سورة
اية:

فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا، حتى أخضلوا لحاهم. وهذا القول فيه نظر، لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة، وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا. ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. وقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين، وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم فلما رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا، واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة سواء كانوا من الحبشة أو غيرها. فقوله تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} ما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد وجحود، ومباهتة للحق، وغمط للناس، وتنقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيراً من الأنبياء، حتى هموا بقتل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم غير مرة وسمّوه وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة. قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (ما خلا يهودي بمسلم قط إلا هم بقتله) ""رواه الحافظ ابن مردويه"" وقوله تعالى: { ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} أي الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والأرفة، كما قال تعالى: { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية} ، وفي كتابهم: من ضربك على خدك الإيمن فأدر له خدك الأيسر، وليس القتال مشروعاً في ملتهم، ولهذا قال تعالى: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} أي يوجد فيهم القسيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضاً، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب وهو العابد، مشتق من الرهبة وهي الخوف كراكب وركبان وفارس وفرسان. قال ابن جرير: وقد يكون الرهبان واحداً وجملة، رهابين، مثل قربان وقرابين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحداً قول الشاعر: لو عاينت رهبان دير في القلل ** لانحدر الرهبان يمشي ونزل وقال ابن أبي حاتم عن جاثمة بن رئاب قال: سمعت سلمان، وسئل عن قوله: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً} فقال: هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب، فدعوهم فيها، قال سلمان: وقرأت على النبي صلى الله عليه وسلم : { ذلك بأن منهم قسيسين} ، فأقرأني: (ذلك بأن منهم صدّيقين ورهباناً) فقوله: { ذلك بأن منهم قسيسين وهباناً وأنهم لا يستكبرون} ، تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} أي مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، { يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} أي مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به، وقد روى النسائي عن عبد اللّه بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه قال السهيلي: هم وفد نجران، وكانوا نصارى، فلما سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم بكوا مما عرفوا من الحق، وآمنوا، وكانوا عشرين رجلاً، وكان قدومهم عليه بمكة، وأما الذين قدموا عليه بالمدينة من النصارى من عند النجاشي فهم آخرون، وفيهم نزل صدر سورة آل عمران، منهم حارثة بن علقمة، وأخوه كرز وأسلم، ولم يسلم حارثة، ومنهم العاقب بن عبد المسيح، وفيهم نزلت: { فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} . : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} . عن ابن عباس في قوله: { فاكتبنا مع الشاهدين} أي مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، هم الشاهدون يشهدون لنبيهم صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغ وللرسل أنهم قد بلغوا، وكانوا كرّابين يعني فلاحين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عليهم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم. قال تعالى: { وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} ، هذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: { وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين للّه} الآية، وهم الذين قال اللّه فيهم: { وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} ، ولهذا قال تعالى ههنا: { فأثابهم اللّه بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار} أي فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق، { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} أي ماكثين فيها أبداً لا يحولون ولا يزولون، { وذلك جزاء المحسنين} أي في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان، ثم أخبر عن حال الإشقياء فقال: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} أي جحدوا بها وخالفوها، { أولئك أصحاب الجحيم} أي هم أهلها والداخلون فيها.

تفسير الجلالين

{ فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين } بالإيمان .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَثَابَهُمْ اللَّه بِمَا قَالُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَجَزَاهُمْ اللَّه بِقَوْلِهِمْ : رَبّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ , وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِن بِاَللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقّ , وَنَطْمَع أَنْ يُدْخِلنَا رَبّنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَثَابَهُمْ اللَّه بِمَا قَالُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَجَزَاهُمْ اللَّه بِقَوْلِهِمْ : رَبّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ , وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِن بِاَللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقّ , وَنَطْمَع أَنْ يُدْخِلنَا رَبّنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحِينَ' يَعْنِي : بَسَاتِين تَجْرِي مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا الْأَنْهَاريَعْنِي : بَسَاتِين تَجْرِي مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا الْأَنْهَار' يَقُول : دَائِمًا فِيهَا مُكْثهمْ , لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يُحَوَّلُونَ عَنْهَا .يَقُول : دَائِمًا فِيهَا مُكْثهمْ , لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يُحَوَّلُونَ عَنْهَا .' يَقُول : وَهَذَا الَّذِي جَزَيْت هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِمَا وَصَفْت عَنْهُمْ مِنْ قِيلهمْ عَلَى مَا قَالُوا مِنْ الْجَنَّات الَّتِي هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ , جَزَاء كُلّ مُحْسِن فِي قِيله وَفِعْله . وَإِحْسَان الْمُحْسِن فِي ذَلِكَ أَنْ يُوَحِّد اللَّه تَوْحِيدًا خَالِصًا مَحْضًا لَا شِرْك فِيهِ , وَيُقِرّ بِأَنْبِيَاءِ اللَّه وَمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ الْكُتُب , وَيُؤَدِّي فَرَائِضه , وَيَجْتَنِب مَعَاصِيه , فَذَلِكَ كَمَال إِحْسَان الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا } يَقُول : وَهَذَا الَّذِي جَزَيْت هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِمَا وَصَفْت عَنْهُمْ مِنْ قِيلهمْ عَلَى مَا قَالُوا مِنْ الْجَنَّات الَّتِي هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ , جَزَاء كُلّ مُحْسِن فِي قِيله وَفِعْله . وَإِحْسَان الْمُحْسِن فِي ذَلِكَ أَنْ يُوَحِّد اللَّه تَوْحِيدًا خَالِصًا مَحْضًا لَا شِرْك فِيهِ , وَيُقِرّ بِأَنْبِيَاءِ اللَّه وَمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ الْكُتُب , وَيُؤَدِّي فَرَائِضه , وَيَجْتَنِب مَعَاصِيه , فَذَلِكَ كَمَال إِحْسَان الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا } '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فأثابهم الله بما قالوا جنات} دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالهم؛ فأجاب الله سؤالهم وحقق طمعهم - وهكذا من خلص إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجنة. ثم قال { والذين كفروا} من اليهود والنصارى ومن المشركين { وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} والجحيم النار الشديدة الاتقاد. يقال : جحم فلان النار إذا شدد إيقادها. ويقال أيضا لعين الأسد : جحمة؛ لشدة اتقادها. ويقال ذلك للحرب قال الشاعر : والحرب لا يبقى لجا ** حمها التخيل والمِراح إلا الفتى الصبار في ** النجدات والفرس الوَقاح

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 83 - 87

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إنها كلمة الحق التي تقال في كل مكان وزمان. قالها نجاشي الحبشة وله سلطان لأهل الجاه من قريش الذين استبد بهم باطلهم؛ لذلك كان لهذه الكلمة وزنها، فعندما سمع ما نزل من القرآن من سورة مريم قال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. إذن فهي كلمة حق لها وزن، والله سبحانه وتعالى يجزل العطاء لكل من ساند الحق ولو بكلمة فهو سبحانه (الشكور) الذي يعطي على القليل الكثير، و (المحسن) الذي يضاعف الجزاء للمحسنين.

ولنا أن نعرف أن للقول أهمية كبرى لأنه يرتبط من بعد ذلك بالسلوك. وكان قول النجاشي عظيماً، لكن العمر قد قصر به عن استمرار العمل بما قال. فقد قال كلمته وجاءه التوكيل من رسول الله ليعقد للرسول على أم حبيبة بنت أبي سفيان فقعد عليها وكيلاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمرها من ماله ثم مات، ولم تكن أحكام الإسْلام قد وصلت إليه ليطبقها؛ لذلك كان يكفيه أنه قال هذا القول، ولذلك صلى عليه النبي صلاة الغائب.

وهناك قصة " مخيريق " اليهودي. لقد تشرب قلبه الإسلام وامتلأ به وكان في غاية الثراء فقال لليهود: كل مالي لمحمد وسأخرج لأحارب معه. وخرج إلى القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل فمات شهيداً، وهو لم يكن قد صلى في حياته كلها ركعة واحدة. إذن مجرد القول هو فتح لمجال الفعل.

{ فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } والحق يريد أن يؤكد لنا أن كل حركة إيمانية حتى ولو كانت قولاً إنما تأخذ كمالها من عمرها. ونعلم أن الإيمان في مكة كان هو الإيمان بالقول. ذلك أن الناس آمنت ولم تكن الأحكام قد نزلت، فغالبية الأحكام نزلت في المدينة. وعلى ذلك أثاب الله المؤمنين لمجرد أنهم قالوا كلمة الإيمان، حدث ذلك ولم يكن قد جاء من الحق الأمر بالبلاغ الشامل وهو قوله الحق:
{  وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ }
[الشعراء: 214].

فهؤلاء قد جزاهم الله حسن الثواب وسمّاهم " محسنين " وكذلك فعل النجاشي، فقد ذهب إلى الإيمان دون أن توجه له دعوة وكان ذلك قبل أن يكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة للملوك ليؤمنوا، وعلى هذا فالنجاشي محسن؛ لأنه قفز إلى الإيمان قبل أن يطلب منه. وساعة يتكلم الحق عن منزلة من منازل الإيمان فهو أيضاً يتعرض للمقابل، وذلك لتبلغ العظة مراميها الكاملة. فإذا تحدث عن أهل الجنة فهو يعقبها بحديث عن أهل النار، وإذا تحدث عن أهل النار فهو يعقبها بحديث عن أهل الجنة؛ لأن النفس الإنسانية تكون مستعدة للشيء ومقابله.

ويقول الحق من بعد ذلك: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ} الآيات إلى قوله: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ} . [82-86].
نزلت في النجاشي وأصحابه.
قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، يخاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب، وابن مسعود، في رهط من أصحابه إلى النجاشي، وقال: "إنه ملك صالح، لا يَظلم ولا يُظلم عنده أحدٌ، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً". فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم: تعرفون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرأوا. فقرأوا وحوله القِسِّيسُون والرّهبان، فكلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، قال الله تعالى: { ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ...} الآية.
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن حمدون بن الفضل، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن الحسن، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو صالح كاتب الليث، قال: حدَّثني الليث، قال: حدَّثني يونس [عن] ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وعُرْوَة بن الزبير وغيرهما، قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمْرَو بن أُميَّة الضَّمْري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، فأرسل إلى الرهبان والقِسِّيسِينَ فجمعهم، ثم أمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ سورة "مريم" عليها السلام، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم: { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} إلى قوله: { فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} .
وقال آخرون: قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه، ومعهم سبعون رجلاً، بعثهم النجاشي وفداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم: بحيرا الراهب وأَبْرَهَة، وإدريس، وأشرف، وتمام، وقتيم، ودريد وأيمن. فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "يس" إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن، وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات.
أخبرنا أحمد بن محمد العدل، حدَّثنا زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا أبو القاسم البغوي، قال: حدَّثنا علي بن الجَعْد، قال: حدَّثنا شريك بن سالم، عن سعيد بن جُبَيْر في قوله تعالى: { ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} قال: بعث النَّجَاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خيار أصحابه ثلاثين رجلاً، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "يس" فبكوا، فنزلت هذه الآية.


www.alro7.net