سورة
اية:

مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ۖ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا

تفسير بن كثير

يأمر تعالى عبده ورسوله محمداً صلى اللّه عليه وسلم بأن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عنه فلا عليه منه، ولهذا قال: { لا تكلف إلا نفسك} عن أبي إسحاق قال، قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا إن اللّه بعث برسوله صلى اللّه عليه وسلم قولا: { فقاتل في سبيل اللّه لا تكلف إلا نفسك} إنما فذلك في النفقة ""رواه أحمد وابن أبي حاتم"". وقوله: { حرض المؤمنين} أي على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عليه، كما قال لهم صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر وهو يسوي الصفوف: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :(من آمن باللّه ورسوله، وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان، كان حقاً على اللّه أن يدخله الجنة هاجر في سبيل اللّه أو جلس في أرضه التي ولد فيها) قالوا: يا رسول اللّه أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها اللّه للمجاهدين في سبيل اللّه بين كل درجتين كما بين السماء والأرض؛ فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة؛ وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة) وقوله تعالى: { عسى اللّه أن يكف بأس الذين كفروا} أي بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم، وقوله تعالى: { واللّه أشد بأساً وأشد تنكيلاً} أي هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: { ذلك ولو يشاء اللّه لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} الآية، وقوله { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} أي من يسعى في أمر فيترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك، { ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} أي يكون علي وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (اشفعوا تؤجروا؛ ويقضي اللّه على لسان نبيه ما شاء) وقال مجاهد بن جبر: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض وقوله: { وكان اللّه على كل شيء مقيتاً} قال ابن عباس: أي حفيظاً، وقال مجاهد: شهيداً، وفي رواية عنه حسيباً. وقال الضحاك: المقيت الرزاق، وعن عبد اللّه بن رواحة: وسأله رجل عن قول اللّه تعالى: { وكان اللّه على كل شيء مقيتاً} قال: مقيت لكل إنسان بقدر عمله. وقوله تعالى: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة، قال ابن جرير عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، فقال: (وعليك السلام ورحمة اللّه ) ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه ؛ فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته)، ثم جاء آخر فقال:السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، فقال له: (وعليك) فقال له الرجل: يا نبي اللّه بأبي أنت وأمي: أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهم أكثر مما رددت علي؟ فقال: (إنك لم تدع لنا شيئاً، قال اللّه تعالى: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} فرددناها عليك) وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقال الإمام أحمد عن عمران بن حصين أن رجلا جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: السلام عليكم يا رسول اللّه فرد عليه ثم جلس، فقال: (عشر) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة اللّه يا رسول اللّه فرد عليه ثم جلس فقال (عشرون) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته فرد عليه، ثم جلس فقال: (ثلاثون) وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: من سلّم عليك من خلق اللّه فاردد عليه، وإن كان مجوسياً ذلك بأن اللّه يقول: { فحيوا بأحسن منها أو ردوها} وقال فأما أهل الذمة فلا يُبدؤون بالسلام ولا يزادون بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السام عليكم فقل وعليك) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)، وقال الحسن البصري: السلام تطوع والرد فريضة، وهذا الذي قاله هو قول العلماء قاطبة أن الرد واجب على من سلم عليه فيأثم إن لم يفعل، لأنه خالف أمر اللّه في قوله: { فحيوا بأحسن منها أو ردوها} وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود بسنده إلى أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) وقوله تعالى: { اللّه لا إله إلا هو} إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات وتضمن قسماً لقوله: { ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} هذه اللام موطئة للقسم فقوله الله لا إله إلا هو خير وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله وقوله تعالى: { ومن أصدق من اللّه حديثاً} أي لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو ولا رب سواه.

تفسير الجلالين

{ من يشفع } بين الناس { شفاعة حسنة } موافقة للشرع { يكن له نصيب } من الأجر { منها } بسببها { ومن يشفع شفاعة سيئة } مخالفة له { يكن له كفل } نصيب من الوزر { منها } بسببها { وكان الله على كل شيء مقيتا } مقتدرا فيجازي كلَّ أحد بما عمل .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَع شَفَاعَة سَيِّئَة يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } مَنْ يَصِرْ يَا مُحَمَّد شَفْعًا لِوِتْرِ أَصْحَابك , فَيَشْفَعهُمْ فِي جِهَاد عَدُوّهُمْ وَقِتَالهمْ فِي سَبِيل اللَّه ; وَهُوَ الشَّفَاعَة الْحَسَنَة { يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } يَقُولهُ : يَكُنْ لَهُ مِنْ شَفَاعَته تِلْكَ نَصِيب , وَهُوَ الْحَظّ مِنْ ثَوَاب اللَّه , وَجَزِيل كَرَامَته . { وَمَنْ يَشْفَع شَفَاعَة سَيِّئَة } يَقُول : وَمَنْ يَشْفَع وِتْر أَهْل الْكُفْر بِاَللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ , فَيُقَاتِلهُمْ مَعَهُمْ , وَذَلِكَ هُوَ الشَّفَاعَة السَّيِّئَة { يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } يَعْنِي بِالْكِفْلِ النَّصِيب وَالْحَظّ مِنْ الْوِزْر وَالْإِثْم . وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ كِفْل الْبَعِير وَالْمَرْكَب , وَهُوَ الْكِسَاء أَوْ الشَّيْء يُهَيَّأ عَلَيْهِ شَبِيه بِالسَّرْجِ عَلَى الدَّابَّة , يُقَال مِنْهُ : جَاءَ فُلَان مُكْتَفِلًا : إِذَا جَاءَ عَلَى مَرْكَب قَدْ وُطِّئَ لَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا لِرُكُوبِهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } . .. الْآيَة , شَفَاعَة النَّاس بَعْضهمْ لِبَعْضٍ . وَغَيْر مُسْتَنْكَر أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا , ثُمَّ عَمَّ بِذَلِكَ كُلّ شَافِع بِخَيْرٍ أَوْ شَرّ . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا مَا قُلْنَا مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي سِيَاق الْآيَة الَّتِي أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا بِحَضِّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَال , فَكَانَ ذَلِكَ بِالْوَعْدِ لِمَنْ أَجَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْوَعِيد لِمَنْ أَبَى إِجَابَته أَشْبَهَ مِنْهُ مِنْ الْحَثّ عَلَى شَفَاعَة النَّاس بَعْضهمْ لِبَعْضٍ الَّتِي لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر قَبْل وَلَا لَهَا ذِكْر بَعْد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي شَفَاعَة النَّاس بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : 7921 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَع شَفَاعَة سَيِّئَة } قَالَ : شَفَاعَة بَعْض النَّاس لِبَعْضٍ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7922 - حُدِّثْت عَنْ اِبْن مَهْدِيّ , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة كَانَ لَهُ فِيهَا أَجْرَانِ , وَلِأَنَّ اللَّه يَقُول : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } وَلَمْ يَقُلْ : يُشَفَّع . 7923 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة كُتِبَ لَهُ أَجْرهَا مَا جَرَتْ مَنْفَعَتهَا. 7924 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سُئِلَ اِبْن زَيْد , عَنْ قَوْل اللَّه : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } قَالَ : الشَّفَاعَة الصَّالِحَة الَّتِي يَشْفَع فِيهَا وَعَمِلَ بِهَا هِيَ بَيْنك وَبَيْنه هُمَا فِيهَا شَرِيكَانِ . { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة سَيِّئَة يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } قَالَ : هُمَا شَرِيكَانِ فِيهَا كَمَا كَانَ أَهْلهَا شَرِيكَيْنِ . ذِكْر مَنْ قَالَ الْكِفْل النَّصِيب : 7925 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } : أَيْ حَظّ مِنْهَا . { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة سَيِّئَة يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } وَالْكِفْل : هُوَ الْإِثْم . 7926 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } أَمَّا الْكِفْل : فَالْحَظّ . 7927 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } قَالَ : حَظّ مِنْهَا , فَبِئْسَ الْحَظّ . 7928 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : الْكِفْل وَالنَّصِيب وَاحِد . وَقَرَأَ : { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَته } 57 28 الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَع شَفَاعَة سَيِّئَة يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } مَنْ يَصِرْ يَا مُحَمَّد شَفْعًا لِوِتْرِ أَصْحَابك , فَيَشْفَعهُمْ فِي جِهَاد عَدُوّهُمْ وَقِتَالهمْ فِي سَبِيل اللَّه ; وَهُوَ الشَّفَاعَة الْحَسَنَة { يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } يَقُولهُ : يَكُنْ لَهُ مِنْ شَفَاعَته تِلْكَ نَصِيب , وَهُوَ الْحَظّ مِنْ ثَوَاب اللَّه , وَجَزِيل كَرَامَته . { وَمَنْ يَشْفَع شَفَاعَة سَيِّئَة } يَقُول : وَمَنْ يَشْفَع وِتْر أَهْل الْكُفْر بِاَللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ , فَيُقَاتِلهُمْ مَعَهُمْ , وَذَلِكَ هُوَ الشَّفَاعَة السَّيِّئَة { يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } يَعْنِي بِالْكِفْلِ النَّصِيب وَالْحَظّ مِنْ الْوِزْر وَالْإِثْم . وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ كِفْل الْبَعِير وَالْمَرْكَب , وَهُوَ الْكِسَاء أَوْ الشَّيْء يُهَيَّأ عَلَيْهِ شَبِيه بِالسَّرْجِ عَلَى الدَّابَّة , يُقَال مِنْهُ : جَاءَ فُلَان مُكْتَفِلًا : إِذَا جَاءَ عَلَى مَرْكَب قَدْ وُطِّئَ لَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا لِرُكُوبِهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } . .. الْآيَة , شَفَاعَة النَّاس بَعْضهمْ لِبَعْضٍ . وَغَيْر مُسْتَنْكَر أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا , ثُمَّ عَمَّ بِذَلِكَ كُلّ شَافِع بِخَيْرٍ أَوْ شَرّ . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا مَا قُلْنَا مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي سِيَاق الْآيَة الَّتِي أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا بِحَضِّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَال , فَكَانَ ذَلِكَ بِالْوَعْدِ لِمَنْ أَجَابَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْوَعِيد لِمَنْ أَبَى إِجَابَته أَشْبَهَ مِنْهُ مِنْ الْحَثّ عَلَى شَفَاعَة النَّاس بَعْضهمْ لِبَعْضٍ الَّتِي لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر قَبْل وَلَا لَهَا ذِكْر بَعْد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي شَفَاعَة النَّاس بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : 7921 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَع شَفَاعَة سَيِّئَة } قَالَ : شَفَاعَة بَعْض النَّاس لِبَعْضٍ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7922 - حُدِّثْت عَنْ اِبْن مَهْدِيّ , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة كَانَ لَهُ فِيهَا أَجْرَانِ , وَلِأَنَّ اللَّه يَقُول : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } وَلَمْ يَقُلْ : يُشَفَّع . 7923 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة كُتِبَ لَهُ أَجْرهَا مَا جَرَتْ مَنْفَعَتهَا. 7924 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سُئِلَ اِبْن زَيْد , عَنْ قَوْل اللَّه : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } قَالَ : الشَّفَاعَة الصَّالِحَة الَّتِي يَشْفَع فِيهَا وَعَمِلَ بِهَا هِيَ بَيْنك وَبَيْنه هُمَا فِيهَا شَرِيكَانِ . { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة سَيِّئَة يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } قَالَ : هُمَا شَرِيكَانِ فِيهَا كَمَا كَانَ أَهْلهَا شَرِيكَيْنِ . ذِكْر مَنْ قَالَ الْكِفْل النَّصِيب : 7925 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَة يَكُنْ لَهُ نَصِيب مِنْهَا } : أَيْ حَظّ مِنْهَا . { مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة سَيِّئَة يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } وَالْكِفْل : هُوَ الْإِثْم . 7926 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } أَمَّا الْكِفْل : فَالْحَظّ . 7927 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا } قَالَ : حَظّ مِنْهَا , فَبِئْسَ الْحَظّ . 7928 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : الْكِفْل وَالنَّصِيب وَاحِد . وَقَرَأَ : { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَته } 57 28 ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء حَفِيظًا وَشَهِيدًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7929 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } يَقُول : حَفِيظًا. 7930 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مُقِيتًا } شَهِيدًا . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل اِسْمه مُجَاهِد , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7931 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { مُقِيتًا } قَالَ : شَهِيدًا , حَسِيبًا , حَفِيظًا. 7932 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عُثْمَان بْن حَكِيم , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن شَرِيك , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد أَبِي الْحَجَّاج : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } قَالَ : الْمُقِيت : الْحَسِيب . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : الْقَائِم عَلَى كُلّ شَيْء بِالتَّدْبِيرِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7933 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن كَثِير : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } قَالَ : الْمُقِيت : الْوَاصِب . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْقَدِير . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7934 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } أَمَّا الْمُقِيت : فَالْقَدِير. 7935 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } قَالَ : عَلَى كُلّ شَيْء قَدِيرًا. الْمُقِيت : الْقَدِير . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى الْمُقِيت : الْقَدِير , وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا يُذْكَر كَذَلِكَ بِلُغَةِ قُرَيْش , وَيُنْشَد لِلزُّبَيْرِ بْن عَبْد الْمُطَّلِب عَمّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَذِي ضِغْن كَفَفْت النَّفْس عَنْهُ وَكُنْت عَلَى مَسَاءَته مُقِيتَا أَيْ قَدِيرًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّع مَنْ يُقِيت " فِي رِوَايَة مَنْ رَوَاهَا : " يُقِيت " : يَعْنِي مَنْ هُوَ تَحْت يَدَيْهِ فِي سُلْطَانه مِنْ أَهْله وَعِيَاله , فَيُقَدِّر لَهُ قُوته . يُقَال مِنْهُ : أَقَاتَ فُلَان الشَّيْء يُقِيته إِقَاتَة , وَقَاتَهُ يَقُوتهُ قِيَاتَة وَقَوْتًا , وَالْقُوت الِاسْم . وَأَمَّا الْمُقِيت فِي بَيْت الْيَهُودِيّ الَّذِي يَقُول فِيهِ : لَيْتَ شِعْرِي وَأَشْعُرَنَّ إِذَا مَا قَرَّبُوهَا مَنْشُورَة وَدُعِيت أَلِيَ الْفَضْل أَمْ عَلَيَّ إِذَا حُو سِبْت إِنِّي عَلَى الْحِسَاب مُقِيت فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَإِنِّي عَلَى الْحِسَاب مَوْقُوف , وَهُوَ مِنْ غَيْر هَذَا الْمَعْنَى . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء حَفِيظًا وَشَهِيدًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7929 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } يَقُول : حَفِيظًا. 7930 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مُقِيتًا } شَهِيدًا . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل اِسْمه مُجَاهِد , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7931 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { مُقِيتًا } قَالَ : شَهِيدًا , حَسِيبًا , حَفِيظًا. 7932 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عُثْمَان بْن حَكِيم , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن شَرِيك , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد أَبِي الْحَجَّاج : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } قَالَ : الْمُقِيت : الْحَسِيب . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : الْقَائِم عَلَى كُلّ شَيْء بِالتَّدْبِيرِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7933 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن كَثِير : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } قَالَ : الْمُقِيت : الْوَاصِب . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْقَدِير . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7934 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } أَمَّا الْمُقِيت : فَالْقَدِير. 7935 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقِيتًا } قَالَ : عَلَى كُلّ شَيْء قَدِيرًا. الْمُقِيت : الْقَدِير . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى الْمُقِيت : الْقَدِير , وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا يُذْكَر كَذَلِكَ بِلُغَةِ قُرَيْش , وَيُنْشَد لِلزُّبَيْرِ بْن عَبْد الْمُطَّلِب عَمّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَذِي ضِغْن كَفَفْت النَّفْس عَنْهُ وَكُنْت عَلَى مَسَاءَته مُقِيتَا أَيْ قَدِيرًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّع مَنْ يُقِيت " فِي رِوَايَة مَنْ رَوَاهَا : " يُقِيت " : يَعْنِي مَنْ هُوَ تَحْت يَدَيْهِ فِي سُلْطَانه مِنْ أَهْله وَعِيَاله , فَيُقَدِّر لَهُ قُوته . يُقَال مِنْهُ : أَقَاتَ فُلَان الشَّيْء يُقِيته إِقَاتَة , وَقَاتَهُ يَقُوتهُ قِيَاتَة وَقَوْتًا , وَالْقُوت الِاسْم . وَأَمَّا الْمُقِيت فِي بَيْت الْيَهُودِيّ الَّذِي يَقُول فِيهِ : لَيْتَ شِعْرِي وَأَشْعُرَنَّ إِذَا مَا قَرَّبُوهَا مَنْشُورَة وَدُعِيت أَلِيَ الْفَضْل أَمْ عَلَيَّ إِذَا حُو سِبْت إِنِّي عَلَى الْحِسَاب مُقِيت فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَإِنِّي عَلَى الْحِسَاب مَوْقُوف , وَهُوَ مِنْ غَيْر هَذَا الْمَعْنَى .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { من يشفع} أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع وهو الزوج في العدد؛ ومنه الشفيع؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا. ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة. وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع ضم واحد إلى واحد. والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك؛ فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له. الثانية: واختلف المتأولون في هذه الآية؛ فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم؛ فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كفل. وقيل : الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي. فمن شفع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر، ومن سعى بالنميمة والغيبة أثم، وهذا قريب من الأول. وقيل : يعني بالشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين، والسيئة الدعاء عليهم. وفي صحيح الخبر : (من دعا بظهر الغيب استجيب له وقال الملك آمين ولك بمثل). هذا هو النصيب، وكذلك في الشر؛ بل يرجع شؤم دعائه عليه. وكانت اليهود تدعو على المسلمين. وقيل : المعنى من يكن شفعا لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الأجر، ومن يكن شفعا لآخر في باطل يكن له نصيبه من الوزر. وعن الحسن أيضا : الحسنة ما يجوز في الدين، والسيئة ما لا يجوز فيه. وكأن هذا القول جامع. والكفل الوزر والإثم؛ عن الحسن وقتادة. السدي وابن زيد هو النصيب. واشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط. يقال : اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه. ويقال له : اكتفل لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيبا من الظهر. ويستعمل في النصيب من الخير والشر، وفي كتاب الله تعالى { يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد : 28]. والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يشفع؛ لأنه تعالى قال { من يشفع} ولم يقل يشفع. وفي صحيح مسلم (اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب). الثالثة: قوله تعالى { وكان الله على كل شيء مقيتا} { مقيتا} معناه مقتدرا؛ ومنه قول الزبير بن عبدالمطلب : وذي ضغن كففت النفس عنه ** وكنت على مساءته مقيتا أي قديرا. فالمعنى إن الله تعالى يعطي كل إنسان قوته؛ ومنه قوله عليه السلام : (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت). على من رواه هكذا، أي من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره؛ ذكره ابن عطية. يقول منه : قُتُّه أَقُوتُه قَوْتًا، وأَقَتُّه أقِيته إقاتة فأنا قائت ومقيت. وحكى الكسائي : أقات يقيت. وأما قول الشاعر : إني على الحساب مقيت فقال فيه الطبري : إنه من غير هذا المعنى المتقدم، وإنه بمعنى الموقوف. وقال أبو عبيدة : المقيت الحافظ. وقال الكسائي : المقيت المقتدر. وقال النحاس : وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت، والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان. وقال الفراء : المقيت الذي يعطي كل رجل قوته. وجاء في الحديث : (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت) و (يقيت) ذكره الثعلبي : وحكى ابن فارس في المجمل : المقيت المقتدر، والمقيت الحافظ والشاهد، وما عنده قيت ليلة وقوت ليلة. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 83 - 85

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وما هي الشفاعة الحسنة؟ الذين من الريف يعرفون مسألة " الشُّفْعَة " في العرف. فيقال: فلان أخذ هذه الأرض بالشفعة. أي أنه بعد أن كان يملك قطعة واحدة من الأرض، اشترى قطعة الأرض المجاورة لتنضم لأرضه، فبدلاً من أن تكون له أرض واحدة صارت له أرضان.

وعندما يأتي واحد لشراء أرض ما، فالجار صاحب الأرض المجاورة يقول: أنا أدخل بالشفعة، أي أنه الأولى بملكية الأرض. إذن فمعنى يشفع، هو من يقوم بتعدية أثر الموهبة منه إلى غيره من إخوانه المؤمنين ولهذا فإنه يكون له نصيب منها.

فالشفاعة الحسنة هي التوسط بالقول في وصول إنسان إلى منفعة دنيوية أو أخروية أو إلى الخلاص من مضرّة وتكون بلا مقابل. إذن فكل واحد عنده موهبة عليه أن يضم نفسه لغير الموهوب، فبعد أن كان فرداً في ذاته صار شفعاً. ولذلك يقال: فلان سيشفع لي عند فلان، أي أنه سيضم صوته لصوت المستعين به. والحق سبحانه وتعالى فيما يرويه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله قال لسيدنا داود: إن الرجل ليعمل العمل الواحد أحكِّمه به في الجنة.

أي أن رجلاً واحداً يؤدي عملا ما، فيعطيه الله فضلاً بأن يقوم بتوزيع الأماكن على الأفراد في الجنة، وكأنه وكيل في الجنة، أي أنه لا يأخذ منزلا له فقط، ولكنه يتصرف في إعطاء المنازل أيضاً، فتساءل داود: يا رب ومن ذلك؟ قال سبحانه: مؤمن يسعى في حاجة أخيه يحب أن يقضيها قضيت أو لم تقض.

قال صلى الله عليه وسلم: " من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرا له من اعتكافه عشر سنين، ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد مما بين الخافقين ".

ذلك لأن العبد الذي سعى في قضاء حاجة أخيه يكون قد أدى حق نعمة الله فيما تفضل به عليه، ويكون من أثر ذلك أنه لا يسخط أو يحقد غير الواجد للموهبة على ذي الموهبة. وبذلك فسبحانه يزيل الحقد من نفس غير الموهوب على ذي الموهبة؛ فغير الموهوب يقول: إن موهبة فلان تنفعني أنا كذلك، فيحبّ بقاءها عنده ونماءها لديه.

ويقول الحق: { مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا } ثم يأتي الحق بالمقابل، فهو سبحانه لا يشرع للأخيار فقط، ولكنه يضع الترغيب للأخيار ويضع الترهيب للأشرار، فيقول: { وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا }.

ولنر المخالفة والفارق بين كلمة " النصيب " وكلمة " الكفل ". كلمة " النصيب " تأتي بمعنى الخير كثيرا. فعندما يقول واحد: أنت لك في مالي نصيب.هذا القول يصلح لأي نسبة من المال. أما كلمة " كفل " فهي جزء على قدر السيئة فقط. وهذا هو فضل من الله، فمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وهذا نصيب كبير. ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها.

وهذه الآية قد جاءت بعد تحريض الرسول للمؤمنين على القتال، أي أنك يا رسول الله مُطالب بأن تضم لك أناساً يقاتلون معك؛ فتلك شفاعة حسنة سوف ينالون منها نصيباً كبيرا وثوابا جزيلا.

أما قول الحق: { وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا } أي يكون له جزء منها، أي يصيبه شؤم السيئة، أما الجزاء الكبير على الحسنة فيدفع إلى إشاعة مواهب الناس لكل الناس. وما دامت مواهب الناس مشاعة لكل الناس فالمجتمع يكون متسانداً لا متعانداً، ويصير الكل متعاوناً صافي القلب، فساعة يرى واحد النعمة عند أخيه يقول: " سيأتي يوم يسعى لي فيه خير هذه النعمة ".

ولذلك قلنا: إن الذي يحب أن تسرع إليه نعم غيره فليحب النعم عند أصحابها. فإنك أيها المؤمن إن أحببت نعمة عند صاحبها جاءك خيرها وأنت جالس. وإذا ما حُرمت من آثار نعمة وهبها الله لغيرك عليك فراجع قلبك في مسألة حبك للنعمة عنده، فقد تجد نفسك مصاباً بشيء من الغيرة منها أو كارهاً للنعمة عنده، فتصير النعمة وكأنها في غيرة على صاحبها، وتقول للكاره لها: " إنك لن تقربني ولن تنال خيري ".

ويختم الحق الآية: { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً } جاء هذا القول بعد الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة، وفي ذلك تنبيه لكل العباد: إياكم أن يظن أحدكم أن هناك شيئاً مهما صغر يفلت من حساب الله، فلا في الحسنة سيفلت شيء، ولا في السيئة سيضيع شيء. وأخذت كلمة " مُقيتاً " من العلماء أبحاثاً مستفيضة. فعالم قال في معناها: إن الحق شهيد، وقال آخر: " إن الحق حسيب " ، وقال ثالث: إن " مقيتاً " معناها " مانح القوت " ورابع قال: " إنه حفيظ " وخامس قال: " إنه رقيب ".

ونقول لهم جميعاً: لا داعي للخلاف في هذه المسألة، فهناك فرق بين تفسير اللفظ بلازم من لوازمه وقد تتعدد اللوازم، فكل معنى من هذه المعاني قد يكون صحيحاً، ولكن المعنى الجامع هو الذي يكون من مادة الكلمة ذاتها. و " مُقيت " من " قاته " أي أعطاه القوت، ولماذا يعطيهم القوت؟ ليحافظ على حياتهم، فهو مقيت بمعنى أنه يعطيهم ما يحفظ حياتهم، ومعناها أيضاً: المحافظ عليهم فهو الحفيظ. وبما أنه سبحانه يعطي القوت ليظل الإنسان حياً، فهو مشاهد له فلا يغيب المخلوق عن خالقه لحظة، وبما أنه يعطي القوت للإنسان على قدر حاجته فهو حسيب.وبما أنه يرقب سلوك الإنسان فهو يجازيه.

إذن كل هذه المعاني متداخلة ومتلازمة؛ لذلك لا نقول اختلف العلماء في هذا المعنى، ولكن لنقل إن كل عالم لاحظ ملحظاً في الكلمة، فالذي لاحظ القوت الأصلي على صواب، فلا يعطي القوت الأصلي إلا المراقب لعباده دائماً، فهو شهيد، ولا يعطي أحداً قوتاً إلا إذا كان قائماً على شأنه فهو حسيب. وسبحانه لا يُقيت الإنسان فقط ولكن يقيت كل خلقه، فهو يقيت الحيوان ويلهمه أن يأكل صنفاً معيناً من الطعام ولا يأكل الصنف الآخر.

إننا إذا رأينا العلماء ينظرون إلى " مقيت " من زوايا مختلفة فهم جميعا على صواب، سواء من جعلها من القوت أو من الحفظ أو من القدرة أو من المشاهدة أو من الحساب، وكل واحد إنما نظر إلى لازم كلمة " مقيت " وسبحانه يقيت كل شيء، فهو يقيت الإنسان والحيوان والجماد والنبات.

ونجد علماء النبات يشرحون ذلك؛ فنحن نزرع النبات، وتمتص جذور النبات العناصر الغذائية من الأرض، وقبل أن يصبح للنبات جذورٌ، فهو يأخذ غذاءه من فلقتي الحبة التي تضم الغذاء إلى أن ينبت لها جذر، وبعد أن يكبر جذر النبات فالفلقتان تصيران إلى ورقتين، وسبحانه على كل شيء مقيت، ويقول العلماء من بعد ذلك: إن الغذاء قد امتصه النبات بخاصية الأنابيب الشعرية. أي أن النبات يمتص الغذاء من التربة بواسطة الجذور الرفيعة التي تمتص الماء المذاب فيه عناصر الغذاء. وفتحة الأنبوبة في الأنابيب الشعرية لا تسع إلا مقدار الشعرة، وعندما توضع في الإناء فالسائل يصعد فيها ويرتفع الماء عن مستوى الحوض، وعندما تتوازى ضغوط الهواء على مستويات الماء فالماء لا يصعد.

ومثال ذلك: عندما نأتي بماء ملون ونضعه في إناء، ونضع في الإناء الأنابيب الشعرية، فالسائل الملون يصعد إلى الأنابيب الشعرية، ولا تأخذ أنبوبة مادة من السائل، وتترك مادة بل كل الأنابيب تأخذ المادة نفسها. لكن شعيرات النبات تأخذ من الأرض الشيء الصالح لها وتترك الشيء غير الصالح. وهو ما يقول عنه علماء النبات " ذلك هو الانتخاب الطبيعي ". ومعنى الانتخاب هو الاختيار، والاختيار يقتضي عقلاً يفكر ويرجح، والنبات لا عقل له، ولذلك كان يجب أن يقولوا إنه " الانتخاب الإلهي " ، فالطبيعة لا عقل لها ولكن يديرها حكيم له مطلق العلم والحكمة والقيومية.

وسبحانه يقول عن ذلك:
{  يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }
[الرعد: 4].

فالفلفل يأخذ المادة المناسبة للحريفية، والقصب يأخذ المادة التي تصنع حلاوته، والرمان يأخذ المادة الحمضية. هذا هو الانتخاب الإلهي.

{ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً } وساعة تسمع " كان الله " فإياك أن تتصور أن لـ " كان " هنا ملحظاً في الزمن، فعندما نقول بالنسبة للبشر " كان زيد غنياً " فزيد من الأغيار وقد يذهب ثراؤه. لكن عندما نقول " كان الله " فإننا نقول: " كان الله ومازال " ، لأن الذي كان ويتغير هو من تدركه الأغيار. وسبحانه هو الذي يُغَيِّر ولا يَتَغَيَّر، وموجود منذ الأزل وإلى الأبد. وحين أوضح لنا سبحانه الشفاعة وأمرنا أن يعدي الواحد منا مواهبه إلى غيره فذلك حتى تتساند قدرات المجتمع لأنه يربب الفائد للعبد المؤمن ويرببها للجميع.

ويقول الحق بعد ذلك: { وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ... }.


www.alro7.net