلْحَاق حُكْمه بِحُكْمِ مَا قَبْله أَوْلَى مَعَ اِشْتِبَاه مَعَانِيهمَا مِنْ صَرْف حُكْمه إِلَى غَيْره بِمَا هُوَ لَهُ غَيْر مُشَبَّه .' وَبِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } قَالَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْله فِي مُبْتَدَأ تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة , وَبِهِ كَانَ اِبْن زَيْد يَقُول . 6938 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّه وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } قَالَ : يَقُول قَوْلًا سَدِيدًا , يَذْكُر هَذَا الْمِسْكِين وَيَنْفَعهُ , وَلَا يُجْحِف بِهَذَا الْيَتِيم وَارِث الْمُؤَدِّي وَلَا يَضُرّ بِهِ , لِأَنَّهُ صَغِير لَا يَدْفَع عَنْ نَفْسه , فَانْظُرْ لَهُ كَمَا تَنْظُر إِلَى وَلَدك لَوْ كَانُوا صِغَارًا . وَالسَّدِيد مِنْ الْكَلَام : هُوَ الْعَدْل وَالصَّوَاب.وَبِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } قَالَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْله فِي مُبْتَدَأ تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة , وَبِهِ كَانَ اِبْن زَيْد يَقُول . 6938 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفهمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّه وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } قَالَ : يَقُول قَوْلًا سَدِيدًا , يَذْكُر هَذَا الْمِسْكِين وَيَنْفَعهُ , وَلَا يُجْحِف بِهَذَا الْيَتِيم وَارِث الْمُؤَدِّي وَلَا يَضُرّ بِهِ , لِأَنَّهُ صَغِير لَا يَدْفَع عَنْ نَفْسه , فَانْظُرْ لَهُ كَمَا تَنْظُر إِلَى وَلَدك لَوْ كَانُوا صِغَارًا . وَالسَّدِيد مِنْ الْكَلَام : هُوَ الْعَدْل وَالصَّوَاب.'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { وليخش} حذفت الألف من "ليخش" للجزم بالأمر، ولا يجوز عند سيبويه إضمار لام الأمر قياسا على حروف الجر إلا في ضرورة الشعر. وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم؛ وأنشد الجميع : محمد تفد نفسك كل نفس ** إذا ما خفت من شيء تبالا أراد لتفد، ومفعول "يخش" محذوف لدلالة الكلام عليه. و { خافوا} جواب { لو} . التقدير لو تركوا لخافوا. ويجوز حذف اللام في جواب { لو} . وهذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها؛ فقالت طائفة : (هذا وعظ للأوصياء، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم)؛ قاله ابن عباس. ولهذا قال الله تعالى { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء : 10]. وقالت طائفة : المراد جميع الناس، أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس؛ وإن لم يكونوا في حجورهم. وأن يشددوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده بعده. ومن هذا ما حكاه الشيباني قال : كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبدالملك، فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي، فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان. فقلت له : يا أبا بشر، ودي ألا يكون لي ولد. فقال لي : ما عليك ! ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت، أحب أو كره، ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم؛ ثم تلا الآية. وفي رواية : ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟ فقلت : بلى ! فتلا هذه الآية { وليخش الذين لو تركوا} إلى آخرها. قلت : ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من أحسن الصدقة جاز على الصراط ومن قضى حاجة أرملة أخلف الله في تركته). وقول ثالث قاله جمع من المفسرين : هذا في الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته عند وصيته : إن الله سيرزق ولدك فانظر لنفسك، وأوص بمالك في سبيل الله، وتصدق وأعتق. حتى يأتي على عامة ماله أو يستغرقه فيضر ذلك بورثته؛ فنهوا عن ذلك. فكأن الآية تقول لهم : (كما تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله)؛ قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : (إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول أوص بمالك فإن الله تعالى رازق ولدك، ولكن يقول قدم لنفسك واترك لولدك)؛ فذلك قوله تعالى { فليتقوا الله} . وقال مقسم وحضرمي : نزلت في عكس هذا، وهو أن يقول للمحتضر من يحضره : أمسك على ورثتك، وأبق لولدك فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية، فيتضرر بذلك ذوو القربى وكل من يستحق أن يوصى له؛ فقيل لهم : كما تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك سددوا القول في جهة المساكين واليتامى، واتقوا الله في ضررهم. وهذان القولان مبنيان على وقت وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث؛ روي عن سعيد بن جبير وابن المسيب. قال ابن عطية : وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس، بل الناس صنفان؛ يصلح لأحدهما القول الواحد، ولآخر القول الثاني. وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدم لنفسه. وإذا ترك ورثة ضعفاء مهملين مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط؛ فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين، فالمراعاة إنما هو الضعف فيجب أن يمال معه. قلت : وهذا التفصيل صحيح؛ لقوله عليه السلام لسعد : (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). فإن لم يكن للإنسان ولد، أو كان وهو غني مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمن عليه؛ فالأولى بالإنسان حينئذ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح، فيكون وزره عليه. الثانية: قوله تعالى { وليقولوا قولا سديدا} السديد : العدل والصواب من القول؛ أي مروا المريض بأن يخرج من ماله ما عليه من الحقوق الواجبة، ثم يوصي لقرابته بقدر ما لا يضر بورثته الصغار. وقيل : المعنى قولوا للميت قولا عدلا، وهو أن يلقنه بلا إله إلا الله، ولا يأمره بذلك، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمع منه ويتلقن. هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) ولم يقل مروهم؛ لأنه لو أمر بذلك لعله يغضب ويجحد. وقيل : المراد اليتيم؛ أن لا ينهروه ولا يستخفوا به.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 7 - 12

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والإنسان حين يترك ذرية ضعيفة يتركها وهو خائف عليهم أن يضيعهم الزمان. فإن كان عندك أيها المؤمن ذرية ضعيفة وتخاف عليها فساعة ترى ذرية ضعيفة تركها غيرك فلتعطف عليها، وذلك حتى يعطف الغير على ذريتك الضعيفة إن تركتها. واعلم أن ربنا رقيب وقيوم ولا يترك الخير الذي فعلته دون أن يرده إلى ذريتك. وقلنا ذات مرة: إن معاوية وعمرو بن العاص اجتمعا في أواخر حياتهما، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين ماذا بقي لك من حظ الدنيا؟ وكان معاوية قد صار أميرا للمؤمنين ورئيس دولة قوية غنية، فقال معاوية: أما الطعام فقد مللت أطيبه، وأما اللباس فقد سئمت ألينه، وحظي الآن في شربة ماء بارد في ظل شجرة في يوم صائف.

وصمت معاوية قليلا وسأل عمرا: وأنت يا عمرو ماذا بقي لك من متع الدنيا؟.

وكان سيدنا عمرو بن العاص صاحب عبقرية تجارية فقال: أنا حظي عين خرارة في أرض خوارة تدر عليّ حياتي ولولدي بعد مماتي.

إنه يطلب عين ماء مستمر في أرض فيها أنعام وزروع تعطي الخير.

وكان هناك خادم يخدمهما، يقدم لهما المشروبات، فنظر معاوية إلى الخادم وأحب أن يداعبه ليشركه معهما في الحديث.

فقال للخادم: وأنت يا " وردان " ماذا بقي لك من متاع الدنيا؟ أجاب الخادم: بقي لي من متع الدنيا يا أمير المؤمنين صنيعة معروف أضعها في أعناق قوم كرام لا يؤدونها إليّ طول حياتي حتى تكون لعقبي في عقبهم. لقد فهم الخادم عن الله قوله: { وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } [النساء: 9] فالذين يتقون الله في الذرية الضعيفة يضمنون أن الله سيرزقهم بمن يتقي الله في ذريتهم الضعيفة.

وقد تكلمنا مرة عن العبد الصالح الذي ذهب إليه موسى عليه السلام:
{  قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً * قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً }
[الكهف: 66-71] لقد جرب العبد الصالح موسى في خرق السفينة - كما توضح الآيات - فقال العبد الصالح:
{  قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً }
[الكهف: 72-73] ثم ما كان من أمر الغلام الذي قتله العبد الصالح وقول موسى له:
{  لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً }
[الكهف: 74].

ثم جاءا إلى أهل قرية فطلبا منهم الطعام، وحين يطلب منك ابن السبيل طعاما فاعلم أنها الحاجة الملحة؛ لأنه لو طلب منك مالا فقد تظن أنه يكتنز المال، ولكن إن طلب لقمة يأكلها فهذا أمر واجب عليك.

فماذا فعل أهل القرية حين طلب العبد الصالح وموسى طعاما لهما؟

يقول الحق:
{  فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً }
[الكهف: 77] إنها قرية لئيمة، ووجد العبد الصالح في القرية جدارا يريد أن يسقط وينقض فأقامه، واعترض موسى؛ لأن عنده حفيظة على أهل القرية فقد طلبا منهم طعاما فلم يطعموهما، وقال سيدنا موسى: إنك لو شئت لاتخذت عليه أجرا، لأن أهل القرية لئام، وما كان يصح أن تقيم لهم الجدار إلا إذا أخذت منهم أجرا.

لقد غاب عن موسى ما لم يغّيب الله سبحانه عن العبد الصالح، فبالله لو أن الجدار وقع وهم لئام لا يطعمون من استطعمهم، ثم رأوا الكنز المتروك لليتامى المساكين، فلا بد أنهم سيغتصبون الكنز. إذن فعندما رأيت الجدار سيقع أقمته حتى أواري الكنز عن هؤلاء اللئام. ويقول الحق سبحانه:
{  وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً }
[الكهف: 82] إذن فالعلة في هذه العملية هي الحماية لليتيمين، ولنلق بالا ولنهتم بملاحظ النص، لا بد أن العبد الصالح قد أقام الجدار بأسلوب جدد عمرا افتراضيا للجدار بحيث إذا بلغ اليتيمان الرشد وقع الجدار أمامهما؛ ليرى كلاهما الكنز، لقد تم بناء الجدار على مثال القنبلة الموقوتة بحيث إذا بلغا الرشد ينهار الجدار ليأخذ الكنز. إنه توقيت إلهي أراده الله؛ لأن والد اليتيمين كان صالحا، اتقى الله فيما تحت يده فأرسل الله له جنودا لا يعلمهم ولم يرتبهم ليحموا الكنز لولديه اليتيمين، لذلك فلنفهم جيدا في معاملتنا، قول الحق: { وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } [النساء: 9] لماذا؟ لأن الانسان عندما يكون شابا فذاتيته تكون هي الموجودة. لكن كلما تقدم الإنسان في السن تقدمت ذاتية أولاده عنده، ويحرم نفسه ليعطي أولاده، وعندما يرى أن عياله مازالوا ضعافا، وجاءت له مقدمات الموت فهو يحزن على مفارقة هؤلاء الضعاف، فيوضح الحق لكل عبد طريق الأمان: إنك تستطيع وأنت موجود أن تعطي للضعاف قوة، قوة مستمدة من الالتحام بمنهج الله وخاصة رعاية ما تحت يدك من يتامى، بذلك تؤمن حياة أولادك من بعدك وتموت وأنت مطمئن عليهم.

والقول السديد من الأوصياء: ألاّ يؤذوا اليتامى، وأن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم بقولهم يا بني ويا ولدي.

وحين يتقى المؤمن الله فيما بين يديه يرزقه الله بمن يتفي الله في أولاده.

وما زال الحق يضع المنهج في أمر اليتامى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ... }.

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

ما دلالة كلمة (خلفك) في الآية (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)) في سورة يونس ؟
بعد نقيضة قبل وأظهر استعمال لها في الزمان. أما خلف فهي نقيضة قُدّام (وهي في الغالب للمكان) هذا من حيث اللغة. والخلف في اللغة هوالظهر أيضاً.

أحياناً لا يصح وضع إحداهما مكان الأخرى فلا يمكننا أن نضع خلف مكان بعد ففي هذه الآيات لا يمكن أن تحلّ خلف محل بعد (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) البقرة) (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) البقرة) (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) البقرة) (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) البقرة) (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) البقرة) (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (230) البقرة) (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران) لأن كلها متعلقة بالزمان.

أما خلف فهي في الأصل للمكان، (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) الأعراف) (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) يس) (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) البقرة) (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) النساء) أي يلونهم مباشرة كأنهم واقفين خلفهم وكذلك قوله تعالى (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)) الآية موضع السؤال، من هم خلفه؟ هم قومه الذين ينتظرون عودة فرعون وماذا سيفعل فهم خلفه. ذهب موسى بالجيش والشعب والملأ خلفه فالمعنى أصلاً لمن خلفك الذين ينتظرون العودة فالآية لهم حقيقة لأن فيها تحدّي ومسألة إيمان لكنها صارت لنا فيما بعد آية. وكذلك قوله تعالى (فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) آل عمران) الذين معهم في المعركة والقتال فهي في الأصل خلف في المكان.


www.alro7.net